دعوة حب نوبية
اهلا اهلا اهلا زوارنا الكرام
مرحبا بكم في منتداكم وبيتكم الثاني
نتشرف بتسجيلكم معنا
أخوانكم ادارة المنتدى

دعوة حب نوبية

منتدى لكل المصرين والعرب وعشاق النوبة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  لحظة ندم - ليز فيلدنغ - قلوب عبير

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: لحظة ندم - ليز فيلدنغ - قلوب عبير    الثلاثاء يوليو 04, 2017 9:39 am

الملخص/

لم تكن لدى جوانا أية خبرة مع الرجال , من قبل لقد دخلت عالم الرجال كمهندسة مدنية وشعرت بالمودة نحو البعض منهم بالتاكيد , ولكنها لم تعرف , من قبل, مثل هذا الشعور المغناطيسي الذي شدها الى كلاي تاكيراي.لقد احبته, ولم تشك في هذا .. وقد لاحقها هو برغبته... وهذا كان الاختلاف الاول بينهما...
الاختلاف الثاني كان حين أخذت تتساءل عما إذا كان يرغب فيها لنفسها ام لاسهمها في الشركةوفي النهاية لم تشأ أن ترتدي المئزر لتطبخ وتعتني بالاطفال . وقد قيل " لاتتزوج بسرعة , فتندم على مهل"
منتديات ليلاس
الفصل الاول:

تصاعد رنين جرس الباب ملحا. تملمت جوانا في سريرها متذمرة, فقد كانت قد صممت على ان تمضي صبيحة هذ اليوم السبت متكاسلة في فراشها حيث أنعا كانت أول عطلة تأخذها منذ اسابيع. وما لبثت أن تناولت رداءها المنزلي كي تضعه على جسمها , وهي تصرخ قائلة: " ها انا قادمة"
ابتسم ساعي البريد عندما فتحت الباب وهو يقول:"أنا آسف لازعاجك يا آنسة غرانت. ولكن هناك رسالة مسجلة تحتاج إلى امضائك."
اخذت جو منه الرسالة بعد ان وقعت بإمضائها, ابتسم الساعي مرة اخرى وهو يقول:"شكرا . يمكنك ان تعودي الان الى فراشك." نظرت اليه مبتعدا, ثم عادت تنظر الى المغلف السميك في يدها.لابد ان ثمة شيئا هاما في داخله, وفتحته ,لتخرج منه ورقة واحدة قرأتها بسرعة, ثم قطبت حاجبيها. كانتالرسالة من مكتب شركة المحامين يقدم عرضا مغريا لشراء العدد الكبير من الاسهم التي ورثتها عن ابيها.
اعادت قراءة الرسالة للمرة الثانية.لم يكن ثمة اسم الشاري , وانما ,"وصلنا عرض من شخص بأن..."
وهذا كل شيء. هزت جو كتفيها, ثم القت بالرسالة بعيدا لكي ترد عليها في مابعد .ان شخصية الشاري لاتهمها, لان اسهمها من شركة ريدموند للبناء ليست للبيع.
"انت , يافتى!"
القت جو نظرة ساخطة من فوق السقالة.انه احمق آخر قصير النظر يظنها فتى لانها تقف الى ناحية البناء. ولكنها مع هذا, أخذت تتفحص باهتمام ذلك الرجل الذي كان واقفا في الساحة, وبالرغم من بعد المسافة, فقد استطاعت ان ترى أنه طويل القامة يرتدي بذلة من التويد جميلة التفصيل. كان يبدو, على وجه العموم انيقا لا تشوبه شائبة.
ردت عليه من اعلى "ماذا تريد؟"
رفع يده يقي عينيه من اشعه الشمس وهو يصرخ مجيبا:"اريد السيد جو غرانت.هل هو عندك هناك؟"
ردت عليه قائلة:"ها انا نازلة اليك." وهبطت الدرجات مسرعة لتستدير الى حيث واجهت الرجل الغريب ذاك. وكانت على صواب بالنسبة الى طوله, اذ وجدته يفوقها طولا بحيث انها وهي التي يقارب طولها المئة وسبعين سنتمترا وجدت نفسها ترفع راسها لتنظر الى وجه لوحته الشمس لرجل تستدعي شخصيته الاهتمام, ذي عينين زرقاوين تتالقان بالحيوية وتتناقضان مع شعر اسود مجعد لم يكن يبدو عليه القابلية للخضوع لاية قصه او تسريحة مهما بلغت مهارة الحلاق. واخذت عيناه الزرقاوان تحدقان فيها بحيرة وكانه شعر بان ثمة خطأ في مفهومه نحوها, لايدري ماهو بالضبط. اهتز اعتدادها وثقتها بنفسها ازاء السرعة المفاجئة لضربات قلبها عندما وقع نظرها على هذا الغريب الملوح البشرة, لتشعر بوجنتيها تلتهبان بينما فغرت فاها صامتة تنظر اليه. واخيرا جاء صوتها الذي كان حادا لدرجة صعقت لها وهي تقول :"حسنا؟".
بد على جبينه تقطيبة بسيطة, وقال برقه نفذت الى اعماق نفسها :"اسمي تاكيراي,واريد ان ارى جو غرانت لقد اخبرتني فتاة في المكتب انه يعمل هنا."
وضعت جو يديها في جيبي سروالها بحركة صبيانية دون وعي منها, ثم مشت مبتعده عنه وهي تناديه من فوق كتفها قائلة:"يمكنك ان تتفضل الى هذا المكتب ياسيد تاكيراي."
اجاب متباطئا في اللحاق بها:"لقد سبق وذهبت الى ذلك المكتب ولكنه لم يكن هناك." قالت جو وهي تفتح باب المكتب ثم تنتظره:"لابأس, سيكون هنا" ثم دخلت المكتب بينما هز كتفيه وتبعها. خلعت قبعتها الخشنة وقد دخلها سرور الظفر وهي تسمع هتاف الدهشه من ذلك الرجل لدى رؤيته لشعرها الكث الكستنائي الفاتح وهو يتناثر حول وجهها, ثم استدارت تواجهه قائلة:"انني جو اغرانت,ياسيد تاكيراي, والانمالذي تريده بالضبط؟"
بدت في عينيه ابتسامة دافئة وهو يعترف بغلطته قائلا:" ثمة امور كثيرة في فكري. ربما تتقبلين اعتذراي المتواضع؟"
اجابت:"ربما" ولكنها كانت تشعر, وهي تحاول ان تغطي تصاعد نبضها, ازاء ابتسامته باظهار التهذيب الهادئ
سالها:"هل يحصل ,عادة. مثل هذا الخطأ؟"
اجابت:"كثيرا جدا. ليس ثمة سبب لكي تظن في نفسك الغباء."
قال"اوه انني لا أشعر بذلك .حتى اجمل امرأة قد تبدوكالرجال إن هي ارتدت مثل هذه القبعه والجاكيت."
لم يفتها تهكمه المبطن وهو يلمح الى انها.مادامت غير جميلة جدا, فمن المنطقي ان يخطئ هو بهذا الشكل.
قالت له:"ربما من الافضل ان تدخل في الموضوع , ياسيد تاكيراي."
سألها:"اي موضوع يا آنسة غرانت؟"
أجابت:"لقد كنت تبحث عني, وها انك وجدتني الان."
تلاشت الابتسامة عن وجهه واتخذت ملامحه سمة الجد وهو يقول:"آه, تعنين ذلك الموضوع. حسنا, الموضوع ياانسة جو غرانت, انني جئت لادعو صاحب هذا الاسم الى الغذاء . ماقولك؟"
وقطبت جو جبينها بدهشة وهي تقول:"الغذاء؟ ولماذا تريد دعوتي الى الغذاء؟"
نظر اليها وقد ازداد التصميم في عينيه وسالها:" وهل تدهشك مثل هذه الدعوه؟" كان ثمة هالة من الجاذبية تحيط به. وادركت هي بشيء من الاثارة. انه يعبث معها.
أجابت"انها تدهشني طبعا لانك لاتعرفني."
قال:"هذا صحيح . وانني اعترف ان جو غرانت الذي ابحث عنه هو رجل ملتح ضخم الجسم, في الخمسين من عمره. ولكنني سعيد جدا بان تكوني ممثلة له."
فجأة جلست جو وهي تقول :"انني لست ممثلة له , بل انا اقرب الناس اليه.ذلك ان ابي قد توفي."
بانت في صوته صدمة وهو يقول:"هل توفي جو ؟ ولكنه لم يكن كبير في السن."
وبدا عليه الاسى بشكل واضح وهو ينظر من النافذه لبرهه. ثم مالبث ان نظر اليها وكانه رآها لتوه ثم سألها:"هل انت ابنة جو؟صاحبة تلك الصورة الموضوعه على مكتبه؟ ولكنك كنت تضعين نظارة طبية؟"
تذكرت جو تلك الصورة المفزعه التي تحيط بها اطار قديم, والتي كانت مدفونة تقريبا في الفوضى التي كان غارقا فيها مكتب ابيها, وقالت:"نعم لقد كنت اضع نظارة مسكين ابي. لقد كنت ,عادة, اتجنب ان تؤخذ لي اية صور فوتوغرافية.ولكن لك يكن ثمة مهرب من ان تؤخذ لي صورة في المدرسة, واضطرت امي الى شرائها . ولكنها, مراعاة لشعوري, لم تضعها بقرب صورة شقيقتي."
قال:"احقا؟ولماذا كان ذلك؟"
هزت كتفيها قائلة:" ان لشقيقتي هيثر شعرا اجعد واسنانا منتظمة جميلة وعينين سليمتي النظر. ولكن ابي اشفق علي ووضع صورتي على مكتبه."

نظر اليها متفحصا بعينين تنطقان بالثقه بالنفس ثم سألها:" انني متاكد من انك تسلمين هذه الايام, لاختك صلاحية استخدام اموالها, يا انسة غرانت"
ابتسمت بهدوء وهي تقول:" اخشى ان لايكون الامر كذلك ياسيد تاكيراي, ذلك ان هيثر مازالت تمثل الجمال في الاسرة, بينما علي انا ان اتعامل مع العقل."
قال:" مسكينة انت."
تصلب جسدها وهي تقول على الفور:" انني لا اريد الشفقة من احد, ياسيد تاكيراي." ومالبثت ان تضرج وجهها غضبا اذا انتبهت الى تسرعها الغبي وهي ترى الضحك في عينيه.
ان هذا الرجل يتدخل في حياتها, محطما الحواجز التي تقيمها حولها كثمن لقبولها في عالم الرجال.
قال:" انك في حاجة الى تقوية تقديرك لنفسك وارجو ان لايسيئك قولي هذا. ولكنني اوفق معك انك لست في حاجة الى شفقه مني او من غيري." وقبل ان تجيبه ,كان هو قد غير الموضوع قائلا:" لقد قال جو, عند ذاك, انك ستتابعين عمله, وقد ظننته, في ذلك الحين , يمزح."
قالت:" هذا صحيح, ياسيد تاكيراي,وعندما ادرك غلطته, كان الاوان قد فات لكي يفعل اي شيء بذلك الشأن."
سألها:" وهل حاول ذلك؟"
اجابت وهي تتذكر الزهوالذي ساد ملامح ابيها, يوم تخرجت من الجامعه:" لم يحاول بشكل كاف."
بان عليه التفكير وهو يقول:"فهمت"
كانت تظن انه بعد ان اكتشف ان مهمته كانت فاشلة, لابد سيستأذن خارجا, ولكنه بدلا من ذلك,قال:" انني شديد الاسف لما سمعته عن موت جو, يا انسة غرانت , مالذي حدث؟" وكان يبدو على وجهه الاهتمام البالغ مما جدد الامها وبعث غصة في حلقها. واخذت تحدق في البرنامج الموضوع على مكتبها الى ان استطاعت ان تتمالك دموعها فلا تنهمر.
عادت جو من ذكرياتها لتنظر اليه قائلة:"لقد كان في سيارته عندما اصابته ذبح قلبية قبل ثلاث سنوات.."
قال:" انني اسف. انني لم اعلم بذلك اذ كنت في الخارج اعمل في كندا, وعندما ابتدأت اجدد العهد بمعارفي القدماء اتصلت هاتفيا بمكتب ريدموند, سائلا عن ابيك, فاجابوني.."
قاطعته قائلة:"لاباس. انها غلطة بسيطة وهي تحدث دوما. لقد تعودت على ذلك." ومدت اليه يدها مصافحة بابتسامة شابها اسى خفيف:" جوانا غرانت."
كانت قبضته دافئة قوية .قبضة رجل جدير بالثقه قدم نفسه قائلا:"كلايتون تاكيراي."
قالت : "حسنا انني اسفه اذا جاءت رحلتك الينا خائبة, ياسيد تاكيراي."
وقال وقد بان العزم في عينيه:" انها لم تكن خائبة." نظر في عينيها, فأسرعت تشيح بناظريها عنه بعيدا, وهي تقول: "ليس في إمكاني ان اكون بديلا كاملا من ابي."قال:" لقد كنت احب اباك واعجب به , ياجوانا. ولكنني اظن ان الغذاء معك سيكون ممتعا. خصوصا, ان استغنيت عن حمالات السروال."
قالت معترضة:"ليس عليك ان تدعوني, فلا تكن احمق لاينبغي علي..."
سألها:لم لا؟"
اجابت:" لان....." وسكتت اذا لم يكن هناك اي سبب في الحقيقة, عدا عن انها تبالغ في سبيل الاحتفاظ بسكنتها النفسة.
ابتسم وكأن في استطاعته ان ينهي المعركة التي تدور في اعماقها, وقال:"ارغمي نفسك على ذلك, ياجوانا."
قالت وهو مازال ممسكا يدها بيده الكبيرة:"انني اشكرك"وهكذا وجدت نفسها تقبل الدعوة دون ان تفهم تماما السبب في ذلك, غير مدركة انه رجل لايقبل كلمة , لا جوابا.
قال:"ان هذا من دواعي سروري, وقد حجزت مائدة في مطعم جورج في طريقي الى هنا. فقد كنت مصمما على دعوة ابيك."
قالت مازحة وهي تميل براسها جانبا:"حقا؟من الافضل اذا ان اغير حذاء العمل هذا. ولكن ليس عليك ان تكلف نفسك, ياسيد تاكيراي, فما انا الامهندسة هنا, وعادة انتاول سندويشا وقت الغذاء."
اشرق وجهه ضاحكا لتتغضن زوايا عينيه وفمه, وهو يقول: انني لست باحثا عن عمل, ياجوانا,كما ان اصدقائي يدعونني كلاي.سأنتظرك في السيارة بينما تقومين باصلاح شأنك كما تريدين."
خلعت حذاء العمل من قدميها لتضع بدلا منه حذاء ذاكعب عال. ومررت على سروالها الرمادي الفرشاة وهي تتمنى لو ان لديها تنورة في المكتب لترتديها, بدلا منه. لقد فضلت, عند شراء تنورتها الصوفية الناعمة العاجية اللون ,ان تضمن فيها الراحة اكثر من الزي الذي ترتديه. ولكن كنزتها كانت جميلة على الاقل, يمتزج فيها اللونان الوردي والابيض والتي كانت هدية من اختها الكبرى هيثر التي كانت تدير متجر اللازياء, والتي كانت تحرص على اضافة لمسات انثوية الى خزانة اختها جو التي لم تكن تحوي سوى ثياب العمل الخشنة. وازاحت جانبا التقويم السنوي الذي يغطي المرآة التي كانت قد اتخلت عنها في عالم الرجال هذا الذي تعيش فيه, ثم القت على نفسها نظرة معترضة.
قالت تحدث نفسها بحزم وهي تهز كتفيها:"لاتخدعي نفسك ياجو,فهو لم يدعك الى الغذاء الا لانه يعرف اباك, فلاتدعي الافكار الحمقاء تراودك." ومطت شفتيها ساخرة من نفسها, لكن, لابد ان هيثر كانت ستشعر بالسرور وهي ترى اختها تطيل وقوفها امام المرآة تصلح من شعرها وزينتها.
فتح لها كلاي باب السيارة حيث اطمأن الى راحتها قبل ان يتخذ مقعد القيادة. ولاحظت هي الاعين التي تراقبها باهتمام من مختلف الانحاء, وعرفت انها ستكون عرضة للالسن لايام عديدة بعد ذلك, من قبل زملائها الرجال الذين يعملون على السقالات اذا يمدون لها ايديهم يساعدونها بأدب مبالغ فيه.
قال:" الامر نفسه كان سيحدث من قبل زملاء العمل لو كنت انت رجلا اصطحبتك فتاة, وربما اسوأ."
ضحكت هي قائلة:"هل تحصل معيشتك من وراء قراءة الافكار؟"
اجاب"كلا, ولكني كنت مهندس بناء انا ايضا."
قالت وهي ترمقه بنظرة جانبية من تحت اهدابها الكثيفة:"احقا؟ ليس عندي شك في ان ثمة فتيات كثرات كن يلاحقنك."

استدار اليها باسما وهو يقول:" بل قليلات, وابوك كان يعرف تماما كيف يغيظني."
قالت :"نعم. هذا صحيح." فقد كانت تعمل مع ابيها في البناء اثناء عطل الصيف الطويلة من الجامعة وكانت تعرف طريقته في العمل. فقد كان يستغل اقل خطأ ليجعل من مقترفه موضع سخرية وهزء. وكانت هي تكره هذا الاسلوب.ولكن هذا خشن من شخصيتها.هدرت سيلرة الاوستن بخفة وهو يتوجه بها نحو الشارع الريئسي, قالت جو:"انها سيارة جميلة"
اجاب:"نعم,كانت لابي,انه لم يستعملها كثيرا,مؤخرا, ولكنه لم يقبل ان يبيعني اياها الا بعد ان تاكد من ان عمري كاف لجعله يثق بي."
سألته:"وكم عمرك؟"
اجاب:"ثلاث وثلاثون.ما رايك؟لقد ارد الرجل العجوز ان ينتظر عاما آخر.ذلك انه لم يمتلك سيارته الاوستن الاولى الا في الخامسة والثلاثين. ولكنني ارغمته على تسليمي اياها بعد ان هددته بشراء سيارة ب.ام دبليو."
دخل في هذه ااثناء موقف سيارات مطعم جورج. قالت:"ما اشد فظاعة صنعك هذا"ولكن ضحكها لطف من كلماتها.
قال:"حقا؟" وتلامست يدهما بينما كان يفك حزام امان السيارة من حولها.تلاقت انظارهما, وللحظة طويلة, ظنت جو ان الزمن قد توقف.
قال"اريد ان اقبلك, ياجو غرانت." مست نبرات صوتهكل عصب في جسدها. غصت بريقها وهي تشعر بصعوبة في تنفسها يبنما كانت دقات قلبها تعلو.ليس من المفروض ان تقبل الفتيات الرجال في اول مرة يتقابلن فيها.كما انهن لاينبغي ان يعترفن برغبتهن في ذلك. رفعت حاجبها وهي ترد عليه قائلة:" وهل تحصل دائما على ماتريد , ياكلايتون تاكيراي؟"
قال بثقة:"دائما"
تملكها الاضطراب للعزيمة التي لمحتها في عينيه, وحاولت ان تضحك قائلة:" احقا ياسيد تاكيراي؟ لقد كنت اظن ان العادة تقضي بان تطعم الفتاة قبل ان تحقق هدفك."
حدق فيها كلاي تاكيراي لحظة, ثم ترك الحزام من يده وهو يقول:" معك حق, طبعا. فهذا مجرد غذاء فقط, ولكنني سأعطيك فكرة عن موضوع العشاء."
قبل ان تستطيع استجماع افكارها, كان قد فتح باب السيارة لها. ولم ينطقا بكلمة وهو يقودها الى داخل المطعم بيد شعرت بها تحرق ذراعها. وبنظرة من كلاي الى النادل سارع هذا يقودهما الى مائدة بجانب نافذة تطل على النهر. بقيت تحدق من النافذة الة ذلك المنظر او اي شيء يجعلها تتجنب النظر في ذلك الوجه المقابل لها. لقدامضت حياتها العملية بجانب الرجال, وكان من النادر ان يعوزها الامر الى كلمة واحدة معهم. ولكنها الان لاتجد شيئا تقوله .
لكن مشكلة كهذه لم تكن تضايق كلاي الذي قال:" دعيني احاول ان اقرا افكارك مرة اخرى." واتسعت عينا جوالرماديتان.لم تكن الافكار التي تعتمل في ذهنها من النوع الذي تحب ان يقرأه. سالها ببشاشة:" البط؟"
قالت في محاولة لتلطيف الجو:" هل هذا يعود الى التدريب ام الى قوة الملاحظة؟"
اجاب مشيرا الى الطيور في النهر:"قوة الملاحظة. بدا لي اعجابك بها فتساءلت عما اذا كنت تودين واحد منها لغذائك ." وناولها قائمة الطعام متابعا قوله:" او ربما تريدين القاء نظرة على انوع الطعام هنا."
عندما عاد النادل اليهما, كانت قد اختارت ماتريد بهدوء.
سألها اتريدين أن تشربي شيئاً؟)
أجابت : (عصير الأناناس من فضلك.) وأدلى كلاي بطلبه إلى النادل طالباً مياها معدنية لنفسه.
سألته: ((لقد قلت انك قادم لتوك من كندا؟ ماذا كنت تعمل هناك ؟)) كانت تحاول أن تجعل جو الحديث طبيعياً.
أجاب كنت أعمل. لقد كانت أمي كندية _فرنسية. وعندما توفيت، أدركت انني لااعرف عنها وعن وطنها سوى القليل ،فاردت ان اتعرف اللا كل ذلك.)
عادت تساله : ( هل انت في عطلة الآن ؟)
تردد برهة قبل ان يقول: " ليس تماماً . ولكنني ابحث عن اصدقائي القدامى . وعندما قالت موظفة الاستقبال في شركة ريدموند ان جو كان يعمل هنا ، كان من السهل علي ان اجرب حظي في ان اجده حيث يقوم البناء نظراً لقربه من منزلي."
سالته وهي تحاول تجاهل تصاعد ضربات قلبها بعد إذ عملت ان منزله قريب :" منزلك؟"
أجاب :" لقد اشتريت كوخاً على ضفاف النهر في ناحية كاملي عندما كنت هناك في عطلة الميلاد."
حسنا ً. هذا شأنه هو، فما الذي دعاها لأن تثرثر فرحة كالاطفال قائلة: "انني اعشق تلك الناحية ،كاملي ، فهي ما زالت تمثل جمال الطبيعة الفطري الذي لم يلحقه التشويه."
قال دون ان يلحظ ما اصابها من إثارة : " نعم ، ولهذا السبب اشتريته. وقد تبدو هذه حماقة ،إذ ان مكتبي في لندن وكان يناسبني اكثر لو اشتريت شقة هناك. ولكنني لم استطع مقاومة جمال ذلك الكوخ ، إنه قديم وفي حاجة الى اصلاحات كثيرة ولكنني اظن ذلك جزءاً من سحره . لقد انتهى ترميمه الآن، وهو صالح للسكن ولكنني مازلت مخيماً بجانبه حالياً. "

سالته:" إذاً ،فانت لن تعود الى كندا؟"
أجاب :" ليس في المستقبل المنظور غلى الأقل."
لحظها بنظرة ثاقبة وهو يسألها هازلاً :" هل سرّك هذا ؟" انقذها مجيء النادل بالطعام ، من الارتباك في الجواب .ونظرت إلى سمك السلمون الذي وضعه امامها وقد شعرت بالاشمئزاز من لونه الوردي ، نفس اللون الذي كانت تدرك جيداً أنه يصبغ جبينها.
قال وهو يقدم الطبق :" سلمون؟ انني مسرور جداً به."
نظرت اليه لتكتشف انه لم يكن يسخر منها، كما ظنت، وان ابتسامته كانت للطعام.
ازدردت ريقها ،وهي تتناول منه الطبق سائلة: "هل عملت مع أبي مدة طويلة؟"
أجاب :" مانأول مدير مشاريع أعمل معه .التحقت بشركة ريدموند عقب تخرجي من الجامعة ووضعت تحت امرته في العمل ، وكنت بذلك محظوظاً جداً. لابد أنكِ تفتقدينه كثيراُ؟"
قالت: "نعم ، إنني افتقده . لقد كنت اريده لكي........."وسكتت إذ كان ماتعنيه شاناً خاصاً لاتحب ان تشارك فيه احداً أو تتحدث فيه عالناً .
أحس بانه دخل خطأ ، منطقة خطيرة من مشاعرها ، فغير الموضوع حيث أخذ يصف حياته في كندا، والبلاد نفسها، حتى بدأت اخيراً تسنرخي في مكانها.
عندما قدمت القهوة ، اتكا في مجلسه إلى الخلف وأخذ ينظر إليها جاداً وهو يسألها :"ماهي خطتك المهنية للمستقبل ،ياجوانا ؟ إنك ، طبعاً ، لن تبقي في البناء؟"
أجابت بزهو : " أنني أول امرأة استخدمتها شركة ريدموند كمهندسة بناء. وقد قررت ان اكون اول امرأة يستخدمونها مديرة للمشاريع."
إذا كان قد شعر بالدهشة لجوابها هذا, فانه استطيع اخفاءها ، ولكن سؤاله التالي أوضح تفهماً منه لما يمكن ان ينطوي تحت هذا القرار من مشكلات . إذ قال: "اتظنين أن هذا العمل يترك مكاناً لحياة خاصة بك؟"
أقرت قائلة:"ليس كثيراً"
عاد يسألها :" ولكن ، ماذا بالنسبة إلى الزواج وإنشاء اسرة؟"
أجابت :"إن الرجال يستطيعون القيام بالامرين في الوقت ذاته"لم تكن غريبة عن مثل هذه المناقشات . فقد اعتادت شقيقتها الكبرى دوماً ان تحاول اقناعها بأن تتخذ مهنة تقليدية، حتى انها عرضت مرة ان تسجل هذه المناقشات على آلة التسجيل كي تستمع اليها ولو مرة واحدة يوميا ..
وذلك تجنبا لها للمضايقة ، ولكن عبثا . فمنذ وقت طويل توقفت هيثر عن محاولة تغيير اطباع شقيقتها ، وتكتفي حاليا بان تثابر على تقديم الثياب الجميلة لها ، من متجرها , لكي تحسن من مظهرها .
اجاب كلاي : " هذا صحيح , ولكن الرجال لايحبون. وصعود السلالم ونزولها طيلة النهار ,بالنيبة اللا امرأة حامل يسبب مشكلات لها ,ألاتظنين هذا؟"
لكن ,لما كانت جو غير مصممة على الزواج في المستقبل المنظور ,فقد تجاهلت السؤال ,والقت نظرة الى ساعتها قائلة:"يجب ان اعود , فقد تاخرت."
نظر اليها كلاي لحظة, مفكراً , ولكنه لم يتابع الموضوع بل العكس , اشار الى النادل طالبا قائمة الحساب ثم سألها : " وبالنسبة إلى العشاء , أين سأوافيك بالسيارة "
حملتها دهشتها لرغبته في ان يراها مرة اخرى , على ان تطلق ضحكة حائرة وهي تقول : " ليس ثمة حاجة لذلك يا كلاي . لقد كان لطفا منك ان تدعوني مرة الى الغذاء ... "
مال الى الامام قائلا : " انني لم احضرك الى هنا لاكون لطيفا . انني مازلت اريد ان اقبلك , يا جو غرانت . لقد كنت انت من اشترط ذلك في البداية . طبعا , ربما غيرت رأيك ."
" لكنني لم واحجمت جوانا عن انكارها وهي تقف

لقد كان حوارا سخيفا ولم يكن في نيتها الاستمرار فيه . ونهض كلاي بدوره , بينما ابتسمت هي قائلة وهي تمد يدها اليه برزانة قائلة : " لااريد ان استعجلك .واشكرك على هذا الغذاء , انني لن ازعجك في توصيلي اذ يمكنني ان استقل سيارة اجرة الى عملي ."
هز يدها صامتا , بينما اجتازت هي قاعة الطعام قاصدة مكتب الاستقبال لتستعمل الهاتف . واخذت تفتش في حقيبتها بضيق , وكان هو مستندا الى الجدار يراقبها , فقال : " ايمكنني ان اقدم اليك بعض القطع النقدية الصغيرة ؟ "
قالت ببرود : " كلا , شكرا ." ولكن , لما لم تجد شيئا منها في حقيبتها , غيرت رايها , فقالت في حدة : " نعم ."
قال برقة وهو يقدم اليها حفنة من قطع النقد الفضية : " لن تصل اية سيارة قبل عشر دقائق . لماذا تعارضين ان اوصلك بسيارتي ؟ "
رفضت ان تبادله نظراته . وهي تختار قطعة العشرة بنسات , ثم طلبت بغضب رقم مركز التاكسي في الهاتف .
كان الهاتف يرن في اذنيها : " مركز التاكسي , اية خدمة ؟ "
قالت جو متجاهلة الراجل الواقف الى جانبها : " اريد سيارة الى مطعم جورج باسرع وقت ممكن."
قالت الفتاة : " اننا مشغولون قليلا الآن , ولايمكننا تامين ذلك قبل عشرين دقيقة ."
هتفت هي : " عشرون دقيقة ؟ "
تناول كلاي السماعة من يدها وقال : " لا ضرورة لذلك . شكرا " ثم وضع السماعة قائلا لها : " لا يمكنني ان اجعلك تتاخرين عن العمل , خاصة بالنسبة الى وقتك في مواعيدك . واعدك بان تكوني آمنة معي , فلا تخافي ."
قبل ان تقول شيئا , كان قد فتح الباب مسرعا بها نحو السيارة . جلست جو على المقعد الجلدي وهي تشعر بصعوبة في تنفسها .
كانت دوما متمالكة الاعصاب في العمل ماعدا اثناء زيارة مدير المشاريع . ولكنها لا تدري لماذا فقدت سيطرتها على اعصابها عندما دخل كلاي تاكيراي مكتبها . ان كلمة ( آمنة ) غير صحيحة ابدا , ذلك انه كان رجلا مزعجا لدرجة خطيرة .
لم يدر بينهما اي حديث وهما يخترقان الطريق الريفي . شعرت جو بالارتياح اخيرا , وهي ترى اعمال البناء تلوح لها من بعيد . ودخل كلاي الساحة ثم توقف .
حاولت ان تهرب , ولكنه كان اسرع منها اذ قبض على يدها التي كانت تفك الحزام , ووضعها على صدره فشعرت بضربات قلبه الرتيبة وهو يقول لها : " والآن عليك ان تقرري , يا جو غرانت ."
حدقت جو به وهي تقول : " ولكنك وعدت ."
قال متحديا بلطف : " هل فعلت انا ذلك ؟ انني اذكر قولي لك وهو انك ستكونين آمنة . ولكنني لم احدد من اي شيء سأجعلك آمنة ."
كيف يمكن لهاتين العينين المتسعتين ببراءة , ان تخفيا كل هذه المراوغة ؟ وقالت ساخطة : " في هذه الحالة , سانهي الامر معك , اذا كان ذلك لا يشكل لديك اي فرق ."
تجاهلت حقيقة وجودهما حيث العمال يراقبونهما , اغمضت عينيها وانتظرت ان يقبلها . ولكن ضحكة خفيفة منه جعلتها تفتح عينيها . وكان كلاي يهز راسه وهو يميل ليفتح لها باب السيارة . وبقيت هي لحظة دون حراك وقد ساورها الارتباك تماما . وقال : " حسنا , هل ستبقين جالسة هنا طيلة بعد الظهر ؟ كنت اظنك في عجلة من امرك ؟"
اجابت وهي تحاول جمع شتات نفسها : " نعم . اشكرك مرة اخرى على الغذاء."
ترجلت من السيارة , ثم اسرعت في اتجاه مكتبها , رافضة ان تستسلم للدافع الذي كان يغريها بالنظر الى الخلف.
لم يتصل هاتفيا بها الا يوم الخميس , وكان قد مضى اسبوع باكمله .
عندما سمعت صوته الخفيض يقول : " جوانا ." توقف قلبها عن الخفقان.
قالت بمثل لهجته : " كلاي؟" ولكنها اعترفت, باسى , ان الرجل يعرف جيدا كيف يلعب لعبته . لقد امضت طيلة الاسبوع على احر من الجمر , وهي تتوقع , كل لحظة , ان تراه يدخل الى ساحة البناء . وكان قلبها يقفز كلما وقعت انظارها على سيارة رمادية , ولكنه لم يات , فاخذت تشتم نفسها وتنعتها بكل انواع الحماقات لرفضها دعوته الى العشاء , لتعود فتنعت نفسها بشتى انواع الحماقات لرغبتها في التورط معه , ذلك انه كان بعيدا عن منالها تماما. اذ لا خبرة لديها في التصرف مع رجل كهذا.
قال لها : " كيف حالك , يا جوانا ؟ " وامكنها ان تتصور النظرة الفكهة في عينيه تلك.
اجابت هي : " انني بخير , شكرا . وانت.؟ هل تستمتع باجازتك؟"
اجاب : "ليس كثيرا, فقد كنت في ميدلاند طيلة الاسبوع في عمل . ولكن يمكنك ان تنسيني مشقة كل ذلك . انني ادعوك الى العشاء هذه الليلة ."
قالت متجنبة الرد : " لماذا انا ؟هل تزوجت جميع صديقاتك القديمات اثناء غيابك؟" لم تكن تريد ان تظهر تشوقها البالغ لهذه الدعوة .
ضحك قائلا :" معظمهن .فقد مضى على ذلك سبع سنوات تقريبا . هل ستاتين؟"
دار صراع في نفسها بين رغبتها وعقلها, لتتغلب الرغبة اخيرا بقولها :" بكل سرور."
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: لحظة ندم - ليز فيلدنغ - قلوب عبير    الثلاثاء يوليو 04, 2017 9:40 am


الفصل الثـــــــــاني
كان الوقت متاخرا, عندما اوقفت جو سيارتها وراء المنزل القديم قرب سوق المدينة , وود هيرست ودخلت الى الشقة الواقعة في الطابق الاول والتي استاجرتها اثناء مدة العمل , ثم القت بمشترياتها على مائدة المطبخ.
لم تضيع وقتا طويلا في الحمام , ثم جففت بسرعة شعرها الكثيف الاشقر الغامق ,ذا التموجات الفاتحة لكثرة بقائها خارج المنزل .لقد سبق وتساءلت , في ما مضى , كيف تبدو ان جعدت شعرها مثلما تفعل شقيقتها . ولكنها مالبثت ان اقتنعت بان هذه الاشياء ليست لها , فقد كان انفها بارزا قليلا , وفمها اكبر مما ينبغي , وقد اخبرها الحلاق بلطف , وكانت في الرابعة عشر من عمرها حين جاءت اليه ليصلح النتيجة الفظيعة لمحاولة اختها هيثر ان تجعد لها شعرها في المنزل , بان تجعيد الشعر هو فقط لتلك الفتيات اللاتي ليس في ملامحهن صفات مميزة , ولكنها لم تصدقه عند ذاك. ولكنها الان تطلب طرازا لشعرها هو اكثر من مجرد قصة كل ثلاث اسابيع لتحتفظ بمظهره الحسن .
عندما رضيت عن مظهر شعرها , امضت وقتا اطول من المعتاد في التبرج وصبغ اظافرها بلون وردي فاتح , ذلك انها قررت ان تكون هذه الليلة جوانا غرانت . اما جو , مهندسة البناء, فيمكنها ان تتوارى هذه الليلة.
كانت ملابس المساء عندها قليلة , ولكنها لن تتردد طويلا ,فارتدت تنورة واسعة من الجورجيت ذات لون رمادي فاتح , فوقها بلوزة بكمين طويلين والوان رمادية ووردية مع لمسات فضية . ثم تاملت نفسها راضية عن مظهرها . وفكرت بشيء من التسلية , ربما تصادف بعض زملائها الليلة , وسيكون من الصعب عليهم تمييزها بهذا المظهر الجديد عليهم.
انتعلت حذاءاً رماديا منخفض الكعب . وكانت تدور حول نفسها امام المرآة عندما تصاعد رنين جرس الباب. وقفت لحظة وقد شعرت بالضعف وعدم الثقة بنفسها , ثم, خوفا من ان يسأم من الانتظار, اسرعت تفتح الباب.
كان كلاي , بقامته الفارعة , ومضهره البالغ الاناقة في سترته السوداء, متكئا على حلجز السلم ينظر الى مقدمة حذائه , وارتفعت عيناه عندما فتح الباب وابتسم, محدقا في تلك الفاتة الواقفة عند الباب.
سالته جو اخيرا لتخترق الصمت : " هل هذه الازهار لاجلي؟"
انحدرت انظاره الى ازهار وردية وكانه لا يستطيع التذكر من اين اتى بها , ثم عاد ينظر اليها وقال :" اظن انها لأجلك."
قالت :" ادخل, ساضعها في الماء. اتريد ان تشرب شيئا؟" سألته ذلك وهي تحاول ان تتذكر مالذي فعلته بزجاجة شراب مازالت عندها منذ عشية الميلاد.
تبعها الى المطبخ وهو يقول :" كلا, شكرا." واخذ يراقبها وهي تضع الأزهار في وعاء عميق مملوء بالماء.
استدارت اليه تقول:"ما اجملها من ازهار. شكرا يا كلاي."
تقدم نحوها خطوة وهو بقول:" هذه انت الان, ياجوانا, ولن يخطئ احد ابدا فيظنك فتى هذه الليلة"
ثم ابتعد عنها قائلا:"حسنا.فلنخرج."
"الى اين نحن ذاهبان؟"
"الى مكان صغير اعرفه قرب النهر."كان وصفه هذا يقلل من شان ذلك المطعم الجميل المطل على النهر, واخبرته برايها هذا عندما جلسا هناك.قال وقد بدا عليه الذهول:" ظننت انه ربما يعجبك الحضور الى هنا."
قالت:"انه رائع الجمال."
استدار ينظر اليها قائلا:"نعم. انه كذلك." ورفع يده يلامس وجنتها الناعمة وهو يقول:" جميل تماما."
جاءهما صوت النادل:"هل تتفضلان بالحضور الى مائدتكما ياسيدي؟ "
اعاد هذا الصوت كلاي الى واقعه, فتأبط ذراع جوانا, ليسير بها مجتازا قاعة المطعم جاعلين رؤوسا عديدة تستدير لتنظر اليهما.كانت جوانا في العادة تضطر الى اخفاء طولها حين تسير مع رجل ما, فهي لاتنتعل مطلقا كعبا عاليا. وكان عليها, على الاقل ان تتراخى في وقفتها, حسب قول ابيها, والان وهي بجانب قوام كلاي القوي حيث قمة راسها تصل الى اذنه, كانت تمد قامتها بحرية شاعرة بالسرور لادراكها انها محسودة من نصف الحاضرات, ان لم يكن اكثر. في مابعد, لم تستطع ان تتذكر حتى نوع الطعام الذي تناولته ولا الحديث الذي تبادلاه . كل ماتذكره هو حديثه عن شيء يتعلق بدائرة استشارية بدأها في كندا وخطته لتوسيعها الى بريطانيا , ثم وجه كلاي في ضوء الشموع , ثم يده تمسك بيدها على المائدة , ثم كلماته وهو يقول :" فلنذهب."
جلست في مقعدها في السيارة , متكوّرة الى جانبه وكانها تعرفه منذ سنين , وامتدت ذراعه تدنيها منه , وبدا ذلك طبيعياً تماماً فلم تتردد في ان تريح رأسها على كتفه. ولم تفكر بالمكان الذي كانا ذاهبين إليه , ولم تهتم ما دام هو معها. وتوقفت السيارة , ورفعت راسها متسائلة :" أين نحن؟."
" أنت في منزلك , ياسيدتي الجميلة, أين تتوقعين أن تكوني اذأً؟"
أخفى الظلام احمرار وجهها , ثم دعته ان يساعدها في الترجل من السيارة.
" سأوصلك إلى الباب."
في أعلى السلم , استدارت إليه تسأله :" أتريد فنجاناً من القهوة؟"
كانت ذراعه حول خصرها وهو يقول :" أظن يكفيني الإزعاج الذي سألاقيه أثناء النوم , يا جو "
كانت تتمنى لو انه لا يتركها . وكأنما كان يقرأ افكارها , جذبها نحوه لترتمي بين ذراعيه.
عندما تركها أخيراً , بالكاد استطاعت الوقوف على ساقيها , فوضع ذراعيه حولها يسندها بينما وضعت رأسها على كتفه.
" يجب أن أذهب ."
" أيجب عليك ذلك حقاً ؟"
قال :" لا تجعلي الأمر صعباً عليّ ." قبل جبينها , فرفعت ناظريها إليه , ولكنه بدا شارد الذهن بعيداً عنها , وفتشت في حقيبتها عن مفتاحها ليأخذه ويفتح الباب.
سألها : " هل يمكنني رؤيتك غداً؟"
ترددت لحظة , ولكنه , عندما ابتسم اومأت برأسها هامسة :" نعم."
رفع يده قائلاً باختصار :" سآتي عند الساعة السابعة ." ثم ذهب دون ان يلتفت الى الوراء.
تساءلت جو وهي تقف تحت الدوش , عما كانت تفكر فيه بالضبظ قبل ظهور كلاي تاكيراي في حياتها , مادام ظهوره منذ اسبوع فقط كان كافياً ليملأ نهارها وجزءاً من ليلها.
قطع هذه الافكار , قرع جرس الباب , فوضعت على جسدها معطف الحمام ثم خرجت لترى من القادم.
هتفت :" كلاي."
قال معتذراً :" جئت مبكراً قليلاً "
ضحكت وعيناها تتراقصان قائلة :" قليلاً فقط؟ ظننت أن لقاءنا الساعة الساعة السابعة مساء وليس صباحاً."
قال:" لقد شعرت برغبة مفاجئة في أن أرى كيف يكون شكلك في الصباح."
شدت معطفها حول جسدها وهي تقول :" حسناً؟"
" كما توقعت تماماً أن أراك , الوجه خالٍ من الزينة, القدمان حافيتان , الشعر مبلل ... وجميلة تماماً ."
دخل مغلقاً الباب خلفه .


ضحكت بعصبية وتراجعت الى الخلف, وهي تقول :" مديحك في مثل هذا الصباح الباكر , تستحق عليه مكافأة . هل تريد ان تتناول الفطور؟"
بخطوة واحدة ,كان يقف بجانبها يضع ذراعً حول خصرها ويجذبها نحوه قائلاً :" إن هذا , يا جوانا الحلوة , يعتمد على نوع الفطور الذي لديك."
سألته :" بيض؟" لم يجب , فعادت تقول :" لدي بعض الجبن! وخبز وزبدة ؟" وتابعت بيأس :" ليس عندي وقت كاف , عليّ أن استعد للذهاب الى عملي ..."
انحنى نحوها هامساًَ :" انت يا جو ... ألم تدركي أنني أريدك أنت فطوراً لي ؟"
هنا, تصاعد رنين جرس الباب عالياً مما جعلها تقفز من مكانها بينما انتصب هو واقفاً وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ملتوية, وهو يقول :" لقد أنقذك الجرس , يا جو ."
توجهت نحو الباب تفتحه , لتجد ساعي البريد يحمل في يده رسالة وهو يقول :" انني آسف , يا آنسة غرانت . إنها رسالة مسجلة أخرى تستدعي توقيعك."
في هذه المرة لم تكلف نفسها عناء فتح الرسالة بل القت بها على طاولة في القاعة.
سألها كلاي :" ألن تفتحي الرسالة ؟ يبدو انها مستعجلة ؟"
أجابت :" انني أعرف ممن هي. إنها من شخص ما يريد أن يشتري أسهمي التي ورثتها . وقد سبق و أخبرتهم انني لن أبيع ."
قال :" لعلهم رفعوا قيمة المبلغ في هذه الرسالة ."
قطبت حاجبيها قائلة :" أتظن هذا ؟ انني أعجب للسبب الذي يدعوهم الى الشراء؟" وتعلقت عيناها لحظة على المغلف ثم استطردت :" ربما يجب ان اعرف السبب."
قال :" انسي هذا , ان ذلك غير مهم ." ورفعت عينيه اليه فتلاشى من ذهنها كل ما يتعلق بميراثها.
أخيراً قالت :" علي ان استعد للذهاب إلى عملي , يا كلاي "
توقف برهة مقطباً حاجبيه , ثم هز كتفيه قائلاً :" طبعاً عليك ذلك , بينما أنا أعيقك عن الاستعداد" ومشى نحو الباب يمسك بقبضته بشدة وكأنه يفكر في شيء . وعندما عاد ينظر إليها كان العزم مرتسماً على ملامحه وهو يقول :" أرى أن نتناول العشاء في الكوخ هذه الليلة ."
كانت نظراته غامضة وهو يقول ذلك , ولكن لم يكن هناك وقت للتفكير فأجابت بصوت لا يكاد يسمع :" هذا جميل جداً."
بعد خروجه , وقفت في القاعة لحظة طويلة تحاول تمالك مشاعرها , ثم استدارت تستعد للذهاب إلى عملها . فوقعت عيناها على الرسالة , مدت يدها تتناولها ثم مزقت غلافها بنفاد صبر . لقد كان الحق مع كلاي فقد ارتفع المبلغ المعروض. وتفجر سرور لا معنى له في نفسها وهي تلمس صحة توقعاته.
وصل كلاي عند الساعة السابعة تماماً , وأخذ من يدها الحقيبة الجلدية .ثم اقفلت الباب خلفهما وفتحت حقيبتها لتضع فيه المفتاح , وهنا رفعت ناظريها لتراه يراقبها , سألها :" هل أحظرت كل شيء؟"
أجابت :" نعم . شكراً " وشعرت بوجنتيها تلتهبان وهي تتبعه نحو السيارة.
كان الكوخ قديماً جداً ورائع الجمال , مبنياً من القرميد . وكانت الحديقة مهملة , ولكن العمل كان قد ابتدأ في تهيئة الأحجار لعمل ممرات وإصلاح بيت الحمائم المهدم.
ساعدها على الترجل من السيارة , وقفت تنظر قائلة :" إنه جميل ."
قال :" انني مسرور لأنه أعجبك , ادخلي وانظري مالذي فعلته في الداخل ." خفق قلبها وهو يقودها نحو الكوخ ويفتح الباب , ثم افسح لها مجال الدخول إلى القاعة.
كانت أرضية المكان قد جدّدت ولمعت وفرشت بسجادة فارسية ملونة.
سألها:" هل تشعرين بالجوع؟"
هزت راسها نفيا وهي تقول:"ليس تماما, ايمكن ان تريني انحاء المكان؟"
قال ضاحكا:"الجولة الكبرى؟ انها لن تأخذ وقتا طويلا."
ازداد احمرار وجهها, وكانت في حاجة الى بعض الوقت لتتمالك نفسها,كان من الافضل لو ذهبا اولا , الى مكان اخر
قال فجأة:" هذا هو المكتب." وفتح بابا الى اليسار وقادها الى غرفة مربعة تكومت على أرضها بعض اوراق الجدران تابع "كنت ارى نوع من الورق اكثر ملاءمة."
والتقط عدة قصاصات ووضعها على الجدار, واخيرا,قالت هي مشيرة الى احداها:"لقد اعجبتني هذه" قال:"اذا, استقر الراي عليها."
نظرت حولها ثم قالت:"ولكن الراي رايك"
قال:"نعم, اعرف ذلك" وامسك بالباب لتمر منه وعندما مرا بأبواب مغلقة,قال دون اهتمام:"وهذه غرفتا المخزن والمعاطف, وهذه غرفة الصباح."
قال:"انه كوخ عالي المستوى" وابدت اعجابها باللونين الابيض والاصفر اللذين يعكسان اشعة شمس الصباح, ثم عبرت الغرفة الى باب اخر ففتحته وخرجت الى الحديقة, وهي تهتف:"انك عند النهر. انني لم ادرك هذا"
ثم نزلت مسرعة الى فسحة صغيرة معشوشبة يتوسطها حوض صغير. قال :"هنالك مرسى للزورق خلف تلك الشجيرات, لكن السقف متهدم."
سألته:"هل ستعيد بناءه؟" اجاب:"ربما. اتظنين ان المكان دافئ الى درجة كافية لكي نتناول فيه عشاءنا؟"
قالت:"آه, نعم. لدي كنزة في حقيبتي."
قال:"اذهبي لاحضارها ريثما احضر الطعام."
قالت:"ولكنك لم تكمل الطواف بي في المكان"ثم تمنت لو لم تتفوه بكلمة , اذ قال:ط امامنا المساء بطوله فلا تكوني لجوجة ياجوانا, اعدك بأنني سأريك كل شيء"وقفت برهة في القاعة وهي تجاهد في استرداد انفاسها. من الحماقة ان تشعر بهذه العصبية والانفعال وهي في الربعة والعشرين. دخلت غرفة المعاطف حيث وجدت حوضا غسلت فيه وجهها بالماء البارد. وبدت لها عيناها بضعف حجمهما في المرآة كما كان لونهما قاتما بشكل غير طبيعي. كان قد فرش قطعة قماش تحت شجرة صفصاف تحجبهما فروعها المتدلية عن اعين الفضوليين في الزوارق المارة في النهر. قال وهي تجلس على البساط الى جانبه:"لقد قامت السيدة جونسون بعملها بشكل رائع."
قالت متسائلة:"السيدة جونسون؟"
اجاب"نعم انها تطبخ وتنظف وترعاني كما ترعى الام اطفالها."
فكرت جو في تلك المرأة التي تطبخ له ولصديقاته وتساءلت كم من المرات فعلت ذلك.
ناولها كأس شراب, وهو يقول" نخب الحب....."
قالت متسائلة:"الحب...؟"
قال:" اجلسي الآن وتذوقي طعامي."
سألها:"كيف حال تشالز ريدموند هذه الايام؟"
قطبت جبينها قائلة:" تشالز؟ لعلك تعرفه. انه يتماثل للشفاء."
قال:"اتظنين انه قد يتقاعد؟"
اجابت:"اشك في ذلك لان الشركة هي حياته." كانت مسرورة بالحديث عن الامور العاديةولم تقف لتفكر في ان شؤون رئيسها في العمل هي موضوع شاذ يتحدثان فيه ثم ابتدأت تستمتع بالطعام في النهاية بينما كانت الشمس ايار –مايو , تغيب شيئا فشيئا وراء الاشجار, ثم هبطت درجة الحرارة فجأة وضع يده حول وسطها وهو يقودها الى الداخل قائلا:"هيا, لقد ابقيتك في الخارج مدة طويلة حتى اصبحت ترتجفين من البردادخلي من هنا."
ودخل معه من باب الى اليمين ثم أضاء النور في غرفة الجلوس. كانت الارض مفروشة بسجادة سميكة زرقاء بينما كانت اريكة كبيرة مريحة قائمة امام الموقد, وخلفها كنبة من طراز القرن الثامن عشر, وبجانبها كرسي هزاز منجد بالجلد, وانحنى يوقدالدمأة وهويقول:" ادفئي نفسك ريثما اغيب عنك لحظة."
وقفت امام الدفأة الكبيرة المبنية من القرميد, تراقب اللهب المتراقص وهي تتسلءل بعصبية مفاجئة, عما اذاكانت قد تصرفت بحماقة مطلقة, ان لها من وظيفتها ومهنتها مايبقيها راضية قانعة. ولكن, هاهي الان امام خطر الوقوع في نفس الشرك.
جاءها صوته يعيدها الى وقعها:" جوانا؟ وادركت حينذاك وهي تقف الى جانبه امام الموقد, لماذا يرتكب الناس الحماقات.
نظر في عينيها, وتملكها شعور بما كانت تتوقع هز اعصابها. وفجأة اخذت ترتجف وسرعان ما وجدت نفسها بين ذراعيه وهو يهمس :" انني اريدك, ياجوانا غرانت."
مدت يدها تدفعه عنها قائلة " كلاي... يجب ان تعلم انني.... من الافضل ان اخبرك انني لم اعرف قط رجلا قبلك.." هتف مقطبا جبينه:" لم تعرفي ماذا؟"
نظرت اليه بيأس:" اردتك فقط ان تعلم انني..."
وتنحنحت ثم تابعت:" انني لم....." لماذا تجد صعوبة في نطق هذه الكلمات؟
ولكن لابد عليه ان يفهم الان ماذا تريد ان تقول.
كان يدق فيها مقطبا مابين عينيه, ليقول اخيرا:" هل تريدين ان تقولي انك لم تعرفي احدا من قبل. رغم انك في الرابعة والعشرين؟"
فأومأت برأسها وقد سادت ملامحها الاتباك"
وضعها على الاريكة. ثم انتصب واقفا وهو يقول :" لم اكن اتوقع هذا."
واجهته شاحبة الوجه قائلة:" هل يمكنني ان تصل هاتفيا لاطلب سيارة اجرة؟ من الافضل ان اعود الى البيت."
قال بصوت بان فيه الاسف البالغ:" انني اسف ياجوانا."
"ليس من الضروري الحديث عن كل هذا , ياكلاي."
كان عليها ان تعلم انه معتاد على النساء الخبيرات في كيفية معاملة الرجل. لماذا فكرت في انه يهتم بها؟
هرعت الى غرفة المعاطف التي كانت ككل الغرف الاخرى تعمها الفوضى ورائحة الدهان.كانت التركيبات الاخرى الكهربائية وغيرها كلها جديدة ولكن احجار القرميد كانت كلها ماتزال في صناديقها مرصوفة بجانب الجدران وكانت الارض عارية. لقد انتقل الى المنزل منذ مندة قربية اذ سبق وقال انه يسكن في خيمة بالقرب من الكوخ
نظرت الى نفسها في المرأة لترى وجهها مضرج تنهدت وفتحت حقبيتها تعيد تنظيم زينتها.
عندما خرجت وجدت كلاي في انتظارها فعبر القاعة بسرعة ليمسك بيدها, ولكنها تجنبت ان تدعه يلمسها وهي تسأله:" ايوجد هنا هاتف؟"
قال:" ليس من الضروري ان تذهبي ياجوانا, هل نتسطيع ان نتبادل الحديث؟"
قالت:" الحديث؟" مالذي عندهما ليتحدثا عنه؟ واستدارت مبتعدة عنه رافعة راسها بكبرياء, قبل ان يتملكها الضعف, وهي تقول:" افضل ان تستدعي سيارة لاجلي."
قالك"تبا للسيارة." وحاول ان يتقرب منها.
سألته قائلة:" الان ياكلاي؟"
كانت تخشى ان لمسها , ان تفقد سيطرتها على نفسها وتنفجر بالبكاء.
سيطر عليه التوتر لحظة, فنفرت عضلات رقبته وتقبضت يداه. ثم , كأنه صمم على شيء اومأ برأسه قليلا وهو يقول:" ربما معك حق لم يعد ثمة وقت الان. سأصطحبك بنفسي."
قالت:" لاحاجة الان تزعج نفسك."
" هناك كل الحاجة, ياجوانا فلا تجادليني."
لم تستمر في الاعتراض اذا شعرت ان ذلك لامعنى له ولكنها نفضت يده عن ذراعها عندما حاول امساكها اثر تعثرها في الممر غير الممهد في الظلام
اصر على توصيلها الى باب بيتها فتحت الباب ثم تقول:" وداعا ياكلاي." ومدت اليه يدها فقد اصبحت امنه الان وكانت الرصانة تكسو ملامحه, فأخذ يدها يمسكها بيده لحظة وكأنه يهم بأن يقول شيئا, ولكنه لم يفعل بل رفعها ومررها على شفتيه
قبل ان تستفيق من دهشتها كان قد استدار هابطا السلم
وركضت هي الى النافذه في الوقت الذي كان يصفق فيه باب السيارة بعنف, ولكن السيارة بقيت واقفه مدة طويلة جعلتها تعتقد انه سيعود فيخرج منها, ولكن مالبثت السيارة انطلقت بكل هدوء, لتتوارى في الشارع
كان يوم الاثنين , يوما سيئا للعمل. امضت عطلة نهاية الاسبوع مع اختها متجنبة التفكير في شيء وللمرة الاولى جعلت من نفسها حمقاء تماما بالنسبة الى كلاي تاكيراي وعليها ان تعيش ذكرى مذلتها تلك مدة طويلة ولكن من الافضل ان تهمل التفكير في ذلك.
غاص قلبها بين ضلوعها وهي تسمع صوتا يفاجئها قائلا:" صباح الخير ياجو"
ذلك ان زيارة من المدير كانت اخر شيء توده ذلك الصباح



التفتت الى ذلك الشخص المتكلف الاناقة ثم تكلفت ابتسامة وهي تقول:" مرحبا يابيتر , لم اتوقع عودتك قبل الغد هل استمتعت بإجازتك؟"
اجاب:" كانت رائعة, شكرا لك لقد كانت رحلة ممتعه الى الجزر اليونانية في شهر ايار- مايو. كان يجب ان تأتي معي."
لم يكن يتحدث عابسا تماما, ولكنه كان يخفي استياءه من كونه يعمل مع امرأ’ في مركزه هذا ,متظاهرا بالغزل. هزت كتفيها منتهدة:" لابد ان يبقى من يرعى العمل وانا كتأكده ان صحبة زوجتك هي تعويض كاف , هل تريدني ان اقوم بجولة معك؟"
اجاب:"كلا, فالوقت اقترب من موعد الغذاء, لقد جئت فقط لآخذكم جميعا الى الكافتيريا لتناول المرطبات كشكر لكم لاجتهادكم في العمل اثناء غيابي.
وسأوصلك معي وامسكها بذرعها يقودها نحو سيارته.
جاهدت جو في ان تمنع نفسها من الصراخ, ليس لانه قام بشيء يستوجب الشكوى, ولكن من وضعية يده على ظهرها بشكل يسيء الى سمعهتا وكأنه يملكها وفي كل مرة يكون هناك من يراهما مما يعطي انطباعا بانها تخصه
توجهت جو نحو مائدة قرب الدفأة ولكنه قادها نحو زاوية منعزلة قائلا:" سيعلو الضجيج هناك عندما يمتلئ المكان."
سكتت حانقه بينما توجه ليحضر الشراب لم يكن يبدو عليه الاهتمام بها والا لكان عليها على الاقل ان تظهر الشكر والعرفان, لكنه كان يريد فقط ان يفهم الناس انها مفتونه به
سألها قائلا:" والان اخبريني ياعزيزتي عن كل ماحدث اثناء غيابي هل ثمة مشكلات؟"
ابتسمت قائلة: لاشيء مهما ,كان في امكانك ان تبقى ابوعا اخر في اليونان."
مال نحوها واضعا يده على يدها قائلا:"ماكنت لأستطيع البقاء كل هذا الوقت بعيدا عنك."
شعرت بالارتياح وهي ترى الباب يفتح في الزاوية لابد انهم رجال قادمون من البناية. ولكن القادم كان كلاي تاكيراي حيث وقف يسد الباب, جامدا ينظر الى المشهد الذي كان يضمهما معا. وتقابلت انظارهما لحظة, ثم تقدم كلاي خطوة الى الامام وقد ظهر الغضب على وجهه. بشكل متعمد تماما, استدارت جو نحو بيتر, وابتسمت في عينيه اللتين بان فيهما الفزع, وهي تقول :" انني مسرورة, فقد اشتقت اليك, ياعزيزي."
مالت الى الامام ثم قبلته بخفة على فمه ولابد ان ردة الفعل عنده كانت مضحكة. لم تدر قفزة اي منهما كانت اكثر عنفا, هل هو بيتر الذي قفز واقفا على قدميه دهشة, ام هي التي قفزت ذعرا لصفقة الباب العنيفة خلف كلاي تاكيراي؟ كان الوقت متأخرا, عندما عادت جو الى البيت. كانت الحقيقة انها لم تشأ العودة الى شقتها الخالية. ذلك انها اثناء العمل كان لديها مايشغلها عن التفكير على الاقل, وفي النهاية, ابتدأت صور الاشياء تتراقص امام عينيها, وخشيت ان تسقط على مكتبها نائمة. واوقفت سيارتها الميني الفضية, في موقفها, ثم صعدت السلم بهدوء.
كانت قريبة من اعلى السلم , ندما انتبهت الى شيء يسد طريقها, فبقيت لحظة تحدق في تلك الساقين الطويلتين اللتين تسدان عليها الطريق, دون ان تفهم شيئا.
ارتفع صوت كلاي يقول متهما:"لقد تأخرت, والساعة الان التاسعة."
نظرت الى ساعتها فقط لكي تحول وجهها عنه فلا يرى لمحة السرور في ملامحها لرؤيته, وقالت:" لقد تأخرت في عملي"
قال وقد توترت عضلات فكه:"لقد رايتك تعلمين في وقت الغذاء, من يكون ذلك الرجل؟"
لقد فات وقت الندم على حماقتها,فقد كان تصرفها بالغ السوء في الحقيقة, جعلها تتوقع ان يجعلها بيتر تدفع ثمن موقفها ذاك غاليا, عندما يتجاوز الصدمة ولكن لوقت لم يفت على استعادة شيء من احترامها لنفسها.
سألته:"ماذا حدث ياكلاي؟هل غيرت رأيك؟"
وقف قائلا:"ليس هذا المكان الذي يدور فيه مثل هذا الحديث."
قالت:"هذا هو المكان الوحيد الذي عليك ان تدلي فيه بأي حديث, لان عندي...." وأشاحت بوجهها كي لايرى الكذب في عينيها.
اقترب منها يأخذ وجهها بين راحتيه وهو يقول:" هل انت حقا متقلبة بهذا الشكل؟" اضطرت الى النظر اليه .فعاد يسألها:" من هو ذلك الرجل؟" ونظرت اليه لحظة, وثائرة تتحداه ان يحملها على الكلام, وازداد وهو اقتربا منها مرددا :" من هو ياهوانا؟"كان يتحدث ببطء وهودء يتناقضان مع التحدي الصارخ في عينيه.
قالت:"انه بيتر لويد مدير المشاريع."ازداد توتر فكه, وتاغمضت هي عينيها متابعة:" لقد وصل لتوه عائدا من عطلته."
"لقد بدا عليك السرور البالغ برؤيته."
"احقا كنت كذلك, كلاي؟"
قال:"ربما؟"
وتركها فجأة , لتتأرجح على قدميها, ثم تابع:"انه لم يبق هناك طويلا, لم لعله سيعود اليك الليلة؟"
اتسعت عيناها دهشة وهي تقول:" هل بقيت لكي تتجسس علي؟"
ثم لمع الغضب فيهما وهي تتابع:" كان يجب ان تبقى مدة اطول لكي ترى ان كان سيعود"
ترجع خطوة الى الوراء قائلا:"كلا ,كلا , انا لم افعل ذلك, لقد كنت غاضبا جدا فلم اثق بقدرتي على قيادة السيارة فجلست في السيارة في الموقف مدة, وهذا كل شيء فرأيته يترك المكان. وبعد ذلك بمدة قصيرة, عدتم جميعا الى العمل في البناء."
: انني لم الاحظ سيارة الاوستن في الموقف "
هز راسه قائلا:" كانت في حاجة الى بعض الاصلاحات فاستعرت سيارة من احدهم. اسمعي ياجو من الغباء ان نتحدث هنا. الايمكننا ذلك في الداخل؟"
ترددت لحظة , ثم هزت كتفيها دون اكتراث وفتحت الباب قائلة:" ولم لا؟ انا اعلم انني سأكون في امان بصحبتك."
القت بحقيبتها على الاريكة ثم استدارت تواجهه قائلة " اليس كذلك؟"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: لحظة ندم - ليز فيلدنغ - قلوب عبير    الثلاثاء يوليو 04, 2017 9:41 am

الفصل الثالث:
أجاب وقد بدا وكأن حجمه يملأ غرفة الجلوس:"ربما هل أكلت؟"
أجابت:"انني لست جائعة ياكلاي.انني متعبة فقط, وكل ما اريده هو "دوش" ثن اذهب الى فراشي فقل ماتريد ان تقوله الآن ثم اذهب."
قال:"بل عليك ان تاكلي."
وادرها في اتجاه غرفة نومها ثم دفعها اليها وهو يقول بحزم:" اغتسلي ريثما اعود بالطعام."
خبطت قدمها بالارض قائلة:"لاريد شيئا منك يا كلاي."
فقال:"بل تريدين" وكانت يداه ماتزلان على كتفيها تضغطان عليهما بعزم وهو يتابع:"الافضل ان تدخلي الحمام الان قبل ان افقد اعصابي واذكرك بما تريدينه مني"
فهربت الى الحمام واقفلت الباب خلفها ووقفت مستنده اليه وجسدها يرتجف. وهمست لنفسها:"تبا لك يا كلاي تاكيراي." تنفست بعمق وقد ابتدات تتمالك اعصابها شيئا فشيئا. فخعلت ثيابها ووقفت تحت الدوش وهي تفكر في ماعسى ان يريده كلاي منها.
ارتدت بسرعة سرولا بلون العاج, وهي ترتجف وفوقه كنزة من الصوف واسعه باهتة اللون وكانت يوما لابيها وكانت تشعر بالراحة عندما ترتيها وهي حزينة ما ان فتحت باب غرفة النوم, حتى سمعت صوت مفتاح في الباب, وبرز منها كلاي حاملا كيسا من البلاستيك وهو يقول:" لقد اخذت معي مفتاحك فارجو ان لايكون هذا قد اساءك
قالت متعجبة:" كنت اظنك ستحضر شيئا هنا, كان في استطاعتي صنع شيء من العجة او ماشابة."
قال:" لقد قلت انك متعبة. هل عندك شوكة للقلي؟"
اجابت:"كلا مع الاسف, فانا استعمل السكين او شوكه عادية."
وبدت على شفتيها ابتسامة. فهز راسه قائلا:"هذا شيء تقليدي."
قالت بحده:" لقد اكتشفت مؤخرا ان تخطي الروابط التقليدية ليس جيدا بالنسبة لكرامتي."
ابتسم قائلا:"اعدك بان ابذل جهدي لاصلاح ذلك"
القى مجموعة مجلات على الارض وهو يقول بابتسامة جافة:"مجلة المهندس الجديد حتى كانني في بيتي."
قالت:" سابحث لك عن عدد من مجلة فوغ النسائية اذا كان هذا يريحك اكقر."
ولكنه تجاهل قولها ذاك وابتدأ يخرج عددا من اطباق الالمنيوم ويصفها على طاولة القهوة المغطاة بالزجاج.
قال مقترحا:"هل ينبغي وضع صحون؟"
قالت باستياء:"هل اخبرك احد بان لك عقلا مديرا ياكلاي تاكيراي؟"
اجاب:" ان التدبير هو ما احسنه, ياجوانا غرانت, فالافضل ان تعتادي على ذلك."
ردت بحدة:" نعم سيدي." ثم أحضرت صحنين وبعض الشوك والملاعق من المطبخ ملأ احدهما بالطعام ثم قدمه اليها, فنظرت الى الطعام باشمئزاز قائلة:"لايمكنني ان اكل كل هذه الكمية"
قال وهو يشرع في الاكل:" اقنعيني بانك تناولتوجبة كاملة هذا النهار, وانا اسامحك بنصف هده الكمية"
قالت:"لا اظنك تضع في الاعتبار كعكه حلوى مقلية "
فتوقف عن غرف الارز الى صحنه, لكي يناولها شوكة. ولم تعد هي الى الاحتجاج اذ ان الاكل , على الاقل , يمنع الحديث.
عندما انتهت سألها:"اتريدين المزيد؟"
هزت راسها قائلة:"كلا شكرا." ارغمت نفسها على الابتسام وهي تتابع:"كنت اكثر جوعا مما تصورت."
ثم اخذت ترفع الاطباق الى المطبخ ويبدو انها وجدت من السهل عليها ان تسأله وهي منشغلة فتابعت تقول:" ربما في امكانك الان ان تخبربني عن سبب وجودك هنا. مالذي تريده مني بالضبط؟"
كان قد تبعها إلى المطبخ , واجفلت عندما تكلم في أذنها قائلاً بلطف :" ربما قد غيرت رأيي , ربما لا استطيع أن انسى تلك الليلة."
ومد يده يمسك بمعصمها متابعاً :" ربما اذهلني فكرة ان اراك تقدمين نفسك إلى رجل آخر ... ساورني شعور بأن بيتر لويد ليس من الغباء بحيث يرفضك. أم انك كنت معه طيلة عطلة الأسبوع؟ "
حدقت جو في يده , في اصابعه القوية الملتفة حول معصمها , وقالت متجاهلة سؤاله:" هل تراني على هذا الشكل ؟ يائسة ؟ القي بنفسي على أي رجل اصادفه ؟ آملة أن أحظى بواحد ؟"
وارتجفت , وهي تقاومه بينما أخذها بين ذراعيه وهو يقول :" هل ترين نفسك بهذا الشكل ؟"
ورفعت ناظريها إلى عينيه , وعندما افزعها التصميم الذي رأته في ملامحه , دفنت وجهها في قميصه.
همس :" جوانا."
قالت :" لم يكن الامر هكذا . كل مافي الامر هو انني لم اصادف رجلاً من قبل..." وسكتت فأمسكها من كتفيها يبعدها عنه قائلاً :" ماهو الذي لم يكن هكذا ؟"
قالت :" لقد كنت الرجل الوحيد الذي تقطعت عنده انفاسي. هذا هو كل شيء." كانت المرة الاولى التي تشعر فيها بكل ماتصفه اغاني الحب.
سألها بلطف :" هل كان الأمر بهذه البساطة ؟"
قالت:" نعم. بهذه البساطة ." ولكنها كانت تكذب , لأن الحب ليس بسيطاًَ أبداً . ورفعت اهدابها الطويلة لتتعانق نظراتها بنظراته ثم تابعت قائلة :" كان معك الحق حين قلت ان ذلك اصبح عبئا مع انني انا نفسي لم أدرك ذلك . كان من الممكن ان تكون الامور اكثر بساطة لو انني كنت في السادسة عشرة وغرقت في الحب."
ابتسمت لنفسها وهي تتابع :" كلما تقدم الانسان في السن تصبح الامور اكثر صعوبة . إذ أنه يصبح اكثر تطلباً في الاختيار. ثم يأتي رجل يحوي كل المواصفات." وتملصت من بين ذراعيه, فأراد أن يمسك بها, ولكنها رفعت يدها تدفعه بعيداً وهي تتابع قائلة :" رجل يملك من الخبرة ما يجعله مختلفاً عن غيره."
أسبلت يدها إلى جانبها وهي تهز كتفيها دون اكتراث .
" انني آسفة إذ عقدت الأمور التي لابد انك كنت تعتبرها سهلة بسيطة ."
قال بدهشة بالغة :" ولكن لابد انك قابلت عشرات من الرجال ."
ابتسمت وقالت :" بل مئات. لقد كان اصدقائي يعتقدون أنني اخترت دراسة الهندسة لأبقى مع الرجال . ولكن الحقيقة انني في الجامعة , لم أجد وقتاً لكي اتورط بمثل تلك العلاقات , كان ثمة الكثير مما يجب علي النجاح فيه ."
قال :" وبعد تخرجك ؟ هل بقي امامك الكثير مما يجب عليك النجاح فيه ؟"
أجابت :" الغزل ممنوع أثناء العمل يا كلاي ,خاصة إذا كان الجد مطلوباً من الانسان . ان الأمر ليس بمثل هذه السهولة ."
قال :" ذلك يبدو سهلاً جداً " وتوقف حين رآها تبتعد عنه مسرعة الى غرفة الجلوس حيث الصقت وجنتها بزجاج النافذه البارد وهي تنظر إلى الخارج دون أن ترى شيئاً .
وقال :" انني آسف يا جو , لقد كانت النتيجة خطأ. ولكن المسألة كانت تبدو سهلة أليس كذلك ؟ فهذا الشعور لم يكن من جانبك فقط , إذ انني شعرت برغبة فيك منذ رأيتك . وقد اراحني تماماً ان اعلم انك لم تمري بعد باي تجربة . وسأخبرك بالسبب "
وجاء من خلفها يضع ذراعيه حولها ووجنته على شعرها ,متابعاً قوله :" لقد كان علم الكيمياء على حق."
سألته وهي تتنفس بصعوبة وهي تشعر بالنار تسري في عروقها :" علم الكيمياء؟"

همس في اذنها :" الرغبة من النظرة الأولى . من الأفضل إذن ان نتصرف من هذه الناحية , الا تظنين هذا؟"
الرغبة , لقد كان الأمر اكثر من هذا , حتى بالنسبة اليه . واستقرت هذه الكلمة ( الرغبة ) في عقلها . أم أنها تعبير ملطف عن تلك الحاجة البدائية التي ايقظها في نفسها بشكل غير متوقع ؟ وارتجفت. مهما يكن الأمر , فهو يعرض عليها , وهي تريد ذلك.
سألته :" الآن ؟"
أجاب :" إن عدم التأجيل هذا , فيه اطراء لي , ياحبي . ولكن ثمة بعض التفاصيل ينبغي أن نبحثها أولاً , ذلك أن يوم الجمعة يناسبني تماماً , وسيكون قد مر على تعارفنا اسبوعان , وهذا ادعى للاحترام."
شهقت وهي تستدير بحدة لتواجهه . انها المرة الثانية التي تقدم فيها نفسها اليه . والآن , كان عليه ان يفتش عن الوقت المناسب في مفكرته.
قالت ببرود تردد كلمة التحبب التي خاطبها بها :" يوم بكامله , يا حبي ؟ هل أنت متأكد من أنك ستستغني عن ذلك النهار ؟"
قال بصوت بارد :" اظنني استطيع أن استغني عن يوم بكامله لأجل عرسنا ."
قالت وهي تظن انها لم تسمعه جيداً :" عرسنا ؟"
" حسناً . هل تقبلين طلبي الزواج منك ؟"
" أي طلب ؟"
" هو هذا . تزوجي مني ياجوانا غرانت ."
" ان هذا ليس طلب زواج , يا كلاي , وإنما هو أمر ."
سألها :" ألا تفضلين الزواج ؟"
أجابت :" انني لا أكاد اعرفك ."
قال :" ولكنك لم تكوني تعرفينني أيضاً يوم الجمعة الماضية , ومع ذلك لم يهمك الأمر ."
احمر وجهها غضباً وقالت :" كان ذلك أمراً مختلفاً."
قال وهو يطوقها بذراعيه ناظراً إلى وجهها :" كلا , لم يكن الأمر مختلفاً أبداً "
مدت ذراعيها تطوقه بهما وهي تتنهد قائلة :" لا أدري في الحقيقة ماذا اقول ."
قال :" ليس ثمة ما يقال بعد الآن يا عزيزتي , فقد اجبتني وانتهى الأمر ."
تنفست بعمق وهي تهز رأسها قائلة :" انك غير مجبر على الزواج مني يا كلاي ."
قال لها بتوتر :" اعتقد انك اوضحت ذلك بما فيه الكفاية . ولكنني اجعل من هذا شرطاً."
قالت :" ولماذا يا كلاي ؟ إن الناس لا يتزوجون بسبب الرغبة ."
قال :" أحقاً ؟ ولماذا يتزوجون إذاً ؟"
كان ما يزال يحتضنها . وشعر بجسدها يرتجف , فابتسم وقد احس بالانتصار , وهو يقول :" انني اريدك , يا جو . وعندما رأيتك تقبلين بيتر لويد , أدركت مدى رغبتي فيك ."
قالت باحتجاج :" ولكن هذه سخافة ."
قال :" اهي كذلك ؟ اقنعيني إذن ."
واحتضنها بشدة شعرت معها انه لن يتركها . وكانت عيناه قاتمتين من شدة العاطفة . ثم تنفس عميقاً وهو يقول :" الجمعة ؟"
أومأت برأسها دون أن تستطيع الجواب . وتمتم :" ساحرة . لو كانت عندك خبرة , لكنت خطرة ." ومرر يده على وجنتها وهو يقول :" سأمر عليك عند الساعة التاسعة والنصف صباحاً لنختار الخاتم , فلا تتأخري "
كان اسبوعاً غير عادي , فقد اتصلت بمكان عملها لتسأل ان كان في امكانها ان تأخذ بقية الأسبوع جزءاً من عطلتها السنوية , ولكنها لم تخبر أحداً عن السبب في ذلك , لأنها كانت دوماً تحرص على ان تجعل عملها بمعزل تام عن حياتها الشخصية , ولم تجد حاجة الى تغيير عادتها تلك لا لشيء إلا لأنها كانت مقدمة على الزواج.
منتديات ليلاس
اما اسرتها فقد كانت مسألة أخرى . ولكن جو نجت من العاصفة التي اثارها عدم قبول امها بهذا الزواج السريع , وهي تقول :" هذا جنون , يا جو ." ولم تكن أمها تدعوها قط باسمها جوانا , بالعكس من أبيها و أختها أحياناً . وتابعت أمها :" ماذا بالنسبة الى مهنتك ؟ طموحك ؟"
لقد قالت غاضبة بعد ان طلب كلاي مقابلتها رسمياً للاجتماع بها :" انني متاكده من أنه سيجعلك حاملاً في شهر العسل حتى كأنك لم تذهبي إلى الجامعة قط."
ابتسمت شقيقتها ابتسامة ذات معنى وهي تقول :" دعيها يا أماه وان كنت لا اختلف معك في وجهة نظرك , بوجه عام ."
وقالت لأختها :" أتريدين ان اساعدك في اختيار ثوب الزفاف ؟"
قبلت جو ذلك شاكرة . كانت شقيقتها هيثر , التي تكبرها بعشرة اعوام والتي كانت تعمل في محل ازياء سابقاً قد انجبت توأميها ثم اصبحت مالكة لمتجر خاص بها . لقد بحثت في أزياء الزفاف المختزنة من العام الماضي واختارت لجو ثلاثة اثواب احضرتها صباح الاربعاء لأختها لتقيسها.
قالت هيثر عندما اختارت جوطقماً عاجي اللون من الحرير :" هذا رائع يا حبيبتي , فليست كل امرأة في استطاعتها ان ترتدي تنورة ضيقة , ولكنك تمتازين بخصر نحيل ووركين جميلين معتدلين ..." وضحكت بينما أحمر وجه جو , وهي تتابع :" لابد انه سبق واخبرك بذلك ." ورفعت برقة ياقة الجاكتة العريضة لتحيط وجه جو وهي تقول :" إنها رائعة . ومن حسن الحظ أن قياسك سهل . فأنت حافظت على رشاقة قوامك مدة ثلاث سنوات والتي عشت فيها وحدك , فكيف في الثلاثة أيام القادمة ؟ هل ستلبسين قبعة ؟ جربي هذه ." وضعت جو قبعة صغيرة , لتعود فتخلعها مباشرة قائلة :" لا أظن ذلك , فإنني أرى القبعات لا تلائم شكل رأسي ."
ضحكت هيثر وقالت :" جربي هذه على كل حال . فربما تناسبك .و الآن , اغمضي عينيك ." وشدت القبعة على على رأس جو بشريط حريري ثم قالت :" والآن , انظري إلى نفسك ."
فتحت جو عينيها لتفاجأ بالفتاة الغريبة التي طالعتها في المرآة . وقالت هيثر مبتسمة :" إنها جميلة أليس كذلك ؟ يكفيك إخفاءً لجمالك تحت قبعة أبيك القديمة التي تخفي شعرك طول النهار . ولاشك أن كلاي رجل ماهر إذ اكتشف جمالك المخفي هذا."
" لقد خلعتها فعلاً , يا هيثر ."
" هل اخبرك إلى اين ستذهبان في شهر العسل ؟"
أجابت :" لن يكون لنا سوى عطلة نهاية الأسبوع فقط إذ أنه هنا في عمل ."
" لعل عمل هام كي يجعلكما تتخليان عن شهر العسل ."
أجابت جو :" هام جداً ." وابتسمت تلقيائياً , إذ ان الحقيقة هي أنها لم يكن عندها فكرة عن نوع ذلك العمل .
قال والد كلاي لجو وهو يقبلها على خدها :" تبدين بالغة الفتنة يا عزيزتي . انني مسرور جداً إذ لم تجعليه ينتظر طويلاً"
قالت جو : " انني ... لقد كان مصمماً جداً ... " واحمروجهها . فقال الرجل المسن وهو ينظر إلى ابنه بحنان :" احقاً ؟ ان من العبث مقاومته , فهو لابد ان يحصل على ما يريد , إنني أذكر عندما..."
قال كلاي :" ليس ثمة ضرورة لذكريات الطفولة يا أبي , إذا لم يكن عندك مانع ."
وأخذ بيد جو مبتعداً بها عن تلك الجماعة الصغيرة من الأقرباء والأصدقاء الذين جاءوا لحضور الزفاف , وهو يقول :" لم أجد فرصة لكي اخبرك كم تبدين رائعة ." وألقى نظرة على الضيوف ثم همس في أذنها :" أليس ثمة طريقة نهرب فيها من الغداء؟"
قالت تغيظه :" لماذا العجلة بينما أنت الذي كنت تصر على الانتظار؟"
أخيراً انتهى الغداء , وقطعت كعكة الزفاف , وودع العروسان المهنئين . قاد كلاي السيارة في الطرق الريفية ليتحول إلى الطرق المؤدي إلى النهر حيث الكوخ . وعندما وصلا, اوقف السيارة وقد ساد الصمت أرجاء المكان.
نظر كلاي إلى عروسه باسماً :" مرحباً بك في منزلك, يا سيدة تاكيراي ."
سألته وهو يمسك بيدها يساعدها في الترجل من السيارة :هل عندك مانع في ان احتفظ باسم اسرتي غرانت؟"
اشتدت اصابعه حول يدها وهو يسألها مقطب الجبين: "اتريدين ان تحتفظي باسمك؟ هل عندك اعتراض على اسمي؟"
قالت وهي تسدل جفنيها :"أبدا ياكلاي , فهو اسم رائع. ولكن اسمي اسهل بالنسبة للعمل . هذا الى انني قد تزوجتك لاجل رغبتي بك وليس لاجل اسمك." وتضرج وجهها
فلمس وجنتها بأصابعه مفكرا:" هكذا إذا؟" ومالبث ان هز كتفيه ثم تأبط ذراعها وسارا معا يجتازان الطريق وفتح كلاي الباب ثم التفت اليها وعلى فمه ابتسامة خفيفة وهو يقول :" هل احملك مجتازا بك العتبة, ام ان اعتبارك للأنوثة يستنكر ذلك , يا (انسة غرانت)؟.
سألتة:" ولماذا يفعلون ذلك ؟"
وسكتت فجأة وهي ترى في عينيه بريقا خطرا وهو يقول:" لان عادة حمل العروس لاجتياز عتبة الباب تعود الى حين كان رجل الكهف يحمل على كتفه اقرب انثى اليه , ليسلمها الى قرينها."
اطلقت ضحكة قصيرة حائرة, وقالت :" ربما علينا نحن الاثنين ان نخطو فوق العتبة لنثبت بذلك المساوة الكاملة بين الرجل والمرأة ."
لكنه لم ينتظر ان نتهي كلامها بل رفعها على كتفه وهو يقول "هراء"
احتت ثائرةاكلاي." ولكنه لم يكلف نفسه عناء الجواب , بل دفع الباب خلفه بقدمه, فأغلقه , ثم صعد بها السلم وهي تصيح وترفس بينما تطاير حذاؤها وقبعتها في انحاء المكان
قال يحذرها:" انتبهي الى عتبة الباب العليا."
ودخل يها الى غرفة النوم ثم وضعها على السرير .
زحفت بسرعة الى طرف السرير عندما استلقى هو بجانبها, ثم انتصبت على قدميها
قالت وهي تتراجع الى الخلف عندما تقدم نحوها " انني لن....."
قال:"لن ماذا , يا ( انسة غرانت)؟"

حاصرها في الزواية ثم انحنى فوقها قائلا :" الاتريدين هدية عرسك؟"
جف فمها اذ لم تتوقع منه ان يتصرف بهذا الشكل. لقد كان طيلة الاسبوع في منهتى التحفظ والحذر. ولكن الان , يبدو ان شيئا مفاجئا قد حدث. واطلقت صرخة قصيرة عندما قبض على رسغها واداره رافعا اياه الى شفتيه ليقبل العروق الزرقاء الدقيقة تحت الجلد, ثم يوزع قبلات خفيفة على راحة يدها. ورفع عينيه , لترى , عند ذاك انه كان يضحك وان كل ذلك لم يكن سوى مزاح قالت برقة:" وغد"
قال:" ليس اليوم في مابعد."
انتبهت هي الى ان ساقيها ترتجفان. وعندما رفعت يديها تدفعانه عنها, مد يده وجذبها الى مابين ذراعيه وهو يقول:" صدقيني ان عندي هدية لك."
واخرج من جيبه علبة فتحها بدت فيها سلسة مع قلب ذهبي صغير فكتوري الطراز, وهو يقول:" كانت هذه لامي."
هتفت :" انها رائعة ياكلاي. هل لك ان تضعها حول عنقي من فضلك؟"
اخرج السلسة من العلبة, فأدارت ظهرها حانية راسها لكي يتمكن من تثبيت قفل السلسة .ثم , صرخة انتصار طوقها بين ذراعيه ليرفعا عاليا ثم يسير بها نحو السرير.
استيقظت جوانا, واستدارت لترى كلاي مستلقيا على جانبه يراقبها
قال لها :" لو كنت هرة , ياجوانا , لابتدأت الان بالمواء."
اجابت:" لو كنت هرة يا حبيبي , لكنت الان لامستني الان."
ضحك بهدوء لهذه الدعوة حين اقتربت منه لتكون بين ذراعيه. لقد بقيا يومين وثلاث ليال وحبهما في ازدياد
قال متأسفا:" لقد انتهى شهر العسل وعلي ان اذهب اليوم الى العمل يا عزيزتي , وليساعدني الحظ."
قالت متسائلة:" العمل؟"
ثم انتفضت جالسة وكأنما اصابتها صدمة وهي تهتف:" كلاي, اليوم اليوم هو الاثنين."
قال لاويا شفتيه:" نعم انه الاثنين."
سألته"كم الساعة؟"
" انها السابعة , ولكن لاحاجة بك الى ان تنهضي."
زحفت تنزل من السرير قائلة:" سأتاخر"
قال وهو يجلس عاقدا يديه خلف راسه:" تتأخرين؟"
واخذ ينظر اليها وهي تتنقل بين الأدراج.
" الى اين انت ذاهبة؟ هل قررت الذهاب برحلة للتسوق مع هيثر الحلوة؟"
لا تكن احمق يا كلا, فأنا ذاهبة الى العمل" عثرت على سروال الجينز فرفعته من الدرج وراحت تسأله:" هل هذا لي ام لك؟"
واستدارت اليه لتجده هادئا ساكنا فهتفت به :"ماذا جرى؟"
قال:" انني لم ادرك انك تنوين الاسراع بالذهاب الى العمل . ظننتك ستبقين اكراما لي عدة ايام اخرى."
ابتسمت له وقالت:" ابق معي وانا انظر في هذا الامر."
امسك بمعصمها قبل ان تغير رايه وهو يقول " اسف يا جو لقد انذرتك."
قالت تستدرجه:" لابد ان عندك شيئا خاصا"
قال:" سأعود بأسرع مايمكن اعدك بذلك هل انت مصممة على الخروج؟"
قالت:" ليس هذا مناسبا للحياة العملية."
قال:"احقا؟ ظننت انك ستجدين في شخصي عملا يستغرق طيلة يومك."
" ولماذا ظننت هذا ياكلاي؟"
قال:" لا استطيع تصور ذلك انها تخيلات, دون شك."
قالت:" انني لا اصلح لعمل المنزل. حتى عندما كنت فتاة صغيرة كنت احسن صنع فطيرة من الطين افضل من فطيرة اصنعها في المطبخ فما الذي يمكنني عمله في البيت طيلة النهار؟
نهض وبحركة واحدة كان الى جانبها وهو يقول:" لقد تصورتك ياعزيزتي دوما , مرتدية المئزر, تمسحين الغبار من غرفة النوم, وتخبزين فطيرة التفاح و ......"
اتسعت عيناها هلعا وهي تقول :" كلا . انك لم تتصورني كذلك."
ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يقول:" ليس كذلك بالضبط, فإن السيدة جونسون تقوم بكل هذه العمال كأحسن مايكون."
وكانت جو قد قابلت السيدة التي تدير شؤون الكوخ واكدت لها انها لن تنتزع منها دورها هذا وفجأة ظهر الجد على وجه كلاي وهو يقول :" ولكن حديقة المطبخ في حاجة الى نزع الاعشاب الضارة منها."
قالت:" انا اسفة, اذ انني لا اميز العشبة الضارة من زهرة الاوركيد."
قال:" ذلك سهل يا عزيزتي , فاذا انت انتزعتها ونمت ثانية , تكون عشبة ضارة. اما اذا انتزعتها ولم ....."
اكملت قائلة:"ولم تنم ثانية , فهي اوركيد."
قال:" حسنا لقد كانت تجربة حسنة, ولكن بالنسبة الى الزواج من امرأة عاملة فسياخذ التعود على ذلك وقتا."
فالقت السروال من يدها. واندفعت اليه, ولكنه امسك بها قائلا:" ان عندي انا ايضا اجتماعا مبكرا, كما انك ستتاخرين عن عملك . تتاخرين جدا"
ثم دفعها بحزم اتجاة الحمام وهو يقول :" لا تمكثي طويلا يا انسة غرانت ."
على مائدة الفطور , كانا يمثلان شخصين غريبين .كان كلاي يرتدي سروال جينز وكنزة واسعة ذات ماض مجيد.
سألها:ط في اية ساعة تكونين في المنزل ؟"
اضافت جوانا تفاحة الى صندوق غذائها ثم فكرت قليلا قبل ان تجيب:" على ان انهي اخلاء شقتي . اظنني سأتنهي منها في فرصة الغذاء اذ انها اصبحت فارغة تقريبا ولكننا في حاجة الى بعض التسوق لان الثلاجة فارغة تقريبا."
قال وهو يخرج محفظته من جيبه:"ستكونين في حاجة الى بعض النقود ".
وناولها بعض الاوراق الماليه قائلا"خدي هذه الان ريثما اخصص لك حسابا في البنك لمصروف البيت."
قالت :"لا احتاج الى ذلك ,ياكلاي .علينا ان ندخر جزءا من النفقات ."
لم تتغير ملامحه. وشعرت بانها قالت شيئا اغضبه, فعادت تقول :"اقساط مثلا." وادركت حالما نطقت بتلك الكلمات ,انها غير واثقة من حقيقة وجود اقساط او غير ذلك.في الواقع ,سواء كان ثمة اقساط على الكوخ ام اي شيء اخر ,فهذا لا يعني شيئا با لنسبة الى كلاي تاكيراي سوى انها تحبه دون غاية ,ولكنها لم تكن تريده ان يظن انها تزوجته لكي تعيش معه على حسابه.
لاحت في عينيه ابتسامة وهو بقول:"شكرا لما تقدمينه ,ياجو .ولكنني اظن ان في امكاني تامين حياة مريحة لنا نحن الاثنين.والى جانب هذا ,فانت لن تبقي على الدوام فتاه عاملة ,اليس كذلك؟ اذ عندما يبدا الاطفال في التوافد ,لن يكون في امكانك المساهمة في دفع ... الاقساط."
قالت وقد شعرت بشيء من الضيق :"اطفال"
قال يغيظها :"انك تعرفين طبعا من اين باتون ام انك ربما لم تنتبهي...."
قالت بصوت حاد "نعم .ها انني ادرك الان انك لاتعني تنظيف الحديقة فقط من الاعشاب الضارة الذي علي القيام به."
قال :"سارى من سيقوم بذلك .ساعود الى البيت حوالي السابعة .هل تريدين ان تحضر لنا السيدة جونسون شيئا للعشاء؟"
قالت من دون تفكير :"ساطبخ انا."
قال وهو ينظر الى الساعته:"افعلي ماتشائين.علي ان اذهب الان." واخذها بين ذراعيه يحتضنها بقوة وحرارة قاطعا منها الانفاس ثم تابع قوله:"انتبهي الى نفسك."
ركبت جو سيارتها متجهة الى عملها ,ولكنها ,عندما وصلت ,وجدت انها لم تنتبه الى العشرة كيلومترات التي اجتازتها وهي تفكر ."عندما يبدا الاطفال بالتوافد؟" لقد تكهنت امها بانه ا يريد ان يؤسس اسرة حالا , ولكنها اعتبرت هذه الفكرة سخيفة.فالرجل ,في رايها ,لايريد اسرة والاطفال هم من تتوق اليهم المراة,ويراها الرجل ثمنا لمنزل ياوي اليه,وطعاما جاهزا على المائدة , وزوجة تشاركه سريره.لقد عملت مع الرجال طوال اليوم ,وسمعت الاشياء التي يتناقلونها, وعرفت ماذا يصنعون اثناء ساعات الغداء عندما تضخم جسمها اثناء حملها بالتوامين ,وتوقفت عن التفكير .هذا لايهم اذ انه لن يحدث لها مطلقا.
تنهدت وهي تصرف ذهنها عن كلاي وحبه واضعة التفكير فيه جانبا حيث يجب ان يبقى, مذكرة نفسها بانها امراة عاملة .ولكن فصل حياتها العملية كان اسهل عليها حينما لم يكن لديها حياة خاصة.
امضت الصباح غارقة في مشكلات لم يكلف احد نفسة عناء الاهتمام بها اثنا غيابها.
عندما اراد بيتر لويد ,اثنا الغداء ,مغازلتها بتقديم شراب لها , شعرت بالسرور لوجود عذر عندها لرفض هذا العرض وذلك بقولها:"انني اخلي اخر مافي شقتي من اشياء."
سالها باهتمام غير متوقع :" تخلين شقتك؟"
اجابت :"نعم .ارجو المعذرة فليس عندي وقت كاف."
قال:"دعي مكتب شؤون الموظفين يعرف عنوانك الجديد ,كما انني اريد رقم هاتفك."
اجابت:"ان رقم هاتفي لم يتغير ,اذ ان لدي هاتف جيب ."
وطبعا , ماكنت لتعطيه رقم هاتف الكوخ .واسرعت مبتعدة وهي تشتم نفسها لعدم انتباهها, قبل ان يوجه اليها اسئلة اخرى.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: لحظة ندم - ليز فيلدنغ - قلوب عبير    الثلاثاء يوليو 04, 2017 9:42 am

الفصل الرابع
فكرت جو بسعادة , في ان الحياة الزوجية هي اجمل كثيرا من حياة الوحدة, وذلك ان افضل طريقة لبدء عمل اليوم, هي ان تستيقظ في الصباح لترى الرجل الذي تحب, يبتسم في وجهها
قال لها كلاي بصوت اجش:" ان عملي اليوم, هو في المنزل, فلا تستعجلي في الذهاب."
كان الاغراء في البقاء بقربه , كبيرا, ولكن هذا اليوم كان غير عادي ويجب ان تكون قوية, فضحكت وقالت محاولة ان تهرب من طريقه:" اسفة, ياحبيبي. فقد اخترت اليوم اخطأ."
ولكنه امسك بها دون جهد ملحوظ, فقالت متوسلة:" ارجوك يا كلاي, عندي اجتماع الساعة الثامنة. واريد ان يكونوا عني انطباعا حسنا."
اظلمت عيناه واشتدت يداه لحظة, على خصرها, ثم اطلقها قائلا:"في هذه الحالة, ياحبيبتي, من القسوة ان اؤخرك مع انه في ايامي انا, لم يكن مهندسون البناء يدعون الى اجتماعات."
قالت:" لقد ترك المهندس الاعلى العمل, وانا اقوم مقامه." كان من الضروري ان يعلم اهمية ذلك بالنسبة اليها. وتابعت قائلة:" انني ساقدم طلبا لنيل وظيفته, لان لي يجب ان اترك لديهم انطباعا جيدا."
لم يجب , ولو لم تجد الامر سخيفا, لا قسمت على انه كان غاضبا, وابتسمت مترددة وهي تقول:" كلاي , لا استطيع ان اتاخر."
اجابها دون ان يبتسم:" اذا كان الامر بمثل هذه الاهمية لديك, فالأفضل ان تذهبي."
قالت:" لاتدع امامي خيارين, ياكلاي." فاستداراليها بوجه خال من التعبير وهو يقول:" هل صعب عليك الاختيار؟"
لم تكلف نفسها عناء تحضير الفطور, وصفقت الباب خلفها بعنف وهي تتوجه نحو سيارتها لتقودها الى عملها خلف ستار من الدموع. كانت غاضبة من نفسها دون ان تدري لماذا.
بدا الاجتماع طويلا, فقد كان عقل جو عند كلاي, تتساءل عما تراه يفعل, وانتهى الاجتماع اخيرا, واعلن احد الاشخاص للجميع ان ثمة فرصة لغذاء مبكر.
عندما خرجا من الاجتماع كانت يد بيتر لويد على ظهرها وهو يسألها:" هل انت قادمة, ياجو؟"
لقد اعطت عن نفسها انطباعا حسنا بالرغم من ذهولها العقلي , وادخل الارتياح البهجة الى نفسها لتقول له بابتسامة عريضة:" لقد امضيتم مده طويلة في فحص بياناتي."
كانت تعتذر بذلك وهي تربت بخفة على وجنة بيتر ثم خلصت نفسها من قبضتة قائلة:" ستستمع بالغذاء اكثر اذ ليس عليك ان تفكر مرتين قبل ان تلقي نكتة."
ان في امكانها ان تستفيد من وقتها هذا بالذهاب الى المنزل
ومصالحة كلاي, ولكن رؤيتها لكلاي, عندما استدارت اغفتها من الذهاب الى البيت
كان كلاي يرتدي سروال جينز ضيقا وقميصا ابيض فضفاضا مما اعطاه مظهرا مماثلا, نوعا ما لمظهر قرصان القرن السابع عشر, وكان مستندا الى سيارته الاوستن وقد عقد ذراعيه فوق صدره وهو يراقبهما وقد بدت نذر الشر على ملامحه, وخفق قلبها لرؤيته, فتركت المجموعة لتتقدم نحوه.
قالت:" مرحبا ياكلاي, ما اجمل ان اراك."
قال لها دون ان يبدو عليه السرور:"حقا؟" وفتح باب السيارة لها لكي تصعد , بنظرات آمرة. وعندما اتخذت مقعدها بجانبة لم يعد الى الكلام الى ان استدارت السيارة الى مكان هادئ حيث اوقفها تحت بعض الاشجار, ثم استدارت اليه قائلة:" حسنا, ماذا تريد؟"
اخذ يحق امامه من خلال السيارة, وقد اشتدت قبضته على المقود., ثم قال:" لست متاكدا تماما مما اريد. انني اعلم انني جئت لاعتذر عما حدث هذا الصباح. لقد اردتك ان تبقي بجانبي. ان هذا مفهوم, ولكنه ليس صوابا تماما."
القت اليه نظرة متشككة وهي تقول:" كلا, ليس صوابا تماما." لقد بدا منطقيا, ولكنها لم تكن مقتنعه.فقالت :" اذا على انا ان اكون.... حسنا , ليس على ان افعل هذا.... اليس كذلك؟"
تابع كلامه متجاهلا ماقالت:" ثم اذ بي اتوجه مع زوجتي.... زوجتي العاملة... العاملة المهنية الى درجة تفضل معها ان يظن الناس انها غير متزوجة, والتي يجب ان لا تتأخر عن الاجتماعات مها كان الامر, والتي تعبث وتغازل ذلك المغرور."
قالت بهدوء تام جاهدة ان لا ترفع صوتها:" اخبرني ياكلاي.مالذي تعترض عليه اكثر من غيره؟ام انني اغازل مغرورا؟"
امسك بكتفيها يحدق فيها بغضب قائلا:" الاثنين, واذا رايت ذلك الرجل, مرة اخرى, يضع اصبعا عليك, فانني سأدق عنقه و...."
سألته:" وماذا؟ مالذي ستفعله بي ياكلاي؟ هل ستهزني كلتلميذة مدرسة عابثة؟"
ظل ممسكا بها لحظة وقد غرز اصابعه في كتفيها. ثم تمالك نفسه بجهد, وقال:" لن يكون في ذلك فائدة. اذ انني اعلم انك لن تخافي مني او من احد غيري. ولكنني املك سلاحا واحدا نعرف نحن الاثنين, انه لا يمكنك مقاومته."
حدثت نفسها التي اهتزت من الغضب لشكوكه تلك, ان عليها ان تقاوم, ولكنها عندما رأت نفسها بين ذراعيه, لم تعد تفكر بشيء . وعندما تركها, وامارات الفوز تكسو ملامحه, وجلست تغالب دموعها وقد شعرت بالمذلة للسهولة التي استطاع بها ان يمتلك جسدها.
قال بغضب:كان يجب ان افعل ذلك هذا الصباح."
" ان وظيفتي هامة بالنسبة الي ياكلاي."
امسك بذقنها مجبرا اياها على النظر اليه وهو يقول:" لقد اوضحت ذلك من قبل. فإذا كنت تريدين ان كوني امرأة مهنية, فأنت كذلك. ويمكنك ان تستمري في تسمية نفسك الانسة غرانت كما تشائين, اذا كان هذا يسرك. ولكن لاتنس ابدا ذلك زوجتي, اولا واخيرا وعلى الوم."
سألته من بين دموعها الغاضبة:" ولماذا انسى؟ ولماذا تظنني تزوجتك اذن؟"
لوى شفتيه ساخرا, وهو يقول:" انك تزوجتني, يا جوانا, لان جسدك تذكر فجأة لماذا خلق. وكذلك لانني انا اردتك لتدركي ذلك "
سألته:" حقا؟ ولماذا تزوجتني؟"
نظر اليها لحظة, وثم اشاح نظره عنها ليدير المحرك وهو يقول:" سوف اعيدك الى العمل."
انزلها من السيارة في الوقت الذي كان فيه الاخرون يعودون من فرصة الغذاء, ووقفوا يحدقون في السيارة بإعجاب الى ان توارت في المنعطف, وعندما مرت بجانب بيتر لويد, اوقفها هذا وهو يسألها:" من هو ذلك الرجل؟"
لم تشا ان تتكلم معه لانها اذا اخرته بأي شيء , فلن تقع عيناها عليه مرة اخرى. ولكنها قالت باختصار:انه كلاي تاكيراي."
كرر الاسم مفكرا:" تاكيراي.. كلاي تاكيراي. كانني اعرف هذا الاسم. ماذا يعمل؟"
سالته ببرود:" يعمل؟"
اجاب:" ربما كان الامر مصادفة, ولكنني رايته في المكت امس, لقد انتشرت كل انواع الشائعات عمن يستلم مكان تشالز ريدموند منذ اصابته بالذبحة القلبية. ذلك ان رواتب الشركة التقاعدية كبيرة. وهي ذات اغراء كبير لنوع معين من رجال الاعمال."
ثار بها الفضول رغما عنها, فسألته:" من اي نوع؟"
اجاب:" النوع الذي لايهتم الابالمكاسب, ولايهتم ابدا باولئك الناس لبسطاء الذيم\ن يصنعون له تلك المكاسب."
قالت وقد اهتز جسمها:" ولكن كلاي ليس من هذا النوع فهو مهندس مدني وكان يعرف ابي."
القى عليها نظرة طويلة ثم قال:" حسنا ربما تعملين عن ذلك اكثر مما اعلم. انك تملكين تلك الاسهم الطيبة في الشركة التي تركها لك ابوك, فمن الافضل ان تنتبهي." وبدا في نظرته المكر وهو يتابع:" ربما يحاول السيد تاكيراي ان يوقعك في غرامه"
قالت:" اسفة فانا لم اسمع بشء, ارجو المعذرة." ولم تنتظر لتسمع جوابه. ولكنها, عندما انفردت بنفسها في مكتبها, واخذت تفتش في حقيبتها عن الرسالة التي سبق وتلقتها من مكتب المحاماة بشأن رفع المبلغ لشراء اسهمها.
يبدو انه كان يعلم. ووصوله حين تعارفا, تصادف مع رفضها للعرض الاول, واخذت تحق في الرسالة طويلا, ثم ابتدأ قلبها ينبض بالالم , واخذت تحدق في الرسالة طويلا , ثم ابتدأ قلبها ينبض بالالم, لتخنقها غصة. ومدت يدها الى الهاتف , كان من الحماقة ان تتجاهل ذلك . واذاكانت تجهل الاغراءات في استلام مكان تشارلز ريدموند , فعليها وحدها يقع اللوم. وذلك انها مسؤولة تجاة ريدموند ونفسها كشريكة.فعلى الاقل إذن, عليها ان ترى ماذا يدور هناك, ليس لانها ظنت ان كلاي متورط في الامر, ابدا, ولكن,عندما سالته لماذا تزوجها, لم يجبها بشيء. كما انه لم يذكر شيئا عن زيارته الى مكتب شركة ريدموند.
الحقيقة انها لاتكاد تعرف الان عن نوع اعماله اكثر مما كانت تعرف في اول تعارفهما. وفي وثيقة زواجهما كتب ان عمله هو مدير شركة. وعندما سألته اية شركة, اكتفى بالابتسام وهو يقول:" كانوا نصف دزينة في آخر احصاء. انما لابأس, فأنا لا اظنك سمعت بأي منها"
ثم اخذها بين ذراعيه فنسيت كل شيء.
في ذلك المساء, اخرجت من خزانتها صندوق احذية فارغا لتجد فيه وثيقة اسهمها في الشركة. وكانت عندها اغلى من النقود. لقد ساعد والدها تشالز ريدموند عندما تعرضت الشركة للإنهيار قبل سنوات , فأقرضه مبلغ التأمين على الحياة التي تخصه وكانت هذه الأسهم مكافأته من الشركة. وقد أراده أن يلتحق معهم بمجلس الميرين ولكن أباها امتنع لأنه لم يكن مهتماً بمالية الشركة ومعملاتها . لقد كان مهندسا مدنيا ولم يشأ أن يغير من واقعه ذاك , ولقد ترك لها سندا , لأنها ستكون في حاجة إلى سند في عالم الرجال , ولم تتوقع أن تؤول إليها تلك الأسهم بتلك السرعة , وساورها شعور بالذنب لأنها اعتبرتها من حق أمها . ولكن الأم التي كانت قد تبنت وجهة نظر الأب , ورفضت هذه الأسهم حين عرضتها ابنتها عليها.
أجفلت وهي تسمع صوت كلاي يقول :" مالذي تفعلينها؟"
ورفعت ناظريها من حيث كانت جالسة على الأرض تحيط بها الأوراق , ولم تكن قد سمعت صوته وهو يصعد السلم.
أجابت :" كنت أبحث عن بعض الأشياء." وحاولت أن تعيد الوثيقة إلى المغلف , ولكن كلاي وقف إلى جانبها ومد يده يأخذها من يدها . وتفحصها مفكراً ثم نظر في عينيها اللتين كانتا تراقبانه وهو يقول :" يجب أن تكون هذه في مكان آمن في الطابق الأسفل ، يا جو ، فهي وثيقة هامة جداً."
ردت عليه قائلة :" أعرف ذلك." وارتفع حاجباه بحدة إزاء لهجتها الجافة بينما تابعت قولها :" فكرت في أنها يجب أن تكون


في البنك ولهذا كنت أبحث عنها ."
سألها :" وهل نويت أن تبيعيها ؟" كان في صوته اهتمام غير عادي مع انه كان يتكلف عدم الاهتمام.
حاولت أن تتذكر ما إذا كانت قد ذكرت أن العرض الذي قدم إليها كان من أجل أسهمها في ريدموند ولكنها لم تتذكر.
قالت :" لا أفكر في بيعها حالياً. إنما في أن الوثيقة يجب أن تكون في مكان آمن ."
قال :" معك حق. هل تريدين أن أقوم بذلك من أجلك. يمكنني أن أضعها لك في خزنتي."
تساءلت عما إذا كان وجود الوثيقة في حوزته تمنعها من البيع لأي شخص آخر , فتكون الوثيقة بمثابة السند الذي ربما يحتاجه هو ليسيطر على شركة ريدموند.
قالت :" إنني ... لقد سبق وتحدثت مع البنك وسأذهب إلى المدينة غداً لإيداعها."
قال وهو يسلمها إياها :" فهمت. في هذه الحالة سأترك الأمر لك لتتدبري الأمر، انتبهي إليها."
أعادتها إلى مغلفها , ثم أخذت تجمع بقية الأوراق ولكن حضوره جعلها مطظربة. وفي النهاية هو ورتبها ثم ناولها اياها. ومنذ عودتها الى المنزل, لم يتبادلا اي حديث الا الكلمات الضرورية المهذبة. ولكنه مرر يده على وجنتها برقة بالغة وهو يقول :" انه مساء جميل, ياجو لماذا لا نذهب لتنمشى؟"
حاولت ان تبتسم وهي تقول:" نتمشى؟"
قال:" نعم, إذا شئت, سارافقك حالا"
كان الشاطئ مزدحما, والنهر غاصا بالزوارق التي تحمل القادمين لإستمتاع بجو شهر تموز- يوليو, وقوارب النزهة البخارية كانت في الماء بأعداد كبيرة. وسارا فترة دون ان يتبادلا الكلام .ذلك ان جو لم تستطع التفكير في موضوع لايعيدهما الى ذلك الجو المتوتر. ولكن كلاي امسك بيدها وهو يشير الى اسرة من البط. فقالت :" هنالك عش قرب مرسى الزوارق عندنا ." وكان صوتها يرتجف من الشوق لنسيان كل شيء حدث بينهما منذ استيقظت ذلك الصباح, وتابعت:" ولكن البيض بم يفسق بعد...."
وتلاشى صوتها.
قال:" كنت اريد ان اتحدث معك عن المرسى ذاك.هل تخحبين الزوارق؟"
قال:"من اية ناحية"
قالت:"من اي ناحية كانت."
قالت:"كلا. لا اظن ذلك, اذ انه لم يسبق ان كنت ركبت في شيء اكبر من زورق حقير ذي محرك."
قال:"يمكنني ان اقوم بشيء افضل, فقد تحدثت الى شخص هذا الصباح لكي يلقي نظرة على بيت الزوارق, ذلك انني صممت على اصلاحه."
هتفت:" اصلاحه؟"
وفكرت في امكانية اصلاح تلك الكومة المتهالكة التي يطلق عليها اسم (بيت الزورق)
من باب التبجيل, وتابعت قائلة:"ليس ثمة سوى القليل الذي يمكن اصلاحه واظن الكلمة المناسبة هي ان تقول نعيد البناء."
لاحت على شفتيه شبح ابتسامة وهو يقول:" ربما .كان يجب علي ان اوفر دفع ثمن الاستشارة واسألك انت"
" ولكن كان في استطاعتك القيام بذلك بنفسك."
"يمكنني ان اقوم بكل شيء بنفسي ياجو, ولكن وقتي لايسمح بذلك."
"لايسمح بذلك؟"
وحاولت ان تتجنب سؤاله عما يعنيه بالضبط بالنسبة لما يملا به وقته. فقال:" حسنا, انني احتاج الى عامل معين, هب يمكنك انت ذلك؟"
" سيكون هذا مسليا."
وابتسمت وهي تتصور نفسها تعمل معه جنبا الى جنب. وابعدت هذه الصورة من ذهنها ببطء متابعة قولها:" انني اشاركك رأيك, ولكن من هو الذي سيتعهد البناء؟"
"شركة ريدموند, ذلك انها تقوم بالبناء على شاطئ النهر مما يجعل اختيارنا لها واضحا."
هتفت:" أوه... ريدموند . هذا رائع."
وشعرت وهي تنطق هذه الكلمات براحة نفسية مفاجئة فقد كان قوله هذا تفسيرا معقولا لوجوده في المكتب. فقد كانت نفسها تتردد لكي تسأله عن ذلك. حسنا, لقد صلح كل شيء الان بصورة مفاجئة
قال بجفاء:"انني مسرور لسرورك هذا: ووقف ناظرا اليها باستغراب قائلا:"مابك؟"
كانت تبتسم بغباء وهي تستطرد:" لا شيء ابدا."
كانت تبتسم بغباء وهي تستطرد:" الا انني جائعة الى درجة لاتصدق."
وقال وذراعاه حول وسطاها:" حقا؟ حسنا, فانت لم تتناولي طعام الغذاء , كما انك لم تاكلي جيدا اثناء العشاء."
قالت:" ولكذلك انت. ربما من الافضل ان اترك الطبخ للسيدة جونسون."
قال:"ولكن طبخك جيد..... ولكنني لا اشعر بانني..."
وتوقف , ثم قال:" فلنعد الى البيت ياجو."
في مابعد, وهي مستلقية في فراشها في الظلام اخذت تستعرض احداث اليوم مرة اخرى محاولة ان تعرف السبب الذي جعل النهار بهذا السوء وخيرا, قررت ان الثقة هي اصل كل شيء. ذلك ليس ثمة سبب يجعل كلاي يعمل ضد مصلحة شركة ريدموند ومستخدميها , وخامرت الشكوك نفسها. وانتهت الى انها وكلاي مازالا شبه غريبين خارج الفراش. ولكن الزمن كفيل باصلاحه . وابتسمت عندما اخذها بين ذراعيه . وتمتم قائلا:" هيا, ارقدي"
ردت عليه:"ساعدني على ذلك."
قال لها على مائدة الفطور:" اذا كنت ستذهبين الى المدينة اليوم, فلماذا لاتمرين علي في المكتب؟"
اجفلت جو, وهي تشعر بالذنب , مالذي جعل كلاي يدرك انها ذاهبة هذا النهار الى مكتب المحامين؟ وتابع هو قوله: " لقد سبق وقلت انك سأخذين وثيقة اسهمك الى البنك."
وشعرت بوجنتيها تلتهبان بينما تابع قائلا:" الا اذا كان لديك مشورع اخر, طبعا."
قالت:" كلا . احب جدا ان ارى مكتبكانني سأنتهي في الساعة الثانية عشرة كما اظن."
قال:"في هذه الحالة, سأجعل سكرتيرتي تسجل اسم الانسة غرانت لاجل الغذاء," ووقف وقبلها على وجبينها وهو يقول:" لاتتاخري."
اجابت مازحة:"كلا ياسيدي !سأراك في مابعد."
في الساعة الحادية عشرة , كانت في مكتب شركة المحاماه في المدينة التي بدت وكانها ابتدأت العمل منذ اعتلت المكلة فكتوريا العرش. وفكرت جو بأن من الممكن جدا ان واحدا او اثنين من الموظفين هما من المستخدمين الاوائل ما زالا احياء يعملون!
لكن السيد هنري دبلداي لم يكن واحد منهما بالتأكيد فقد كان انيقا رقيقا سحرها بشخصيته. ولكنها عندمانهضت بعد نصف ساعه لم تكن تعلم عما جاءت لأجله , اكثر مماكانت تعلم من قبل, من ان العرض لشراء اسهمها في الشركة قد قدم من شخص فضل ان يبقى اسمه مجهولا, وقد اجتهد السيد دبلداي ان يبين لها كيف ان ذلك العرض كان اعلى من اسعار السوق, وسألت اذا كان ثمة شخص اخر قد قدم مثل هذا العرض, ولكنه لم يكن من المفروض ان يجيب عم سؤالها هذا, كما قال. وسألتهعن السبب الذي يجعل ذلك السيد يدفع مثل هذا المبلغ, ولكن هذا كان سرا هو الاخر. وسألته كيف عرفوا انها تملك اسهما فاخبرهاان ذلك موجود عادة في السجل العام وهذا لم تكن تعرفه من قبل.
سرعان ما ادركت انها لن تعرف شيئا من هذا الشخص. ولكنها وجدت لنفسها عذرا في ان ذلك لم يعد مهما, ووعدت بان تعيد التفكير في هذا العرض في محاولة التغليف كذبها بشيء من الحقيقة. ونظرت الى ساعتها لترى ما اذا كان في امكانها الذهاب الى البنك الان لايداع الوثيقة لتجد ان من الافضل ارجاء ذلك الى مابعد الغذاء.
أوقفت سيارة , وأعطت السائق عنوان مكتب كلاي الذي كان في بناية ضخمة رائعة.
صعد بها المصعد إلى الطابق الحادي والعشرين ، حيث سارت في ممر فخم مغطى بالسجاد جلست في نهايته فتاة حمراء الشعر رائعة الجمال وراء مكتب الاستقبال ، وشملت الفتاة ملابس جو بنظرة فاحصة ، وبدا عليها أنها لم تجدها متناسبة.
قالت جو تقطع عليها فحصها هذا :" ان السيد تاكيراي في انتظاري انني جوانا غرانت."
اخذت الفتاة تنظر في قائمتها وهي تردد:" الانسة جوانا غرانت."
وبيدو انها ادركت ان هذه المرأة لايمكن ان يكون لعا عمل يتعلق بأمثال كلاي تاكيراي.
اشارت الفتاة الى كرسي لتجلس جو عليه وهي تقول متنهدة:" تفضلي بالجلوس, وسارى ان كان غير مشغول."
وكانت متنهدة:" تفضلي بالجلوس , وسارى ان كان غير مشغول."
وكانت تصرفات الفتاة العفوية تبعث على التسلية لو لم تكن جو تشعر بالضعف. ولاول مرة, شعرت بالندم لاحتفاظها باسمها بعد الزواج. ولكنها البثت ان نبذت هذا الخاطربإزدراء ذلك انها في مهنتها, لابد ان تجعل كل انسان يعرف انها ابنة جو غرانت.
اتصلت الفتاة هاتفيا, وبعد ثوان اقبل كلاي مادا يده بتحية متكلفة قائلا:"الانسة غرانت, انك شرفتنا بحضورك." وكانت ملامحه بمنتهى الرصانة.
مدت يدها تصافحه برزانة قائلة :" السيد تاكيراي؟ لقد سمعت الكثير عنك."
سالها بشكل جاد:" هل يدعو ذلك الى قلقي؟"
همست:"كثيرا" ثم قالت بصوت عال وهي تدير ناظريها حولها:"كنت متشوقة الى رؤية مكتبك."
قال:"اخشى ان لايكون الوقت كافيا الان"
امسكها بذراعها يقودها بعزم نحو المصعد , ولكنه توق لحظة امام موظفة الاستقبال قائلا:ط سأعود حوالي الثانية والنصف, ولكن اذا وصل هنري قبلي فقدمي له القهوة واخبريه انني لن اتاخر طويلا." وتركها بابتسامة دافئة.


اجابت الفتاة وهي تلتهمه بناظريها:" نعم, ياكلاي."
وشعرت جو بطعنه غيرة في اعماقها. وفتح باب المصعد, فدخلا اليه ثم التفت الى كلاي قائلة:" هل تعرف تلك الفتاة انك متزوج؟"
اجاب:"ليس من عادتي ان ابحث شؤوني الخاصة مع المستخدمين عندي
ولابد انك تتعاطفين مع رغبتي هذه.....هل تراها ازعجتك."كانت اساريره جامده وهو يتكلم فأجابت:" ولماذا تزعجني؟" وظنت نفسها تبتسم.
قال وهو كتفه :" يظهر ان ذلك قد حدث, انني اعدك ياجو, انه في اليوم الذي ترضين فيه ان تحملي اسم تاكيراي, سأضع اعلانا في كل الصحف المحلية لاجعل العالم كله يعلم انك زوجتي."
قالت بلامبالاه:"سأعلمك بذلك في جينه."
اوقف البواب لهما سيارة, حملتها الى غريك ستريت لتنزلهما عند باب المطعم وصعدا لى الطابق العلى حيث جلسا الى مائدة في زاوية بعيدة عن القاعة.
قال كلاي :" في امكاننا هنا ان نرى كل شخص." ونظرت جو حولها باهتمام حيث كانت صور مشاهير الممثلين مألوف لشخص يجلس الى مائده قريبة.
سالته:" اليس ذلك الشخص هو..."
اجاب كلاي دون ان يرفع عينيه عنها:" اظنه هو ما دمت تقولين انت ذلك."
طلبا سمكا وصلصة المحار , ثم جلسا يراقبان الداخلين والخارجين من المشاهير, ونسيت جو كل شيء عن اسهمها, والجميلة ذات الشعر التحمر, حين اخذ كلاي يسليها. وسألته:" هل تأتي كثيرا الى هنا؟" وجاء النادل ليضع امامها الحلوى, فاستطردت:" يبدو ان الجميع يعرفونك."
اجاب:" في مناسبة كهذه المناسبة الان, اي عندما استضيف احدا."
قالت:" مثل من على سبيل المثال؟"
نظر اليها مبتسما وقال:" فقط بشان العمل ياجو."
اخذت تعبث بشوكتها وهي تقول:" انك لم تخبرني قط عن نوع عملك."
استقام في جلسته وهو ينظر اليها مفكرا ثم قال:" كلا! اذ دوما عندما اكون معك تكون بيننا اشياء اكثر اهمية."
اجمر وجهها قليلا, ثم قالت:" يمكنك ان تخبرني الان."
قطب جاجبيه وهو يقول :" هل لذلك اية اهمية؟"
قالت وهي ترفع كاس الماء الى شفتيها الجافتين:" كل ماله علاقة بك يهمني."
هز كتفيه قائلا:" لقد سبق واخبرتك انني مستشار , انني اعين المشكلات التي تقع في هيكل الادارة ثم اعمل على اصلاحها."
قالت وقد اصابها الاضطراب لهذا الجواب الذي لايحمل التفاؤل:" ولكنك منهدس مدني؟"
اجاب:" مبدئيا نعم. ولكنني بالعكس من ابيك ياجوانا لم اجد في التعامل مع الاسمنت مايرضي طموحي واهتمامي."
تمتمت :" كان يجب ان يكون لك مقعد في هيئة الادراة؟"
كانت تحدث نفسها اكثر مما تحدثه, ولكنه قال فورا:" مقعد في مجلس الادارة؟"
وجدت نفسها تخبره عن الوقت الذي ساعد فيه ابوها تشالز ريدموند في انقاذ الشركة وكيف ان والدها رفض ان يكون في مجلس الادارة.
قال كلاي مفكرا:" لم اكن اعلم, ياجو ان والدك قد عرضت عليه عضوية مجلس الاداة. كان ينبغي عليه ان يقبل. ربما ينبغي عليكح انت ان تطلبي ذلك."
اجفلت ثم ارخت جفنيها لتخفي مخاوفها التي استيقظت فجأة نتيجة بعد نظره. ثم قال:" لاتكن غبيا فأنا لا اعرف شيئا عن ادارة الاعمال."
قال:" لاشيء؟"
وحبست انفاسها معتقدة ان الوقت قد حان لكي يسألها عن اسهمها في الشركة. ولكنه بدلا من ذلك, ضحك وهو يقول:" انني اوفقك على ماتقولين ما دمت تحتفظين بوثيقة اسهمك تلك, في صندوق الاحذية."
تنهدت بارتياح وهي تقول:" انه صندوق ابي."
قال والدك بعمله على ساق واحده, فأنك حتما ستقلدينه في ذلك."
هزها العنف البادي في صوته, وقالن :" انني لست....."
ولكن صوتها اختفى إزاء نظرة الازدراء التي رمقها بها وهو يتابع قائلا:" اليس كذلك؟"
تنفست بعمق وهي تقول:" لقد كنت دوما اريد ام اكون مثله, ياكلاي . كان انيس المحضر ماهرا. وعندما اصطحبني ليريني البنايات الضخمة التي انجزها اردت ان افعل مثله." ولم تقل اكثر من ذلك.
اخذ بيدها قائلا:" لقد كان جو غرانت احد افضل الرجال الذين عرفتهم ياحبيبتي. لقد كانت له اخطاؤه كأي شخص اخر, ربما حان الوقت لكي تحاولي ان تكوني جوانا, اذ ان لها كل الحق في ان تكون لها شخصية خاصة بها."
كان ادراكه العميق هذا مخيفا. واشاحت بوجهها بسرعة لتقع عيناها على شخصية مشهورة صرفت انتباهما عن الموضوع.
لك تكتشف جو انها لم تاخذ وثيقتها الى البنك الاعندما جاءها مفتش القطار, اثناء رجوعها الى منزلها, ففتحت الحقيبة لتخرج له التذكرة لتجد الوثيقة المنسية تلك.
انتابها شعور بالتعاسة لنهارها ذاك الذي لم يسفر عن اي عون لها .
ولو كان تشالز ريدموند موجودا لذهبت لرؤيته, ولكنه كان يمضي ايام النقاهة في جنوب فرنسا اثر نوبة قلبية خفيفة ولن يعود قبل اسبوعين او نحو ذلك
خطر في بالها انه قد لايكون على علم بما حدث. وامعتنت التفكير في الحكمة من وراء الكتابة اليه, ذلك انها لم تشا ان تكون السبب في نوبة قلبية اخرى تصيبه. ولكن لم يكن ثمة سبب يمنعها من الكتابة اليه للسؤال عن صحته, ثم تذكر له, بشكل عفوي, العرض الذي قدم اليها لشراء اسهمها سائلة اياه النصيحة, وبعد ان قررت هذا, شعرت على الفور بانها افضل حالا. ولم تعرف لماذا لم تفكر بذلك من قبل. وهكذا, بدلا من ان تعود الى عملها, اتصلت هاتفيا بالمكتب لتأخذ عنوانه من سكرتيرته.
كانت تجلس الى منضدة الزينة في غرفتها تلصق غلاف الرسالة عندما سمعت صوت كلاي يناديها:" جو , اين انت لدي ما اخبرك به."
وسمعت وقع خطواته صاعده السلم. وعندما فتح الباب فجأة اجفلت هي, شاعرة بالذنب , وهي تستدير فتقع حقيبتها على الارض لتفتح وتتبعثر محتوياتها على الارض.
بدت في عيني كلاي نظرة تسلية وهو يرى ماحدث, ثم قال:" هيا , ساساعدك في لملمة كل هذا تسمرت عينا جو على المغلف الذي يحوي الوثيقة, مدركة ان عيني كلاي لت تغفلاه.
حاولت ان تلهيه بقولها:" دع عنك كل هذا, فسألمها انا في دقيقة واحدة, وهات ماعندك من اخبار."
لكنه كان قد سبق وانحنى لتقبض يداه على علبة بلاستيكية صغيرة فوقف واضعا اياها على راحته وهو يمدها اليها سائلا :"ماهذا؟"
انتقلت عينا جو من هذه العلبة الى وجه زوجها الذي ارتسم الشر على ملامحه مرسلا في جسدها رعشة خوف ثم قالت بهدوء:"انك تعرف ماهي هذه."
اخذ يهز العلبة بهدوء لتهز حبات منع الحمل في داخلها وهو يقول :" اه نعم . انني اعرف ماهي . ولكنني اريد ان اعرف سبب وجودها في حقيبة يدك."

قالت:" وهل هذا في حاجة الى ايضاح, ياكلاي؟ انني امرأة ذات مهنة وقد قدمت طلبا لوظيفة مهندس اول هذا النهار, وانا متأكدة من الحصول عليها0 ويمكنك ان تتصور ماذا يظنون عندما اخذ اجازة وضع بعد شهرين ذلك ان شركة ريدموند لن توظف بعد ذلك امرأة في البناء ابدا. ومن يلومهم عند ذلك؟"
قال:" انني لا اكترث مطلقا لخطط شركة ريدموند بالنسبة لتوظيف النساء, ولكن هذه الحبوب يهمني امرها جدا"
تجنبت عينيه قائلة:" انني لست مستعدة للتخلي عن كل ماتعبت في الحصول عليه, ولكي انشئ اسرة."
قال وقد تجلى الالم في لهجته الهادئة:"الاتظنين ان من حسن التهذيب..... ان تخبريني عن هذا الامر الذات على الاقل؟"
اجابت:" ماهذه السخافة, ياكلاي؟ انك طبعا, لم تتوقع مني ان اتي بابن بعدج تسعة اشهر من زواجنا"
قال:" ان تاتي ببنت تكون مقبولة هي ايضا."
قالت:" انني لا اصدق هذا, فأنت لم تذكر شئا عن الاطفال عندما عرضت علي الزواج."
قال:"سامحيني, اذ كنت اظن ان الزواج هو نوع من الالتزام للطرفين. ام انك لا تحبينني الى درجة تكفي لتجعلك تحملين اولادي؟"
قالت:"الحب؟" وابتدأت الدموع تتجمع في عينيها الان ولكنها لم تسمح لها بالانهمار. ومتى تحدث هو عن الحب اصلا؟ وتابعت قائلة:" ولكن الرغبة هي التي جعلتنا نتزوج, بالتاكيد, ياكلاي. اليس هذا ماسبق وقلته انت بنفسك؟"
قبضت اصابعه على العلبة بشدة وهو يقول:" لم اكن ادرك انك اخذت كلماتي هذه حرفيا."
وتراجعت هي الى الخلف وقد تملكلها الخوف من النظرة الصارمة التي بدت في عينيه. تحرك بسرعة يسد عليها الطريق قائلا:" الى اين تذهبين؟"
اجابت متلعثمة:" ان ... انني يجب ام اجهز العشاء."
القى العلبة من يده وهو يمسك بمعصمها يشدها اليه وهو يقول:" دعي العشاء لما بعد, اما الان, فهذا اوان الرغبة اذن."
اخذت تناضل للتخلص منه وتضربه على كتفيه بثورة صامتة, ولكنه تجاهل عنفها هذا, وظلت يده قابضة على يدها بشدة انما دون ان يؤذيها.
هتفت:" كلا, ارجوك"
قال:"ارجوك ماذا,ياجو؟"
لكن النار مالبثت ان اشتعلت في جسدها, لتتهاوى بين ذراعيه.
كانت المشاعر, عند ذاك, تحوي من الرغبة اكثر مما تحوي من الحب في النهاية, واذا لم تعد ذراعاه تحويان اي معنى للحنان, قال لها بابتسامة الظافر:" من كان يظن يا انسة غرانت ان وراء مظهرك البارد هذا, يكمن نمر هائج؟"
لكنها تملصت منه وركضت الى الحمام , تدير صنبور المياة البارد تبرد حرارة العار الذي تشعر به من جراء تجاوبها البالغ معه, ولتتوارى عن تلك العينين ونظراتهما ذات المعنى, ولكن صدى ضحكته تبعتها الى الحمام مسببا لها الصداع.
بعد فترة, لفت نفسها بمعطف الحمام, ثم خرجت. كان هو مستلقيا بظهره على الوسائد, يقلب بين اصابعه علبة الحبوب
سالها بوجه خال من التعبير:" اما زلت تريدين هذه؟"
لم تكن قادرة على الاجابة. لم تكن تدري ما الذي تريده اكثر من الشعور بالسكينة والراحة بين ذراعيه ولكن هذا لم تحصل عليه. نهض من السرير , فاشاحت بناظريها عنه, ولكنها اجفلت هو يدس في راحتها العلبة ويطبق عليها اصابعها بعنف قائلا:" خذيها اذن ولكن لا تستعمليها لاجلي انا, يتحبيبتي لانني مسافر الى كندا غدا."
هتفت:" كندا؟"
قال:" ذلك كان الخبر الذي اردت ان اخبرك به. وقد فكرت في انك تريدين مرافقتي لكي تنعوض عن شهر العسل الذي فاتنا, ولكن , من الواضح ان عملك ياتي اولا." وازاح خصلة من شعرها عن عينيها متابعا:" انك ابنة ابيك ياجو حتى تراب الاسمنت في شعرك." ومدت يديها اليه تريد ان تمسك به , لكي تقنعه بحبها, ولكنه كان قد استدار مبتعدا عنها نحو الخزنة حيث اخذ يضع ثيابه في حقيبه من القماش
تملكها خوف, وقالت:"ولكنك قلت غدا."
اجاب:" سأمكث في فندق المطار هذه الليلة ومالذي بقى من هذه الليلة, على كل حال؟"
قالت متوسلة:" كلاي , ارجوك"
رفع ناظريه اليها قائلا:" اسف, ياعزيزتي كان عندي مايكفيني هذه الليلة..."
وشهقت بينما كان يقفل الحقيبة مظهرا الارتياح ثم قال:" سنتحدث في مسألة زواجنا عندما اعود ياجو. ربما في هذه الاثنا, يمكنك ان تعاودي التفكير في ماتعتبرينه من الاولويات بالنسبة اليك."
ومالبث ان دخل الحمام مغلقا الباب خلفه بعنف
الحمام مغلقا الباب خلفه بعنف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: لحظة ندم - ليز فيلدنغ - قلوب عبير    الثلاثاء يوليو 04, 2017 9:45 am

الفصل الخامس:
كانت جوانا تنتظره وقد ارتدت ثيابها, عندما نزل الى القاعة وهو يلقي نظرة على ساعته قائلا:" لماذا لم تنامي بعد. الوقت مازال مبكرا لذهابك الى العمل حتى بالنسبة الى موقفك الخاص."
اجابت وقد صممت على ان لاتدع فرصة لاية مناوشات الان:" كلا, ابدا فإن عمل البناء مسمر على مدار الساعة."
قال:"حسنا, ستبقين لذلك, مشغولة على الدوام اثناء غيابي. دون ان يشغلك عن عملك هذا زوج متعب."
هزت راسها قائلة:" انني لست داخلة في مناوبات العمل الليلي, ياكلاي."
ابتسم ساخرا وهو يقول:" وهل تحتملين ذلك بما فيه من تمييز بين الرجل والمراة
قالت بسرعة" ولكنني كنت مسرورة بذلك لاكون بقربك."
ولكنه رفع فقط حاجبه غير مصدق. وتجمدت هي لحظة ثم تناولت حقيبتها تفتش فيها عن مفاتيحها لكي لاترى النظرة الباردة القاسية في عينيه. وتابعت كلامها:"لقد ارتديت ثيابي لكي اوصلك الى المطار."
قال:" لقد سبق واستدعيت سيارة اجرة, وستكون هنا في اية لحظة."
وتأكيدا لكلامه, تصاعد صوت بوق السيارة عند البوابة الخارجية
سالته جاهدة في الاتدعه يرى مقدار لهفتها:"متى ستعود؟"
قال:" سارسل اليك خبرا بذلك."
وابتدا قناعها البارد ينهار وهي تقول:" ايمكن ان تترك لي عنونك؟ او رقم هاتفك؟"
قال وهو يفتح الباب:" اذا كان ثمة اي شيء مستعجل فان مكتب سيتصل بي."
وقف برهه ينظر الى السماء القاتمة, ثم مالبث ان غاص الظلام
ارادت ان تركض خلفه في الطريف, ان تلحق انوار السيارة المبتعدة في الطريق نحو الشارع العام, لكي تخبره كم تحبه, لتجعله يستمع اليها, لتعده باي شيء يريده منها ولكنها التصقت بالباب لتتهاوى على الارض واضعه خدها على الارض الخشبية القديمة الباردة, حتى نبهتا وقزقة العصافير الى بزوغ الفجر.
نهضت وقد تصلب جسدها, ثم صعدت الدرجات. كانت محتويات حقيبتها مازالت مبعثرة على الارض, فأهخذت تلمها لتعيدها الى الحقيبة كيفما اتفق, ماعدا الحبوب, التي رمتها في القمامة. عندما يعود كلاي سيتدحاثان في الامر ويقلبانه من كل الوجوه.عندئذ, ربما سيكون في امكانهما ان يبدا من جديد.
مرت الايام وابتدأت الام الشوق اليه.لقد تاقت حتى الى سماع صوته.ولكنه لم يتصل بها او يكتب اليها. وحاولت ان تخحدث نفسها بنه على حق .فقد كانت في حاجة الى وقت تقرر فيه امر مستقبلها. وعندما تعالى رنين الهاتف, هرعت اليه, مقطوعة الانفاس, ولكن لتشعر بخيبة امل وهي تسمع صوت امها.دعتها امها لقضاء عطلة الاسبوع عندها وفكرت هي في ان ذلك قد يساعدها على تغير شعورها بالوحدة. ولكن مرور يومين عليها, متصنعه الشجاعة والهدوء امام امها, جلعها تتمنى لوبقيت في بيتها حيث ليس ثمة من يلاحظ امتاع وجهها وحيث لاتكون في حاجة الى تجب الاسئلة الفضولية حول احتمال ابتدائها بتكوين اسرة.
بعد ظهر يوم الاحد, جاءها استدعاء مستعجل من بيتر وجدت فيه فرصة للهرب, حين قال لها:" اسف لاستدعائك, ياجو. زلكن المهندس مايكل نقل الى المستشفى لاجراء عملية الزائة الدودية بصورة مستعجلة, وانا لدي واجبات عائلية."
قالت:" ليس ثمة مشكلة هناك."
قال:" لا اعني بالنسبة اليك وانما بالنسبة الي انا, واذا انك غير معتادة على العمل الليلي."
قالت:" هذه سخافة."
اجاب:" نعم, اعرف هذا.لقد اخبرتهم في المكتب, بانك ستقبلين اخذ مكانه في العمل. ولكن مايحيرني هو تلقيك الخبر بمثل هذا الهدوء."
هزت كتفيها بعدم اكتراث, قائلة:"حسنا لاتقلق, فانا لن اتحدث عن هذا الامر اذا انت نفسك لم تتحدث عنه."
ولكنها كانت ليلة طويلة شاقة, وشعرت بالاتياح وهي ترى سيارة بيتر في الموقف في الصباح. وما ان انهت توقيع تقرير العمل, حتى القت نفسها في سيارتها وهي تلهث من التعب.
اطل عليها بيتر من نافذة سيارتها وهو يقول:" لا اظن ان في استطاعتك قيادة سيارتك بنفسك, ياجو, لماذا لا تدعيني اوصلك بسيارتي؟"
لم تستطع ان تناقشه اذ كانت تشعر بالدوار والغثيان من التعب. ولمتعرف كيف اوصلتها قدماها الى سيارته.
استيقظت عندما وقفت بها السيارة خارج الكوخ. وكان ذهنها مشوشا وهي تسأل " ماذا؟" ولكنها سرعان ما أدركت أنها أمام بيتها ، فتابعت ،" آه، ها قد وصلت إلى البيت."
قال وهي ينحني إليها يفتح لها باب السيارة وقد كاد وجهه يلتصق بوجهها :" هاقد وصلت آمنة وفي أحسن حال ."
بدت في عينيه نظرة ماكرة وهو يتابع قوله وقد كور شفتيه:" أفلا استحق مكافأة؟" وقبل ان تتحرك، كان قد قبلها . دفعته عنها بعنف وهي تنزل من السيارة بسرعة ولكن صوته تبعها قائلا:" حسنا،لقد علمت الآن لماذا لم تعترضي على دوام الليل."
نهرته قائله : " معذرة؟"
أجاب:" انني لا انسى تلك السيارة الواقفة هناك."
واستقرت عينا جو على سيارة الأوستن التي كانت واقفة على الحصى في الطريق لتنتبه فجأة إلى معنى ماترى وقالت:" ليس الأمر كما تظن يا بيتر."
تبعتها ضحكته وهو يقول :" ذلك يعود إلى نوع تفكيري."
لكنها لم تكد تسمعه وهي تركض مجتازة الطريق نحو الكوخ. لقد أصبحت الأمورفي نظرها في غاية السخافة.
فهي متزوجة الآن . لقد طال التصاقها باسم ابيها إلى درجة كافية . وهي لم تعد بعد الآن جو غرانت . لقد عاد كلاي إلى المنزل لتضع بهجتها النهاية لكل الشكوك التي راودتها. إذ لم يعد هناك شيء اكثر اهمية عندها من حبها له.
بينما كانت تفتش عن مفتاحها وإذا بالباب يفتح،
ليقف هو خلفه ليسمح لها بالدخول.
هتفت وهي تلقي بذراعيها حول عنقه:"كلاي . ما اشد سروري بعودتك." ولكنه لم يأت بحركة من جانبه نحوها.
وبدلا من ذلك ، مد يده من فوق رأسها ليدفع الباب فيغلقه خلفها بعنف جعلها تقفز متراجعة إلى الخلف. وقد شعرت بالحماقة وهي تقول:" آسفة، إذا لم أكن هنا حين وصولك. لابد انك تساءلت ..."
قاطعها :" اتظنين أنه كان لابد أن اتساءل؟ حسنا، إنك لم تتركيني اعاني القلق والحيرة طويلا." واستدار فجأة تاركا إياها واقفة وحدها في القاعة.
تبعته إلى غرفة الجلوس وقد ادركت أن ثمة شيئا بالغ السوء قد حدث ، قالت :" لو كنت أعلم انك قادم لتركت لك خبرا." ولكنه لم يجب حتى أنه لم يكلف نفسه عناء النظر إليها. وتابعت تقول:" لقد قلت انك سترسل خبرا قبل أن تعود ."
aهنا استدار إليها بعينين غائمتين وهو يقول:" كم هي مزعجة فكرتي في أن اجعلها مفاجأة لك."
رددت قوله بحيرة:" مزعجة؟"
قال :" عندما وصلت ولم أجدك، اتصلت بوالدك هاتفيا ، على افتراض انك هناك، إذ ان أبي اخبرني بأنك عند والدتك تمضين عطلة نهاية الأسبوع عندما اتصلت به يومين."
قالت وقد شعرت فجأة بالألم لكل الأحزان التي قاستها منذ رحيله:" لقد كان في استطاعتك ، إذن ، استعمال الهاتف؟ لقد ظننت أنك ربما نسيت كيف تدير قرص الهاتف."
تجاهل ثروتها هذه وهو يتابع مكررا:" قال انك عند والدتك، وهكذا اتصلت بها ."
قالت :" لقد كنت هناك."
" هذا صحيح، ولكنك تركتها بعد تناولك الشاي بعد ظهر الأحد. لقد استدعوك للعمل كما قالت .وكانت هي مقتنعة جدا بهذا ، ولكنني توقعت تصديقها ذلك."
قالت شاعرة بالعجز:"ولكن هذا صحيح ."
قال:" طوال الليل ، يا جو؟ بينما أنا اذكر تماما انك اخبرتني انهم استثنوك عن العمل الليلي؟"
أدركت فجأة ،وقد اعتصر قلبها الألم ، مالذي يعنيه بقوله هذا . وقالت:" حسنا، يا كلاي ، يمكنك أن تسأل بيتر ، وهو يخبرك بأن ..."
قاطعها:" ليس عندي ادنى شك، من ناحية بيتر هذا ، ذلك انني متأكد من ان عنده من الأسباب ما يجعله يغطي سلوكه الخاطئ . من تلك الأسباب، اولا زوجته. ربما كنت مخطئا، ولكنه يبدو كرجل متزوج ، ولكنها ربما هي اكثر تسامحا مني أنا ."
قالت:" لقد عملت طيلة الاثنتي عشرة ساعة الماضية ، يا كلاي . فأنا منهوكة القوى بحيث لااستطيع النقاش معك ."
قال :" تعملين بهذه التنورة الحريرية والقميص الغالي ؟ هل من الممكن تصديق هذا؟"
قالت:" لقد استعرت رداء العمل من ..." ولكنها توقفت عن الكلام . انها لم تفعل ما تخجل منه . وليس عليها ان تقدم الاعذار . وقالت :" هذه سخافة . سأغتسل ثم أذهب إلى الفراش ، وسنعود إلى الكلام عندما تشعر بشيء من التعقل."
وابتعدت عنه بسرعة صاعدة السلم نحو غرفة النوم . ولكنه تبعها بقوله:" إذا كنت تريدين أن تنامي في سريري ، فانتبهي إلى أن تغيري الملاءات قبل أن تخرجي

وشعرت بتلميحه كالسكين يمزق احشاءها مما جعلها تقف فجأة في منتصف السلم. فاستدارت إليه وهي تتمسك بحاجز السلم لتمنع نفسها من السقوط :" اتريدني ان ارحل يا كلاي ؟"
قال :" أوه، نعم . يا جو .
أريدك أن ترحلي قبل ان اعود هذا المساء. اخشى أنه لم يبق في طبعي أي تسامح في ما يختص بك."
حول عنها وجهه القاسي الذي لايعرف التسامح . وتمالكت دموعها . لقد كانت على استعداد لكي تتخلى عن كل ما كانت تريده ، في سبيل البقاء مع كلاي تاكيراي . ولكنه طلب منها الرحيل . وكلا الأمرين كان خطأ . ومدت يدها إليه ، مصممة على ان تقنعه بشكل ما .
قال لها :" لا تلمسيني." كان صوته منخفضا . فهو لم يرفعه فوق مستوى المحادثة المهذبة ، ولكنه مع هذا ، كان ينذر بالخطر . سحبت يدها ، عند ذاك ، بسرعة وكأنها لمست جذوة نار .
منتديات ليلاس
توسلت إليه باستماتة كآخر مافي جعبتها من محاولة قائلة :" كلاي." ولكن وجهه بقي متجهما في وجهها . لقد كان مقتنعا تماما بأنها امضت الليل مع بيتر لويد ولا شيء يمكن أن يغير عقله. وهي لن تذل نفسها اكثر من ذلك. ولو كان يثق بها مثقال ذرة، لصلحت بينهما الأمور بسرعة. وهنا ، شعرت بوخز ضميرها . ذلك أنها هي ايضا تبادله عدم ثقته هذه . نعم ، في الواقع ، إن عدم الثقة من الطرفين.
لم يبق لديها سوى التمسك بالكرامة . ( تزوج بسرعة . واندم على مهل ) هذه هي الحكمة المأثورة . حسنا ، لقد نالت الترقية في عملها ، وكانت هذه هي البداية . فهي متأكدة من أن ليس عندها وقت تبدده في الندم .
لم تقل شيئا ، إذ لم تعد قادرة على الكلام اكثر من ذلك .
وأومأ هو وكأنه يشعر بالرضى إذ أثبت وجهة نظره ، وذلك قبل أن يستدير نحو الباب . ووقف لحظة عند الباب المفتوح ، وتنفس بعمق ، وعندما استدار إلى الخلف ، قفز قلبها برجاء . لكنه قال:" انني آسف ، يا جو . كان يجب أن اتذكر أن الانسان الذي يوقظ نمرا غافيا ، يجب أن يبقى بقربه لكي يبقيه تحت المراقبة ." ثم اختفى ، وسمعت هدير الأوستن وهي تبتعد . ثم ساد السكون .
تهاوت على السلم ، إذ لم تستطع ساقاها حملها . وجلست فترة وقد صعقتها الصدمة .
قفزت واقفة إذ سمعت رنين الهاتف . وفكرت لاهثة ، ربما هذا هو قد غير عقله . واخذت سماعة الهاتف :" آلو ، كلاي ، هنا هنري دبلداي يتكلم . لأمر يتعلق بشركة ريدموند علينا أن نتقابل في أسرع وقت ممكن ."
أقفل الرجل السماعة . هنري دبلداي . وقطبت جبينها في محاولة للتذكر . أين سمعت هذا الاسم من قبل ؟ ثم ، تذكرت . قفزت مذعورة فوق الدرجات وابتدأت تحزم امتعتها وتضعها في الحقائب كيفما اتفق . عليها أن تبتعد من هنا قبل أن يعود ، مخلية كل اغراضها ، لأنها لن تعود أبدا .
نزعت اغطية الفراش ، ووضعت الملاءات في الغسالة . حسنا ، عليه ان يعيد فرش السرير بنفسه او ربما تفعل ذلك السيدة جونسون . فهذا لم يعد من اختصاصها .
لكنها في النهاية ، سوت السرير ، ثم طلبت سيارة أجرة . ونظر السائق إلى كمية الأمتعة والحقائب ، وكان على وشك الاعتراض عندما رأى وجه جو . لكنه ، نقلها جميعا إلى السيارة بصمت ، ثم سألها في النهاية :" إلى أين ، أيتها الآنسة ؟"
للحظة ، لم تستطع التفكير . إلى أين يمكنها الذهاب ؟ إلى أمها أم إلى أختها ؟ وأخيرا قالت :" خذني إلى فندق . أي مكان معقول في وود هيرست ."
كانت تريد الذهاب إلى مكان يمكنها فيه أن تنطوي على نفسها لتلعق جراحها .
سألها السائق :" إلى فندق الأسد الأحمر ؟"
أومأت بالايجاب . إن كل الأمكنة سواء ، ولم يعد مهما أينما ذهبت .
شدت جوانا بعنف قفازيها الجلديين اللذين تستعملهما للقيادة ، كما تفعل ، عادة ، عندما تريد أن تنفس غضبها ، وهي تقول :" اتقول انني تأخرت ، يا بيتر ؟"
كانت تفكر في أنه لم يتحسن عما قبل . كان قد اصبح بدينا بعض الشيء،
كما أن خطوط وجهه الرقيقة ، ابتدأت في الترهل . ولكنه على الأقل ، محتفظا بأناقته على الدوام . حيث أنه كان يبقى بعيدا عن مناطق البناء ، وهي لم تستطع أن تفهم أبدا السبب الذي جعل تشارلز ريدموند يضمه إلى مجلس الادارة ، ووقفت في وسط الممر المكشوف الذي يقود إلى غرفة الادارة . ما أشد عنجهيته إذ يختار مكان الاجتماع في تلك القاعة الفخمة المكسوة جدرانها بخشب السنديان وذلك ليستعرض سلطته الجديدة .
قال :" اننا في انتظارك منذ ساعتين . ظننت انه قد تكون صادفتك بعض الصعوبات في السيارة."
كانت السخرية في صوته ، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير . فقد كان مقتنعا بأنها استغلت صداقتها لتشارلز ريدموند لكي تحتفظ بمركزها ، وترتقي السلم بثبات رغم كل شيء . ولكن تشارلز قد توفي الآن ، وهو يظنها طريدة سهلة . حسنا ، إنها لن تسقط دون عراك ضار .
قالت له:" لو أنك فقط كبدت نفسك عناء الاستماع إلى النشرة الجوية ، يا بيتر ، لعرفت ان ناحية البناء عندي يطمرها الثلج أربعة انشات علوا . والطريق مقفلة عند بيكونز لجهة ستوري آرمز ، وكان علي أن انتظر مرافقة الشرطة ."
وتوقفت عن الكلام لكي تلتقط انفاسها ثم تابعت :" وفي النهاية وصلت إلى جسر سيفرن ، في الوقت الذي اشتد فيه عنف الرياح ، وكان علي أن أقود السيارة صاعدة إلى غلوستر ، في صف سيارات شحن طوله ميلان . والآن ، ربما في إمكانك أن تخبرني بالضبط ماهو الشيء المهم الذي يجعلني احضر هذا الاجتماع هنا بعد ظهر هذا اليوم ، وذلك في الوقت الذي كنت افضل فيه ان اصنع رجل الثلج ؟"
جاءها صوت يقول:" لقد ارسل السيد لويد يطلبك بناء على طلبي أنا ، يا آنسة غرانت ، فقد ظننت أن من المهم أن تقابلي رئيسك الجديد ."
استدارت جوانا إلى مصدر الصوت الرقيق النبرات الذي مازال حتى الآن يمكنه ان يدفع الدم حارا في عروقها ، ليتضرج وجهها وتسرع دقات قلبها . ودخلت إلى الغرفة ثم اغلقت الباب خلفها . لقد كان هو بنفسه . كان جالسا عند طرف الطاولة المصقولة . وكانت النافذة المفتوحة خلفه قد جعلت وجهه مظللا بعض الشيء .
عاد يقول :" تفضلي بالجلوس . وانني متأكد من أن السيد لويد سيكون سعيدا بأن يطلب فنجان قهوة لصديقة قديمة ... " ولمعت عيناه ببرود .
قالت :" انني ..." ثم نقلت ناظريها بين بيتر وزوجها وهي تومئ برأسها مستجيبة .
كانت تريد أن تصرخ في وجهه او أن تسأله مامعنى ان يعود الآن مقتحما عالمها بعد أن استطاعت أخيرا أن تصل إلى حالة شعرت معها بأنه من الممكن أن يعود السلام إلى نفسها . ولكن ، إذا كانت السنتان الماضيتان لم تعلماها شيئا، فقد علمتاها ضبط النفس . والقت بنظرة فاحصة إلى مكتب السكرتيرة في الباب الجانبي . أجل إن الأمر يستلزم ضبطا للنفس اكثر مما عندها ، اكثر كثيرا .
أشار إلى مقعد بجانبه ، سارت ببطء عبر القاعة ، وكانت قدماها تغوصان في السجاد الناعم . وجلست بحذر ، على الكرسي ثم أخذت تحدق ، دون أن ترى شيئا ، في فنجان القهوة الذي وضعه بيتر امامها . وقال لها :" انني آسف إذ اسمع ما قاسيته في هذه الرحلة ."
قال بيتر :" إن في سيارتك هاتف ، كان في إمكانك أن تستعمليه ."
قالت :" إنه ... إنه معطل."
خط كلاي ملاحظة على دفتر الملاحظات أمامه ، وهو يقول :" أرى أنك كنت تشرفين على العمل في برينغلاس منذ سافر مدير المشاريع في إجازة مرضية ."
فأومأت برأسها بصمت وهي تشعر بغصة في حلقها . فتابع قائلا :" لقد تأخرت بالعمل عدة اسابيع ."
كان يتكلم بلهجة معقولة ولكنها شعرت مع هذا ، بأن سوءا على وشك الحدوث .
قالت :" نعم ."
رن صوت بيتر قائلا بلهجة راضية :" ستة اسابيع ."
رمقه كلاي بصمت ، ثم عاد يخاطب جوانا :" لقد أبعدت عن ذلك المركز منذ اليوم ."
رفعت رأسها ، عند ذلك ، بعنف لتواجهه . هل تراه سينتقم منها بتدميرها مهنيا ؟ وسألته :" وماهو السبب ؟"
أجاب :"اعادة بناء الشركة ."
سألته ببرود :" وهل أنت غير راض عن عملي ؟ إنني اطلب منك أن تنظر بعدل في أية شكوى ." ونظرت إلى بيتر . كانت متأكدة ، حين جاءها اعلان الاجتماع ، أنه أراد أن يخبرها أنه أصبح الرئيس الجديد وأن أيامها في الشركة أصبحت معدودة . كان في استطاعتها أن تحارب بيتر ، أما كلاي ؟ متى كان في استطاعتها أن تحارب كلاي ؟
سمع نقر على الباب ، ثم أطلت السكرتيرة برأسها قائلة :" آسفة لمقاطعتكم، أيها السادة ، هل عندك حقيبة لأليس يا جو ؟ أمر مستعجل
أمسكت جو انفاسها وهي ترمق كلاي بنظرة سريعة . ولكن وجهه ، الذي امتقعت ملامحه قليلا ، بقي خاليا من التعبير . ونهضت قائلة :" آسفة ، فقد تركتها في السيارة ."
قالت السكرتيرة :" اعطني المفاتيح وسأحضرها بنفسي ." وارتفع صوت كلاي يخترق الصمت الذي ساد المكان بعد ذهاب المرأة :" هل احضرت ابنتك إلى المكتب ؟"
قال بيتر :" ماذا يمكنك أن تتوقع إذا انت اعطيت المرأة الحرية؟" ولم يستطع ان يخفي نبرة الظفر في صوته .
استدارت إليه . إن أي مكان هو أفضل من النظر إلى عيني زوجها الزرقاوين . وقالت :" وماذا كنت تتوقع ؟ هل كان يجب أن اتركها على قمة جبل ويلش بعناية ناظر العمال؟"
أجابها :" كان يجب أن تكوني في المنزل لرعايتها . أن المكتب ليس المكان المناسب للأطفال ." كان بيتر يعلم أنه كان لها علاقة مع كلاي . وادركت باشمئزاز ، أنه كان مستمتعا بهذا الوضع .
قالت تخاطبه :" انني اعلم انك سبق وصوت ضد انشاء حضانة في المكتب لتيسير هذه الأمور ، يا بيتر . ولكنني لست الوحيدة التي عندها طفل . ذلك ان عندك أبا على الأقل يحضر طفلا معه يوميا ."
قطع كلاي مناقشتهما المرة بقوله :" كفى . ان تدابيركما هذه لا تهمني . ولكن عند سكرتيرتي من العمل ما يشغلها عن حضانة الأطفال ." ونظر إلى بيتر لويد قائلا :" انني لا احتاجك الآن ." وكان في صوته معنى الطرد . ثم التفت إلى جو ينظر في عينيها يقيدهما بنظراته تلك . وتمنت لو يحول عينيه بعيدا . فقد كان مؤلما للغاية . ووجدت الذكريات ، حتى بعد كل ذلك الوقت الذي مضى ، مازالت في حالتها الأولى .
وأخيرا ، اخترق هو الصمت بقوله :" كيف حالك ، يا جوانا ؟"
أجابت :" كما تراني يا كلاي ."
قال :" وحيدة و متعبة . يبدو أن الاصحاب قد خاصموك بسرعة ." وانتقلت ناظراه إلى الباب الذي كان بيتر قد خرج منه لتوه .
استدارت نحوه بغضب قائلة :" انني متعبة لأنني امضيت يوما متعبا ، كما انني لست وحيدة يا كلاي ."
‏قال :" ان الوضع يدعو إلى السخرية . أليس كذلك ؟ فقد اصبح يعيقك بشكل ملحوظ . ولكنك قد تدبرت امرك لكي تري ان مهنتك مازالت تنال اهتمامك الأول ."
أجابت :" انه ليس الأول ، يا كلاي . ولكنني لم اهمله وذلك ليس بسيط هو انني في حاجة إلى عمل . فأنا لم أعد اعمل لأجل نفسي الآن ، وإنما أعمل لأجل ابنتي ."
قال :" ولكن والد الطفلة ... " وتلاشى صوته بعد إذ لم يعد يحتمل التلفظ بالكلمة .
شعرت بغصة في حلقها ، ولكنها امسكت صرخة ألم كاد تصدر عنها ، لتقول :" انني لم أطلب منه شيئا قط ."
تجهم وجهه وهو يقول :" ومع ذلك ، كان عليه أن ينفق عليها . تبا له ، انه يعرف . لقد قال الآن فقط انك يجب ان تكوني في المنزل لترعي ابنتك ."
تساءلت عما إذا كان سيصدقها في ما لو اخبرته الحقيقة وما الذي سيفعله . ومالبثت أن هزت كتفيها دون اكتراث قائلة :" اظن أن علي ان أوضح شيئا ، يا كلاي وهو ، ان لدى بيتر صفات كثيرة معظمها لا يستأهل أن يتحدث عنها الانسان . ولكنه ليس والد ابنتي ."
وقف بحركة مفاجئة جعلتها تقفز ، ثم ادار ظهره لها وسار نحو النافذة يحدق في موقف السيارات في الأسفل . وعندما استدار يواجهها ، كان فمه ملتويا يشبه ابتسامة وهو يقول:" هذه هي المشكلة . المكابرة دائما ."
لاشك في أن الذنب ذنبها إذ حاولت ان تجعله يفهم ، ولكن هذا مازال مؤلما ، وعلى كل حال ، فقد نالت ما يكفي هذا النهار . ووقفت تتناول حقيبتها وقفازيها بعناية . ذلك ان احترامها لنفسها يتطلب منها الانسحاب في مظهر متماسك قبل ان تنهار كليا .
قالت :" انني لم اهنئك على تعيينك في مركز الرئاسة ، بعد . فقد كنت اظن ان بيتر سيحصل على هذا المنصب ."
أجاب :" انني آسف إذ خيبت رجاءك ."
ترددت ، لقد ارادت الابتعاد عنه ، الابتعاد إلى حيث يمكنها أن تلتف حول نفسها تلعق جراحها . ولكنها كانت تريد أن تعلم سبب عودته ، وسألته :" مالذي تريد أن تفعله بشركة ريدموند . هل تريد أن تنسف الشركة ؟"
أجاب :" أنسف الشركة ؟"
قالت :" هذا ما تعنيه كلمة ( إعادة البناء ) أليس كذلك ؟ الأشياء الثمينة تباع لتسديد الديون ، أما النفايات فتلقى خارجا . لقد ساعدت في صنع ذلك في آخر مرة حاولت أنت ذلك ، ولكن ، بعد رحيل تشارلز ، لا أظن أن ثمة شخصا يهتم بالأمر ، الآن ، كثيرا ، ما عدا اولئك الذين تكون النتيجة أن يبقوا دون عمل . "
قبل أن تتحرك ، كان بقربها وقد كاد يلاصق وجهه بوجهها ليقول :" ما الذي ظننت بالضبط انك قد ساعدت في منعه ؟"
كان في إمكانها أن ترى أثر الجرح الذي احدثه في ذقنه ، مرة ، عامل غاضب بجاروفه . وشعرت بعطف خاص نحوه .
كان من القرب منها بحيث كان في استطاعتها ، اذا هي وقفت على اصابع قدميها ، ان تمس ذلك الأثر في ذقنه ، بشفتيها ، ولقد تاقت لذلك فعلا ، ذلك أنه ، رغم كل ما فعله بها ، مازال في إمكانه أن يحرك فيها عواطفها .
" ماما " واستدارت لترى ابنتها تركض ، مجتازة قاعة الاجتماعات نحوها . هرعت اليها ترفعها عن الأرض لتضمها بقوة . كانت الطفلة ذات شعر اشقر كثيف ، تبدو صورة مصغرة عن أمها في كل شيء باستثناء عينيها الزرقاوين البراقتين كانتا تذكرانها يوميا بكلاي . ومدت الطفلة إليه يدين سمينتين .
حدق فيها بنظرات جائعة جعلت قلب جو يتوقف عن الخفقان . وظنت للحظات ، أنه سيمسك بالاصابع الطرية . ولكنه انتفض مبتعدا فجأة ،ثم قال بصوت اجش :" سنتابع هذا في الصباح . كوني من فضلك في مكتبي الساعة التاسعة ."
قالت ثائرة :" سأحاربك، يا كلاي ."
ابتسم باستخفاف قائلا :" انني في انتظار تلك المعركة ."
وعندما لم تجب ، مشى نحو الباب يفتحه وهو يقول :" يهمني جدا ان ارى نوع السلاح الذي في حوزتك . خصوصا بعد ما بعت اسهمك إلى تشارلز ريدموند ."
كانت تظن أن في وسعها خداعه ، راجية أن لا يكون على علم بالبيع ذاك . ولكن ، يبدو أنه يعرف كل شيء ، إلا حبها له وأن أليس هي ابنته . وعاد يقول :" الساعة التاسعة ، لا تتأخري ."
قالت :" إذا كنت مصمما على طردي من العمل ، يا كلاي ، فافعل ذلك الآن ، إذ لا لزوم لأي مظاهر مسرحية ."
أجاب :" انني لا اهتم بما يعجبك كما ... ان ابنتك نائمة تقريبا ."
نظرت إلى الرأس الصغير الأشقر الملقى على كتفها ، ثم قالت :" لقد كان اليوم طويلا ."
سألها :" وكيف تتدبرين أمرك معها ؟"
أدهشها حدة الاهتمام في صوته ، فقالت :" بنفس الطريقة التي تتدبر ألوف النساء العاملات امورهن مع اطفالهن ، يا كلاي . حضانات الأطفال ، الأسر ، أو يأخذونهم معهن إلى العمل ، كما حدث اليوم، عندما تفشل الأمور الأخرى ."
هنا قال بعنف ، وكأنه ندم على لمحة الانسانية التي ظهرت في حديثه :" ظننت أنك أكثر حذرا من ان تقعي في هذا الشرك ."
قالت :" كلنا نخطئ ، يا كلاي ." وأخذت تمرر يدها على رأس الطفلة وهي تضيف وكأنها تحدث نفسها :" لقد استطعت ، على الأقل ، أن اصنع شيئا صحيحا ."
نبهها إلى الواقع تنفسه العنيف المفاجئ . قالت :" يجب أن أذهب الآن ." قال :" نعم ، إنما من فضلك ، تدبري أمرك مع الطفلة بالنسبة إلى الغد . ان هذا المكان ليس حضانة اطفال ."
استقبلتهما أمها بلهفة ، دون أي سؤال . وبعد أن نامت أليس ، تكورت جو في مقعدها بمعطفها المنزلي امام النار ، وابتدأت تدلي بأخبارها .
ارتشفت الكاكاو وهي تقول :" لقد عاد كلاي . وهو الرئيس الجديد لشركتنا ."
ارتفع حاجبا أمها وهي تقول بسرعة خاطفة :" وأنت طبعا ، ستستقيلين ."
قالت جو :" قد يطردني ، فيريحني من هذا العناء."
قالت الأم :" أوه ، يا عزيزتي . لا أظن أن اعصابه تسمح له بطردك ."
قالت جو :" انهم يسمون هذا ، هذه الأيام ، إعادة بناء ."
قالت الأم :" آه لو استطيع الامساك به بيدي هاتين ."
قالت جو :" كلا ، يا أمي ، من فضلك . كل شيء الآن أصبح منتهيا ومنسيا . وهو هذه اللحظة ، رئيسي في العمل . وهو أول شخص أراه في الصباح . وعندما اعلم مايكمن في عقله ، عندئذ، أقرر مايلزم بالنسبة إلى مستقبلي ."
قالت الأم :" ألا تريدين أن تستمعي إلى نصيحتي ؟"
أجابت :" لا حاجة لذلك . أظنني استطيع التكهن بها وهي ، أن اهرب ."
قالت الأم :" حالا وبعيدا عنه ، لقد اذاك يا جو . ولا أدري كيف ، لأنك لم تجدي من المناسب أبدا أن تضعي ثقتك بي . ولكنني رأيت ما فعل بك . ليس في إمكانك ان تعاودي الكرة ، فتتعرضين لمثل تلك المحن مرة أخرى . هذا إلى أن عندك الآن أليس لتفكري فيها . اتظنين أنه سيحاول أن يطالب بها ؟"
قالت :" كلا ." وفكرت في أن أمها تستحق ، دون شك ،ايضاح الأمور لها . فهي لم تسألها عما حدث بينها وبين زوجها . لم تنتقد شيئا قط . ويكفي أن رأيها في زواجها السريع ، ثبتت صحته . ولم تكن في حاجة إلى أن تقول ألم أقل لك هذا ؟) ولهذا ، كانت جو شاكرة جدا . وقالت :" ان كلاي يعتقد أن أليس هي ثمرة ... ثمرة وقت ممتع امضيته مع سواه ."
سقطت من عينيها دمعة في الفنجان الذي بيدها ، وهتفت أمها :" ماذا ؟"
أجابت :" عندما سافر إلى كندا ."
قالت الأم :" إن الرجل احمق ، كما انك مثله إذا أنت لم تطليعه على الأمر . إذ أن عليه أمر العناية بالطفلة ..."
قالت جو :" لا يبدو أنه ادرك شيئا ، لقد رآها هذا النهار ."
قالت الأم :" ولكن عينيها ، يا جو ..."
قالت جو :" ما كنت لآخذها إلى المكتب لو كنت اعلم أنه هناك . ولكن ، لا بأس ، فهو لم يلاحظ شيئا . وليس هناك سبب يجعله يراها مرة اخرى ." ونظرت إلى امها قائلة :" هل تبقينها في رعايتك غدا ؟"
قالت الأم :" إذا أنت عدت إلى البيت هنا ، فلن تكوني في حاجة إلى من يرعى ابنتك أثناء غيابك ويمكنك أن تتابعي عملك ، فأنت قد تفوقت فيه حقا ."
قالت جو :" اتظنين ذلك؟"
أجابت الأم :" هذا ليس وقت الشكوك . لقد كان زواجك غلطة . ولكنك انتهيت منه الآن ، وها أنت تتابعين طريقك . عليك أن تكوني على حذر ، يا جو . أليس كذلك ؟ إنه رجل خطر وقوي وعنيد ."
قالت جو :" نعم يا أمي . سأكون على حذر ."
قالت الأم :" لا داعي للقلق ، يا جو ، فأنا سأرعى أليس . وانني اكثر قلقا عليك . فذلك الرجل ... " ونظرت إلى ابنتها باهتمام وهي تتابع قائلة :" لماذا لا تأخذين اجازة ؟"
قالت جو :" لا يمكنني ذلك ."
هزت الأم كتفيها و قالت :" كلا ، هذا ما أظن . فأنت لا تسلكين ابدا الطريق السهل ." ونظرت إلى ثياب ابنتها باعجاب وهي تتابع :" انك على الأقل ، أصبحت انيقة في ملبسك ."
نظرت جو إلى صورتها في المرآة . كانت ترتدي بزة مذهبة الياقة بينما التنورة مطبوعة بالأسود والأبيض . وكان هذا الزي من متجر شقيقتها . ولفت حول عنقها شالا من نفس القماش ، اومأت برأسها قائلة :" نعم يا أماه ، انني أبدو أنيقة ، فهذا اليوم بالذات لا يجب أن ارتدي الجينز ."
في مكتب الاستقبال في الشركة ، سمعت صوتا يخاطبها قائلا :" الآنسة غرانت ؟" ووقفت تنظر إلى المتكلم قائلة :" نعم."
قال :" انني من مكتب شركة بنتاغون موتورز ، وقد جئت لأجل سيارتك . هل يمكن ان استلم المفاتيح من فضلك ؟"
نظرت إلى المفاتيح التي كانت ماتزال في يدها ؟ تحتويها علاقة مدموغ عليها اسم شركة بنتاغون ، التي كانت مسؤولة عن كل سيارات الشركة . لقد سبق وسمعت بحدوث مثل هذه الأشياء عندما يصرف الموظف من الخدمة ويكون عليه أن يسلم السيارة ليعود إلى المنزل بالباص .
قالت متلعثمة :" انها ... يجب أن اخليها من حاجياتي اولا ."
هز كتفيه قائلا :" لا بأس إذا شئت . هل يمكنك ان تقومي بذلك الآن ؟ ذلك أنه ليس عندي الكفاية من الوقت ."
تصلب جسمها وهي تقول :" طبعا ."
مشت نحو موقف السيارات حيث فتحت سيارتها . ولم يكن فيها اشياء كثيرة . بعض الخرائط ، حذاء القيادة ... وانحنت تتناولها ورأت زجاجة حليب فارغة من زجاجات أليس .
سألها :" وماذا بالنسبة إلى صندوق السيارة."

أجابت :" كلا ، انه فارغ ." وأخد الرجل ينظر إليها منتظرا التسليم . ناولته المفاتيح ، ليصعد إلى السيارة مبتعدا بها بسرعة يمارسها بعض الرجال عادة في حضور السيدات . أو ربما كان يشعر بالاحراج لأخذ السيارة منها ، كما تشعر هي . وعادت إلى المكتب ، ثم صعدت إلى الطابق الأول.
أشارت السكرتيرة إلى الباب قائلة :" ادخلي رأسا ، فقد رآك عند وصولك ، وهو في انتظارك الآن ." هكذا إذن ... لقد كان يراقب ذلك الاستعراض في موقف السيارات . واستقامت ، ثم فتحت الباب . والقى عليها نظرة قصيرة من فوق اوراق بين يديه ، ثم أشار إليها لتجلس ، قائلا :" اجلسي ، يا جوانا . لن أتأخر اكثر من دقيقة ." وتابع الكتابة بيد سريعة قوية الحركة ، مما اعطاها فرصة لملاحظة بعض الشيب الخفيف في سالفيه . ومالبث ان ترك القلم ، واعتدل في جلسته وهو يقول :" اتريدين قهوة ؟"
قالت :" كلا ، شكرا. لست في حاجة إلى مثل هذا التكليف . وأنا لن اجلس امامك لكي تمعن النظر إلي ، ويكفي كل هذا الاذلال في يوم واحد . فقل الآن ماعندك ، ثم دعني اذهب في طريقي ."
عبس هو قائلا :" اذلال ؟ من أية ناحية ؟"
وقفت قائلة :" أتريدني ان أهون عليك الأمر بتقديم استقالتي ؟"
قال :" اجلسي من فضلك . ليس من عادتك ان تصابي بهذه الهستيريا ."
قالت :" ذلك لأنني لم أرفض من الخدمة من قبل ."
رمقها بنظرة اعادتها إلى كرسيها ، وهو يقول :" انني لم اطلب منك الحضور كل هذا الطريق لكي أرفضك من الخدمة ، كما قلت بمثل هذه الفظاظة ."
قالت :" ولماذا إذن ، أخذت مني السيارة ؟"
نظر إليها بذهول وقال :" اخذت منك السيارة ؟"
قالت :" هل استمتعت بذلك الاستعراض ؟ لقد فهمت من السكرتيرة أنك كنت تراقبني من النافذة."
قال :" ما الذي تتحدثين عنه؟"
قالت :" لقد جاءني رجل في غرفة الاستقبال من شركة البنتاغون ... كان في إمكانك أن تنتظر قليلا ، على الأقل ."
عند ذلك ، أوضح الأمر إذ قال :" لقد كنت اشتكيت أمس من تعطل الهاتف في سيارتك . وقد طلبت من تلك الشركة أن تصلحه لك بأسرع وقت ممكن . ولم تكن لدي فكرة انهم قادمون اليوم ."
حدقت فيه مذهولة وهي تقول :" هاتف السيارة ؟ ولكن لماذا لم يخبرني ذلك الرجل بذلك ؟"
أجاب :" ربما ظنك عالمة بالأمر . والآن ، لقد انتهينا من سوء التفاهم هذا ، والأفضل أن ننتقل إلى الأمر التالي . لقد أحضرتك من موقع البناء ، يا جو ، لأنني اريدك أن تعملي هنا ، في المكتب."
قالت :" كلا ." وما كان لها أن تقول شيئا ، إذ تابع هو كلامه :" لقد اثبت كفاءتك بكل طريقة ممكنة ، ثم انك مواظبة ويعتمد عليك حتى في اقسى الظروف . ومن بين سطور تقاريرك الاسبوعية ، لم تكن الشهور الأخيرة في برينغلاس بالسهلة . وبالرغم من محاولات بيتر في تشويه صفحتك ، فقد انتبهت تماما إلى أن العمل ، عندما استلمت أنت مسؤوليته ، كان مختلفا عشرة اسابيع ."
وعاد يستقيم في جلسته ليرمقها من تحت اهدابه ، ثم عاد يقول :" اتعلمين أنه متلهف على طردك من العمل ؟"
قالت :" ان ذلك لا يدهشني ."
انتظر أن تستمر في الايضاح ، ولكنها لم تزد . إذ لاشك في أنه قد أخذ فكرة مسبقة عن سبب رغبة بيتر في التخلص منها ، ومهما قالت هي فلن يغير رأيه .
أخيرا قال :" كلا . لا أظنك كذلك . ولكن أمله سيخيب . على كل حال ، إذا كنت تريدين التقدم في عملك فستكونين في حاجة إلى شيء من الخبرة الادارية ."
فكرت ، ماذا يعني بقوله هذا عن التقدم في العمل ؟ ثم قالت :" وماذا لو فضلت البقاء في مكان البناء ."
قال :" في هذه اللحظة ، ليس أمامك خيار في الأمر ."
قالت :" في إمكاني أن اترك الشركة ."
قال :" ليس الأمر سهلا ، هذا الحين . فقد قلت انك في حاجة إلى العمل ."0
ونظر إليها مفكرا ثم تابع :" إنني اتساءل عن نو ع الشهادة التي سيعطيك إياها لويد في ما لو أردت الذهاب ."
قالت :" انه لن يجرؤ ."
قال " هل انت جاهزة للمخاطرة ؟" كان يتعمد استفزازها . ولكنها كانت مصممة على عدم ابتلاع الطعم .
تابع كلامه وقد سره سكوتها :" لقد استطعت اثبات مقدرتك على العمل هناك ، والآن ، حان الوقت لكي تثبت الآنسة غرانت مقدرتها على العمل في مجال آخر غير مجال الاسمنت .
ام لعلك خائفة من التجربة ؟"

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: لحظة ندم - ليز فيلدنغ - قلوب عبير    الثلاثاء يوليو 04, 2017 9:49 am

الفصل السادس
كان كلاي يتحداها ، مجبراً إياها على أن تصمم على أمر يغير مجرى حياتها . كان يستعمل معها حرب اعصاب لكي يجعلها تبقى تواجهه. ولم تكن جوانا بالتي تهرب .
وأجابت عن سؤاله الساخر والبادي في عينيه بابتسامة مصطنعة على شفتيها وهي تقول :" ما الذي تقدمه لي بالضبط يا كلاي ؟"
لمع الرضى في تلك العينين الزرقاوين اللتين لا قرار لهما ، لتتلاشى ابتسامتها . فقد كان من القسوة ان تجلس قبالة ذلك الرجل الذي تغلغل حبه في ذاتها والذي جعل من أيامها حافلة بالألم الذي كانت تحاول أن تهزمه بإغراق نفسها في العمل إلى حد الانهيار. لقد قال أبوه مرة ، في يوم زواجهما ، ان ابنه دوما يحصل على مايريده . وهي تتساءل الآن ، في توجس ، عما عساه يريد منها .
قال :" ان عندي وظيفة لك في قسم التخطيط ."
هتفت :" التخطيط ؟" وتجهم وجهه للهجتها المتعالية ، وقال :" يمكنك أن تدلي برأيك عندما انتهي من حديثي تماماً. فاهدإي واستمعي إلى ما اعرضه عليك قبل ان ترفضي عرضي هذا "
وابتدأ يتكلم بينما لزمت هي الصمت وقد اذهلها ما سمعت ، ووجدت نفسها تنفذ بالضبط ما طلبه منها . وعندما انتهى من حديثه ، مال بظهره إلى الخلف في كرسيه وهو يقول :" يمكنك الآن أن تتكلمي ."
قالت :" انني ... لا أدري ماذا أقول ."
قال وقد التوت شفتيه بشبه ابتسامة :" حسناً ، ها قد حصلت أخيراً على شيئ ما . هل أفهم من هذا ان عرضي قد نال اعجابك؟"
لقد نال هذا العرض اعجابها طبعاً . فهو يعرفها جيداً ، ويعرف بالضبط مالذي ينال قبولها . لقد قدم اليها احلى ما كانت تحلم به , ولكن ، قبل ذلك ، عليها ان تمضي ستة اشهر في مكتب التخطيط لتكون يومياً تحت نظره ، وعند طلبه في أي وقت . ورنت في أذنيها نصيحة أمها بأن تهرب منه بأسرع ما تستطيع . ولكنها كانت في حاجة إلى وقت تفكر فيه ، ولهذا سألته معترضة :" إنه عرض طويل الأمد ، يا كلاي . مالذي حدث إذن بالنسبة إلى إعادة البناء؟"
قطب حاجبيه لحظة ثم قال :" إعادة البناء؟" وانحنى نحوها ، فابتعدت عنه ، وتابع :" إعادة البناء ؤجلة بصفة مؤقتة ، يا جو ." حتى عبر ذلك المكتب الفسيح ، كان التهديد واضحاً وهو يقول :" إلى أن احصل على جوابك ."
سكتت فترة طويلة 0 وسمعت رنين هاتف في مكان ما ، وفي الممر خارج القاعة ارتفعت ضحكات مرحة . وفكرت أن خارج هذه الجدران الأربعة كان الناس يتابعون اعمالهم دون أن يخطر في بالهم شيء عن هذه المأساة التي كانت تدور في مكتب كلاي والتي قد تؤثر على حياتهم اجمع .
أخيرا قالت :" كم لدي من الوقت لأفكر بذلك ؟"

قال :" ليس وقتا طويلا . إن هنري دبلداي ، وأظنك تعرفينه ، سيكون هنا الساعة الحادية عشرة . وعلي أن أعرف جوابك قبل حضوره ." ولم تفصح عيناه عما يدور في ذهنه . وعندما تكلم ، لم يكن في صوته أثر لذلك الدفء الذي استطاع ان يغمرها بالسعادة طيلة اسابيع فقط ثم تابع يقول :" في آخر مرة أردت الحصول على هذه الشركة ، يا جو ، أفسدت أنت علي كل شيء . والآن ، سأجعلك تدفعين ثمن ذلك ."
شعرت بالدم يجمد في عروقها . إن الرجل عديم الرحمة الجالس امامها كان زوجها ، ووالد ابنتها ، الرجل الذي احبت . وفاجأتها غصة . انها مازالت تحبه رغم تحطيمه قلبها وهو لايزال مصمما على معاقبتها لشيء لم تقترفه . تمالكت نفسها . كان من الضروري أن تخفي مشاعرها ، إذ انها ، بهذا تتجنب الهزيمة الكاملة ، على الأقل . ورفعت إليه عينيها الصافيتين تحدقان في عينيه قائلة وقد تملكتها قائلة وقد تملكتها رجفة بسيطة :" لقد كنت مصمما على تدمير شركة ريدموند . فقد اخبرتني بنفسك أنك لم تعد تهتم بالبناء والاسمنت ."


قال :" ان لذلك فوائده . فأنا يسرني دوما أن اضم تحت جناحي شركة اخرى ذات فائدة ."
قالت :" حتى ولو اضطرك الأمر إلى الزواج مني لكي تحقق غرضك ؟"
لم يكن من الغريب إذن ، أن يهجرها بهذا الشكل ، وربما لم يكن في نيته ابدا البقاء معها ، منذ البداية .
أجاب :" انها غلطتي . ولكنني الآن فرصة لانقاذ نفسك ، إذ ان مصير شركة ريدموند هو في يدك ، مرة اخرى يا جوانا ." وألقى نظرة على ساعته متابعا :" ان الوقت يمر . ماذا أفعل ؟ انقذها أم القي بها بعيدا ؟"
قالت :" انك المستشار يا كلاي . مالذي تنصح به ؟"
أجاب :" ان وضعي في غاية السعادة ، إذ انني لن أخسر ."
وهز كتفيه دون اكتراث وهو يميل بظهره الى الخلف متابعا:" والخيار الن هو لك."
قالت:"لايبدو ثمة خيارات اخرى امامي, اذ لا يمكنني ابدا ان اجلس ساكنة, بينما تلقي انت بشركة ريدموند الى الذئاب.لقد قبلت عرضك."
كانت ابتسامته في منتهى البرود وهو يقول :"كنت اعرف ان في امكاني الاعتماد على ولائك الاعمى لشركتك .يجب ان يكون عندك مثل هذا الولاء بالنسبة للناس احيانا"
اجفلت, ثم قالت:" لست عمياء تماما.فأنا عندي شرطان, ياكلاي." وكان اليأس ظاهرا في صوتها.
قال بسخرية لاذعة جعلت الدم يتصاعد الى وجنتيها:"ومالذي جعلك تظنين انك في وضع يمكنك فيه وضع الشروط؟" ولكنها رفضت الهزيمة وهي تقول :" وهذان هما." ورفع حاجبة مشيرا اليها ان تتابع حديثها, تابعت قائلة:" اذاكان لنا ان نعمل في نفس المكان, ياكلاي , فانا الماضي يجب ان يصبح منسيا."
انتفخ عرق في صدغه وهو يجيبها بعنف:" وهل نسيته انت؟ هل كان في حياتك كثير من الرجال مما انساك ذكرى وجودك بين ذراعي؟"
كلا, انها لم تنس لم تنس لحظة واحدة حتى انها , وهو يتكلم, شعرت بالدم يتصاعد الى وجهها عندما تذكرت ما ارادها ان تتذكره. ويبدو ان نتيجة كلامة قد بعثت الرضى في نفسه, اذ عاد يقول:" وماهو الشرط الثاني؟"
" اريد استعادة اسهمي في الشركة, بإعادة شرائها ."
بانت على شفتيه ابتسامة باهتة وهو يقول:" وهل في امكانك الدفع؟"
اجابت :" مازلت احتفظ بالمبلغ الذي قبضته ثمنا لها."
كان من المفروض ان تشتري بذلك المبلغ منزلا لأليس طفلتها. وقد تسرعت الان بهذا الطلب في محاولة الانقاذ كرامتها التي حطمتها مطالبة المهينة, ان كلاي تاكيراي الان متحكم في كل شيء , وهي تريد ان توقفه عند حده. ولكنه ما كان ليتزحزح
قال:" لقد اخبرتني مرة انك لاتعرفين شيئا عن ادارة الاعمال, ياجو. ولهذا اظن ان اسهم الشركة هي اسلم في الوقت الحاضر بين يدي."
قالت باستماتى:"وماذا عن الشرط الاخر؟" وتشابكت نظراتهما لحظة, ثم وقف قائلا:" سافكر في الامر."
وقفت بدورها وهي تقول:" لاتنس ذلك."
فأوما برأسه قائلا:" إذا شئت , ولكن ربما من الاسلم عدم ايقاظ الكلاب النائمة . والان, هيا بنا الى مكتب التخطيط لكي اعمل على استقرارك فيه."
ومد يده يمسك بذراعها , فانتفضت بعصبية للمستة, وقد شعرت بالخوف من تأثيره عليها الذي مازال في امكانه ان يسارع من خفقات قلبها ولكنه شدد قبضته متجاهلا ردة فعلها.
وحاولت ان تبدد تأثيره عليها بمحاولة الايحاء الى نفسها بأن هذه التأثرات ماهي الا تغيرات كيمائية في الجسم, ولاشيء غيره, ولكن هذه الايحاءات لم تخفف من تسارع تلك الخفقات على كل حال.
قالت بسرعة:" انني اعرف الطريق"
اجاب:"لاشك في ذلك." وعلمت هي عندئذ ان لافائدة من الاحتجاج, وخصوصا مع كلاي وعندما كفت عن المحاولة, تاركة له يقودها الى المكتب, قال يحادثها:" طبعا انك تريدين حاجياتك من برينغلاس حيث كنت تعملين. واظن ان لديك الكثير من الاشياء هناك."
قالت موافقة دون تفكير:" عندي الكثير فعلا, واكثره للطفلة اليس."
سألها :"هل ارسل شخصا يحضرها لك, ام تفضلين استعارة سيارة فان واحضارها بنفسك؟"
اجابت:"علي ان اعود الى هناك بنفسي, اذ ليس من اللائق ان اترك السيدة رايس دون كلمة شكر لكل الخدمات التي كانت تؤديها لي والأليس."
سألها:"اظنك في حاجة الى يومين لذلك."
اجابت :"نعم"
وقف وسألها :" وهل سترعى امك.... أليس؟"
اجابت:" نعم , وهذا سيجعلها سعيدة."
بدت عليه الدهشة. وشعرت هي بالراحة لوصولهما هذه الاثناء, الى قسم التخطيط , وحتى بعد ذهابه, وبقائها وحدها تفكر بوضوح مرة اخرى, ادركت انه لم يوافق , في الواقع , على اي من الشرطين.
انتظرت الام رقاد الطفلة , قبل ان تبدأ في محادثتها مع ابنتها قائلة:"حسنا؟"
اجابت جو:" انني اعمل الان في وظيفة جديدة في قسم التخطيط, وسأعمل في المكتب فترة."
قال الام:" ان هذا العمل لا اظنه يواقف ذوقك. هل ستقومين به حقا؟"
اجابت:" انه ليس كما كنت اقوم به اثناء حملي باليس."
ومطت شفتيها لذكرى الاسابيع التي كانت تعمل فيها خلف لوح التخطيط, وتابعت تقول:" سأعمل في المشروع الجديد الكبير, وقد وعدني كلاي, بعد ذلك بوظيفة ممثلة الشركةللأعمال المؤقتة."
قالت الام:" ياللحظ الحسن." ولمحت جو وميضا في عيني امها, سرعان ما انطفأ لتسألها قائلة:" ومالذي يريده مقابل هذا؟"
قالت بحدة لاحظتها هي نفسها وكانها تريد ان تحمل نفسها على الاقتناع:" لاشيء . انها فرصة خيالية, وهذا كل شيء."
قالت الام:" اذا فستواصلين العمل معهم؟"
اجابت جو:"ظننتك ستتحمسين لهذا الامر وتشعرين بالسرور . هل يمكنك ان تتحملينا انا واليس, اسابيع قليلة الى ان اجد مكانا نسكن فيه؟"
قالت الام:" انك تعرفين انكما يمكنكما البقاء هنا قدر ما تشائين . ولكنني غير متاكدة من حكمة هذا.هل يمكنك التصرف؟"
قالت جومتسائلة:"التصرف؟"
قالت الام" هيا , ياجو, انك لاتفصحين عن نفسك. ولكنني رأيت ما احدثه انفصالك عن كلاي. هل يمكنك حقا نسيان ذلك؟" ولما لم تسمع جوابا, تابعت تقول:"وهل في امكانه هو؟"
اجابت جو:" انني وكلاي اصبحنا في طيات التاريخ."
هزت الام كتفيها قائلة:" وهكذا كان انطونيو وكليوباترا. حسنا , انها خطوة على السلم .انما تذكري انني انذرتك. ابقي بعيدة عنه."
اجابت جو:"سأذكر هذا.أوه, ساستعير سيارة فان لاذهب الى برينغلاس واحضر امتعتي.هل سترعين اليس ام اخذها معي؟"
قالت الام:"دعيها معي, لاتمكن من تدليلها دون ان تكوني موجودة لتعبسي في وجهي."
التفت جو بشال اسود دافئ من الصوف, تحته سترة حمراء متألقة, وسمعت صوت بوق السيارة من الطريق, فأخذت حقيبتها, وقبلت اليس ثم احتضنت امها, وهي تقول :" قد اعود هذه الليلةإذا استطعت, فهذا يعتمد على حالة الجو."
هرعت جو نحو البوابة, ثم فتحت باب الفان."كلاي؟" وتراجعت الى الخلف بحركة لا ارادية. ولكنها تمالكت نفسها ثم قالت باسمة:" انه لطف منك ان تحضر السيارة بنفسك."
اجاب:"ليس في ذلك اي ازعاج . ان امك تلوح بيدها ياجو. اتظنينها قد رأتني؟ هل علي ان الوح لها يبدي ردا عليها؟"
نظرت جو لترى امها من النافذة. وقالت:"كلا" وفكرت في انه لو رات امها كلاي فمن المؤكد انها ستفترض الاسوأ. ولوحت لها بنفسها, بينما مط هو شفتيه بابتسامة صغيرة حانقة وهو يقول:"ياللمشهد المؤثر. والان ادخلي فأنا مستعجل."
صعدت الى السيارة , ثم سألته:" ولماذا انت هنا؟ ان الشركة لاينقصها سائقون بالتأكيد." عبست وهي تراه يترك الطريق الفرعي الى الطريق العام, وقالت:" ليس هذا هو الطريق المؤدي الى المكتب ."
اجاب:" ما اشد فطنتك , ولكنني كنت على كل حال , ذاهبا الى برينغلاس . وبدا ان في حاجياتك لاتستوعبها سيارتي لاوستن."
استدرات اليه قائلة:" هل انت آت معي ؟ لقد تعمدت هذا التصوف كيف امكنك ذلك؟"
اجاب" بسهولة , لا اظنك فكرت بأنني احضرتك الى المكتب لرقة قلبي فقط اليس كذلك؟ انك ستحصلين على الترقية في النهاية ولكن في نفس الوقت لاتتوقعي ان تمضي وقتا ممتعا, خاصة مع زملائك الرجال."
شهقت قائلة:" انك عديم القلب."
قال:" اجل؟"وتوترت شفتاه لحظة, ثم عاد يقول بابتسامة متصنعه:" اجل لم يعد عندي قلب. ولكنني مازلت اذكر كيف كان شعوري عندما كان عندي قلب


قالت آمرة:" اعدني الى البيت في هذه اللحظة." ولكنه تجاهلها. ونظرت هي حولها بعجز. كانا يسرانبسرعة في طريق السيارات العام ومازال امامهماللوصول الى الموقف التالي , اميال عديدة. وكانت متأكدة من انه لن يتوقف حتى لو توسلت اليه.
سألته:" لماذا تفعل هذا؟"ثم تصاعد الاحمرار الى وجهها. ولم تستطع التعبير عن الاضطراب الذي كانت تشعر به. وتابعت قائلة:" مالذي تريده مني؟"
اجاب:" ولماذا المفروض انني اريد شيئا؟ لقد سبق ونلت كل شيء."
قالت:"انني ... انني لا اريد الذهاب الى برينغلاس معك."
قال:" هذا لايدهشني , ولكن الطريق طويلة وليس في نيتي ترك تبيتين في الطريق ليلا. وكوننا نتناوبالقيادة معا يمكننا العودة في نفس الليلة."
سارافترة بصمت, ولكن عندما خف زحام السير, ابتدا يسألها عن العمل. وبدا في اسئلته كرجل اعمال, واقعيا تماما مما جعلها تستجيب له بشكل طبيعي
قال اخيرا :" لابد انالامر صعب بالنسبة اليك, مادام مدير المشاريع اعتاد على تعاطي المشروب اثناء الفطور بدلا من الشاي."
حدقت اليه . كان على علم بكل شيء. فهي لم تقل شيئا قط حتى ولو بمجرد الاشارة الى هذه المشكلة
قالت:" لايمكنني ان اقول شيئا, اذ انني لم اشاركه الفطور قط."
قال:"لم تفعلي؟" ولكنها رفضت , باحتقار, هذا النقاش. هز كتفيه بعدم اكتراث, وكانا قد اقتربا من الجسر, فقال:"انالحديث عن الفطور ذكرني بمرور وقت طويل على ذلك."
القت نظرة الى ساعتها قائلة:"مازال الوقت مبكرا لموعد الغذاء."
قال:"مازال الوقت مناسبا لفطور ثان كما اظن."
اوقف السيارة في موقف السيارات للخدمات, ثم استدار اليها قائلا:" لقد مضى وقت طويل مذ تناولنا الفطور معا,يا جوانا . ولكنني احب المجازفة,اذا شئت."
قالت:"المجازفة؟ايةمجازفة؟"
قفز من مقعده ثم استدار يفتح لها الباب قائلا:"من يدري."
قالت محذرة:"كلاي" وفجأة شعرة بالوحدة معه.
ضحك بهدوء قائلا:"حسنا ,هل ستأتين معي؟ ام انك ستبقين مكانك متمنية لو انك جئت معي؟"
قالت:"سآتي معك ,طبعا."
حملها لينزلها الى الارض حيث بقيت يداه لحظة, حول خصرها.بدالها سهلا جدا ان تضع ذراعيها حول عنقه وتقبله.فهي مازالت تريد ذلك رغم كل شيء. ومازال بينهما ذلك الانجذاب السريع المتبادل, تماما كالحديد والمغناطيس. ولكنها مالبثت ان شدت نفسها الى الخلف, وافعه ذقنها وهي تشد معطفها حولها تقاوم بذلك الهواء البارد او اي شيء اخر... ثم قالت:" انني, في الحقيقة, جائعة جدا." وكانت بذلك, تتظاهر بشجاعة هي ابعد الناس عنها.
ملا طبقيهما باالطعام, ثم جلسا الى مائدة تشرف على جسر سيفرن . وكان برجا الجسر الضخمان يعلوان فوق الضباب المنخفض الذي كان يغطي مصب النهر.
قالت:"لقد احببت دوما منظر هذا الجسر. انه رائع الجمال عندما لايكون في استطاعتك ان ترى سيارات الشحن ولاكشاك التي تجمع رسوم العبور."
نظر كلاي إلى الجسر دون حماس وهو يردد: (رائع الجمال ؟إنه يؤدي وظيفة معينة ولكنه لا يمثل رأيي في الجمال)استدار يواجهها وهو يتابع ولكن ذلك لا يدهشني لأننا نحاول ان نختلف حول كثير من الأشياء)
قالت وهي تحاول تركيز اهتمامها على طعامها:"تعني 'حاولنا' اي الفعل الماضي"
لكن كلاي لم ينه حديثه بعد ، فقال :" ان امامي بعض الصعوبات بالنسبة لاتفاقنا ، ياجوانا ."
قالت :" انك لا تحاول بما فيه الكفاية ."
مد يده يمسك بيدها في الوقت الذي كان عليها أن تجذبها لكي تتجنب النار التي استعرت من جراء لمسته .
وأخذ يلمس ببطء ، المحبس الذهبي الذي وضعه في اصبعها يوم زفافهما . وعندما رفع عينيه إليها ، كانت عيناه غائمتين ، وهو يقول :" يبدو أنك تدبرت امرك جيدا ."
اجابته بكل ما استطاعت من برود وهي تجذ ب يدها من يده :"لقد اصبحت عادة"
وصلا الى برينغلاس بعد الساعة الثانيه عشرة واسرعت السيدة رايس من الحديقة لمقابلة جو بينما كانت تترجل من سيارة الفان.
قالت :"ادخلي من البرد"
بقى كلاي في السيارة وهو يقول:"ساعود في ما بعد. فاذا استطعت تجهيز كل شيء لتحميله في السيارة فسنعود مباشرة" ثم قطب جبينه قائلا :"اظنك قلت ان الثوج متراكمه في هذا المكان ؟"
قالت السيدة رايس : "كان ذلك في الاسبوع الماضي. وقد استمر المطر في الهطول منذ ذلك الحين . ولكن الثلج سيعود للتراكم بعد وقت قصير"
سالته جو:" انك لا تعرف الطريق . هل تريديني ان آتي معك؟"
قال وهو يبتعد :" ساعثر على طريقي فان عندك الان مايكفيك"
امضت ساعات في حزم الامتعة, ثم فككت اجزاء سرير الطفله , واخدت تنقل الامتعة الى اسفل الدرج الضيق. واخذ هذا من وقتها اكثر مما توقعت , وعندما عرضت عليا السيدة رايس شيئا من الطعام,قبلت ذلك مسرورة.
بعد ذلك , دفعت اليها ايجار المنزل , ثم قدمت اليها الهدية التي احضرتها لها والتي كانت شالا كبيراً مزخرفا وقفازين سوداوين من الجلد. ثم, جلستا قرب النار تنتظران كلاي.
قالت السيدة رايس: "ان صغيرتك تشبهه بعينيها"
وقطبت جو حاجبيبها:"اننا لسنا ... معا, لقد اشترى كلاي الشركة التي اعمل فيها , وهذا كل شيء"
قالت المرأة:"هذا مؤسف"
قالت جو:"ارجو ان لاتذكري شيئا عن هذا الامر"
نظرت المرأه اللا النافذة قائلة:" كلا ,لقد فهمت . ولكن الظلام ينتشر الان ومن الافضل ان اسدل الستائر"
اخذت جو تنظر الى الساعة من وقت الى اخر بقلق. وكانت الساعة تقارب السادسة عندما اندفعت نحو النافذة اثر سماعها صوت عجلات السيارة فوقالحصى خارج البيت.
ادخلته السدة رايس ثم اشارت الى النار قائلة:"اجلس هناك ودفىء نفسك. وساحضر لك بعض الحساء"
قال : "هل الجو بهذه البرودة على الدوام ,هنا ؟"
كان يفرك يديه امام لهب المدفأة وهو يقول ذلك
ابتسمت جو قائلة :"مازلنا في شهر تشرين الثاني _نوفمبر, والاسوا لم يلت بعد"وتركته يتناول الحساء, واخذت تضع الامتعة في السيارة بسرعة لتجنب الهواء المثلج. واخيرا , عادت لتقول:"لقد انتهى كل شبء ,ياكلاي ,والافضل ان نشرع في السير,فقد بدا, المطر يهطل"
قبل ان يذهبا ,قالت صاحبة البيت :"لقد جهزت لكما ترمس ياجو ,فقد تحتاجان الى شراب دافىء"
احتضنت جو المرأة قائلة:" تعالوا في جز صوف الخراف فذلك سيسرّها" ونظرت الى كلاي مبتسمة له:" انكم جميعا على الرحب والسعة"
امسكت جو انفاسها . لكن بدا على كلاي انه لم يحمل كلام المرأة اي معنى خاص وهو يشكر المرأة على ضيافتها .
تطوعت جو قائلة :" سأقود السيارة بنفسي"
قل هو:"كلا, ساقود انا في هذه الانحاء ,وعندما نصل اللا الطريق العام، تستلمين انت القيادة."
ارادت ان تجادله, فقد كانت تعرف الطريق في هذهالانحاء اكثر مما يعرفها هو. ولكنه كان قد صعد الى مقعد القيادة واخذ يشد الحزام خوله,قائلا:"هيا بنا" وشعرت بنفور غريب من ان تستسلم لمشيئته مرة اخرى . ونظرت الى السيدة رايس خلفها والتي كانت تفق في دائرة النور المنبعث من باب المنزل المفتوح والذي مثل لها الامن والخلاص. ثم رفعت يدها وصعدت الى السيارة.
ادار المحرك , ثم سار متجنبا الخفر في الطريق قدر المستطاع الى ان اجتاز فناء المزرعة, وعندما تخطى قدر الطريق الضيق, بدا وكانهما الوحيدان في هذا العالم.
مضى عليهما في السير حوالى العشرين دقيقة, وكان كلاي يسير ببطء في الظلام , عندما تحول المطر فجأة الى ثلج , ولم يستقر الثلج في الطرق, ولكن التلال ابتدأت تتـألق بالبياض, بينما جعل الثلج المتساقط من الصعب التمييز بين نهاية الطريق وبداية التلال الصخرية.
سألته جو بقلق :"أيجب علين العودة؟"
فنظر إليها قائلا:"سنكون على مايرام...."
صرخت عندما اجتازت شاة الطريق ثم توقفت فجأة مذعورة ,امام نور السيارة. وحاول كلاي ان يتفاداها ليصعد صوت مفاجىء من أسفل السيارة. وتفوه بشتيمة وهو يقفز من السيارة ليرى ما حدث.
سألت :"ماذا هناك؟"
وقف وهو ينفض الثلج عن ركبيته قائلا:" يمكنني ان ادرك ماحدث دون الحاجة الى مصباح يدوي. ولكنني اظن الأمر سيئا, إذ يمكنني ان اسمع شيئا يسيل" وبدا عليه التفاؤل, بينما إذ يمكنني ان اسمع شيئا يسيل" وبدا عليه التفاؤل ,بينما بدا عليها الضيق,وأخذت تنظر حولها . لم يكن ثمة نور يرى .كما ان اية سيارة لم تمر بهما منذ خلفا المزرعة وراءهما.

ورأته يبتسم في النور المنبعث من مصباح السيارة الأمامي وهو يقول :" شكرا على الترمس الذي ملأته لنا السيدة رايس . إذ اشعر بأننا سنكون في حاجة إليه قبل الصباح ."
قالت ذاهلة :" الصباح ؟ يمكننا بكل تأكيد أن نحاول الوصول إلى أي مرآب ." كان تصورها قضاء الليل مع كلاي وحدهما يوهن من عزيمتها

أجاب :" لا أظن ان في إمكاننا الذهاب إلى أي مكان . عودي إلى السيارة إذ ليس ثمة فائدة من أن تتحملي البرد إلى أن اجد المصباح اليدوي ." أطاعته دون اعتراض . فقد كان الهواء باردا والثلج قد بلل وجنتيها اللتين اخذت تفركهما وهي ترتجف .
سألها :" كم تبلغ نسبة الحظ في مرور سيارة بجانبنا قبل الصباح ؟"
أجابت :" انها ليست بالنسبة العالية .فهذه طريق فرعية تقود إلى حيث تقطع الأخشاب في الغابات . وبعد عدة أسابيع لن تستطيع ان تتحرك لشدة ازدحام السائقين . ولكنها مقفرة نوعا ما ، حاليا ." ونظرت إلى العاصفة الثلجية وهي تقول :" دعنا نتكلم بصراحة . إذا لم يكن ثمة حاجة بك للذهاب إلى أي مكان ، فهل تغامر بالخروج في ليلة كهذه ؟"
أجاب :" بصراحة ، كلا . وفي الواقع ، لا أدري ما الذي أصنعه هنا في ليلة كهذه في الوقت الذي يكون في إمكاني أن اجلس امام المدفأة في منزل السيدة رايس


قالت :" انني آسفة ." وبدأت ترتجف . فقال وهو يضع ذراعيه حولها :" أوه ماهذا يا جو ؟ إن الأمر ليس بهذا السوء ."
كانت ذراعاه قويتين ، وصوته مقنعا ، وشعرت بالأمان وهو يشدها إلى صدره الدافئ .
قالت :" حقا ؟" ونظرت إليه ، ثم حولها وقد خالت ، للحظة ، أن الأمر قد لا يكون بهذا السوء فعلا .
ابتسم قائلا :" انني متأكد من أننا سنجد شيئا نقوم به ليدفئنا ."
صدمت إذ تذكرت أين هي ، ومن هو الذي يضع ذراعيه حولها . لم يكن ثمة أمان هنا . وضحك بلطف حين قفزت متراجعة إلى الخلف ، ولكنه لم يحاول استبقاءها . وقال :" في هذه الحالة ، من الأفضل أن أطلب المعونة ." وأخرج من جيبه هاتفا نقالا وضغط على رقم .
عندما انتهى ، سألته :" كم سيستغرق ذلك من وقت ؟"
" قالوا عشرين دقيقة ."
" انهم دوما يقولون عشرين دقيقة ، كم من الوقت في الحقيقة ؟"
قال :" يبدو لي أن الأمر لن يكون اقل من ثلاث أو أربع ساعات ."
عندما احست بأنه يقول الحقيقة ، غاص قلبها بين ضلوعها . وقالت :" ربما نستطيع ، ان نقوم بعمل ما ."
" ماذا بالضبط ؟"
قالت ساخطة :" يجب ان نرى أين العطل ." وفتحت الصندوق الصغير أمام المقعد واخرجت مصباحا يدويا ناولته إياه.
قال :" أوه ، كلا . إذا كنت حريصة بهذا الشكل فتعالي واحملي هذا المصباح اللعين لكي أرى ."
لم تنتظر دعوة اخرى ، ففتحت الباب ونزلت بسرعة . كان الطريق مغطى بالثلج . واطلق كلاي شتيمة عندما انزلقت قدمه ، وصرخ فيها محذرا ، ولكن بعد فوات الأوان إذ انزلقت قدمها ، وقبل ان تتدارك نفسها ، كانت تتدحرج من فوق حافة الطريق إلى الخندق المغطى بالثلوج.
صرخ :" جو ." وكانت قد استلقت لحظة في الظلام وقد انقطع نفسها وتوترت اعصابها إلى درجة لم تعد تستطيع معها أن ترد على ندائه ، وعاد ينادي :" جو .. أجيبيني ، هيا ." وتناهى إليها صوته القلق . ولكن كل ما استطاعت ان تقوم به ، هو ان تبقى مستلقية بهدوء وهي تجاهد لكي تستطيع التنفس .
ولكن صوت اقدامه وهو يسحق الثلج مقتربا منها ، جعلها تتحرك ، حاولت ان تتكلم قائلة بصوت اجش :" انني بخير . ابق انت هناك من فضلك ." ولكنه اقترب ليقف بجانبها . وكانت ماتزال متمسكة بالمصباح ، ومد يده يأخذه من بين اصابعها الحذرة يريحها منه ، ثم اناره بسرعة فوق وجهها .
أخذ يتحسس ذراعيها وساقيها بسرعة وهو يسألها :" هل ثمة كسر في أي مكان ؟"
هزت رأسها قائلة :" كلا. بل مجرد رضوض قليلة ، كان يجب أن تبقى مكانك هناك . والآن علينا أن نعود صاعدين إلى هناك ." واخذت ترتجف من البرد .
قال :" دعيني اساعدك ." مد ذراعيه حول وسطها ثم رفعها على قدميها . وأحست بالدوار لحظة ، ثم التصقت به بعجز . وامرها بقوله :" ضعي ذراعيك حول عنقي ." وببطء اطاعته ، فشبكت اصابعها خلف رأسه ، ومنحها الدفء المنبعث من جسده ، ثم حملها بين ذراعيه وصعد بها . وتعثر بصخرة غطتها الثلوج فأخذ يشتم .
رفعت رأسها عن كتفه قائلة :" يمكنني ان اتدبر امر نفسي ، يا كلاي . أنزلني إلى الأرض . " ولكنه لم يهتم بكلامها بل زاد من احتضانها ، وشعرت هي بالسرور لذلك ... ولكنها شعرت بالإزدراء لنفسها إذ تشعر بذلك .
كانت سيارة الفان اكثر دفئا في داخلها ، ولكن درجة الحرارة ابتدأت تهبط بعد أن برد المحرك. وظل ممسكا بها لحظة يهدهدها في حضنه إلى أن ابتدأت نوبة الارتجاف تتلاشى .
تمتمت :" انني آسفة يا كلاي . فأنا استشعر الغباء في نفسي ." ودست وجهها في سترته المبللة .
قال بلطف :" ولكن النية طيبة ."
جعلها شيء في صوته ترفع رأسها إليه ليصدم ناظريها منظر شعره المبلل ملتصقا على جبهته.
قالت بحنان :" أوه ، انك مبلل ... حسنا ، سأبحث عن منشفة ."
وزحفت إلى مؤخرة الفان ، وقطعت الشريط الذي يلف أحد الصناديق بأصابعها الخدرة ، ثم سحبت منشفة فناولته ، وأمسك بالمنشفة لحظة ، ثم تأفف ساخطا وهو يقول :" لقد جرحت يدك هنا . دعيني أرى . " وأمسك بيدها ثم لف المنشفة حول الجرح الذي كان ينزف .
قالت :" انني لا ... لا اشعر بشيء ." ثم شهقت من بين اصطكاك اسنانها إذ جذبها إليه وابتدأ يدعك شعرها بعنف بالمنشفة
. ثم قال :" والآن ، تخلصي من هذه الثياب المبللة ." وقبل أن تعترض بكلمة ، كان قد نزع عنها معطفها .
هتفت باحتجاج :" كلا ." ولكن ثيابها كانت مبللة ، كما ان الثلج الذائب في ياقتها قد بدأ يسيل على ظهرها .
قال :" انك لم تكوني بمثل هذا الخجل ، يا جو . وإذا لم تنشفي هذه المياه ستتجمدين ."
وحين بدأ يساعدها في نزع ثيابها لم يعد ارتجاف جسدها بسبب البرد وحده .
توسلت إليه قائلة :" كفى ... كفى ، ارجوك ."
قال بصوت اجش وهو يلفها باللحاف :" حقا ؟" وامسك به يشده حولها برهة إلى ان شدته هي منه عنوة . ثم بدأ يجفف شعره . وراقبته لحظة ، وهي تتذكر بأسى ، تلك الأيام التي كانت تقوم هي لأجله بذلك العمل .
قال لها بصوت آمر يحمل نبرة تهديد :" اسكبي لنفسك شيئا من القهوة ." وجعلها هذا الصوت تتحرك بصورة تلقائية بعد أن اعادها إلى رشدها .
اخذت تذكر نفسها بأن هذه الاحاسيس التي اخذت تنتابها ماهي الا تغيرات كيمائية في جسدها . حتى الديناميت نفسه هو مجرد كيمياء ... بدأت جو برشف القهوة الساخنة ، ولكن اسنانها لم تكن لتتوقف عن الاصطكاك رغم محاولاتها . أخذت تراقبه وهو يمهد بعض الصناديق ثم فرشه بالملاءات ليجعل منها ما يشبه السرير .
قال لها :" استلقي هنا ، وستشعرين بالدفء ." ولم تكن لتستطيع الجدل وهو يستلقي بجانبها ، وقد غطى جسديهما معا باللحاف ثم بدأ بدعك يديها ورجليها ليدفئها .
ثم سألها :" اتشعرين بالدفء الآن ؟" فأومأت برأسها . عند ذلك ، استدار مستلقيا على ظهره واغمض عينيه قائلا :" لقد حان دورك الآن ."
فازدردت ريقها ، ذلك أن فكرة لمسه ضايقتها لحظة ظنت معها ان ليس في إمكانها ان تفعل ذلك. ولكن كان عليها أن تفعل ذلك إذ كان الذنب ذنبها ، فهي لو لم تصر على الخروج من الفان لبقي الاثنان جافين .
وابتدأت ببطء ، ثم مالبثت ان اسرعت في عملها عندما لاحظت مبلغ شعوره بالبرد . واخذت تفرك قدميه .
قال :" هذا يكفي ." كان صوته خشنا ، وقبل أن تستطيع الاعتراض ، كان قد وضع ذراعيه حولها ثم جذبها إليه . بقيت متصلبة في حضنه إذ كانت تعرف أن اقل حركة منها كانت كافية لكي يفقدا السيطرة على نفسيهما لهذا حافظت على هدوئها التام ، بينما كانت اذنها ملتصقة بصدره الصلب ، تستمع إلى دقات قلبه المنتظمة ، وبعث التصاقها به الآف الذكريات في اعماقها . فصدرت عنها صرخة فجأة .
أخذ كلاي يهدهدها برقة إذ تعلقت به ، مشددا من احتضانه لها وهو يهمس في شعرها بكلمات ملاطفة .
قالت وهي ترتجف :" انني خائفة يا كلاي . اترانا سنتجمد من البرد حتى الموت ؟"
رفع رأسه ، وفي النور المخيف المنعكس من الثلج ، استطاعت ان ترى عينيه ، وهو يقول :" كلا، اننا لن نتجمد ."
ثم اغلقهما ثانية ، ولم تعد ، بعد ذلك ، ترى شيئا او تشعر بالبرد أو الوحشة .
تشممت رائحته الدافئة المألوفة ، وعندما تحركت اطراف اصابعه برقة ، ملامسا كتفيها ، خرجت من بين شفتيها شهقة حنين غير إرادية . وهنا ، توقف الزمن .
الفصل السابع
انسحبت جوانا ببطء شديد في محاولة للتخلص من اغراء ذراعي كلاي . ولكن قبضته اشتدت حولها .
همست :" لايمكنني ذلك ، يا كلاي ."
قال :" لا ؟" ورفع رأسه وأخذ يحدق في وجهها لحظة خالتها دهرا .
عادت تقول وهي تشعر بالعجز :" لا يمكنني ذلك."
تركها فجأة ثم جلس . وتمنت لو تطلب منه العودة إلى قربها وضمها مرة أخرى . ولكن ، عليها أن تكون قوية الآن . عليها أن تكون قوية لأجل أليس

أدار لها ظهره قائلا :" إذا كان لديك ثياب صوفية في هذه الحقائب خلفك فمن الأفضل أن ترتديها ، فهذا وقت مناسب لذلك ."
للحظة واحدة ، فكرت في أن توضح الأمر . إن أليس حرمت من الاستمتاع بأسرة مكتملة. فهي من دون أب ، ولن يكون لها أخوة أو أخوات ، ولهذا لها الحق ، في أن تنتظر من أمها أن تفكر بها أولا ، ودوما قبل نفسها .
لكن استدارة ظهره ، على كل حال ، لم تشجع على أي حديث ، وتركت دفء اللحاف وهي ترتجف ، وفي الضوء الخافت المنبعث من السيارة وجدت بدلة وبعض الجوارب ، وشعرت ببعض القوة ، فتابعت البحث إلى أن وجدت زوجا قديما من الجوارب الرجالية وكنزة كانت لأبيها .

سألته :" هل هذه تناسبك ؟" أخد الكنزة دون أن يتكلم وارتداها حاشرا إياها بكتفيه بقوة ، وكان الجوربان أفضل . وشعرت فجأة ، بشيء من الضيق ، انهما ربما كانا يخصانه ، ولكنه لم يقل شيئا . وبدلا من ذلك ، جذب اللحاف فوقه ، ثم استدار على جنبه . وبقيت هي لحظة تحتضن ركبتيها وهي تفكر في ما عليها أن تفعل .
قال :" حاولي أن تنامي ، وا جو . فالليلة ستكون طويلة ." النوم ؟ ربما كانت تضحك لو لم تشعر بأنها على وشك البكاء . إنها لن تفعل . لن تستلقي إلى جانبه . وفجأة ، أدركت أن ذلك ليس ضروريا . وهتفت :" كلاي ."
استدار ينظر إليها بسخرية قائلا :" ماذا حدث يا جو ؟ هل غيرت عقلك ؟"
شكرت الظلام الذي ستر تضرج وجهها ، وقالت متجاهلة سخريته :" يمكننا استعمال هاتفك للإتصال بالسيدة رايس ، إنها ستأتي إلينا في سيارتها اللاندروفر . إننا على الأقل ، لن نتجمد حتى الموت ."
قال ساخرا :" اننا لن نتجمد حتى الموت هنا ." " أرجوك ." وتنهد هو عند ذاك ، وأخرج الهاتف من جيبه قائلا :" ماهو الرقم ؟" أملت عليه الرقم فطلبه ثم انتظر فترة قال بعدها :" ليس ثمة رد ، ربما أتلفت الرياح الخط ."
عضت جو شفتها ، ثم قالت :" ربما . حاول مرة أخرى ، إذ ربما أخطأت الرقم ." وكررت الرقم مرة أخرى . وهز رأسه وهو يضع السماعة على أذنها لتستمع بنفسها .
قال :" لا بأس بالمحاولة يا جو . ولكنك معي ، فحاولي أن تنامي الآن ."
عند ذلك ، استلقت إلى جانبه محاذرة أن تلمسه رغم صعوبة ذلك في تلك المساحة الضيقة . ولكنه مالبث أن استدار إليها ووضع ذراعه حولها ، فتصلب جسدها ولكنه لم يأت بحركة ذات مدلول .
كان يقدم فقط ، مجرد عطف انساني ووجدت نفسها مسترخية في ذلك الدفء المنبعث من جسده . " جو ؟" أيقظها صوته يناديها ، وكذلك البرودة التي شعرت بها في ظهرها ، فحاولت أن تجلس وقد تيبس جسدها.
سألته :" ماذا هناك ؟"
قال :" إنها شاحنة الانقاذ ." أضاء وجهه نور قوي في ذلك الظلام ، فعبس مغمضا عينيه وهو يجذب سرواله المبلل قائلا :" الأفضل أن تجمعي حوائجك ." ثم قفز إلى الخارج ليشرح وضعهما لمنقذهما .
كان سائق السيارة بشوشا بشكل رائع وهو يخاطبها قائلا :" صباح الخير ، ياسيدة تاكيراي ." وأجفلت لا إراديا حين سمعت النداء الذي لم تألفه ، وألقت نظرة على كلاي ولكن وجه هذا كان خاليا من التعبير وقد غمرته الظلال . وعاد السائق يقول :" آسف لهذا التأخير . لقد كنت أخبر زوجك أن هذه الليلة كانت سيئة في جميع الأنحاء . ويبدو أن الجو في طريق التحسن الآن ." وبرز القمر قليلا من خلف الغيوم وبدا ، للحظة ، أن كل شيء قد تألق ، وتابع السائق :" لماذا لا تذهبين إلى العربة وتجلسين فيها ؟ إنها دافئة وحالا سننتهي من تحميل هذه السيارة ."
ففي النهاية ، كان الفان قد حمل في سيارة الشحن . بينما صعد كلاي ليجلس إلى جانب السائق .
أدار السائق وجهه إلى الخلف مقدما إلى جو علبة بلاستيكية تحتوي بعض سندويشات الجبن وهو يقول :" أتريدين ساندويش ، ياسيدة تاكيراي ؟"
وجه كلاي إليها نظرة حادة تحذرها ، كما يبدو من أن تعترض على الإسم . وقالت تجيب السائق :" كلا ، أشكرك ." ولم تنس أن تبتسم له .
عاد السائق يقدم الصندوق إلى كلاي قائلا :" ياسيد تاكيراي ؟" ولكن هذا هز رأسه أيضا بالنفي .
قادهما السائق إلى مرآب حيث تدبر كلاي أمر إصلاح الفان . ثم استأجر عربة أخرى تقلهما إلى المنزل . ونقلوا حاجياتها وصناديقها في صمت تام ، وفي النهاية انطلقا وقد جلس كلاي أمام عجلة القيادة .
سارا في ذلك الليل الثلجي أميالا عديدة وقد سادهما صمت عميق ، ولم تجد جو طريقة تخترق بها هذا الصمت ، كما أنه بدا على كلاي الاستغراق في أفكاره وكأنه لا يشعر بوجودها . عند الجسر ، توقف حيث الاستراحة ، معترضا على إصرارها على متابعة السير بقوله :" إنني في حاجة إلى بعض القهوة لتبقيني مستيقظا ."
قالت وقد شعرت بغبائها :" أوه ." وتابعت محاولة إصلاح سوء فهمها :" لابد أنك جائع كذلك ؟"
قال :" نعم . إنني جائع ."وحدق فيها لحظة ، ثم فتح لها الباب فحاولت أن تترجل ، ولكن أعضاءها كانت متصلبة من جراء سقوطها ، فأنزلها ، ممسكا بها عند صدره بينما كانت ساقاها لا تنثنيان ، وهو يقول :" من الأفضل الإكتفاء الآن بالقهوة ، إذ ان الفطور قد يصبح عادة بيننا ."
قالت بحدة :" هذا لن يكون ." لقد تعرضت إلى ذلك الخطر ، هذه الليلة ، كما لم يحدث من قبل . لكنها قاومته رغم شدة حنينها إليه الذي بدا بالقوة التي كان عليها عندما قبلها لأول مرة ، من أين جاءتها القوة لرفضه ؟ لم يكن ذلك لأنها أرادت رفضه ، ولكن لأن عليها أن ترفضه . لقد أضاعا حظهما في الحب وهي لاتقبل أبدا أي حل يأتي في الدرجة الثانية قد يفكر هو فيه .
كان ضوء النهار قد انتشر عندما استدار كلاي بالفان إلى الطريق المؤدي إلى منزل والدة جو . وعندما وصلا ، كانت عند الباب فأسرعت خارجة عندما رأتهما ، وهي تهتف :" جو ، لقد كنت في أشد القلق عليك ." وعندما وقع نظرها على كلاي بدا أن أسوأ مخاوفها قد تحققت .
قالت جو :" لقد تعطلت السيارة بنا ، يا أماه . ونحن بخير الآن . لو ظننت أنك ستقلقين لاتصلت بك هاتفيا . ولكنني فضلت عدم ازعاجك بمخابرة هاتفية في منتصف الليل ."
قالت الأم :" لقد سمعت النشرة الجوية في التلفزيون فاتصلت بالسيدة رايس التي أخبرتني بأنك تركتها منذ ساعات ."
قالت جو :" لكننا اتصلنا هاتفيا بالسيدة رايس ، ولكن هاتفها كان ... " والتفتت نحو كلاي الذي نظر إليها دون أن يبدو على وجهه أي تعبير ، إلا لمحة سخرية لقدرته على اغفالها بمثل هذه السهولة . وحولت ناظريها بعيدا وقد استحوذ عليها الارتباك .
قالت الأم :" هيا ادخلا ، إذ يبدو عليكما التجمد من البرد ."
قال بحزم :" سأنزل الأمتعة من الفان ، ثم أذهب ياسيدة غرانت ."
ألقت نظرة على وجهه الشاحب ولحيته النابتة ، لتشعر بالعطف بالرغم عنها . وقالت :" كلا . هيا ادخل واجلس بجانب المدفأة ، وهذه الأمتعة يمكنها أن تنتظر . هل تناولت طعام الفطور ؟"
نظر إلى جو قائلا :" ظننت أن من الأفضل العودة بسرعة إذ تكهنت أن القلق قد ينتابك ." وخنقت جو الكلمات التي قفزت إلى شفتيها ، ورفع حاجبه بشيء من السخرية وكأنه يحيي فيها ضبطها لنفسها هذا . وتبعا الوالدة إلى داخل المنزل ، بينما كانت جو تفكر في أنها ستحاسبه على تزييفه للحقيقة بالنسبة لهذا الأمر حالما تستعيد قواها .
دعته السيدة غرانت إلى الجلوس في مقعد كبير ذي ذراعين قائلة :" تفضل بالجلوس ، يا كلاي ." ثم التفتت قائلة :" الأفضل أن تأخذي حماما ساخنا الآن ." وقفت جو فترة تحت (الدوش) خائفة من أن تسقط من النعاس . ثم ارتدت سروالا رماديا وكنزة صفراء . وذهبت لترى ابنتها . ولكن هذه لم تكن في غرفتها ونزلت جو تهبط الدرج بلهفة وهي تهتف :" أمي. أين ..."
قالت الأم وهي تضع اصبعا على فمها مشيرة إلى كلاي الذي غط في النوم في كرسيه :" هس ... لقد أنقذت الفنجان من يده في الوقت المناسب ، تعالي إلى المطبخ ."
كانت الطفلة أليس هناك تأكل بسرور قطعة خبز محمص قدمتها لأمها حين رأتها ، وهي تهتف :" ماما !"
هتفت أمها بدورها :" مرحبا ، يا حبيبتي ... هل كنت فتاة طيبة مطيعة ؟" لقد وجدت من الأسهل عليها أن تثرثر مع طفلتها من أن تواجه عيني أمها المستطلعتين ، ولكن ، عليها أن تواجه الأمر في النهاية وخير البر عاجله .
قالت :" انني اسفة لقلقك علي يا أماه. لقد تعطل الفان في الجبال, وكان علينا ان ننتظر طويلا قبل ان تاتي سيارة الانقاذ."
قالت الام:" تفسيرك ه1ذا يتشابة مع تفسير كلاي. ولكن الشيء الوحيد الذي لم يفسره اي منكما ياجو , وهو مالذي جمعكما معا , اصلا؟"
قالت جو:" كان عليه ان يذهب الى ينغلاس لكي يشاهد البناء."
قالت الام:" فدعوته انت لكي يأتي معك."
قالت جو:" كلا."
رفعت الام حاجبها قائلة:" ولكنه جاء على كل حال . حسنا لقد حذرتك."
قالت جو:" نعم يا امي لقد حذرتني ولكن ليس عليك ان تقلقي ." ونظرت اليس ثم تابعت :" ذلك ان مشاعري منضبطة تماما."
رات جو عيني امها تتجهان نحو الباب, فاستدارت لترى كلاي واقفا عنده بشعره الاشعث.
قال:" الافضل ان اذهب الان." والتفت نحو جو سائلا:"ايمكننا انزال الامتعه الان من السيارة؟"
تدخلت السيدة غرانت قائلة:" يمكننا ان نقوم بذلك انا وجو في مابعد . لتنقلك جو بالسيارة الى منزلك اذ انك تبدو وكانك ستسقط نائما امام عجلة القيادة. وهي ستعيد الفان الى المكتب غدا."
بدا عليه وكانهسيرفض, ولكن جو سارعت تقول ةقد ادركت ان امها على حق:" الحق مع امي , ياكلاي."
حدق فيها لحظة, ثم هز كتفيه دون مبالاة وهو يقول:" من ذا الذي يجادل؟"
استدارت تسلم اليس الى امها, ولكن الام هزت راسها قائلة:" اخشى ان عليك ان ىتأخذيها معك ياجو. ذلك ان عندي موعد مع مزينة الشعر بعد عشرين دقيقة."
حدقت جو في امها قائلة:" ولكن."
لكن الانم قالت:" المعذرة , على ان اذهب الان. الى اللقاء ياكلاي."
القى اليها شبة ابتسامة , وهو يرد تحيتها.
هزت جو كتفيها قائلة:" هيا ياليس لكي البسك معطفك." وعندما البست الطفلة معطفها المشرق اللون كانت تشعر بكلاي واقفا خلفها.
قال:" انها تشبهك تماما."
قالت جو بسرعة:" نعم. الجميع يقولوت ذلك." وقبل ان تقوم باي شيء , كان هو قد انحنى يحمل اليس يحتضنها بملء ذراعيه وهو يحدق فيها عن قرب. واغمضت اليس عينيها وهي تضحك مسرورة رافسة بساقيها الصغيرتين.
قال:" هل ثمة شبة بينها وبين ابيها؟"
قالت:" قـ .... قليلا."
زم فمه قائلا:" وماهو هذا القليل؟"
قالت:" اذا كنت تعرفه, يمكنك ان تدرك ذلك بنفسك."
اخذت منه اليس ثم اسرعت بها خارجة نحو سيارتها حيث وضعت حولها الحزام مثبتة اياه بشدة.
جلس كلاي فيالمقعد بجانبها ثم اغمض عينيه ولم يفتحهما الا عندما اوقفت السيارة امام الكوخ . ثم انتظرت منه ان يخرج, ولكنه لم يتحرك.
قالت:" لقد وصلت الى منزلك, ياكلاي."
استدار ينظر نحو الكوخ قائلا:" نعم . هذا صحيح هيا بنا." وفتح الباب.
قالت:" كلا."
ولكن الانزعاج بدا على وجهه, فحولت ناظريها بعيدا بسرعة وهي تقول:" لا اظنها فكرة حسنة."
قال وهو يتمطى مبتسما:"انه ليس طلبا, ياجو , حسنا, ان جسمي متيبس. احضري اليس فتكونين عند ذلك , بامان تماما. وهذا ماقصدته والدتك."
منتديات ليلاس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: لحظة ندم - ليز فيلدنغ - قلوب عبير    الثلاثاء يوليو 04, 2017 9:52 am


نظرت جو الى الخلف الى ابنتها, ثم قطبت حاجبيها قليلا قائلة:" ربما." وفكرت في انه من المؤكد ان ليس لدى امها اي موعد مع مزينة الشعر, وفتح كلاي لها الباب فخرجت وكل عضلة في جسمها تؤلمها مما عانته.
عندما تبته في الطريق, انتبهت الى حركة على السطح.
كانت الحمائم ترفرف فوقه, تماما كما راتها في اول يوم جاءت فيه الى الكوخ.
قالت لابنتها:" انظري يا أليس." ووقف كلاي لحظة وهويتأملهما. وعندما نظرت جو اليه رات جبهته وقد تغضنت قليلا وكانه يحاول ان يتذكر شيئا. وعادت الى واقعها فجأة لتقول بحدة:" مالذي تريده, ياكلاي؟"
انتفض مبعدا افكاره, ليردد:" ماذا اريد؟" ثم ابتسم وكانما خطر له خاطر مسل , قائلا:" لقد حان وقت ذلك الفطور الذي وعدتني به. انني جائع جدا



ولم ينتظر جوابها, بل استدار يفتح الباب حيث اختفى في الداخل.
وقفت وجسمها يرتجف كيف يجرؤ؟ حسنا فلينتظر فطوره. وهتفت بابنتها:" هيا بنا, ياليس." ولكن الطفلة تملصت من يد امها, ثم هرعت نحو الباب. وصرخت جو:"اليس." وسمعت ضحكاتها تختفي ناحية غرفة الجلوس, فهرعت في اثر الطفة
امسكت بيد ابنتها ومشت ببطء في انحاء المنزل.كان المكتب في غرفة المطالعة, غير مغطى وقد بدا انه قد استعمل حديثا, ولكن غرفة الصباح كانت مغطاة بالملاءات كما كانت الستائر مسدلة, وكان المطبخ نظيفا ومنظما ولكن ليس بالتالق الذي كان عليه ايام عناية السيدة جونسون الفائقة.
كان في الثلاجة القليل من المواد الغذائية , واخرجت جو علبة تحوي البيض. وساورها شعور غريب وهي تفتح الخزانة, عالمة بالضبط مكان كل شيء , مما يعني ان لا شيء قد لمس منذ تركها المنزل.
سمعت صوت "الدوش" في الطابق العلوي فابتدأت بسرعة تخفق البيض وتحمص الخبز . وتحضر القهوة وكانت اليس في هذه الاثناء, قد وجدت خزانة اعجبتها ففتحها وابتدات تفرغ محتوياتها وابتدأت تفرغ محتويتها على الارض, وتعبث بها. ولم يكن لدى جو وقت لمنعها.كانت تجهد في ان تهيء كل شيء لكي تنسحب بسرعة حالما يظهر كلاي.
لم تنتبه حين توقف صوت تدفق المياة , ولما استدارت راته واقفا عند الباب يراقبها. وكان يرتدي معطف الحمام بينما شعره كان لايزال مبللا.نظرت بافتتان يائس الى قطرة من الماء تعلقت في احدى تجاعيد شعره لتسقط على رقبته ثم تتلاشى, في ثنايا معطفه, ووضعت الصحن بسرعة على المائدة ثم ضغطت الة صنع القهوة.
قال لها:" الن تأكلي معي؟"
قالت:" انا.....كلا." وابتعدت عنه حيث اخذت تلملم العلب التي كانت اليس تعبث بها, ثم تعيدها الى الخزنة.
قال امرا:" دعي ذلك. ستأتي السيدة جونسون في مابعد. واظنها تحب ان تنطلق من نقطة الصفر."
وجدت ان عليها ان تقول:" اظنها لم تات الى هنا منذ وقت طويل."
اجاب:" ولم يأت احد الى هنا منذ وقت طويل. ذلك انني لم اصمم بعد هل اعود الى هنا, ام ابيع المكان."
شعرت بقلبها يتفتت وهي تتصور اناسا اخرين يعيشون فيبيتهما, ولكن , كان عليها ان تواجه الواقع . وقالت:" من المؤسف جدا ان تتركه فارغا.اين كنت تسكن؟"
اجاب:" بعد ما رحلت, استأجرت شقة في المدينة."
قالت:" انني لم ارحل, بل انت طردتني."
" وهل كنت ستبقين؟" ولوى شفتيه باشمئزاز متابعا:"اهو اطراء لي؟"
لم تجب اذ لم يكن هناك مايقال على مابيدو:" انا ذاهبة."
"اجلسي , ياجو"
قالت:"لا اظن..."
قال:" ما الذي حدث لك؟ هيا احضري لنفسك فنجانا واجلسي معي, انني اريد ان اسألك شيئا."
وجلست امامه تراقبه وهو يتناول الفطور الذي اعدته له.
قالت:" حسنا؟"
"هل في امكان ان تتعامل مع...." واشار الى اليس " انها تبدو صعبة المراس."
قالت:" ليس كما يجب. ولكن اثناء مكوثي معها اظنها ستستاء اذا انا احضرت من ترعى الطفلة, ولكن عندما انتقل من عندها, فالامر عند ذاك يختلف."
نظر اليها قائلا:" تنتقلين من عندها؟ هل تفتشين عن منزل تعيشين فيه بمفردك؟"
وابتدأ عرق ينبض في صدغه " او ربما لن تكوني بمفردك؟"
شعرت بوجهها يشحب. وقالت:" انني امرأ ة ناضجة يا كلاي, وقد تركت منزل اهلي منذ وقت طويل."
قال:" ربما تمنعك الاقامة مع امك من التصرف بحرية." اهتزت لقوله هذا فلم تستطع جوابا . هز كتفيه وهو يسكب لنفسه فنجانا اخر من القهوة, ثم تابع قائلا:"لقد ادليت براي سديد ذلك اليوم عن ضرورة انشاء حضانة في الشركة, وقد تابعت انا هذا الامر شخصيا, وظننا سنستمر قدما."
سالته بارتياب:" وما الذي يدعوك للاهتمام بامر سبق ونقض من قبل."
قال بوقاحة:" انك ام طفلة دون اب. ومن المؤكد انني لست في حاجة الى ان اشرح مافي هذا من الفائدة بالنسبة اليك."
قالت بعنف :" لا يوجد طفل دون اب يا كلاي , ان ولادة طفل تتم بوجود شخصين."
قال:" هذه حقيقة اعرفها جيدا, ولكن اي اثنين؟"
وتابع بصوت قاطع:" لقد كنت حذرة جدا ان لاتاتي بها مني."
نظرت اليس اليهما من حيث تلعب على الارض, بينما نظرت اليها جو قائلة بهدوء:"لقد انتهى هذا الحديث."
اجاب :"ليس تماما. ولمعت عيناه بشدة ثم تابع:"اريد ان اعرف اذا كنت قد احببته."
قالت:" احببته من كل قلبي ياكلاي, وسأظل احبه حتى اموت."
احست بنوع من الارتياح وهي تقول ذلك. انه لم يعرف ولن يعرف ابدأ انها كانت تعنيه بذلك,
ولكنها شعرت بلبهجة حين قالت ذلك, ثم رات الثلج في نظراته, وتجمدت البهجة لتتحول الى كتة مؤلمة حيث كان قلبها ينبض بسرعة.
سألها:" واين هو الان؟"
وتراجعت اما الوحشية الضارية التي ظهرت في وجهه, الى ان اصطدمت بالكرسي خلفها . وفجأة, وقف ثم تحول عنها وهو يقول بازدراء:" ياللخسارة.هل ستستعملين الحضانة اذا تابعت انشاءها؟"
طرفت هي بعينيها اذ ترى الموضوع يتغير في لحظة.ثم قالت :"طبعا, ولكنني لا افهم مالذي تريده من وراء انشائها؟"
قال:" قوى عاملة موالية." وانحى الى الامام يمسك بيديها, ثم عبس وهو ينظر الى اصابها مركزا انظاره على خاتم الزفاف لحظة, ثم تابع قائلا وقد بدا فمه كخط نحيل قاس:" من الصعب ان نجد مهندسين اكفاء.كما ان الدنيا انفاقية, وانا لا اريد ان تعتذري يوما بحجة انك تريدين البقاء في المنزل لاجل اليس."
سحبت يدها من يده قائلة:" ليس في امكاني الاستغناء عن العمل لاجل رعاية ابنتي."
قال:" كلا؟ حتى وانت عندك ثمن تلك الاسهم؟" فجمدتها نظراته في الكرسي وهي تقول:" انني احتاج ذلك المال لاجل مكان..." وتوقفت عن الكلام.لقد قالت اشياء اكثر من اللزوم.
اكمل كلامها مفكرا:" مكان تعيشين فيه؟ اذن فقد كان شرطك في ان تستعيدي اسهمك خدعة؟ وانا قد صدقت قولك.انها غفلة مني لن تتكرر."
ابتسم فجأة قائلا:" انك , اذن, تظنين ان فكرة الحضانة هي جيدة؟"
اجابت مواقفة:" كان يجب ان تكون قبل الان."
قال:" اذا, اعتبريها حقيقة واقعة. وفكري كم ستكون بقية الامهات العاملات عندي , شاكرات لك."
اجابت : والاباء ايضا , فأنا بالنيابة عن كل الرجال الموظفين عندك اشكرك لك كرمك." من اين وجدت القوة لتواجه؟ والتفتت الى ابنتها تقول:" هيا ياليس, حان وقت العودة الى البيت."
استجابت الطفلة على الفور, لتخرج بها جو وتثبتها في المقعد الخلفي في السيارة, وعندما نظرت خلفها رأت كلاي يزيح الستائر لكي يسمح لضوء النها بالدخول. وتساءلت عما اذا كان قد صمم نهائيا على الاحتفاظ بالكوخ او على البيع.
امضت بقية النها, تستعيد قواها مما سمته امها بحنق(قضاء الليل على الجبل العاري)
وفي الصباح التالي كان في امكانها تجاهل بقع الرضوض الملونة في مختلف انحاء جسدها, شاكرة حظها على انها في امكنة غير معرضة للنظر.
في اليوم التالي , وصلت الى المكتب لتجد نفسها قد اصبحت بطلة والجميع يسألها:" كيف استطعت اقناعه؟"
قالت جو بضيق:" اقنع من؟" ولكنها تعرف الجواب عن هذا السؤال.
قالت موظفة الاستقبال التي كان لها طفلان, والتي ابدت غاية في الشكر:" طبعا السيد تاكيراي, انه مستمر في انشاء الحضانة, لقد سمعته ياجو .كان واقفا حيث تقفين انت الان , وهو يقول لبيتر انك اقنعته بصواب انشاء الحضانة ."
سالتها جو:" بيتر لويد؟"
اجابت:" نعم, وقد بدا شاحبا تماما."
قالت جو ساخخرة:" انه يظن ان جميع الامهات يجب ان يبقين في المنزل يطحنون الجزر لاطفالهن." ولكنها لم تكن تشعر بالسخرية, ذلك ان كلاي اذا هو وقف يتكلم بهذا الشان في مكتب موظفة الاستقبال فهذا معناه انه يريد ان يعرف راي كل شخص في مايجري.
تتابعت ساعات النهار بسلسلة مكالمات تهنئة من بقية الموظفات. عقب الظهر مباشرة كان كل من في المبنى قد عرف ان ثمة حضانة للاطفال ستنشأ وانها هي قد اقنعت الرئس الجديد بذلك
في الساعة الثالثة استدعيت الى مكتب الاستقبال لاستلام شيء يخصها.هرعت هي يحدوها الفضول.
كان ثمة سلة ورود حمراء رائعة , تصلح لغرفة ملابس ممثلة سينمائية. وقبلت جو البطاقة التي لم تكن ضمن مغلف, وكان عليها بضع كلمات ظاهرة عمدا لكي يقراها الجميع . دون شك , قد قرأتها موظفة الاستقبال
كانت الكلمات تقول:" ذكرى ليلة لاتنسى" وكانت دون توقيع, ولكنها عرفت صاحب الخط فورا وتضرج وجهها الى منابت شعرها. سيعلم الجميع الان باية وسيلة استطاعت هي (اقناع) السيد تاكيراي بالموافقة على انشاء الحضانة. او انهم سيظنون انها فعلت ذلك والنتيجة هي واحدة.
سحبت البطاقة من السلة ومزقتها ثم القت بها في سلة المهملات.ثم استدارت مبتعدة. وناوتها موظفة الاستقبال قائلة:" الن تاخذي زهورك, ياجو؟"
توقفت عن السير وحاولت ان تبتسم وهي تقول:" لماذا لا تبقينها هنا لتزيني بها القاعة؟ فليس لها مكان في مكتي." انها على كل حال, ارسلت لتعرض على الجميع .



وكذالك يسترد هو بذلك قيمة ماكلفته من نقود.
في الساعة الخامسة, بينما كانت مستغرقة في افكارها عما حولها, دون ان تنتبه الى انفضاض الجميع من حولها وكانهم وجدوا فجأة مايشغلهم, رفعت ناظريها لتجد نفسها وحيدة امام كلاي الذي كان يقف مستندا الى الباب . ونظرت حولها , ثم ابتسمت له باسف قائلة " انك تعرف تماما كيف تخلي غرفة ممن فيها."
قال وهو يتقدم نحوها ويجلس على طرف مكتبها:" لقد استغرق ذلك سنوات من التمرين.لقد جئت هذا الصباح الى العمل بسيارة الفان, فهل يمكنني ان اوصلك الى منزلك بسيارتي؟"
قالت:" لشد ما اود لك."
نظر اليها بعينين ضيقتين .كان قد توقعمنها الرفض التام بعدما حدث. وقال :" احقا ستأتين؟"
اجابت:" طبعا. فأنا لا احب المواصلات العامة, كما اكره ان افسد بهجتك . والافضل لهذا ان تنتظرني عند المدخل الامامي بعد الخامسة والنصف تماما, اذ انني ساشعر بالاسف اذ لم يرانا الجميع نخرج معا." ونزل هو بخفة يهم بالخروج عندما قالت:" ولكن ثمة ثمنا لذلك."
توقف مظهرا الهكم وهو يجيب:" انك لست في وضع يخولك ان تطلبي شيئا, ياعزيزتي."
تجاهلت قوله هذا, وتابعت تقول:" لايمكنني الان التصميم تماما, ولكنني كنت اتساءل عما اذا كان في امكاني استعامال اسمي بعد الزواج."
انتظرت جوابه. ولكن التجاوب الوحيد الذي بدر منه هو توتر فكه الاسفل . فتابعت تقول:" ان هذا سيرد الي اعتباري بشكل حسن. الاتظن ذك؟ انه يوقف الشائعات الفضولية."
ولم تنتظر جوابه بل تابعت :" والا..."
سألها :" والا ماذ؟"
قالت وهي تتساءل الى اي مدى يمكنها ان تصل:" والا فان الحضانة يجب ان تكون مجانية."
فاستدار ليخرج وهو يقول :" لانكوني سخيفة , ياجو. سأراك في مكتب الاستقبال الساعة الخامسة والنصف."
تناولت سماعة الهاتف وادارت القرص :" الو... مكتب شؤون الموظفين؟ انني جو غرانت ان عندي تعديلا لادخاله في الملفات..." ولكن يد كلاي قطعت المكالمة فوضعت السماعة مكانها وانتظرت.
" انك مخادعة ياجو"
قالت:" احقا؟"
" لقد رفضت ان تحملي اسمي عندما كنا نعيش معا, وانت لن تحمليه الان."
ازدردت ريقها ثم قالت:" ان علينا جميعا ان نضحي." قتم وجهه ثم قال :" لقد قررت ان يكون المبلغ المدفوع للحضانة من الموظف خمسين بالمائة من التكاليف وهذا شيء منطقي."
رن جرس الهاتف فوضعت يدها على السماعة قائلة" هل عشرون بالمائة تكفي؟"
قال :" اربعون."
رن جرس الهاتف مرة اخرى فتناولت السماعة واضعة يدها على فوهتها وهي تقول:" عشرون؟"
ثم تكلمت في الهاتف قائلة:" نعم يظهر ان الهاتف قد انقطع اثناء المحادثة. وكما قلت فإن عندي تعديلا في الملف."
قال :" خمسة وعشرون."
ارتسمت على شفتيها شبه ابتسامة وهي تقول في الهاتف:" سأعاود الاتصال بك."
والقت نظرة الى ساعتها قائلة:" خمسة وعشرون بالمائة هو مبلغ مناسب. سأراك في الاسفل بعد نصف ساعة." وعندما استدار ليخرج , نادته قائلة :"كلاي."
"نعم؟"
"اشكرك على الزهور!"
اوما براسه قائلا :" انني مسرور اذ اعجبتك .لقد كانت..." وتردد وكانه يفتش عن الكلمة المناسبة ثم تابع قوله:" انها تستحق ثمنها."
عندما نزلت في اخر الدوام , الى مكتب الاستقبال لتخرج بجانب كلاي , التفتت الرؤوس نحوها تراقبهما.
فتح لها باب السيارة متمهلا الى ان الرؤوس نحوهما تراقبهما.
فتح لها باب السيارة متمهلا الى ان استقرت في مكانها. كان يتصرف ببطء متعمد, تحملت هي ذلك بصبر وكياسة لقد كلفته بهجتة هذه غاليا. ولكن عندما توقف عند الحانة قبيل الوصول الى منزلها قالت معترضة:" ان الشرب بعد الخروج من العمل هو للفتيان فقط. ان علي ان اصل الي بيتي."
قال:" ليس في نيتي ان اعرض عليك الشراب . ولكنني لا اريد ان اوقف السيارة خارج منزل والدتك لكي تتلصص علي من وراء الستائر. هل تتعشين معي هذه الليلة؟"
اجابت:" اظنك نلت حاجتك مما تريد, هذ النهار, هذا الى انني قد لا اجد من تجلس مع ابنتي اذا انا خرجت معك."
قال:" انني متأكد من ان امك ستكون سعيدة بان تقوم بذلك , ذلك ان عندي شيئا اريد ان ابحثه معك. او ربما هذه المرة سأتعرض الى خداعك ."
قطبت جبينها قائلة:" خداعي؟"
قال:" مامن سبب يجعلك تحملين اسم السيد تاكيراي, يا عزيزتي, اليس كذلك؟
لم تجب هي فترة , ثم قالت بوجه متهجم:" بعد سلة الازهار المريعة تلك, وجب عليك التصرف بطريقة صحيحة, وانا في امكاني ان اذكرك بوعدك في ان تعلن زواجنا في كل الصحف المحلية."
" وعدي؟"
" هل نسيت؟ تعال لتأخذني الساعة الثامنة, ام انك تريد ان تقابلني في مكان اخر لتجنب مواجهة امي؟"
ادرا المحرك وهو يقول بابتسامة باهتة :" سآتي لاصطحابك."
الفصل الثامن
لم تكن والدة جو مسرورة . كانت على استعداد للجلوس بجانب الطفلة في غياب أمها ، ولكن ، عندما أخبرتها جو بالسبب ، قالت بوجه متجهم :" إنك مجنونة إذ تذهبين معه . إنه سيذيقك الويلات مرة أخرى ."
هزت جو رأسها :" كلا ، لا أظن ذلك ، لقد قال إنه سيتحدث معي في أمر خاص ." وأخذت تلتقط ألعاب أليس عن الأرض وهي تتابع :" لقد قلت شيئا هذا النهار ... ربما جعله يفكر في الطلاق ." قالت أمها وهي تأخذ الألعاب منها :" أوه ، هذا أحسن . ولكن الأفضل أن تذهبي وتجهزي نفسك ، في هذه الحالة يجب أن تبدي في أحسن مظهر ."
أخذت تبحث في خزانة ثيابها متسائلة عما يمكن أن ترتديه لهذه المناسبة . إنها لم تفكر قط في طلب الطلاق لأنها لن تحب أبدا شخصا آخر غير كلاي ، ولكن ربما كانت أمها على حق، إذ من الأفضل قطع هذا الرباط غير المنظور الذي يربطهما معا مهما كان مقدار الالم الذي سيسببه هذا ، إذ لا شك في أن الألم سيكون هائلا بالنسبه إليها. فقد شعرت بالرغم من كل ماحدث، عندما كان في مكتبها هذا النهار، وكان النور قد غمر المكان... وقد يكون نورا قاسيا ولكنه يتبدد كل توتر في علاقتهما . ولكن ، لأول مره منذ خرج كلاي من حياتها، تشعر جو بأنها حية .. وهذا في منتهى الخطورة.
أخرجت الثوب الذي كانت قد ابتاعته لترتديه في حفلة عشاء الشركه في عشية الميلاد. ولكنها لم تذهب إلى تلك الحفلة لأن أليس كانت مريضة ، وبعد ذلك لم تحدث مناسبه لارتدائه. كان أسود اللون بسيطا، ولربما كان ملائما للمناسبة الحالية!
أخذت أليس إلى الفراش حيث لعبتا معا فترة. وبعد ذلك ، بدأت تستعد للخروج وقد أدركت أن الحق مع أمها في أن تبدو بأجمل حلتها.
بالغت في زينتها، وتعطرت بأثمن العطور التي كانت أختها قد قدمتها لها هدية في مناسبة ذكرى ميلادها. صففت شهرها بطريقه تظهره أكثر بدائية ووحشية . وكان الثوب مستقيما من الكريب الأسود يصل إلى مافوق كاحليها وفي الجانب يوجد شق يظهر ساقها عند المسير.
وضعت في أذنيها قرطين طويلين ذهبيين ، ولكنها لم تضع شيئا حول عنقها ، إذ كان سواد الثوب بجانب بياض بشرتها وهو يظهر كتفا دون الآخر ، لم يكن ذلك في حاجة إلى أية زينة . واستدارت لترى نفسها في المرآة وهي تعجب كيف أن كتفها وذراعها العاريتان قد نجتا من الرضوض ، بينما امتلأت الذراع الأخرى بها !
وضع رنين جرس الباب حدا لتصوراتها هذه ، ولم تكن قد سمعت وصول سيارة الأوستن . وألقت نظرة أخيرة على صورتها في المرآة ، ثم أسرعت تهبط السلم قبل أن تقول له أمها شيئا قد يندم عليه الجميع . وأمسكت أنفاسها وهي تقف في مدخل غرفة الجلوس . كان كلاي واقفا وقد أحنى رأسه قليلا يستمع إلى شيء كانت أمها تقوله له ، وكان أنيقا واثقا من نفسه ومن جاذبيته . استقام في وقفته حين دخلت هي متقدمة نحوهما ، وعندما نظر إليها محملقا بدهشة ، شعرت بالسرور لعنايتها الفائقة بمظهرها .
قال وهو يمسك بيدها :" جوانا ... " وشعرت هي بالسرور حين أبقى يدها في يده لحظة قصيرة . ولم يكن في امكانها تحمل ذلك أكثر من لحظة واحدة .
قالت ببرود يتناقض مع غليان دمها في عروقها :" مساء الخير ، يا كلاي . هل عرضت عليك أمي شرابا ؟"
أجاب :" لقد فعلت . ولكنني أوضحت لها أن مائدتنا محجوزة الساعة الثامنة والنصف . ويجب أن نذهب الآن ."
أومأت برأسها برشاقة قائلة :" إلى أين نحن ذاهبان ؟"
أجاب :" لقد جعلت ذلك مفاجأة صغيرة ."
قالت باسمة :" سأنتظر إذن في القاعة ريثما تخبر أمي إلى أين يمكنها أن تتصل بنا في حال حدوث أي طارئ."
ولما قطب جبينه قليلآ،قالت:"لأجل أليس." واستدارت مسرعة، وهي تلف نفسها بشال كشمير تخفي بذلك ارتجافها ، محاولة أن تبدو بمظهر هادئ متزن ، مخفية كل انفعالاتها .
بعد لحظات ، كان يقودها بثبات من مرفقها نحو السيارة المنتظرة ، وهو يقول :" في آخر مرة انتابني مثل هذا الشعور ، كنت في السابعة عشرة من عمري


قالت :" حقا ؟ وكيف ؟"
أجاب :" كان علي وقتئذ أن أخبر أمك إلى أين سآخذك ."
ضحكت قائلة :" هل ذكرتك بأنك يجب أن تعيدني إلى البيت قبل الثانية عشرة ؟"
رمقها بنظرة وهو يقول :" لم تقل الكثير ، يا سندريلا ، ولعلها تذكرت في آخر لحظة انني زوجك ." وفارقتها كل رغبة في الضحك . وبدا عليه الرضى وهو يتابع قوله:"إنني لم أفهم مطلقا لماذا يعتقد الآباء ان عفة بناتهم تبقى محفوظة حتى الثانية عشرة فقط."
قالت:"سأتذكر هذا عندما يأتي الفتيان لزيارة أليس عندما تصبح شابة." نظر إليها قائلآ:"الذي يهمني أنا هو زيارة الفتيان لك أنت."
قالت:"إذا كان هذا نوع الحديث الذي ستحدثني به، فمن الأفضل أن تعيدني الآن إلى منزلي."
قال وكانت السيارة قد توقفت:"لقد فات الأوان لذلك، فقد وصلنا."
نظرت جو من النافذة ورأت الأنوار تنعكس في النهر. وانقبض قلبها بعدما عرفت المكان الذي أحضرها إليه جاعلآ منه مفاجأة لها، فقد كان هو نفس المطعم الجميل الذي أحضرها إليه أول مرة خرجا فيها معآ. لم تكن لتصدق أبدآ أنه يمكن أن يكون بهذه القسوة.
مد إليها يده، ونبذت هي فكرتها الأولى في أن لا تخرج من السيارة طالبة أن يعيدها إلى البيت، كان في نظراته جرأة وتحد. ورفعت هي رأسها بكبرياء، واضعة يدها في يده ليقودها إلى الداخل.
لا شيء قد تغير. السقف المنخفض، الأنوار الخافتة والشموع على الطاولات. في أول مرة اجتازت هذا المطعم، كانت تحلق في أجواء السعادة بجانبه وكان الناس يميلون رؤوسهم نحوهما، وها هي الآن تسير مستقيمة الجسم في كبرياء، والابتسامة على ثغرها، ومازال الناس يرفعون رؤوسهم يتابعونهما بأنظارهم.
استقرا، في النهاية في زاوية هادئة وقائمة الطعام أمامهما. ورفعت جو كأس الماء إلى فمها ترطب شفتيها الجافتين.
سأل:"هل صممت على شيء؟"
نظرت في القائمة وهي تقول:"ماذا؟ أوه، كلا." ونظرت إلى خليط من الكلمات لم تستطع أن تفهم منها شيئآ. وقالت:"إنني لست جائعة."
قال:"هل أختار لك شيئآ؟"
أومأت بتعاسة قائلة:"إذا كان لابد أن نأكل."
قال :"أظن هذا هو المفروض."
قال:"أظن هذا هو المفروض."ونظر إلى النادل،فجاء هذا، فطلب منه أن يأتيهما بطعام لهما.
جلسا بصمت.ثم سألته بأدب :"كيف حال والدك؟"
أجاب:"صحته ليست جيدة تماما،ولكنه يحاول أن يحتفظ بقدرته على العمل."
قالت:"لقد أرسل إلي بطاقة في عيد الميلاد، وهدية لأليس."
قال:"هذا أكثر مما أرسل إلي أنا، ولكنه يعتقد انني حرمته من حفيدته."
قالت :"انني متأكدة من أنك بذلت وسعك لإصلاح مفهومه ذاك."
أجاب :"في الحقيقه ، كلا." وتعلقت ناظراه بناظريها:"لقد فضلت ان اتمسك ببقايا كبريائي."
ارتجفت يدها وتركت الكأس من يدها بسرعه قائله:"هذا هو السبب إذن في رغبته برؤيتها؟ إنه يعتقد أنها ابنتك..."
قال :"هذا يجعله سعيدا جدا، إن صحته تتأخر.هل أمكنك احتمال ذلك؟"
قالت:"حاولت الإتصال به هاتفيا، ولكنني وجدت انه قد سافر إلى الخارج بعد إرساله البطاقه إلى وايلز."
قال :"لقد عاد الآن."
لم تعرف جو بماذا تجيب.
ذلك أن كلاي يدعوها إلى التظاهر بما يعتقد أنه كذب.وبدا هذا غريبا على طبعه.
سرها حضور النادل بالطعام . وحدقت في الطعام برهة، ثم تناولت الشوكه وابتدأت تضع سمك السلمون المدخن في صحنها.
سألها:"أحقا أنت غير جائعة؟"
هزت رأسها نفيا. كانت تشعر بمعدتها منقبضة . وقالت :" لقد أحضرتني إلى هنا لتتحدث إلي عن أمر ما ... "
قال :" عندنا المساء بطوله ."
قالت :" أفضل أن ننتهي منه أولا ، إذا لم يكن لديك مانع ."
قال :" ظننت أننا ربما ..." وتوقف عن الكلام برهة ثم عاد يقول :" لقد كان الأمر غلطة واضحة ، ولكننا لا نستطيع أن نخرج في منتصف وجبة الطعام ."
قالت :" كن واثقا ، أنا لست غبية يا كلاي ، فأنا أعرف ماذا تريد ."
وضع كأسه على المائدة ونظر إليها قائلا :" حقا ؟"
وأمسك يدها اليسرى قائلا :" لقد ظننت ذلك . أخبريني لماذا مازلت تضعين خاتم الزواج ، يا جوانا ؟ لقد تركت مجوهراتك كلها ، ولكن يظهر ان لهذا أهمية خاصة ؟"
قالت :" المجوهرات لها قيمتها الذاتية ، ولكن هذا الخاتم له قيمة معنوية فقط بالنسبة إلي ." ونظرت إليه ثم سألته :" هل تريد أن تستعيده ، يا كلاي ؟"
تضرج وجهه وقال :" كلا ، لا أريد ." وتوتر فمه وهو يتابع :" إذا كان يمنحك احتراما معينا ، فأنا لا أضن به عليك ." اندفعت واقفة قائلة بحدة :" إذا أنا كنت أريد ذلك النوع من الاحترام ، يا كلايتون تاكيراي ..." كانت تتكلم غير آبهة لأولئك الذين أخذوا يحدقون فيها وتابعت :" كنت إذن حملت اسمي الزوجي في أي وقت شئت ." وحاولت أن تخلع الخاتم ، ولكنها لم تستطع . وقالت ساخطة :" اللعنة . إنه ضيق دوما . سأرسله إليك ." واختطفت حقيبة يدها وركضت خارجة من المطعم ، دافعة من طريقها القادمين الجدد ، وقد منعتها التعاسة من الاهتمام بشيء .
شاهدت سيارة تنزل بعض الأشخاص فقفزت إليها معطية عنوانها للسائق . والتقط السائق هاتفه ليخابر مكتبه . قالت تستعجله :" بسرعة أرجوك ." ولكن ، بعد فوات الأوان ، إذ فتح الباب ليلقي بنفسه إلى جانبها ، والتفت السائق ينظر إليهما معا سائلا :" نفس العنوان يا سيدتي؟"
أجابت :" نعم من فضلك ."
قال كلاي :" اتبع الطريق الريفي ."
أجابه :" الأفضلية للسيدة ، ياسيدي ."
‏فجأة شعرت بالخجل من عدم امتلاكها لأعصابها ، فرفعت يدها مستسلمة وهي تقول :" لا بأس ." كان عليهما أن يتحدثا ، وكلما أسرعا بالأمر ، كان أفضل لهما . وابتدأت ترتجف .
قال لها :" تشعرين بالبرد هنا ." وخلع سترته ووضعها على كتفيها ، ولكن ذراعه ، بطريقة ما ، بقيت هناك يلفها بقوته . إنها الآن في حاجة إلى كل قوة العالم .
قالت تعتذر :" ماكان لي أن أتصرف بذلك الشكل . لم يكن قصدي هذا ."
قال :" لقد وضح لي الأمر من عدم استطاعتك ضبط أعصابك ."
قالت :" انني مسرورة إذا كان في ذلك بعض الفائدة . يمكنك إذن أن تحصل على طلاقك ."
اندفع يواجهها وقد عقد حاجبيه قائلا بعنف :" أهذا ما تبغينه؟"
قالت :" أظن هذا أفضل."
وحولت نظراتها بعيدا وقد أربكتها قوة نظراته إليها . وتابعت تقول :" ولكنني أظن انني ، في هذه الظروف ، علي أن أبحث عن وظيفة أخرى. فهل تدعني أذهب ؟ أرجوك يا كلاي ."
كانت عضلات خديه تهتز وهو يقول :" إنني لا أستطيع إرغامك بعد انذار ثلاثة أشهر ، عليك أن تبقي أثناءها تمارسين عملك ."
عندما رفع ذراعه عنها ، عاد الجليد يحتل جسدها . ثلاثة أشهر ؟ وغاص قلبها في أعماقها . لقد كانت أقل من ثلاثة أسابيع ، ومع ذلك شارفت أعصابها على الإنهيار . وقالت :" أنك لن تجبرني أبدا على أن أعمل معك في مثل هذه الظروف؟"
قال :" إنني أتساهل معك إذ أدعك تذهبين بعد ثلاثة أشهر فقط . وأنا أتوقع أن أسمع كل ذلك من مكتب محاميك ."
نقر على الزجاج الفاصل بينه وبين السائق قائلا :" قف هنا ." ووقف السائق ، وناوله كلاي أوراقا نقدية ونزل قائلا له :" خذ زوجتي من فضلك إلى المكان الذي تريده ."
هتفت به:" كلاي ، لا يمكنك النزول هنا !" وكان الضباب يتصاعد على طول النهر . وتابعت :" خذ سترتك على الأقل."
وأخرجتها إليه من النافذة ، ولكنه لم يستدر إليها ، ففتحت الباب وابتدأت تركض وراءه منادية :" كلاي !" ولكنه كان قد اختفى ، وأخذت تستدير حول نفسها في محاولة لمعرفة الطريق الذي ذهب فيه . ثم أدركت أين هي . وبعد أن ترددت لحظة ، سلكت الممر المحاذي للنهر غائصة بحذائها العالي في الوحل وهي تشتم بعنف وصرخت :" كلاي!" وتحرك شيء هنا لم تستطع أن تتبين ما هو ، ثم تحرك مجددا فهربت مذعورة من تلك الأنفاس الثقيلة بجانب قدميها . وصرخت عاليا بذعر :" كلاي ." لتتوقف فجأة وقد شعرت بشيء يشدها . وحاولت أن تصرخ ، ولكن الرعب أمسك بخناقها محولا لسانها إلى قطعة من خشب .
سمعت صوته يصرخ بها :" ماالذي تظنين نفسك بسبيله ؟"
نعم ، لقد كان هو نفسه ، لقد رأته وهو يديرها نحوه ، فألقت بنفسها عليه لاهثة وهي تتعلق بعنقه محاولة أن تتنفس قائلة :" كان ... هناك ... شيء ما ..." وإذ شعرت بشيء من الشجاعة بين ذراعيه ، التفتت لتتحقق من ذلك الذي كان يطاردها . كان كلبا ضخما أسود وأبيض يجثم في الطريق ، وقد مال برأسه إلى ناحيتها . وشهقت وقد شعرت بحماقتها فجأة ، وقالت ذاهلة :" لقد كان كلبا

قال ببرود أدخل الرجفة في جسدها :" وما الذي ظننته إذن ؟" فتمالكت نفسها وهي تتراجع إلى الخلف . ثم مدت يدها إليه بالسترة وهي تقول :" إنك ... تركت هذه ." ولم يمد يده لأخذها فسقطت يدها جانبا ، وهي ترتجف متابعة قولها :" ستصاب بالبرد ."
هتف وهو يأخذ السترة من يدها ويضعها على كتفيها يدثرها بها ويسألها :" ماذا أفعل بك الآن ؟"
تصلب جسدها وهي تسأله :" تفعل بي ؟ تفعل بي ؟ " وصدرت عنها شهقة مختنقة وهي تقول :" أرجوك أن لا تزعج نفسك لأجلي ." واستدارت تسير بسرعة عائدة من الطريق الذي جاءت منه .
هتف وهو يلحق بها :" أزعج نفسي ؟" وترنحت هي ثم تعثرت في سيرها . وتابع قوله :" لم تكوني سوى إزعاج لي منذ اليوم الذي رأيتك فيه ." وأرغمت نفسها على الاستمرار في السير ولكنه أمسك بذراعها وأدارها نحوه لتواجهه قائلا :" قفي ، تبا لك ."
سألته بحدة :" لماذا أقف ، ما دمت أنا أزعجك إلى هذا الحد فيجب أن تكون مسرورا لرؤيتي أذهب." قال :" إنني أعرف ذلك وفكرت في أن أتصرف بهذا الشكل ، ولكن هذا لم ينفع . لهذا استغليت الفرصة عندما مات تشارلز لأستلم مقاليد الشركة . وكنت أريد أن أريك كيف أنسف الشركة نسفا . لأستطيع بعد ذلك أن أبعدك من عقلي بعيدا مع الحطام . كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي وصلت إليها لكي أؤذيك كما آذيتني ."
قالت :" ولكنك ... تتوسع في الشركة وتبني حضانة . أوه ، يا للتعاسة ." وفجأة ، اتضح أمامها كل شيء ، فتابعت تقول :" إنها خدعة قاسية فقط ، وعندما يكتشفون ذلك سيفتكون بي . ولن أستطيع بعدها أن أحصل على وظيفة أخرى أبدا..."
قال : " هذه كانت الفكرة العامة ... "
سألته بمرارة :" وحادث السيارة ؟ هل كان هو أيضا جزءا من الخطة ؟"
أجاب :" كلا . لقد كان الحادث حقيقا تماما ." وسكت برهة ، ثم أضاف قائلا :" ولكن لو سرنا ميلا آخر لكان الوقود قد نفذ من السيارة ."
سألته بعنف :" إنك لم تتابع الأمر حتى النهاية ؟ لابد أنك على شيء من الخلق جعلك تمتنع عن اهانتي ."
أجاب بنفس العنف :" إنك لن تفهمي حتى ولا بعد مليون عام ." واستدار مبتعدا عنها .
تبعته وقف شعرت باليأس فجأة ، قائلة بلهفة :" إنك لن تفعل ذلك يا كلاي ؟ إنني لا أطلب ذلك لنفسي . فنفسي غير مهمة . أرجوك ... إنني سأفعل كل ما تطلبه مني."
وقف وهو ينظر إليها نظرة ذات معنى وقال :" كل ما أطلبه منك ؟ إنك إذن لم تتغيري ، لقد ظننت ... " وألقى برأسه إلى الخلف وهو يئن قائلا :" آه ، يا لسوء الحظ ... لقد ظننت ... "
قالت بحدة :" ظننت ؟" وبدا عليها الكدر وهي تقول :" ومنذ متى توقفت عن الظن ؟" ولم تتمالك أعصابها فأخذت تضربه على كتفه بقبضتها وترفسه من الخلف، فاستدار إليها ووقف يتلقى ضرباتها وهو يقول :" نعم ، هيا ، استمري يا جو اخرجي ما في داخلك . لقد امتلأت إلى حد أصبح من الغريب أنك لم تنفجري بما تكبتينه من مشاعر . لقد استفززتك ، وأهنتك وأحرجتك إلى حد لا يطاق . ولكنك سكت عن كل هذا . ما الذي يمنعك من الاعتراف و الإفصاح عما في نفسك ؟ مم تخافين ؟"
صرخت بألم :" إنني لست خائفة ."
قال :" كلا ؟ اثبتي ذلك . هيا ، لماذا لحقتني في ذلك الطريق ؟ ألا يمكنك أن تعترفي بالحقيقة لنفسك ؟"
قالت :" الحقيقة ؟ أية حقيقة ؟"
قال : هي هذه ، إنها الحقيقة الوحيدة التي يمكن أن تكون بين رجل وامرأة . " وجذبها إليه بحدة .
وعندما أدركت نيته صرخت :" كلا ، يا كلاي ." ثم أخذت تقاومه .
قال :" فات الأوان ، يا عزيزتي . لقد قلت إنك ستعطينني ما أطلب ، وأنا أطالبك بوعدك ." وأخذها بين ذراعيه يحتضنها بشدة . وما لبثت مقاومتها أن انهارت بعد إذ أخذت تتجاوب معه برغبة عنيفة تماثل رغبته ووجدت نفسها تتعلق برقبته وعندما انفصلا أخيرا ليستطيعا التنفس أخذا ينظران الواحد إلى الآخر بذهول ، ثم اقتربت منه غير مبالية .
قال بصوت أجش وهو يقبض على يدها :" ليس هنا ." وركضا مسرعين في الطريق دون اكتراث بالوحل المتطاير على أرجلهما وثيابهما.
لف ذراعه حول خصرها وهو يخرج المفتاح ليفتح باب الكوخ . وكادا يسقطان معا إلى الداخل حين فتح الباب فجأة تحت ثقل جسديهما .
مرة أخرى ، عندما أصبحا داخل البيت ، أخذها بين ذراعيه بشوق بالغ . كما أن جو لم تستمع إلى صوت العقل الذي كان يحذرها . فكانت كمن أصابه مس من الجنون . لقد طال بها شوقها إليه ، ولم تعد تستطيع التراجع حتى لو شاءت .
حملها بين ذراعيه صاعدا بها السلم إلى حيث كانت يوما غرفة نومهما .
يبدو أنها نامت ، إذ فتحت عينيها لتراه واقفا بجانب السرير مرتديا كامل ملابسه .
سحبت غطاء السرير فوقها وهي تسأله :" كم الساعة ؟"
أجاب :" لقد تجاوزت الواحدة صباحا ."
قالت :" لقد تأخر بي الوقت ."
أومأ برأسه قائلا :" سأحضر السيارة إلى أمام المنزل ."
ارتدت ثيابها بسرعة ، وسرحت شعرها قدر استطاعتها . قاد السيارة بهدوء خلال الشوارع الهادئة ، مركزا انتباهه على القيادة ، تاركا إياها لأفكارها . وأوقف السيارة في الطريق أمام منزل أمها ، ثم فتح لها الباب وأنزلها .
قالت :" كلاي ..."
قال :" غدا يا جوانا ، فليس الآن وقت للحديث." وأخذ منها مفتاحها وأدخله في الباب بهدوء ثم فتح الباب . وقال لها :" سآتي إليك حوالى الحادية عشرة ."
قالت :" كانت ليلة جنونية ، ياكلاي ، وأريد منك أن تنسي كل ما حدث . عدني بذلك ."
قال باختصار :" غدا . سنتحدث غدا ، ادخلي الآن ."
جاء صوت أمها يناديها :" جو . أهذا أنت ؟"
تمتم كلاي :" بلغيها اعتذاري وأخبريها أن عجلة السيارة انفجرت ." وقبلها في خدها قائلا :" ليلة سعيدة ."
راقبته إلى أن دخل سيارته ، ثم رفع يده يحييها قبل أن يتوارى بسيارته وراء المنعطف .
بدت أمها في أسفل السلم ملتفة بمعطفها المنزلي وهي تنادي :" جو ؟"
ردت جو قائلة :" نعم يا أماه . آسفة لتأخري ."
قالت الأم :" لا بأس ، إن أليس لم تستيقظ ." وتأملتها برهة مفكرة ، ثم قالت :" حسنا ؟ هل كنت على صواب ؟ هل طلب منك الطلاق ؟"
قالت بابتسامة المحكوم عليه بالإعدام :" لقد تفاهمنا حول كل المسائل المعلقة بيننا ، وهو سيأتي في الصباح للتحدث في التفاصيل ."
قالت الأم ببراءة :" ألم يكن لديكما الكفاية من الوقت للتحدث الليلة ؟" ولم تنتظر الجواب بل دخلت المطبخ وابتدأت تحضر الشاي . ولكن جو قالت :" سأصعد رأسا إلى فراشي إذا سمحت ، لقد كان أسبوعا متعبا من نواح عديدة ."
ولم يكن في نيتها أن تنام . فإن ما بقي من هذه الليلة أرادت أن تستجمع فيها نفسها المشتتة ، راجية أن تتمكن من ذلك . أيقضت أليس أمها بوقوقتها المرحة وهي تقول :" البط ، أطعموا البط ." ثم أخذت توقوق كما يفعل البط مرة أخرى .
ظلت جو مستلقية لحظة في السرير وقد شعرت بأعضائها ثقيلة بشكل غريب . وحاولت أن تتذكر متى شعرت لآخر مرة بمثل هذا الالم. ونهضت تنظر في الساعة كانت العاشرة والنصف ,وقطبت جبينها لحظة, شاعرة بأن هنالك شيئا مهما عليها ان تتذكره. وفجأة ,تذكرت كل شيء, فقفزت من السرير, واغلقت الباب كل لاتنفذ منه أليس,ثم دخلت الحمام.
انعشتها المياة الساخنة,ثم ارتدت ثيابا بسيطة عبارة عن سروال جينز وقميص مقفل, وحملت أليس ثم نزلت غلى الطابق السفلي وهي تنادي امها. اجابتها:"هنا يا عزيزتي."
تبعت صوت امها الى غرفة الجلوس فوجدتها جالسة الى جانب المدفأة تتحدث إلى كلاي, الذي نهض لحظة دخولها قائلا:" مرحبا ياجو."
ازدردت ريقها وهي تقول:" مرحبا ياكلاي ." كانت تدرك ان وجهها متضرج كفتاة في الخامسة عشرة. واخذت امها تنقل ناظريها بينهما ثم قال:"لقد احضر لك كلاي بعض الازهار ,ياجو,وهي في المطبخ."
تكلفت الابتسام وهي تقول:"ورود؟ارجو ان لاتكون حمراء."
قال :"انها وردية اللون, وهذا اسلم عاقبة." وتخلصت أليس من يد امها , ثم هرعت نحو جدتها تقول:"اطعموا البط."
اجابت المرأة:"اسفة ياعزيزتي,ليس اليوم." ونظرت اليهما قائلة:"لقد وعدتها برحلة النهر هذا الصباح, وانا اكره ان اخيب املها. ولكن عندي صداع بسيط."ومست راسها برقة.
قالت جو:"سآخذها في مابعد."
وقف كلاي قائلا:"ولم الانتظار؟سنذهب الان."
قالت الام:"ما الطف هذا منك , انها جاهزة ,كما ان الخبز في المطبخ."
نقلت جو ناظريها من امها الى اليس التي كانت ترتدي ثوبا أزرق لامعا يتمشى تماما مع لون عينيها. ولم تكن واثقة من اللعبة التي تقوم بها امها. ولكنها لم تشأ ان تكون حجر شطرنج.
قالت:"كلا يا امي.لن نذهب اذا كنت متوعكه."
قال كلاي:"انني واثق من ان امك تفضل ان ناخذ اليس من طريقها ,ياجوانا,هيا احضري معطفك."
قالت:"ولكنني لم انتاول الفطور بعد."
قال:"لقد فات اوان الفطور,ساشتري لك كعكة وفنجان من الشاي من الكشك في الحديقة."
قالت:"كيف ارفض عرضا كهذ؟"
ولكنها شعرت بالغضب من نفسها من الطريقة التي تنساق بها اليه دون اراده ولكنها خرجت لتلبس أليس ثياب الخروج ثم تحزمها الى كرسيها في عربتها.
حملها كلاي الى الخارج حيث اوقفها على الطريق, وحيت هي امها ثم ركضت وراءهما.
قالت:"سأدفع انا العربة."
نظر اليها قائلا:"في امكاني ان اتدبر هذا الامر.وإذا انت تأبطت ذراعي فسنبدو كأي شخصين متزوجين."
"ولكننا لسنا كذلك."
قال:"فلنعتبر ذلك مزاحا," وقدم لها مرفقه , وترددت اذ كانت تعرف جيدا سرعة تأثرها اذ تلمسه. ولما رأى نفورها من ذلك توقف وقال:" إنني لن آكلك في الشارع ." ولم تجد بدا من وضع ذراعها في ذراعه فشد هو عليها لكي يمنعها من سحبها ان هي غيرت رايها.
وقف عند نقطة عبور الشارع.ورفعت أليس ناظريها اليه تسأله :"اين البط؟"
اجابها:"حالا ,ياحبيبتي." ضحك وهو يستدير نحو جو قائلا:"إنها واعية بشكل ملحوظ."
"نعم , هي كذلك"

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: لحظة ندم - ليز فيلدنغ - قلوب عبير    الثلاثاء يوليو 04, 2017 9:53 am

قال:"يمكننا العبور الان."
سارا الى جانب النهر صامتين.كان كلاي مركزا اهتمامه على دفع العربة بين اولئك الناس الذين تدفقوا يستمتعون بشمس الشتاء.وكانت جو تحاول جاهدة اقناع نفسها بان هذه الفترة الودية بينها وبين كلاي لاعلاقة لها بالحقيقة الواقعة لحياتهما.
عبرا الجسر الحجري فوق المدخل الى الجزيرة حيث كان البط ينتظر القادمين.واخذت جو تراقب كلاي بهدوء وهو يفك الحزام من حول اليس ثم يرفعها من العربة ويقترب من البط كي تلقى اليه بفتات الخبز.
كانت تشعر إزاء كل هذا,بقلبها يتحطم . لقد رفضت كل هذه السعادة لانها نشأت على ان ترتبط بمهنة, لكي تثبت لابيها ولنفسها بأنها لا تقل عن الابن الذي كان يرجو أن يرزق به. والان , وهي تراقب كلاي وأليس, ادركت فداحة ماخسرت.
التفت اليها وهو يمسك كيس الخبز,ونادها لكي تنضم اليهما, فأطاعته بالرغم عنها,ليس لأنها لم تشأ ان تشاركهما مرحهما هذا, بل لان الام الذكرى, عندما ينتهي كل هذا تكون مضاعفة.
أخذا يراقبان,فترة من الوقت الطفلة وهي تمرح بين الطيور , تطاردها. وكان كلاي يلاحظ خطواتها في الطريق المؤدي الى المياه, حذرا من ان لاتقترب الطيور كثيرا من اصابعها الصغيرة . واخيرا, نفذ الخبز, فرفعها بين يديه ليضعها على كتفيه وهو يخاطبها قائلا:"حسنا ,ايتها السيدة الصغيرة.فقد حان وقت لتتناول امك الشاي."
لم يعطها فرصة للاعتراض,بل استدار ليعود الى الطريق تلحق بهما جو الى الكشك لاختيار أنواع الكعك.
سألها كلاي, إذا اشارت أليس الى نوع من الكعك الدسم:"هل يمكنها أن تأكل واحده من ذاك؟"
هزت جو راسها نفيا قائلة:"كلا ,بل يمكنها أن تأخذ قطعة خبز محمص."
سألها:" وماذا عنك انت؟"
اجابت:" وكذلك انا ساكتفي بقطعة خبز محمص."
جلسوا الى مائدة , وكانت اليس تجلس على ركبتي كلاي. زفك ازرار سترتها, ومنعها برقة عندما همت بتناول المملحة,قائلة:" كلا, ايتها الانسة, لاتفعلي." والتفت هي اليه باسمة لتهتم بالسحاب في جيب قميصه.
التفت الى جو قائلا:"جو....."
وتوقف حين أحضرت المرأة الشاي والخبز المحمص لهم .وشكرها , ثم عاد يحدث جو:"جو, في الليلة الماضية...."
قاطعته قائلة:"ليلة امس انتهت ياكلاي... لقد كانت مجرد توتر وعراك, وليس بك حاجة لاتن تشعر بالذنب."
عبس قائلا:" ولكنني لا اشعر بالذنب. وانا اسف اذ تشعرين بأن من الضروري تجاهل تلك الليلة."
اجابت:"ماكان على ان اسمح بحدوث ماحدث."
قال:" ولكن ذلك حدث .كان ذلك محتوما منذ اللحظة التي لحقتني فيها.كان عليك ان تعلمي ذلك."
قالت:"كلا." وعندما رأت المرأة التي تجلس خلف طاولة البيع تنظر اليهما, خفضت صوتها وهي تتابع قائلة"كلا, لقد كان الامر مجرد جنون فقط....."
قاطعها قائلا:"جو... إنني اريدك ان تعودي إلي."
شعرت جو بوجهها شاحبا. وهزت راسها لتتخلص من التشوش الذي احسته في اذنيها
مد يده يمسك بيدها متابها:" انني اعرف انك طلبت مني الطلاق, ياجو, ولكن فكري في ذلك .فكري في الليلة الماضية."
رفضت هي ان تدع عقلها يغادر صورة تلك الليلة الملتهبة المحمومة .لقد تزوجها لاجل ذلك, ولم يخف هذ, ولكن سبب هذا الزواج لم يكن كافيا حينذاك.فكيف يكون كافيا الان بعد كل الذي حدث وشكل حاجزا شتئكا بينهما؟ ونزعت يدها من قبضته الدافئة.حتى لمس اصابعه كان كافيا لاضعاف تصميمها.
قالت بسرعة قبل ان يمتلكها الضعف :" كلا, هذا مستحيل."
احتل البرود في العينين الزرقاوين فجأة وهو يسالها"هل هناك رجل اخر؟"
لما هزت رأسها نفيا قال:" ماهو السبب اذن؟"
قالت وهي نتظر الى ابنتها:"السبب واضح,"
نظر هو بدوره الى الطفلة التي كانت على ركبته تمضغ بهدوء ,قطعة خبز. وقال:" انها جميلة جدا,ياجو.مثل امها...لو انها كانت.... مختلفة."
قاطعته:"تعني مثل ابيها."وسرت اذ شعرد ببرود يبعد بعض ماتشعر به من ضعف. نظر اليها قائلا:"سأعاملها كما لو كانت ابنتي."
مالت الى الخلف, فجأة’ وقد ارهقتها المشاعر.كما لو كانت ابنته؟ ولم تستطع ان تقول شئا,ذلك انه لم يستطع ان يرى الامر حتى والطفلة على ركبتيه.انها ابنتك... ودارت هذه الجملة البسيطة في عقلها ولكنها لم تنطق بها,ذلك انه لن يصدقها مطلقا,مهما قالت.
قالت :" ارجوك يا كلاي , دع عنك هذا ."
ولكنه اصرّ على قوله :" ماحدث قد انتهى امره . لقد كنت احمق لأنني تركتك وحدك." وأخذ يدها مرة اخرى وكأنه يدرك , غريزياً ، أن للمسته القدرة على اقناعها ، وتابع قائلاً :"لن أكرر ذلك مرة اخرى ، أبداً."
كان في كلماته من الحنق ما جعلها تتشبث بموقفها.
قالت :" هذه هي النقطة يا كلاي . انك لن تثق بي أبداً ، إذا انا كنت بعيدة عن نظرك . انني متأكدة من ان القفص ، الذي ستضعني فيه ، سيكون مريحاً جداً."
كانت تريده ان يفهم . واستطردت :" ولكنه ، مع هذا ، سيبقى قفصاً تحرسه أنت على الدوام كلما اقترب رجل مني لكي لا أهرب من القفص ، إلى ذلك الرجل ."
قال بحزم :" كلا ." ولكن شحوب وجهه انبأها بأن هذه هي الحقيقة.
فكرت لحظة ، في ان تقنعه بأنها لم تعرف رجلاً غيره، منذ دخل حياتها ، لأنها لم تشأ ذلك . ولكنه لن يصدقها . ربما ليس في استطاعته هذا . و إذا رأت عدم التصديق في عينيه فإن هذا سيحطمها تماماً.
قالت :" ان العلاقة بين الاثنين تستوجب الثقة بينهما ، يا كلاي ، ونحن لم ننجح في إرسائها بيننا . فنحن لم نعرف بعضنا البعض جيداً قبل الزواج . وكان الذنب ذنبي ، فقد سمحت لك بأن تسيطر عليّ . لأن القدر يعلم انني اردت تلك السيطرة . ولكن الأمور حدثت بشكل مستعجل . كان يجب أن تكون أنت قانعاً مطمئناً إلى عمل تسيّربه حياتك ، إذ انني اشتبهت في أنه كان عندك اسباب خاصة حملتك على هذا الزواج."
قال :" هذا ليس صحيحاً."
قالت :" كيف تتوقع مني أن اصدقك في الوقت الذي ترفض فيه انت الاستماع إلي ."
بقي صانتاً برهة ، ثم التوى فمه بابتسامة صغيرة ساخرة وهو يقول :" لقد وصلنا إلى طريق مسدود ." وانزل أليس وهو يتابع ." الأفضل أن نذهب ."
لكنها بقيت لحظة لا تستطيع الحراك إذ أ حزناً لا طاقة لها على احتماله اثقل أعضاءها مما منعها من الوقوف .
ولكن يد كلاي على مرفقها نبهتها لأن تتحرك ، فانحنت لتمسك بيد أليس ، وهي ترد الابتسامة تلقائياً لسيدتين كبيرتين في السن وقفتا الى جانب الباب لكي يستطيعا هما المرور قالت الأولى :" ما اجملها من طفلة ." واستدارت إلى رفيقتها قائلة :" أليست جميلة يا مولي ؟ انها شديدة الشبه بأمها ." ابتسمت الطفلة ، التي كانت تحب لفت الأنظار ، لمولي . وتقدمت السيدة تلامس شعر الطفلة الأشقر ثم رفعت ناظريها إلى قامتي جوانا وكلاي الطويلتين ، وهي تقول :" انها ساحرة . وكما قلت ، فهي تشبه امها ." ثم ابتسمت لكلاي وتابعت ." ولكن لها عينا أبيها تماما ."
انحنى كلاي يرفع أليس ببطء ، يمسكها مواجها لها ، محدقا فيها وكأنها لم يرها من قبل . ونظرت أليس بدورها إلى أبيها ، ثم رفعت يدها السمينة إلى وجهه . ومالبث هو أن تنهد وهو يحتضنها بين ذراعيه . ثم مشى خارجا من الكشك متعمدا الاسراع ، تاركا جو تركض خلفه دون أن ينطق بكلمة .
قالت :" انتظر يا كلاي ." ولكنه لم يجب مما اضطرها إلى الهرولة رغم اعاقة عربة أليس لها . وأخيرا ، تنفست الصعداء حين تحول إلى طريق السيارات بدلا من أن يضع أليس في سيارته الأوستن ثم يختطفها مبتعدا بها . ولكن فرحتها كانت قصيرة إذ أنه استدار إليها مادا يده قائلا :" هاتفي مفاتيح سيارتك." ولما رأت وجهه الشاحب ، ناولته المفاتيح دون تردد ، وفتح هو باب السيارة وهو يقول لها آمرا :" ادخلي ."
قالت :" ان أليس ... "
قاطعها :" دعي أمر أليس لي ."
أخذت تراقبه بينما كان يحزمها جيدا في المقعد الخلفي ، وكرر كلامه :" ادخلي يا جو ." ولم يكن ثمة ضرورة لذلك إذ ما كان لها أن تترك أليس تغيب لحظة عن عينيها ، وجلست بسرعة في مقعد السيارة قربه وشدت الحزام حولها . جلس هو في مقعد القيادة ، وانسابت السيارة ببطء وكأنه يسير على بيض ، وكان صامتا يفكر طيلة الثلاثة اميال التي اوصلتهم إلى مكتب شركة ريدموند

ودون أن يقول شيئا ، حل وثاق أليس ، ثم حملها داخلا بها إلى المبنى .
سألته جو :" ما الذي تفعله يا كلاي ؟ ولماذا جئت إلى هنا ؟"
نظر إليها ببرود دون أن يكلف نفسه عناء الرد ، بينما تحول في اتجاه الطابق السفلي . وكانت تركض خلفه لأجل ابنتها ، هابطة معه السلالم إلى حيث الملفات التي تتناول كل اعمال الشركة . ونقر بإصبعه على لوحة الأزرار ليغمر الضوء المكان . ثم ابتدأ ينقب بين الملفات المكدسة في الصناديق وعلى الرفوف ، وقد ضاقت عيناه .
قالت له بشيء من اليأس :" اخبرني عما تريده ، فقد استطيع مساعدتك ." قال ببرود :" حقا ؟"
لم تقل شيئا بعد ذلك . بينما نامت أليس على كتفه براحة تامة . ولكن جو لم تدعهما يغيبان عن ناظريها لحظة .
أخيرا ، هتف راضيا وهو يسحب ملفا من على الرف ، ووضعه برفق على الطاولة لكي لا يزعج الطفلة النائمة ، ثم ابتدأ يقلب الصفحات .
عبست جو . لقد كانت هذه الصفحات الوردية خاصة ببناء الجسر الذي كانت تعمل فيه اثناء لقائها بكلاي لأول مرة .
وتصفح الصفحات بسرعة إلى أن وجد التاريخ الذي كان يبحث عنه . ورأته يجفل مذعورا وهو ينقر باصبعه على كل تقرير ممهور بتوقيعها .
سألها :" هل اشتغلت تلك الليلة ؟" ذلك إذن ما كان يفتش عنه . البرهان .
ردت قائلة :" لقد اخبرتك بذلك ."
استدار عندئذ ، يواجهها قائلا :" هل من الممكن أن أكون مخطئا إلى هذا الحد ؟ ان بيتر ... "
قاطعته :" لقد احضرني بيتر إلى بيتي بسيارته لأنه فكر في أنني مرهقة جدا ، فإذا حدث لي حادث ، وأنا أقود السيارة ، فسيتعرض هو للاستجواب عن السبب الذي جعله يطلب مني العمل في الوقت الذي كان هو يمرح في حفلة عائلية . لهذا احضرني وليس لسبب آخر ، فهو ما كان ليعطيني ذلك النهار للراحة الا بثمن ."
قطب جبينه قائلا :" ولكنك أنت ... لقد رأيته يقبلك . وكذلك من قبل رأيتك تقبلينه مرة ."
قالت وهي ترتجف مشمئزة للذكرى :" نعم يا كلاي . لقد رأيتني اقبله . ذلك كان بعد أن رفضتني حين قدمت اليك نفسي دون أي رباط بيننا ، لانني كنت قد وقعت في غرامك دون أمل ، على الأقل كنت اظن أن ذلك كان حبا ." وهزت كتفيها متكلفة عدم الاهتمام ، ثم استطردت . " وعلى الأقل ، صححت انت تلك الحماقة ."
أمسكها بكتفها ، مما أزعج أليس ، وهو يقول :" لماذا إذن ..." ولكنه ترك جو وأخذ يهدئ الطفلة ، وكأنه اعتاد على ذلك طيلة حياته ، إلى أن عادت إلى النوم ، فعاد يقول لجو. " لماذا قبلته ؟" وكان صوته هادئا ولكن نبراته الرقيقة كانت توحي بالخطر .
أجابت :" لأنك كنت هناك واقفا عند باب المطعم لا تفقه شيئا مما ترى . لقد كنت غاضبة جدا ." ولم تشأ أن تنظر في عينيه وهي تتابع :" لقد فعلت ذلك دون تفكير . لكي أثير غيرتك . لقد ادركت ، بعد ذلك ، انني سأدفع ثمن هذه القبلة . ولكنني لم ادرك إلى أي حد سيكون هذا الثمن ." وابدت إشارة ازدراء وهي تتابع :" ان بيتر لويد ليس برجل يستهويني ، وكنت ، عندما قبلني حين اوصلني إلى بيتي ، نصف نائمة ، وإلا لما تجرأ على الاقتراب مني ."
صدرت عن كلاي أنة ألم وهو يقول :" لم يكن هناك رجل آخر ." ولم يكن هذا سؤالا ،ولكنها ردت قائلة :" كلا يا كلاي . لم يكن هناك أي رجل آخر ."
مرر يده على رأس الطفلة النائمة وهو يسألها :" هل هي ابنتي ؟ ابنتي حقا ؟"
أومأت برأسها مجيبة :" بعد سفرك إلى كندا ، أخذت أنا افكر . أدركت كم كنت مخطئة . ذلك لأنني لم أراع شعورك أبدا . لقد استبعدتك تماما. و ... كانت لي اسبابي الخاصة في عدم رغبتي في الانجاب ."
قال بازدراء وكأنه ينطق بكلمة قذرة :" مهنتك ؟" أومأت برأسها بتعاسة :" نعم ، إذا شئت . " ونظرت إليه بيأس ثم استطردت :" ولكنني القيت ببقية الحبوب ، مصممة على أن نتحدث في هذا الأمر عند عودتك من كندا ، ونقرر معا كل شيء ." وبدا الاكتئاب على وجهها وهي تتابع ." يبدو أنني تصرفت بخطأ في كل أمر ." ثم وضعت يدها على الطفلة النائمة وهي تتابع :" إلا هذه التي هي عين الصواب في كل ما قمت به في حياتي ."
قال :" يجب أن تعودي إلي الآن ."
تنفست بعمق ثم قالت :" هل ذلك لأنك وجدت البرهان ؟ لا أظن ذلك ، يا كلاي ، لقد فات الأوان بالنسبة الينا . ويمكنك أن تكون راضيا إذ وجدت ابنتك ."
بدا عليه وكأنه يريد أن يناقشها . ولكنه بدلا من ذلك ، أومأ برأسه وكأنه فهم مشاعرها . ثم قال :" وهل ستسمحين لي برؤيتها ؟"
قبل الرأس النائم وقال :" تعالي . سأنقلكما معا إلى البيت ... "
قالت الأم باستياء :" إلى أين سيأخذها ؟"
هزت جو كتفيها لتخفي شعورها بالعصبية ، وهي تقول :" قال إنه قد يذهب إلى حديقة الحيوان . أليس هذه عادة الوالدين إذا كانا منفصلين ؟"
قالت أمها محتجة :" هذا مكان بعيد . إنه لا يعرف كيف يتصرف معها ."
قالت جو :" لقد قلت له ذلك ولكنه قال إنه سيفكر في أمر ما. إنه واسع الحيلة ويعرف كيف يتصرف."
اهتزت اعصابها المتوترة إذ تعالى رنين جرس الباب. وساورتها الظنون في أنه قد يكون احضر معه امرأة للعناية بالطفلة! ولكنها شعرت بالارتياح إذ وجدته قادمآ وحده.
قالت له:"انها جاهزة."
وارتفعت ضحكات أليس عندما رفعها كلاي. وصرخت:"بابا."
كانت جو تناضل لتعليم الطفلة هذه الكلمة الجديدة طيلة الأسبوع، ولكن، استعمال الطفلة لهذه الكلمة في هذا الوقت الملائم بالذات، لم يكن متوقعآ. وشحب وجه كلاي ، وعندما عاد إلى طبيعته ، نظر إلى جو قائلا :" شكرا ."
تكلفت هز كتفها بعفوية وهي تقول :" انها كلمة جديدة . وأنا احذرك ، فهي ستكرر استعمالها إلى ما لا نهاية ."
قال وهو يلتقط حقيبة الطفلة :" انني لن أتذمر . أين معطفك ؟"
" معطفي ؟"
قال وهو ينظر إلى الحقيبة التي في يده :" نعم ، يا عزيزتي ، معطفك . إن محتويات هذه الحقيبة لا أفهم فيها شيئا ، وأنا في حاجة إلى ان اتدرب عليها ."
قالت محتجة :" ولكنك قلت انك ستتدبر امرك ." ابتسم قائلا :" سأفعل ذلك إذا أنت ساعدتني ." فقالت وقد ادركت فجأة قصده :" وإذا أنا لم آت معكما ؟"
نظر إلى غرفة الجلوس قائلا :" في هذه الحال سأضطر إلى الجلوس هنا طيلة النهار . هذا إذا قبلت أمك ."
قالت :" سأحضر معطفي ." وعندما عادت ، كانت أليس قد شدت إلى مقعدها في السيارة . وكان كلاي قد طلب استعارة سيارتها لأجل هذا الغرض بالذات .
عارضا إعارتها سيارته بدلا منها . واخذت الآن تتساءل عما إذا كانت هذه حيلة منه حتى لا يجدها في الخارج حين وصوله .
كانا قد سارا عدة دقائق حين انتبهت جو إلى أنه لم يكن يسلك بهما الطريق إلى لندن ، فقالت :" كنت أظن أننا ذاهبون إلى حديقة الحيوانات ؟"
" ان الجو بارد جدا ."
قالت :" ان أليس ملفوفة جيدا ."
" أعلم ذلك ، إنما اليوم هو عيد ميلاد أبي ، وقد وعدته بهدية خاصة . هل هي حيلة فظيعة ؟"
قالت بجمود :" كان يجب أن تعلمني إلى اين تنوي اخذها . فإن لي الحق في أن اعلم ذلك ، افرض أن شيئا قد حدث ؟"
قال :" ولكنك معنا ، فأنت إذن تعلمين ؟"
برد الدم في عروق جو وهي تدرك كيف كان في إمكانه أن يأخذ أليس ويختفي بها دون أن يترك أثرا ، وربما لن تراها بعد ذلك أبدا ، لقد سمعت عن حدوث مثل هذه الأشياء .
قالت :" لا أحب أن تقوم بألاعيب معي ، يا كلاي ، لقد حملت أليس وحدي ، وربيتها ، في الوقت الذي شئت أن تظنني فيه إمرأة ... فاجرة ... " وارتجفت وهي تنطق بهذه الكلمة ، وتابعت :" وأنا قد اصبحت ، مقبولة منك الآن مرة أخرى لأنك وجدتني على النحو الذي تريده ."
أطلق شتيمة خافتة وهو يقف بجانب الطريق ويقول :" ليس الأمر بهذا الشكل ، فقد اردتك أن تأتي ." وحاول الاقتراب منها ، ولكنها نفرت منه رافضة السلوى السهلة بين ذراعيه . وجلس مسندا ظهره إلى الخلف يحدق من خلال زجاج السيارة دون أن يرى شيئا ، وقال :" كنت أود أن اخبرك ولكنني ظننت أنك لن توافقي ."
قالت :" كان تفكيرك صائبا ."
قال :" هل تريدينني أن اعيدك إلى المنزل ؟"
جلست لحظة وقد توترت قبضتها وهي ترغم نفسها على تذكر مقدار الألم الذي عانته عندما طردها رافضا تصديقها ، ولكن وجه أبيه تراءى لها رقيقا ودودا . كان دوما في منتهى الرقة معها . وإذا كان تصرف ابنه قد حرمه من رؤية حفيدته ، فليس الذنب ذنبه في ذلك. وتنهدت ببطء ، ثم أومأت بالقبول ، قائلة :" كلا . سنتابع طريقنا ، ولكن إياك أن تجرب مثل هذه الطريقة مرة اخرى ."
وارغمت نفسها على النظر إليه ، متجاهلة الاحباط الذي ظهر في عينيه ، واستطردت :" كما ارجو أن تتدبر أمرك في المستقبل ، للعناية بأليس ، لأنني لن اكون موجودة دوما لأقوم بدور المربية معكما ."
توتر فمه وهو يقول :" في هذه الحالة ، سأستغني عن سرور مرافقة ابنتي ."
قالت :" كلا ، هذه حماقه . يمكنك دوما أن تجد من ..."
قاطعها :" من تأخذ مكانك ؟ أتظنين أنني كنت أعود اليك لو كان ثمة امكانية ، مهما كانت ضئيلة ، في أن أحب امرأة سواك ؟"
" الحب ؟" وافلتت هذه الكلمة من بين شفتيها وقد ذعرت للعنف الذي بدا في صوته . واستدارت تنظر إليه .
كانت شفتاه مقوستين بابتسامة ساخرة ، واستطرد :" انها حماقة ، أليس كذلك ؟" وعاد يدير المحرك ويتفحص الطريق أمامه ، ثم ينطلق .
ولم يكن يخترق الصمت الذي ساد بينهما سوى ثرثرة أليس أحيانا . ولكن ، عندما صرخت بصوت واضح جلي :" بابا" . قفز الاثنان .
لم تكن الزيارة بالسوء الذي تصورته ، فقد كان ابتهاج السيد تاكيراي كبيرا بحفيدته . وأخذ البرود الذي يسود العلاقة بين الرجلين ، يتلاشى وهما يتنافسان على تسليتها . وعندما خرج كلاي طلب والده من جو أن تعطيه وعدا بالاستمرار في زيارته ، وعندما كانا وحدهما ، قال لها :" لا تنتظري أن يحضرك كلاي ."
قالت تعده :" حسنا ."


قال :" إذا أردت أي شيء ..." ونظر إليها بعنف ، وأدركت أن له ايضا تينك العينين الزرقاوين ، وقد بهتتا قليلا ، ولكنهما مازالتا تشعان بالسيطرة والقوة ، وتابع :" أي شيء مهما كان ، فتعالي إلي ." ونظر من النافذة إلى حيث كان ابنه يهيئ السيارة ، وتابع :" وليس عليك أن تذهبي إلى كلاي ."
قالت :" انني لا أذهب إليه أبدا ."
قال :" لكل منكما شخصيته ، فكان للاختلاف ان يحدث ، ولكنني ظننت ..." وهز كتفيه " لقد تزوجت أمه بعد أيام من تعارفنا . انني عجوز احمق فقد ظننت أن الأمر معكما سيكون كما كان معنا ، إذ كان حبا حتى الموت ."
قالت جو :" احيانا لا يكفي هذا ، ياسيد تاكيراي ."
أدخل كلاي الحقيبة إلى المنزل ليجد جو تقرأ ورقة تركتها أمها تخبرها بأنها ستمكث الليلة عند اطفال اختها هيثر .
قال كلاي بشيء من السرور :" في هذه الحالة ، فأنا لا أشعر برغبة في الذهاب . فأنا استطيع إذن ان اساعدك في غسل أليس ووضعها في الفراش ." قالت جو بحدة :" كلا ." وسرعان ما اسفت لهذا عندما اجفل هو لعنفها ذاك .
ولكنها كانت قد وصلت بمشاعرها إلى حد الانهيار . وقالت :" لقد كان يوما مجهدا ، وقد نالت أليس مايكفي من اللهو واللعب ."
قال :" في هذه الحالة ، سأنتظر إلى حين انتهائك . فإن ثمة ما أريد أن احدثك به ، وإذا كنت تفضلين ان احدد لذلك موعدا في المكتب ..."
قاطعته :" هذا ليس ضروريا ، انتظرني ولن أغيب طويلا ."
صعدت جو السلم بضعف ، وقد حملت على ذراعها أليس الثقيلة الوزن . وقامت بغسلها بسرعة ثم ألبستها ثياب النوم ، وأخذتها بعد ذلك إلى سريرها .
قبلت الطفلة قائلة :" ليلة سعيدة يا أليس ." ثم وضعت لعبتها إلى جانبها.
سألتها :" بابا؟"
قالت جو تحذرها :" إنه وقت النوم ، يا أليس ."
فهمت بالبكاء وهي تقول بصوت عال :" بابا." وسمعتا صوتا يقول :" هل ناداني أحد ؟" واستدارت جو بينما رفعت أليس يدها تلوح لكلاي قائلة :" ليلة سعيدة يا بابا ."
انحنى على السرير يمرر يده على شعرها الأشقر قائلآ:"ليلة سعيدة، يا أميرة."
خرجت من الغرفة، وبعد لحظة، لحق بها. وأخذ يسكب لنفسه كوبآ من العصير.
قال وظهره إليها:"يجب أن تعودي، يا جو."
سألته:"هل ذلك لأجل أليس؟"
أجاب:"هذا أحد الأسباب." والتفت إليها ثم عاد يقول:"لقد كنت معتوهآ. ها أنني اعترف بذلك وقد يمنحك هذا شيئآ من الرضى. لقد كنت غيورآ لأنني احببتك دون أية غاية، ولكنك رفضت أن تدخليني حياتك."
قالت:"الحب" إنها تلك الكلمة مرة اخرى. وعليها أن لا تسمح له بالتأثير عليها، وتابعت تقول:"لماذا تصر على القول انك احببتني بينما نحن نعرف لماذا تزوجتني؟"
قال:"هل نعرف ذلك؟ لقد بدأت اتساءل. لو أنني كنت اريد اسهمك اللعينة لاستطعت الحصول عليها بطلبها منك بكل صراحة."
نظر إليها متحديآ وهو يسطرد:"إنها الحقيقة، يا جوانا. كوني صادقة مع نفسك."
تضرج وجهها. لقد كان هذا صحيحآ، فقد كان يستطيع أن يأخذها منها، وقد تتوسل إليه بنفسها ان يفعل ذلك.
همست:"نعم. هذا صحيح! لماذا لم تطلبها مني إذن؟"
قال:"ألا تعرفين حتى الآن؟" وبخطوة واحدة اصبح بجانبها ليقول:"لأنني احببتك. ومازلت أحبك." ووضع ذراعيه حولها برقة وهو يتابع قائلآ:"انني لم أشأ أن اطلب منك فعل أي شيء قد يفسد هذا الحب." وتنهدت بألم من اعماقها. وتابع هو. "انني اعترف بأنني اردت أن اسيطر على شركة ريدموند."
رفض أن يسمح لها بالتملص من بين ذراعيه قائلآ:"اهدئي واسمعيني . لقد حان الوقت لكي تعرفي كل شيء." وهدأت هي بينما تابع قائلآ:"لقد جئت أبحث عن أبيك لأستعين به. وكتب إليه المحامون الذين كلفتهم بذلك، عارضين عليه ثمنآ جيدآ لأسهمه. ولكنه لم يقبل. ولكنني لم أجد أباك بل وجدتك أنت. وكنت مزيجآ غريبآ من البراءة والثقة بالنفس. واعترف انني لم افهمك تمامآ. ولكنني عندما اتبعت العرض بالغزل، كنت سريعة الاستجابة."
هنا حاولت أن تتكلم، ولكنه وضع اصبعه على فمها يمنعها من ذلك قائلآ:"ليس الآن فإنني لم أنته من كلامي ياحبيبتي، علي أن أصارحك بأنك عندما اخبرتني بأنك بريئة، لم أستطع المتابعة. ولكن الأوان قد فات إذ كنت قد اصبحت غارقآ في الحب. لقد سحرتني."
أخيرآ، رفعت وجهها إليه قائلة:"ولكنني كنت متأكدة من أنك تزوجتني لكي تسيطر على اسهمي. فقد سمعت بعض الشائعات..."
قاطعها :" ليس للأسهم شأن بهذا وبعكسك أنت ، يا عزيزتي جوانا ، كنت دائما أفصل بين العمل والأمور الشخصية . وكنت سأشرح لك هذا لو انك كنت قد وافقت على البيع . ولكنك رفضت البيع بعناد . وكان لدى هنري نفس الانطباع ، وهكذا نجحت أنا مادمت امسكت يدك عن البيع مطلقا ."
قالت :" انني لم اكن انوي بيعها ابدا . ولكن تشارلز اقنعني في ما بعد ، بصواب بيعها ."
قال :" انني اصدقك . وقد كان هو محظوظا لأنني انتهيت إلى امتلاك اسهم كافية لاستبعاد أي شخص آخر يطمع في ذلك . لقد كانت شركة ريدموند تتوسل إلى من يأخذ بمقاليدها ، فقد كانت ذات ادارة متشعبة النظام وغارقة في الفوضى يحكمها ديكتاتور لم يشأ أن يرفع قبضته عنها بالرغم من مرضه الذي كان يمنعه من العمل ."
قالت :" وكانت هناك مبالغ ضخمة مخصصة للتقاعد تنتظر من يستغلها ."
قال :" بالضبط ، ما لم أرده أن يحدث . فقد كانت شركة ريدموند شركة جيدة ومن المؤسف أن تنهار بهذا الشكل ."
قالت :" كان ينبغي أن تشرح لي كل هذا ، لأنني لم اسمع سوى الشائعات . ثم اكتشفت انك تعرف هنري دبلداي ، فاتضح لي كل شيء ."
سألها :" ولماذا لم تأتي إلي ؟"
هزت رأسها قائلة :" عندما سمعت الشائعات ، في البدء ، ظننت انك قد تكون متورطا . ولم أشأ أن اصدقها ، لم أشأ أن اصدق ما يعني ذلك ، أردت أن اثق بك . واصدق انك احببتني ، وعندما تأكدت من ذلك ، كان الأوان قد فات ." وارغمت نفسها على ان ترفع ناظريها إلى وجهه تفتش عن أية إشارة تدل على أنه كاذب ، وقالت :" لقد قلت انك اشتريت الشركة للإضرار بي ."
قال :" ربما قد فعلت هذا. ولكن اعلمي انني لو اردت الاضرار بك تلك الليلة في الجبل عندما كنت تحت رحمتي كليا ، فقد كان الأمر سهلا . ولكنني لم استطع ، لم يسمح لي حبي لك بذلك ."
قالت :" أوه ، يا كلاي . لشد ما أنا آسفة . انني شديدة الأسف حقا . ولكنني لم أكن أعلم ، لأنك لم تخبرني قط ."
قال :" لقد كان ذلك استهتارا مني اذ كنت أظن انك تعلمين . وها انني اخبرك بذلك الآن . انني لن اسمح لك ابدا بالنسيان إذا انت منحتني فرصة اخرى اثبت فيها حبي لك ."
وضعت خدها على صدره العريض ، تستمع إلى نبضات قلبه تستمد منها الراحة والأمان ، وهي تقول :" انك لا تريدني ان اعود لأجل أليس فقط ، إذا ؟"
أمسكها بعيدا عنه ، ناظرا إليها بعينين تتألقان بمشاعر القوة والسيطرة التي لم تستطع فهمها ، وهو يقول :" إذا أنت اخبرتني الآن أن كل شيء قد انتهى ، وأن ليس لنا حظ في الحياة معا ، فسأرحل بعيدا ، ذلك أن الضرر الذي الحقته بك لم يكن قابلا للغفران ، وإذا أنت صممت على ذلك فسأنفذه . ولن اضايقك أو أضايق أليس بعد الآن ." وتوتر فكه وهو يتابع كلامه :" ستبقى أليس ابنتي على الدوام ولن تكون في حاجة إلى شيء أبدا ، وسيسرني أن اكون سندا لكما انتما الاثنتين . ولكنني لن استطيع أن اراك بعد ذلك وأنا أدرك انك لن تكوني لي . وإذا كان هذا يعني ان أخسر أليس ، فلن أبالي ."
كان يرتجف وهو يتكلم ، وأدركت هي حالته هذه فأحاطته بذراعيها بينما تابع كلامه :" ولكنني لا أظن أنك ستدعينني أرحل ، يا حبيبتي ، لأنني لن أنسى جوابك لي حين سألتك مرة ان كنت تحبين والد أليس . لقد كان جوابك هو :" أحبه من كل قلبي وإلى أن أموت ." فنظرت إليه وقد استولى عليها العجب ، لقد تلاشت كل آلامها في الحب الذي تمكنت أخيرا ، من أن تتبينه .
عاد يقول :" انني لن أتدخل في ماتريدين عمله ، يا جو . يمكنك أن تعملي ، أن تحتفظي بمهنتك . لقد وعدتك بوظيفة دائمة مدى الحياة . لكي ابقيك معي فترة . انها ما زالت لك إذا كنت تريدينها ."
أجابت :" لقد كانت مهنتي ذات اهمية كبرى عندي في يوم من الأيام ، تعال واجلس لأنني سأشرح لك السبب ."
وتصلب جسده شاعرا بأنها سترفضه ، ولكنها قالت :" انه شيء ينبغي عليك أن تعرفه ."
أومأ برأسه ، ثم جلس بجانبها على الأريكة وهو يسألها :" ماهو هذا الأمر ؟"
قالت :" انها قصة عن بنت صغيرة لها أخت أكبر منها ... أكبر منها بعشر سنوات . لقد كان بينهما اطفال آخرون ، ولكن لم يكتمل حمل أي منهم ، إلى أن جاءت هذه الطفلة وأخبر الأطباء والديها بأنها آخر ما يمكنها انجابه ."
منتديات ليلاس
تنفس بحدة ، ولكنها ، استمرت في قصتها . كان من المهم ان يتفهم الأمر . بل وله الحق في ذلك .
تابعت :" لقد كان الوالد حزينا وهو يدرك أنه لن يكون له أبدا ولد ذكر يسير على منواله ، وهكذا شجعت الأم طفلتها على هذه اللعبة التي هي ، كما اخبرتها ، أن تمثل دور الابن لأبيها ."
أراد كلاي أن يمسك بيدها ، ولكنها منعته من ذلك وهي تتابع :" ولم تمانع الفتاة الصغيرة ، فقد رأت في ذلك متعة وتسلية . ولم تهتم عندما كان عليها ان تضع نظارات وحمالات للسروال الذي كانت قد اخذت ترتديه على الدوام. لم يهمها ابتعاد الفتيان عنها لأجل هذه الأشياء ." قال كلاي :" جو!"

لكنها تابعت كلامها :" ومن حسن الحظ انها كانت ذكية . ولأنها كانت تنافس الفتيان في صفوف الدراسة ، فقد تألقت في المواد الدراسية التي كان الفتيان يحسنونها ، عادة ، مثل الرياضيات والعلوم ، وكان من السهل عليها التصرف كالفتيان تماما . فتبعت والدها في مهنته لتريه عدم اهمية أن يكون له ولد ذكر ... " ودهشت إذ صدرت عنها شهقة . وأمسك بيدها قائلا :" أرجوك يا حبيبتي ، هذا يكفي . فقد فهمت كل شيء ."
تألقت ابتسامتها من خلال الدموع ، وهي تقول :" لا بأس يا كلاي . وعندما اجتازت الفتاة كل امتحاناتها ، تخرجت ... وهكذا اصبحت مهندسة ... مثل ابيها تماما ، ووجد هو في الأمر متعة . وأظنه ... أظنه كان فخورا بها . وعند ذلك توفي ، وكان علي أن احاول ، جاهدة ، الحلول مكانه..." وسكتت فجأة ، إذ لم تستطيع اكمال كلامها . واحتضنها هو إلى أن هدأت شهقاتها واستكانت إلى ذراعيه .
‏ سألها :" هل كان يعلم بما كنت تحاولين أن تكوني ؟"
هزت رأسها قائلة :" لا أظن أن هذا قد خطر بباله قط . لقد كان ينظر إلي مستمتعا بمظهري الصبياني ، أما أمي ، فلم تحاول ان تثنيني عن ذلك ."
قال :" تبا لي بينما أنا لم افهم هذا . لقد كنت أظن فقط انك لا تهتمين بي ، وأن اهتمامك كان منصرفا إلى مهنتك اللعينة تلك ."
قالت :"كان علي ان اخبرك بكل هذا ."
قال :" وهل منحتك أنا فرصة لذلك ؟ لقد تواريت فجأة بعد أن ثارت في نفسي كبرياء الرجولة ." واحضر لها كوبا من الماء قائلا :" اشربي هذا ببطء ." وأخذ ينظر إليها وهي ترشف الماء ثم قال :" هل تريدين أن تتابعي العمل ، يا عزيزتي ؟"
" لا أظنني أحسن أي شيء آخر ."
" يجب أن تفعلي ما ترغبين فيه تماما ."
قالت :" لا أدري ما الذي أريد ، إلا انني ..." واستدارت تواجهه لتتابع . " إلا أنني اريد أن اعود إلى بيتي ، معك ، هذا إذا كنت ما تزال تريدني . "
الفصل العاشر
هتف كلاي وهو يأخذ وجهها بين يديه :" أريدك؟" وأخذ يلتهمها بعينيه لحظة طويلة توقف اثناءها قلبها عن الخفقان وهي تعود فتكتشف كل ملامح وجهه المحبوب الذي لوحته الشمس والرياح .
أخذها برقة بالغة ، بين احضانه فترة طويلة ، ثم أبعدها عنه لينظر إلى وجهها قائلا :" هل أجبت ، بهذا عن سؤالك ؟"
لامس سؤاله هذا مشاعرها ، فأومأت بالايجاب دون أن تقوى على الجواب لشدة سعادتها . وعاد يأخذها بين ذراعيه قائلا :" علينا إذن ، أن نقرر شيئا هاما جدا ، قبل ذلك ."
أسرعت خفقات قلبها وهي ترى التصميم في وجهه وسألته :" شيئا هاما ؟ وماهو ؟"
قال :" ان اهم شيء ، يا عزيزتي ، هو ، إلى أي مكان في العالم تريدين أن آخذك في شهر عسلك ؟"
تمتمت وهي تبتسم بسعادة :" لا حاجة بك لذلك ، فأنا أعلم مقدار انشغالك . وأنا سأكون سعيدة تماما إذ ... ابتدئ حياتي من جديد ."
قال :" وسنكون كذلك دوما . ولكن عملي لن يشغلني عنك أبدا بعد الآن ، يا جوانا ." ووضع خده على شعرها متابعا :" إضافة إلى هذا ، فإن عمال الديكور لن ينتهوا من غرفة أليس قبل عشرة أيام على الأقل ، ولا أظنك تتوقعين مني أن انتظركل هذا الوقت." أجفلت وحدقت فيه قائلة :" عمال الديكور ؟ حتى أنك لم تعتقد أنني سأقول لا ؟ إن غرورك هذا ..."
قاطعها وهو يضع يديه حول خصرها يجذبها إليه :" أحبه من كل قلبي وحتى الموت ... أليس هذا قولك ؟ هل تريدين أن تغيري رأيك ؟"
هزت رأسها قائلة برقة :" كلا . لا أريد أن اغير رأيي ."
ابتسم قائلا :" حسنا ، هذا الأمر قد انتهينا منه الآن . اخبريني إلى أي مكان في العالم تريدين أن تذهبي ؟"
فكرت برهة ثم قالت :" لا أدري . فالوقت أصبح متأخرا بالنسبة للشواطئ ، وغير مناسب بعد للرياضة الشتوية . ربما علينا أن ننتظر فترة . حتى مجيء الصيف مثلا ."
قال :" انك لا تسمعينني ، يا جو ، اننا سنسافر بعيدا لأسبوعين على الأقل ، وذلك لكي يتعود الجميع على وضعنا الزوجي هذا . وعندما سألتك إلى أي مكان في العالم تريدين أن تذهبي كنت أعني ما اقول . فهناك الشرق الأقصى . أميركا الجنوبية ، استراليا ."
اتسعت عيناها قائلة :" هل إلى هذا البعد ؟"
أجاب :" أي مكان في العالم تحبين أن تذهبي إليه ، فقط ، اخبريني ."
ابتسمت حالمة وهي تقول :" اي مكان ؟"
عاد يقول :" أي مكان ."
قالت :" في هذه الحالة ، يا حبيبي ، فأنا أحب أن امضي شهر عسلي في جزيرة خالية ."
نظر إليها مستفسرا :" جزيرة خالية تماما ، أم أنها تحوي بعض التسهيلات المنزلية ؟"
فكرت برهة ثم قالت :" بل تحوي بعض التسهيلات المنزلية ."
قال :" اذن ، فعلي أن احذرك من أنني لا انوي أن أضيع أوقاتي ، هناك ، في صيد السمك ."
كان في جزر (المالديف) كل ما كانت جو تحلم به . لقد امضيا اسبوعين في السباحة وركوب الزوارق وكأن ليس في الدنيا سواهما .
قال لها وهما يتمشيان في آخر يوم من أيام رحلتهما على الشاطئ :" سنعود إلى الواقع غدا ، فهل عندك مانع ؟"
قالت :" كلا . لقد امضيت وقتا رائعا . ولكن اوقاتي كلها ستكون رائعة معك ."
قال وهو يقبل شعرها :" ماهذا المديح ؟ ثم أنك مشتاقة إلى أليس ، أليس كذلك ؟"
نظرت إليه شاعرة بالذنب ، ولكنه طمأنها قائلا :" لا بأس يا جو ، فأنا مشتاق إليها مثلك . انني اتلهف إلى العودة لكي نكون ، جميعا ، اسرة حقيقية ."
قالت :" سأذكرك بذلك عندما تستيقظ في منتصف الليل تريد أن تشرب ." وألقت إليه بنظرة جانبية من تحت اهدابها الداكنة الكثيفة ، وهي مترددة في أن تفصح عما يجول في نفسها .
بدا عليه أنه يستطيع أن يدرك ما في نفسها ، فقال :" نعم ."
قالت :" انني لا أريد العودة إلى المكتب . سأشعر وكأنني من معروضات متحف الشمع . ذلك أن كل شخص سيحدق بنا عندما نعود معا في نفس اليوم ، وقد صبغت الشمس جلدينا ."
قال :" لقد أطلعت المديرين عندي على كل شيء باختصار ، قبل أن أسافر . ذلك أن من حقهم معرفة الحقيقة عنا قبل أن تسري الشائعات السخيفة عندما يروننا نغيب في نفس الوقت . خصوصا وقد تسببت بذلك إذ قمت بتلك اللعبة وذلك بإرسال سلة الورود اللعينة تلك ، وبعد ذلك بساعة ، وجدت استقالة بيتر لويد على مكتبي ." وألقى نظرة عليها ، ثم تابع:" لقد اخبرته أن لا ضرورة لذلك ، ولكنني أظنه سيذهب على كل حال ."
سكت وهو يجذبها نحوه ويتابع :" كوني واثقة من ان كل شحص يدرك الآن أنك امرأة متزوجة محترمة ، وأنك كنت دوما كذلك . والآن ، أظننا ابتعدنا في سيرنا بما فيه الكفاية ، وكذلك في حديثنا . وهذه هي ليلتنا الأخيرة في الفردوس وليس في نيتي أن اضيع لحظت منها ."
قال يسألها :" ما الذي يمكن أن أضعه على هذا الفرع ؟"
ناولته جو دمية خشبية صغيرة ، وهي تقول :" هذه ستب
دو مناسبة . وأظن هذا يكفي . فإن الشجرة ستتهاوى إلى الأرض إذا أنت علقت عليها أي شيء آخر ." وناولته صورة وهي تقول :" ضع هذه فقط على قمة الشجرة ."
وضع الصورة على القمة ، وأشعل النور ، ثم تراجعا إلى الخلف لكي يتأملا المشهد .
قالت :" انها رائعة ، يا كلاي . وأنا شديدة اللهفة لكي تراها أليس غدا ، لقد كانت اصغر من أن تفهم ذلك في عيد الميلاد الماضي ."
وضع ذراعه حولها قائلا :" انني اتمنى فقط لو ..." فقالت وهي تضع يدها على فمه :" لا تقل شيئا . لا تضيع لحظة في الندم . المهم الآن أننا سنمضي بقية حياتنا معا ."
قال :" معك حق ، يا سيدة تاكيراي . وعندي الآن هدية العيد لك ."
انحنى يلتقط لفافة من اللفافات العديدة الملونة التي تنتظر مجيء الصباح ، وقد كتب عليها ( عيد سعيد ) أخذتها منه وادارتها في يدها وهي تسأله :" ما هذه ؟"
قال :" لماذا لا تفتحيها ، يا عزيزتي ، لتري مافيها ؟"
وببطء أخذت تفتح اللفافة، ثم نظرت إليه قائلة :" ماهذا ؟ جريدة ؟ هل هي مزحة ؟"
قال :" إنه عدد هذا النهار من ( التايمز ) طالعي صفحة الاجتماعات وانظري ما فيها ."
فجأة أدركت ما هناك ، فقالت :" كلاي ... إنك لم تفعل ذلك ؟"
قال :" لقد وعدتك ."
ضحكت قائلة :" أه ، يا كلاي " وفتحت الجريدة بسرعة ثم توقفت ضاحكة . كان قد كتب على صفحة كاملة من الجريدة ( انني أحبك ، يا جوانا تاكيراي ، من كل قلبي ، وحتى الموت - كلاي .)
نزلت من عينيها دمعة ، على الصفحة ، ثم اخرى . ثم رفعت إليه عينين مخضلتين بالدمع وهي تهمس :" انني لم أبك من الفرح قط من قبل ."
قال بتأثر :" انني انصح كل انسان ان يفعل ذلك ولو مرة في حياته ."
قالت :" اشكرك على أجمل هدية تلقيتها في حياتي ."
ومسحت دموعها بأصابعها وهي تقول :" وعندي شيء لك ، أنا ايضا . وكنت أريد أن اعطيك إياه غدا ، ولكنني أريد أن اعطيك إياه الآن ، إذ أرى أن هذا هو الوقت المناسب لذلك ."
فكت مغلفا من الشجرة ، ثم ناولته . وأمسكه لحظة ، بين اصابعه . ثم فتحه وسحب من داخله ورقة .
ضاقت عيناه وهو يسألها :" ماهذا ؟؟"
قالت :" اقرأها اولا ، فتعلم ."
بسط الورقة ثم ابتدأ بقراءتها . وأظلم وجهه عندما انتهى وقال :" ولماذا تفعلين ذلك ؟" فارتجفت شفتاها لردة الفعل عنده ، وقالت :" ظننتك ستسر بذلك ."
قال :" وانا اوضحت لك انني لا أريد أن تفعلي أي شيء ، أي شيء فقط لكي تسريني . إن لك مهنة كبيرة . وستندمين على هذا العمل ، بعد شهر واحد ، وستلومينني ، عند ذاك ."
رمى باستقالتها إلى الأرض ،ومضى إلى الطاولة يسكب لنفسه كوب عصير . ثم التفت إليها قائلا :" هل اسكب لك كوبا ؟"
هزت رأسها نفيا غير قادرة على الكلام . فنظر إليها برهة ثم شحب وجهه فجأة وهو يسألها ونظره على رسالتها الملقاة على الأرض :" هل سبب ذلك انك مريضة ... ؟"
قالت :" كلا ، يا حبيبي ، انني لست مريضة ، ولكن ، ألم تقل مرة ، أن صعود السلالم ونزولها ، عندما تكون المرأة حاملا ، هو من مساوئ الوظيفة ؟"
بقفزة واحدة ، كان إلى جانبها يحيطها بذراعيه وهو يهتف :" حامل ؟ هل أنت حامل ؟"
قالت :" هل أنت غاضب؟" قال :" غاضب ؟ تبا لك ، ولماذا أكون غاضبا ؟"
قالت بهدوء :" لأنك صرخت . كما أنك قد تؤذيني ."
فنظر إليها بدهشة ثم تركها فجأة ، وعاد يعانقها مرة أخرى آخذا إياها بين ذراعيه :" آه ، انني آسف يا جو . إنه ذنبي أنا ."
نظرت إليه وقالت وقد أضاءت ابتسامة عينيها الجميلتين :" ذنب من يمكن أن يكون ، إذن ؟ الذنب ذنبك طبعا . ولكن ، إياك أن تشعر بالأسف ، لأنني أنا لست آسفة أبدا . فأنا الآن اسعد ما يكون ." هز رأسه ليستطيع التفكير بشكل اوضح ، وهو يقول :" هل أنت متأكدة ؟ يمكننا أن نحضر مربية ، فتبقين أنت في مهنتك ..."
قالت :" مهنتي ؟ كلا يا عزيزي . أرجو منك أن تفهمني ، لقد سبق وضيعت أوقاتا رائعة كان يمكن أن امضيها مع أليس . كان هذا بالرغم عني . إذ كنت محظوظة لامكاني الاستمرار ، عند ذاك ، في عملي . ولكن ، لا شيء من التضحية في هذه الاستقالة الآن ، ذلك انني قررت ، ببساطة ، الانتقال إلى وظيفة أخرى ."
ووضعت ذراعيها حول عنقه وهي تتابع :" ان وظيفة الأم والزوجة ستناسبني تماما منذ الآن ."
قال وعيناه تلمعان :" هل هذا صحيح ؟ في هذه الحالة ، يا سيدة تاكيراي ، اظن ان من الأفضل ان تتمرسي على ذلك . إذ انك تحسنين وظيفة الزوجة إلى درجة معتبرة تساعدك على التفوق ."
قالت :" ولكنني في حاجة إلى بعض المساعدة ."
فحملها عاليا بين ذراعيه وهو يقول :" هذه ليست مشكلة ، ياسيدة تاكيراي . إذ أن كل عون تحتاجينه ستجدينني أقدمه لك على الفور . وإن علينا أن نبدأ منذ الآن ."



تمــــت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
لحظة ندم - ليز فيلدنغ - قلوب عبير
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دعوة حب نوبية :: ~¤¢§{(¯´°•. الاقسام المميزة .•°`¯)}§¢¤~ :: ♥♫♥ منتدى روايات رومانسيه♥♫♥-
انتقل الى: