دعوة حب نوبية
اهلا اهلا اهلا زوارنا الكرام
مرحبا بكم في منتداكم وبيتكم الثاني
نتشرف بتسجيلكم معنا
أخوانكم ادارة المنتدى

دعوة حب نوبية

منتدى لكل المصرين والعرب وعشاق النوبة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الزوج المنسي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 7:22 am

الزوج المنسي
روايات قلوب عبير دار النحاس
رقم (593)
للكاتبة اليزابيث اوغست













المـلخـص


لماذا تزوجت إلويز من جوناه تافش؟
مع فقدانها لذاكرتها، كان على إلويز أن تصدق إدعاء
جوناه أن زواجهما كان مجردة صفقة اقتصادية،
لكن إلويز لم تنس العاطفة التي أحسا بها يوماً.
ولا يمكنها أن تنكر الشوق الذي تشعر به حول هذا الرجل
الغامض والقاسي. بقيت أسباب زواجهما غير واضحة،
لكن إلويز كانت تعلم شيئاً واحداً ، وهو أن زوجها يستحق
كل ما تستطيع القيام به.
المـلخــص الداخـلــي


سألته إلويز: " كيف تمكنت من إقناعي بالزواج منك ؟ "
أجاب جوناه : " لم أفعل . أنت من تقدم بعرض الزواج . "
إحساس من الإحراج والضيق سيطر عليها: "أنا عرضت عليك الزواج؟"
رفع كتفيه بكبرياء واضح وقال: " نعم." " إن كنت تحاول أن تقول لي أنني طلبت منك ذلك و توسلتك . فأقول لك أنك كاذب."
ظهرت ملامح ابتسامة على شفتيه وقال: " كان يشبه عرض عمل أكثر من عرض زواج. قلت أنك تريدين زوجاً."
كادت أن تختنق فإحراجها قد تضاعف.
قالت: " اقتحمت

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 8:28 am

الفصل الأول
فتحت صاحبة الشعر القصير والسمراء البشرة عينيها قليلاً وهي مستلقية على سرير في المستشفى. كانت تشعر بصداع أليم مما يجعل من الصعوبة عليها أن تركز. وعندما تمكنت من الرؤية شاهدت شخصين غيرها في الغرفة. كانا يقفان عند نهاية سريرها، ومع أنهما يتكلمان بصوت منخفض، كان صوتهما يسبب لها المزيد من الألم.
واحدة منهما كانت امرأة جميلة جداً وذات تعابير راقية. ظنت السمراء أنها تجاوزت الأربعين، وهي تراقب الخطوط الباهتة تحت الماكياج الموضوع بعناية فائقة. كان شعر المرأة أشقر وصفف على أحدث موديل كذلك ثيابها، كانت ترتدي بدلة حمراء باهضة الثمن. كانت نحيفة ومعتدلة الطول وتحيط نفسها بهالة من الارستقراطية والتي تعطيها انطباع أنها معتادة على إصدار الأوامر.
أما الشخص الثاني في الغرفة فقد كان رجلاً. يبدو أنه في أوائل الثلاثينات. كان وسيماً بشكل واضح مع ذقن مربع وخدود مرتفعة.
كان شعره الأسود كثيفاً وأثار لحية على ذقنه تدل على أنه لم يحلق مؤخراً. كان أطول من المرأة و أضخم منها. فكرت أنه مجرد مغامر، لكنه بالتأكيد ليس من تبحث عنه فكرت بذلك وهي تنظر إليهما.

من الواضح أن المرأة والرجل كانا يتشاجران. استغرقت السمراء فترة دقيقة لتركز على ما يقولانه، وعندما سمعتهما، ازدادت غضباً.
" كنت أعلم أنه سيحدث لها شيئاً من هذا القبيل عندما تزوجت إلويز بك." كان صوت المرأة مليئاً بالكراهية والإتهام تجاه الرجل. من تكون إلويز تلك!
" لقد قلت لها هذا الكلام."
أجاب الرجل بقسوة: " لو كنت أستطيع لمنعت حدوث ذلك. لم يكن لدي فكرة أنها ستقدم على عمل بمثل هذا الغباء. أتمنى لو أكون مكانها في هذا الوضع." كان يبدو متعباً وكأنه أمضى ليال عدة من دون نوم. هناك صدق واضح في صوته جعل السمراء لا تشك مطلقاً أنه يقصد كل كلمة قالها.
تابعت المرأة: " قال لي الدكتور غرين أنهم لا يعلمون إن كانت قد أصيبت بعطل ما في دماغها. و إذا أصبحت معاقة تأكد أن كل ثروتها ستنفق على علاجها ولن ترى منها سنتاً واحداً."
أجاب الرجل بحدة: " إذا أصيبت بأي أذى، سأقوم بنفسي بتقديم أفضل رعاية لها."
تهديد المرأة جعله يبدو أكثر حزناً.
ولكي تتأكد مما فكرت به، رأت ملامح من الخوف تظهر على وجه المرأة ولكن على الفور بدلتها بمظاهر السخرية وهي تقول: " إحساس نبيل من شخص يعرف الجميع في البلدة أنه تزوج ابنتي لأجل مالها."
بدأت السمراء تشعر بالانزعاج خاصة أن صداعها ازداد سوءاً. لم تعد تستطيع سماع المزيد من هذا الشجار، قالت: " هل يمكن من فضلكما أن تتشاجرا في مكان آخر، فأنا أعاني من صداع أليم."
على الفور بدلت المرأة اهتمامها واقتربت منها أكثر وملامح الراحة على وجهها وكأن حملاً كان على كتفيها ونزع، قالت: " إلويز، أنت واعية وتدركين كل شيء."
قالت السمراء بارتباك: " أنا آسفة ولكنني لست إلويز وأنا لا أعرفكما حتى، فمن الواضح أنكما في الغرفة الغير مناسبة، لذا يمكنكما الشجار في مكان آخر."
بدت الصدمة مكان ملامح الارتياح على وجه المرأة ونظرت إلى الرجل نظرة اتهام، بعدها أعادت انتباهها إلى السرير حيث تنام السمراء. لم ينبه الرجل إلى نظرة العداوة التي كانت ترمقه بها المرأة. على العكس، كان كل اهتمامه منصباً على السمراء، سألها:
"ماذا تقصدين أنك لست إلويز؟ "
أثرت ملامح الاهتمام على وجهه بها. كانت عيناه، بنيتان داكنتان تنظران إليها وكأنه سيمسك بها. لم تفهم سبب هذا الاهتمام، لكن إظهار هذا التعاطف فاجأها.
قالت: " أنا..." وتوقفت عن الكلام. حاولت أن تجد إسماً. فلم تجد إلا الفراغ والغموض في فكرها.
قالت الشقراء وهي تتجه نحو الباب: " سأحضر الطبيب غرين على الفور.
بدأ الرعب يزحف في داخل السمراء. اعترفت بصوت يكاد لا يسمع: " أنا لا أستطيع تذكر من أكون."
ظهرت ملامح الحذر على وجه الرجل، قال:" هل تذكرين أي شيء؟"
" لا أعرف." ازدادت مخاوفها. أخذت تركز أكثر وظهر لها خيال رؤية في فكرها.
قالت: " أتذكر أنني أصطاد السمك، وهناك بحيرة."
أغمضت عينيها محاولة أن تركز أكثر لكن كان صداعها يزداد مما يحول دون ذلك. حاولت أن تستجمع ما تراه وقالت: " إنها مزرعة، أنا في مزرعة، و أنا فتاة صغيرة جداً."
قال الرجل تعود ملكية المزرعة لوالدك، وهل لك الآن."
" والدي؟"
قال الرجل: " ليستر اورمان. بقد توفي منذ سنوات عديدة."
كررن السمراء:" ليستر اورمان" وتحول الاسم في ذاكرتها إلى خيال رجل طويل ونحيل لكنه قوي. كان رجل أصلع وأسمر وكأنه كان يمضي معظم وقته في الشمس. رأته في مكان كمعمل يركز على شيء ما على طاولة أمامه، قالت وهي تشعر بغصة من الحزن: " أبي."
فتح الباب فجأة ودخل رجل طويل يرتدي معطفاً أبيض. وتبعته المرأة التي كانت سابقاً في الغرفة.
قال الرجل الأكبر سناً وهو يبتسم ابتسامةً مشجعة،عندما وصل قربها: " قالت لي ميريل أنك تعانين من فقدان صغير للذاكرة."
أجابت السمراء: " إنه أكثر من قليل." وظهر خوفها بوضوح على وجهها.
قال مشجعاً: " و الآن لا تقلقي." امسك بمصباح يدوي وأضاءه ثم وجه النور مباشرة إلى عينيها وهو يتابع: " علينا القيام بجراحة صغيرة لنتمكن من تخفيف الضغط على الأعصاب. وقد تكون الصدمة هي السبب لهذا الفقدان المؤقت للذاكرة. عليكِ فقط أن ترتاحي."
أعطاها ثقته بكلامه الأمل، فتنفست براحة.
قال الطبيب بلهجة آمرة: " و الآن أنتما الاثنان إلى الخارج. أريد أن أعاين مريضتي." وأخذ ينقل نظره بين الرجل والمرأة حتى خرجا.
قالت السمراء: " ما الذي حدث لي؟ وكيف وصلت إلى هنا؟ "
" لقد تعرضت لحادث على الدراجة البخارية. وكما فهمت ممن رآك، كنت تحاولين القفز من الدراجة عندما رمتك. ولقد وقعت على رأسك. وكما كنت أقول دائماً لحسن الحظ، لديك رأس قاس وصلب بشكل لا يصدق. "
" هل تعرفني منذ وقت طويل؟" و أخذت تركز بقوة على ملامح وجه الطبيب لكن لم تتذكر شيئاً.
انهى جس نبضها قبل أن يجيب: " لقد عملت على ولادتك."
اغمضت السمراء عينيها بقوة محاولة بقوة أن تتذكر أي شيء. لكنها لم تر إلا ظلال غير واضحة داخل فكرها. تأوهت باحباط وقالت : " لا أستطيع أن أتذكر."
قال محذراً لها بلطف: " قلقك لن يساعد مطلقاً." تذكرت الحوار الذي سمعته عندما استيقظت، وبدا القلق واضحاً عندما فتحت عينيها بقوة، قالت : " إذن أنا إلويز، وأنني متزوجة من الرجل الذي كان هنا." ابتسم الطبيب براحة وقال: " هل تذكرين ذلك؟ "
" لا، لقد سمعت الرجل والمرأة يتشاجران عندما استيقظت." ضاقت نظراتها وهي تسأله: " ومن تكون المرأة ؟"
" إنها والدتك."
سمعت إلويز نفسها تقول: " وهي لا توافق على زواجي."
أجاب الطبيب: " ميريل تهتم كثيراً لمكانتها في المجتمع." قالت أمها أن البلدة بأكملها لم توافق على زواجها من الرجل الذي يرتدي القميص القطنية. أرادت أن تعرف إن كان ما تقوله صحيحاً سألت: " هل ترى زواجي مناسباً ؟"
" أنا من عمل على ولادة جوناه تافش. ولقد ولد في ظروف صعبة جداً غير أنني لم أتوقع أن تتزوجا، لكن كما يبدو أن زواجكما ناجح." فكرت، هذا لا يعتبر موافقة كاملة على زواجهما، لكنه ليس أيضاً وفضاً مطلقاً. وامتلأت مخيلتها بصورة الرجل صاحب العينين البنيتين. إذن اسمه جوناه. يمكنها أن تعلم من خلال ثيابه وتصرفاته أنه يعيش حياة قاسية ولديه قواعده الخاصة. ومن خلال ذكرياتها القليلة عن والدها ومن مظهر أمها، كانت متأكدة أن حياتها مختلفة تماماً عن حياته. تساءلت، وكيف انتهى بها الأمر بالزواج من جوناه تافش؟
سيطر ألم قوي على رأسها فشعرت بارهاق وتعب كبير.
قال الطبيب بلهجة آمرة: " أريدك أن تتوقفي عن محاولة التذكر فقط خففي عنك وارتاحي، ستكونين بألف خير."
قررت أن العمل بنصيحته هو الأفضل لها. فأغمضت عينيها وسمحت لنفسها أن تنجرف بالنوم ثانية.
جلست إلويز في سرير المستشفى وهي تضع العديد من الوسائد خلفها. لقد مرّ أكثر من ثلاثة أسابيع على استعادة وعيها للمرة الأولى. شعرت وكأنها ستصاب بالجنون إن أمضت بعد يوماً واحداً هناك. هذا ما قالته للطبيب غرين عندما مرّ عند الصباح ليعاينها. فقال لها أنه سيسمح لها بالمغادرة لكن بشرط أن تذهب إلى المنزل برفقة أحد ما، إما زوجها أو والدتها.


تمتمت قائلة: " لم تجد لي أي خيار سهل." فهي لم تكن متأكدة إن كان الاثنان لا يريدانها.
كانت متأكدة من ذلك بالنسبة لامها. فهي فقط تزورها كواجب فرض عليها. أما بالنسبة لجوناه تافش فلقد سهر عليها بعناية شديدة حتى تأكد من تماثلها لشفاء جسدياً.
بعد ذلك، استمر بالمجيء لزيارتها كل يوم. لكن تصرفاته نحوها لا توحي بوجود أي ارتباط بينهما. فهو يتصرف بتهذيب كأنه قريب أكثر مما يتصرف كزوج. فهو لم يلمسها يوماً ولم يحاول أن يقبلها. تجهم وجهها وهي تعترف لنفسها أن تصرفاته تزعجها، لكنها تمتمت بصوت عال: "ليس تصرفه، بل المشكلة أنا." فكلما دخل إلى الغرفة كانت تشعر بإحساس غريب وتجد نفسها تتساءل ماذا لو قبلها. قالت لنفسها، حسناً إنه وسيم جداً وأنا لست بميتة، تجهم وجهها، حسناً أكثر وهي تقول: " مهما يكن، إذا كان حقاً قد تزوج بي من أجل مالي، فلا بد أنه يعيد النظر بقراره."
قالت أوليفيا ميللر وهي تدخل الغرفة: " أكبر دليل أنه حان الوقت لتخرجي من المستشفى أنك تحدثين نفسك."
ابتسمت إلويز للممرضة. فقد علمت من خلال الأسابيع الماضية أن أوليفيا في الأربعين من عمرها متزوجة من رجل يدعى دان ولديها أربعة أطفال. وعلمت أيضاُ، مع أن المستشفى في اشافيل، شمالي كارولينا.
أنها ولدت ونشأت في هونسبرغ، شمالي كارولينا. وهونسبرغ لا تبعد أكثر من عشرين ميلا عن الجنوب الغربي، وتستقر في جبال شمال كارولينا حيث ولدت وعاشت إلويز ولا تزال تقيم هناك. ولقد تم إحضارها إلى هنا بسبب طبيعة حالتها الصحية. سألت إلويز بصراحة: " هل تعرفين زوجي؟"
" هونسبرغ بلدة صغيرة وكل شخص هناك يعرف الجميع. هناك أناس أعرفهم أكثر من غيرهم. أما بالنسبة لزوجك، فمن الأفضل أن أقول أنني أعرف عنه أكثر مما أعرفه." وتابعت: " والآن افتحي فمك." ووضعت ميزان الحرارة في فم إلويز.
تمكنت إلويز من القول: " وما الذي تعرفينه عنه؟" على الرغم من وجود ميزان الحرارة تحت لسانها.
بقيت أويلفيا صامتة وهي تجس نبض ألويز، بعدها وبحركة معبرة من رأسها قالت: "أعلم أنه حقق أكثر بكثير مما اعتقد البعض أنه سيفعل."
قالت إلويز وهي تحرك ميزان الحرارة في فمها: "وكيف ذلك؟"
ترددت أوليفيا للحظة، وبعدها رفعت كتفيها وقالت: "لا أجد أي سبب يمنعني من إخبارك.أعطى الطبيب غرين أوامره أنه علينا أن نترك لك الفرصة لتتذكري ماضيك بنفسك، لكن طفولة جوناه ليست جزء من ذكرياتك. وأنتما لم تلتقيا أبداً حتى أصبحتما ناضجين. كما وأنه من الأفضل له أن أخبرك عنه قبل السماح لأمك أن تخبرك قصصها عن ماضيه."
كانت إلويز متأكدة أن الممرضة محقة فيما تقوله، فلو دخل جوناه إلى غرفتها عندما تكون أمها جالسة، كانت ميريل تتصرف وكأنها قد شمت رائحة كريهة، وتودع ابنتها على الفور وتغادر. أما إذا كان جوناه موجوداً ووصلت ميريل، فهي لا تدخل الغرفة، لكنها تقول ببساطة أنها ستعود فيما بعد.
كتبت أوليفيا أرقاماً على الملف الذي تحمله، بعدها أعادت انتباهها لإلويز.
مرة ثانية رأت إلويز التردد على وجه الممرضة، فقالت: " علي القيام ببعض القرارات المهمة وأنا حقاً بحاجة لبعض المعلومات."


هزت أوليفيا راسها وكأن ما سمعته منطقي، قالت: " اعتقد أن أفضل وسيلة لوصف فيفان تافش، والدة جوناه، أنها ليست من النوع المستقر. كانت في السابعة عشر عندما تركها زوجها هي وابنها. أما زوجها كيرث كاغان فلقد كان في الثانية والعشرون من عمره وقد علمت عائلته على ابعاده إلى كاليفورنيا قبل أن تعود فيفان من المستشفى, وعلى ما اعتقد، لم يكن لجوناه أية علاقة مع ال كاغان. فكريث لم يعد أبداً. وبقية عائلته تجاهلت وجود جوناه بالكامل. والآن أشقاء وشقيقات كيرث قد غادروا البلدة نهائياً وانتقل والديه إلى فلوريدا منذ سنوات عديدة.
" توقفت أوليفيا عن الكلام لتبرم برأسها وكأنها تعتقد أن تصرف ال كارغان مخطئ جداً، بعدها تابعت: " تطوع والدي فيفان لمساعدتها في تربية الطغل لكن كان تصرفهما هذا نابع من الواجب وليس بسبب حبهما للطفل لأنني كنت دائماً اعتبرهما أنانيين."
بدا الضيق على وجه الممرضة، نظرت إلى ساعتها وقالت. " حان الوقت لنتأكد من حرارتك." أمسكت بميزان الحرارة وقالت وهي تبتسم: " حرارتك عادية."
كانت إلويز متأكدة من خلال مراقبتها للممرضة أنها متوترة على الرغم من الابتسامة على وجهها. فمن الواضح أنها منزعجة بالتحدث عن حياة جوناه. فكرت ببرودته نحوها، فرأت أنه من الانسب لها أن تبقيه بعيداً عن ذاكرتها. لكن فضولها نحو الرجل الصامت والخزين قوي جداً. قالت بعدما كتبت أوليفيا درجة حرارتها: " إذاً لقد تولت أمه وجديه تربيه؟"
" ليس بالتحديد."
" وكيف نسأ بالتحديد؟ " أصرت إلويز، فرغبتها بمعرفة ماضيه كانت تدفعها لانتزاع الحقيقة من الممرضة قبل أن تحاول المغادرة.
أجابت أوليفيا ببطء: " لم تتحمل أمه العيش مع والديها، واعتقد أنني لا ألومها على ذلك. فلقد كانا لا يحتملان. ومما سمعته، لم يسمحا لها بمغادرة المنزل. فلم يكن بديها أصدقاء ولم يكونا يهتمان بالطفل إلا عندما تكون في العمل.
تنهدت أوليفيا بتعاطف وتابعت: " بكل الأحوال، ما أن أتم الطفل السنة حتى تمكنت فيفان من الانتقال للعيش بمفردها وقد تمكنت من تدبر أمرها وأمر طفلها." قالت إلويز: "تبدو امرأة شجاعة وقوية." وتساءلت ما الذي يجعل الممرضة تتحدث عنها بهذه اللهجة. بدا على وجه أوليفا صراع ما، بعدها قالت بوضوح:" اعتقد أنها كانت تفضل حريتها, ولم تكن من النوع الذي يستطيع أحد السيطرة عليها. لقد أخذت جوناه معها لأن والديها رفضا الاحتفاظ به, ولقد عاش الولد معها حياة غير مستقرة. ولا اعتقد أنه حظي بنوع من الحب والحماية اللذين يتوفران في المنزل."
أخذت إلويز تصغي إلى الممرضة وهي تتخيل زوجها الصامت والحزين عندما كان صغيراً محاطاً بالعديد من المصاعب والأزمات, وأخذت تشعر بالتوتر بشأن زوجها جوناه تافش وتتساءل إن كان يحق لأمها أن تغضب منها، قالت وهي تتمنى أن يكون لدى الممرضة أسباباً لما قالته: " لكنك ذكرت أنك تعتقدين أنه تمكن من النجاح رغم كل ذلك." ابتسمت أوليفيا ابتسامة كبيرة وقالت: " سليد غيلدر وراء هذا التغيير المهم. لم يعلم أحد السبب لكنه أخذ جوناه على مسؤوليته. وكان سليد يملك محطة وقود في المكتن الذي كان يعيش فيه جوناه وكان يعتبر أفضل ميكانيكي على بعد أميال. وقد علم جوناه مهنته. قالت إلويز: " إذاً زوجي ميكانيكي ويعمل لدى سليد غيلدر." كررت الاسم أكثر من مرة كي تتذكره.
" حسناً ليس بالتمام." رأت القلق والضيق قد عادا إلى وجه أوليفيا، فسألت بوضوح: " ما الذي يفعله زوجي بالتحديد في حياته؟ " زاد التوتر على وجه أوليفيا وقالت: " إنها قصة طويلة، عندما أصبح في الثامنة عشر من عمره ركب دراجته البخارية ورحل. اعتقد الجميع أنه لن يعود ثانية. غادرت والدته إلى تكساس بعد مرور سنة ولقد تعرضت لعضة أفعى سامة. ولقد كانت تلك الأفعى كبيرة جداً وعضتها عدة مرات، كما سمعت، بكل الأحوال توفيت. وبقي جوناه لا يتحدث مع جديه لفترة طويلة. ولذك لم يكن هناك أي رابط عائلي يدعوه للعودة.
لكن قبل أربع سنوات مرض سليد. ولابد أن جوناه كان على اتصال دائم به لأنه عاد واستلم إدارة الكاراج. لم يشف سليد تماماً ليتمكن من العودة إلى العمل. كما كان أرملاً وقد فقد ابنه الوحيد في حادثة، ولم يكن لديه أقارب يحبهم لكي يذكرهم في وصيته بذلك عندما توفي ، لم يتفجأ أحد عندما ترك منزله وعمله أيضاً لجوناه. بكل الأحوال، منذ سنة تقريباً احترق كل شيء، قالوا أن النار بدأت في الكراج وكان المنزل قريباً جداً فوصلت إليه النار واحترق أيضاً قبل أن يتمكن من إطفائه." قالت باصرار: " وما الذي يفعله جوناه الآن؟ " متسائلة بينها وبين نفسها إن كان زوجها يتسلى ويعيش فقط في ميراثها.
أجابت أوليفيا بسرعة: " لقد بنيت له كاراج جديد، وهو ناجح جداً في عمله. فالرجل كفوء جداً ويحب عمله." نظرت إلى ساعتها وتابعت: " لقد تأخرت." وأسرعت بالخروج من الغرفة.
تمتمت إلويز: " أنا بنيت له كاراج! " لكن قلق الممرضة وسرعتها بالمغادرة جعلها تشعر أن هناك المزيد، فلا بد أن أوليفيا من هؤلاء الناس الذين يعتقدوا أن مالها هو السبب الرئيسي بزواجهما. تجهم وجهها. هذه ليست صورة جيدة لها أو لزوجها.
بقلق أخذت تفكر كيف تزوجت منه. هل كانت يائسة جداً للحصول على زوج وكانت راضية بالقبول بأول شخص يسألها؟ أو أنها أغرمت به؟ هذا الاحتمال لا يصدق، فهي لا تتذكر أنها رأته يبتسم مع أنها تشعر دائماً بذلك الإحساس الغريب من التوتر عندما يكون في غرفتها.
كما وأنها رأت الكثير من الاهتمام على وجهه عندما استيقظت للمرة الأولى. وأيضاً أحضر الزهور لها مرة ، وهذا ما أدهشها. لكنه مازال يعتمد الابتعاد عنها.
تمتمت قائلة: " من الواضح، ولو أنني أكن له هذا الانجذاب القوي، فهو لا يحمل أي شعور لدي." شد انتباهها طرقة قوية على الباب ورأت أمها تدخل الغرفة.
قالت ميريل، وهي تقترب من السرير." يقول الدكتور غرين أنه حان الوقت لتذهبي إلى المنزل."
لاحظت إلويز أن أمها أكثر توتراً من العادة. حتى هذه اللحظة، كانت تعتقد أن لديها الخيار في الذهاب إلى المنزل مع أمها أو مع زوجها. والآن علمت أن أمها لن تدعوها. قالت بصوت عالِ. " يسعدني ذلك لأنني سأصاب بالجنون إن بقيت هنا يوماً آخر." هزت ميريل رأسها بتفهم وبعدها قالت بصوت حازم: " فكرت بأخذك معي إلى منزلي لكن أنت وسدني لم تتقفا يوماً.
" فكرت إلويز، أنها لا تستطيع تذكر أية تفاصيل لكن يبدو أن حدسها يعمل بصورة جيدة، هنأت نفسها على تفكيرها الصحيح بأن أمها لن تدعوها لإمضاء فترة النقاهة عندها.
اعترفت، بالطبع لا يعود هذا لحدسها فقط. فلقد تمكنت من أن تعلم أن والديها قد تطلقا عندما كانت لا تزال طفلة وأن سدني هو زوج أمها, وهو مدير بنك ثري كما وأنه يقوم باستثمارات زراعية. وعلمت أيضاً أن لديها شقيقان من أمها، سدني الابن وفليب. و حقيقة أن لا أحد منهما أو حتى والدهما قد زارها في المستشفى أعطاها الانطباع الصحيح أنها غير مرغوب بها في العائلة.
مع ذلك، لا تزال تشعر بالألم أن والدتها قد تخلت عنها بسهولة. شعرت وكأن سؤالاً يدور في خاطرها منذ فترة وقد أصبح على لسانها. كانت لا متأكدة أنها لن ترضى عن الجواب على لسانها. كانت متأكدة أنها لن ترضى عن الجواب لكنها أصرت على أن تسأل: " هل كنت تكرهين والدي كثيراً مما جعلك لا تحبينني؟ "
تجهم وجه ميريل: "من قال أنني لا أحبك."
قالت: " لكن لا يبدو أنك تحبينني، أيضاً." أصرت على بحث هذا الموضوع الآن.
نظرت ميريل إليها مفكرة وقالت: " هذا لا يعني أنني لا أحبك، لكن لم أكن مستعدة لإنجاب طفل." سألت إلويز بحدة: " ولأنك لم تكوني مستعدة لإنجاب طفل لم تجدي أي حب لي في قلبك؟ "
تجهم وجه ميريل من اتهام ابنتها، وقالت : "أدرك أنك لا تتذكرين، لكن لقد ناقشنا هذا الموضوع من قبل، كنا دائماً صريحتين مع بعضنا ولا أرى أي سبب غير ذلك الآن."
توقفت للحظة، وكأنها تستجمع أفكارها، بعدها تابعت: " تزوجت من والدك طمعاً بحياة أفضل. لم يكن لدى والدي المال ولقد كنا تسعة أطفال. كنت أشعر بأنني محظوظة إن تمكنت من انتعال حذاء جديد في بداية السنة الدراسية. أردت بطاقة تخولني الرحيل عن كل ذلك الفقر ولذلك تزوجت ليستر. كانت مزرعته أكبر من مزرعة والدي ولم يكن هناك أحد غيرنا نحن الاثنين. اعتقدت أن الحياة ستصبح أفضل وبطريقة ما هذا ما حدث."
تجهم وجهها ونظرت إلى أصابع يديها الأنيقة والمطلية الأظافر، بعدها نظرت إلى ابنتها زاكملت: " كان هناك قليل من المال وكان لطيفاً وجيداً معي. لكن اختراعاته ومزرعته كانت الأهم بالنسبة إليه. كما وأن لم يكن طموحي أن أصبح زوجة مزارع. لقد أنجبتك من دون إرادة مني. بذلت قصارى جهدي لأهتم بك لكنني طوال الوقت كنت أتمنى أن يتغير أسلوب حياتي."
قالت إلويز بقسوة: " وكنت كالطوق حول عنقك." متسائلة إذا كانت انجذبت لجوناه لأن كليهما لديهما نفس الوضع الاجتماعي، والدة لم تعتني أو تنتبه لطفلها.
" لا، لم أفكر بك يوماً هكذا. لكن يبدو أنني أنا وأنت لم ننسجم يوماً. كنت رائعة تماماً مثل والدك. حتى أنك تشبهينه أكثر مما تشبهينني. ولقد بدا أنك كنت مولعة به أكثر من تعلقك بي. بعدها عاد سدني إلى البلدة، وكنا نحب بعضنا من المدرسة الثانوية، لكن عائلته لم تعتقد أنني أستحقه. ولقد اكتشفنا أن إحساسنا القديم لم يخب. بل في الحقيقة، أصبح أقوى. ولذا طلبت من والدك الطلاق فوافق من دون أي شجار."
ظهر إحساس من الاعتذار على وجه ميريل وهي تتابع:" كنت أريد أن آخذك معي. وبدا هذا هو الأفضل لك، لكن منذ البداية، كان سدني يغار ولا يريد أن يتذكر أنني كنت متزوجة من قبل.
فقررنا أنا ووالدك أنك ستكونين أكثر سعادة معه." تابعت باقتناع كامل: "وهذا القرار كان أكثر من ناجح، فلقد كنت سعيدة مع والدك علي أن أعترف أنه كان مهووساً بعمله لكن هذا ما دفعه لتكوني مستقلة ودائماً تعتمدين على نفسك. وأنا أيضاً حصلت على الحياة التي أريدها. ربما لم يكن الحل الأمثل لكنه كان أكثر حل عملي ولقد ضمن للجميع السعادة."
ظهرت تعابير من الحسد على وجه ميريل وهي تقول ومن المؤكد أنه كان مناسباً لك أيضاً. فأحد اختراعات والدك أثبتت أنه ذو أهمية فعلاً وقد جعلك ثرية جداً."
أجابت إلويز: " هذا ما يبدو." وفكرت أن عليها أن تكتشف كم تبلغ مدى ثروتها ووجدت نفسها تتساءل ما الذي فكرت به وهي لا تزال طفلة عندما تركتها أمها مع والدها.
هل تفهمت الأمر ام شعرت أنها مهملة؟ فكرت بحقيقة أن زوج أمها قد حعلها تشعر أنها غير مرغوب بها، فقررت لا بد أنها مرت بهذه العواطف المتناقضة. واعترفت، أن هذا نا تشعر به الآن. مهما يكن، كانت تشعر في قرارة نفسها بشيء من الراحة وكأنها تعلم أن مكانها ليس بقرب أمها.
كررت ميريل: " الآن حان الوقت لتعودي إلى منزلك." محاولة أن تعيد الحديث إلى الموضوع الأساسي، تابعت: " ويعتقد الطبيب أنه يجب أن تكوني في المكان الذي تجدين فيه الراحة. وهذا يعني مزرعتك. بعد أن أصبح والدك غنياً عمل على تحديثها وتوسيعها. وخلال السنين عملت بنفسك على جعلها أكثر جمالاً وراحة." تابعت بضيق: " بالطبع، جوناه سيكون هناك، فهو زوجك رغم كل شيء. ومهما يكن، فقد وعدني أنه لن يزعجك مطلقاً كما وأن المكان كبير جداً فبإمكانك أن تحظي بالخصوصية التي تريدينها، كما وأنني، تمكنت من الاتصال بقريبتك سارة لتأتي وتمكث عندك أيضاً. إنها ممرضة مدربة ولحسن الحظ لا عمل لديها. وستكون الحل الأمثل لك."
تجهم وجه إلويز وقالت: " سارة؟ حتى الآن، ومع أنك ذكرت أن لديك إخوة وأخوات لكنني فهمت أنك القريبة الوحيدة لي." وأخذت تفكر إن كان أقاربها يعيشون في مناطق بعيدة لهذا لم يزرها أحد أو حتى لم يرسل أحد لها بطاقة. هل هم أيضاً يعتبرونها غير مرغوب بها في العائلة؟
اعترفت ميريل: " لا بل هناك المزيد. فلوالدك العديد من الإخوة والأخوات. لكن لا أحد من عائلته يعيش بالقرب من هنا. فهم موزعون في كل أنحاء العالم. واعتقد أنك تعرفت عليهم في بعض المناسبات، لكنني لم أكن معجبة بأي منهم. ومنذ الطلاق، لم يكن لدي أي اتصال بعائلتك." ورفعت كتفيها بلا مبالاة وكأنها تريد القول أن عائلة زوجها السابق قليلة الأهمية، وتابعت ببرودة: " أما بالنشبة لعائلتي، فنحن لا نجتمع كثيراً. فكل من أخواتي وإخواني لديهم حياتهم الخاصة ليعيشونها."
علمت إلويز من برودة صوت أمها أن لا روابط عائلية لميريل بأي من أقاربها..ويبدو أن سدني وولديها هم فقط من تهتم أمها بهم. فكرت إلويز بحزن، لا عجب أنها لا تتذكر ماضيها. فلديها أم لا تريدها وزوج لا يريد إلا مالها. والآن ها هي تفرض نفسها على خالة لا ترغب حتى برؤيتها. قالت بسخرية: " لكن، على الرغم من أعمالها، لقد تمكنت من إقناع أختك أن تأتي وتهتم بي."
سمعت صوتاً عالِ قرب باب الغرفة: " بالطبع لا! أنا شقيقة والدك الصغرى، وأنا لست بحاجة لأحد كي يقنعني لأحضر."
شاهدت إلويز ارتباك أمها. نظرت فشد انتباهها فستانها المليء بالألوان على جسم طويل ورشيق. نظرت إلى وجه المرأة التي تكلمت، فاعتقدت أنها في الأربعين من عمرها. ورأت أن ملامحها مألوفة لديها وكذلك شعرها المعقود إلى الوراء، وعيناها الرماديتان.
شعرت إلويز بإحساس من القرابة وهي تنظر إلى عيني عمتها التي تشبه عينيها. بعدها غاب ذلك الاحساس لتعيد نظراتها إلى الثوب. ورأت أن ألوانه المفرحة لا تناسب أبداً شخصية القادمة. نظرت إلويز إلى الحذاء الذي كان أحمر اللون يناسب الزهور في الثوب وحقيبة المرأة في يدها.
تابعت سارة وهي تقترب من السرير: " أتيت ما أن سمعت ما الذي حدث، فلم تتصل بي ميريل إلا البارحة." ونظرت إلى ميريل نظرة اتهام وتابعت: " فهي لا تتصل بأحد منا."
قالت ميريل مدافعة عن نفسها: " لم أجد أي سبب لأقلقك أنت وعائلتك."
راقبت إلويز تعابير المرأتين وأدركت أن أمها شعرت بعدم أهميتها بمجرد وصول المرأة . لقد كانت تعتبر أن لا أحد يستطيع التأثير في ميريل ووجدت أن هذا مثيراً للإهتمام. بعدها أعادت العمة سارة اهتمامها لقريبتها ففهمت تماماً ما الذي تشعر به أمها.
قالت بهدوء: " لا أستطيع التصديق أن ابنة أخي الهادئة الأليفة، العاقلة تضع نفسها بهذا الوضع، فدرهم وقاية خير من قنطار علاج." بعدها وبصورة غير متوقعة ابتسمت لها ولمعت عيناها بالفرح وهي تقول: " القيام بالقفز على الدراجة بخارية في الضارع العام وأمام الجميع! إنه عمل أحمق لكنني كنت أتمنى لو رأيتك."
ووجدت إلويز نفسها تبتسم لعنتها ابتسامة كبيرة. قاطعتها ميريل قائلة:" سأترككما لتتعارفا، فلدي عمل في جمعية خيرية." توقفت للحظة لتطبع على خذ ابنتها قبلة ناعمة ولتلوح لهما وتغادر بسرعة .
عادت تعابير الاستياء إلى وجه سارة وهي تراقب رحيل ميريل. وعندما أعادت انتباهها إلى إلويز كانت تبدو كمديرة أعمال، قالت:" لكن الآن حان الوقت لننسى تلك الدراجة البخارية ونعيدك إلى حياتك السابقة."
" ربما لا أحب حياتي السابقة." واحمر وجه إلويز عندما أدركت ما الذي قالته.
لكن هذه الفكرة كانت تدور في رأسها ونطقتها بدون أي تفكير، فتابعت: " وربما لهذا لا أستطيع تذكر أي شيء."
أجابت سارة بوضوح مماثل: " لا أحد كامل، ولم أتعرف على من لديه الرضا الكامل عن حياته. لكنني لم أفكر بك يوماً كشخص يهرب من مواجهة الحياة لأنها قاسية، لقد كنت دائماً مع من يقول إذا رمتك الحياة لأنها قاسية أرضاً عليك بالوقوف وإعادة الضربة لها. إنني متأكدة أنك لا تستطيعين التذكر لأنك جرحت دماغك وما إن تشفى هذه الجروح حتى تعود ذاكرتك تماماً."
كانت المرأة تتحدث بسلطة جعلت إلويز تصدقها. سيطرت عليها أحاسيس من التقدير لها. وفكرة أنه من الأفضل لها لا تتذكر عاودتها، لكنها تعلم أن عليها المحاولة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 8:31 am

[size=32]الفصل الثاني[/size]


جلست إلويز على المقعد الأمامي في سيارة بي ام دوبل يو الرمادية. تولى جوناه القيادة بينما نامت العمة سارة على المقعد الخلفي.


أخذت إلويز تراقب زوجها سراً، ففي المرة الثانية التي استيقظت فيها في المستشفى، كان بقربها وقد حلق ذقنه وارتدى قميصاً قطنياً نظيفاً وبنطال جينز نظيف. ومنذ ذلك اليوم حتى الآن، وهو لا يبدل ثيابه كثيراً. وما إن نظرت إلى حذائه الطويل الأسود، حتى استعادت في مخيلتها كيف رأته لأول مرة. رأت نظراته الحزينة والقساوة البادية على وجهه. بعدها رأت قميصه الملطخ وبنطاله المليء بالغبار والجرح الأبيض الطويل على خده الأيسرز


بعدها استعادت كل ما سمعته من أوليفيا وفكرت أنه لابد كان مع عصابة من سائقي الدراجات في سنوات غيابه. فكرت، عليّ أن أكون حذرة منه، فهو يثير أعصابها ويقلقها. لكن بعد تحليل لشعورها أدركت أنها لا تشعر بأي هوف منه، والذي يزعجها كم هي مهتمة به. وفي الحقيقة، أجبرت نفسها على الإعتراف انه عندما يكون فربها تجد من الصعوبة أن تشغل بالها أو تفكر بغيره. ويبدو أن حدسها يحذرها أن تعلقها به خطير للغاية.



قالت، وهي تشعر أنها لم تعد تتحمل الصمت الذي يسود السيارة منذ أن انطلقوا من المستشفى:" قالت عمتي أنها طارت من استراليا صباح هذا اليوم، واعتقد أنها متعبة من السفر."


أجاب:" أعتقد أنها ستعاني من رغبة في النوم لعدة أيام قبل أن يعتاد جسمها على نظام الوقت هنا."


كان صوته مهذباً ولكن بارداً بشكل واضح حتى انها لاحظت انزعاج ما على وجهه.


قالت:" أتمنى أنك لست منزعجاً لحضورها للبقاء معنا." لم تكن تعلم لما تعتذر منه لكن بدا لها أنه من الأفضل أن تفعل ذلك.


ظهر الغضب فجأة على وجهه وقال:" لست بحاجة لحماية مني. وعدت أمك أن أعاملك بطريقة جيدة وسأفعل." اختفى غضيه بسرعة وعادت ملامح وجهه عادية وغير واضحة وهو يتابع: " مهما يكن، فلا أمانع بوجود سارة لأنه وإن كانت واضحة وصريحة بشكل لا يحتمل لكن المرء يعلم تماماً أين موضعه بالنسبة لها."


اعتقدت إلويز أنها أحست بنوع من الاهتمام بكلامه. وأدركت أمراً كانت تشعر به مرة من قبل. فعلى رغم زياراته الدائمة لها، لكنهما لم يتبادلا حديثاً شخصياً مطلقاً. كانا يتحدثان عن الطقس وكان يسألها عما تشعر به وعن صحتها، لكن بدا وكأنهما يبتعدا عمداً عن إثارة أي نقاش شخصي.



قالت لنفسها، قد لا استعيد ذاكرتي يوماً وهناك أشياء يجب أن أعرفها، سألته بصوتِ عالِ." هل كنت تعلم دائما أين موقعك بالنسبة لي؟"


أجاب، ومازال تركيزه على قيادة السيارة: " أحياناً كنت أعتقد أنني أعلم، وأحياناً لم أكن متأكداً." ظهرت ابتسامة ساخرة على فمه وتابع: " لكنني أعتقد أن معظم العلاقات بين الرجال والنساء ليست واضحة تماماً."


شعرت برغبة جامحة لتسأله إن كانت علاقتهما قوية، لكن الكلام علق في حلقها والخوف مما سيقوله أرعبها. قالت لتشجع نفسها، ربما لست مستعدة لتقبل ما سيقوله. كما وأن، كيف يمكنها أن تعرف إن كان يقول الحقيقة. فقررت أنه من الأفضل لها الانتظار. ساد الصمت بينهما مرة أخرى وشعرت إلويز أن توترها يزداد. فهي في طريقها للعيش في مزرعة مع شخصين يعتبران بالنسبة لها غريبين بالكامل. حاولت التخلص من قلقها بالتكلم فقررت التحدث بموضوع آمن, فقالت: " سيارة جميلة."


قال: " أنها سيارتك. اعتقدت أنك ستكونين أكثر راحة أنت وعمتك بالانتقال فيها من شاحنتي القديمة."


نظرت إلويز حولها إلى الجلد الطبيعي الناعم ىوتجهم وجهها، فكل ما في السيارة يدل على الثراء والغنى، رغم أنها تتجنب سؤاله عن علاقتهما، فهي بالتالي ستتجنب التحدث عن شيء يخصها بمفردها. ومحاولة التحدث مع الآخرين عنها لا تبدو فكرة ناجحة البتة.


كل ما تذكره من ماضيها هو والدها ومهر صغير ولكن حتى هذه الصورة فهي باهتة وغير مفهومة. بدت لها الحقيقة الوحيدة هي العمة سارة. وها هي متزوجة من رجل يبدو كسائق دراجة وهو صامت وحزين بشكل لا يوصف. كما وأنها تعرشت لحادث وهي تحاول القفز عن دراجة في البلدة أمام حشد من الناس. قالت مصححة لنفسها، لتتحقق من إحساسها بالحرج والضيق، بل عدد قليل من الناس أمام مرآب جوناه. قررت أن تحاول الحصول على معلومات من جوناه مضيعة للوقت، سألت بصراحة: " كيف كنت امضي أيامي؟ هل كنت ثرية كسولة؟" نظر إليها هذه المرة وشعرت بل وتأكدت من نظرة الإعجاب في عينيه. بعدها عادت ملامح وجهه غير مفهومة. أعاد إنتباهه إلى الطريق وهو يقول: " لا يمكن وصفك بالكسولة مطلقاً. لديك شهادة بإدارة الأعمال كما أن لديك شهادة بممارسة المحاسبة العامة. عندما تخرجت من الجامعة أنشأت مكتب مع بول طومبسون. ولديكما شركة مهمة في مجال المحاسبة."


" بول طومبسون، إنه أحد الأشخاص الأربعة الذين زاروني في المستشفى معك أنت وأمي." وتذكرت الرجل البدين القصير في أواخر الخمسين من عمره والذي كان ينظر إليها بنظرات أب حنون. كان يضع نظارات سميكة، حتى أنها لم تتمكن من رؤية عينيه. " قال لي أنه يساعدني في أعمالي لكنه لم يوضح ما هي تلك الأعمال. لذلك اعتقدت أنه يتولى إدارة أموالي."


" أصر الطبيب غرين على أن لا يسمح لأحد بزيارتك بسبب آلام رأسك المستمرة والتي لم تتوقف إلا منذ يومين تقريباً. كما وأنه أصر على أن تستعيدي ذاكرتك بنفسك وليس بما يقوله أو يوحي ب هلك الغير. لقد أعطى التعليمات الواضحة أن لا يتكلم أحد معك عن علاقته بك. إنهم هنا فقط لكي تري إن كانت وجوههم أو أسماؤهم تدفعك لتذكر شيئاً ما."


هزت إلويز رأسها وقالت: " أتذكر ما قاله." وفجأة فكرت أن جوناه يخرق تلك الأوامر، تابعت:" هل أستطيع التفكير أن تلك الأوامر قد تغيرت، طالما أنك تجيب على أسئلتي؟"


"قال الطبيب أنه حان الوقت لتستعيدي حياتك. كما وأن ألم رأسك قد زال، لذا يعتقد أنه بإمكانه التعامل مع بعض الحقائق والمعلومات."


قالت: " كما وأن ذاكرتي قد لاتعود مطلقاً فلا يمكنني العيش وأنا عاجزة تماماً وإلى الأبد." قالت ذلك لتعلمه أنها تفهم تماماً كل الإحتمالات التي قد تصيبها.


ازداد تجهم وجهه وهز برأسه موافقاً.


تضاعفت رغبتها بمعرفة نفسها، فاستعادت في مخيلتها وجوه الأشخاص الآخرين الذين قابلتهم. كان هناك رجل دين شاب يدعى راندال، لديه وجه بشوش وشعر بني غامق وعينان عسليتان وابتسامة لطيفة. قالت:" هل كنت أزور دور العبادة؟"


" كنت تذهبين إلى هناك بصورة دائمة."


أبعدت عن تفكيرها صورة رجل الدين وفكرت بامرأة نحيفة، صغيرة الجسم في منتصف العمر لها شعر بني وعينان جميلتان كعيني غزال، عرفت عن نفسها باسم ماري هواي وقد كانت تبتسم لها ابتسامة لطيفة وحنونة."


قالت ماري هواي أنها سكرتيرتي. هل كانت سكرتيرتي للقيام بالواجبات الاجتماعية أم ماذا؟"


" إنها تعمل في شركة المحاسبة. وأنت تعيشين حياة عادية جداً ولا حاجة لكِ لسكرتيرة للعمل الاجتماعي."


نظرت من النافذة وهي تفكر بالرسم الذي صوره لها عن نفسها جوناه. بادا لها أنها ذات شخصية محافظة لاختيارها لرجل صامت كزوج.


أتى الزائر الرابع إلى مخيلتها. لقد كان تشارلز بولسكي، فكرت لا بد أنه في الستين من عمره. كان رجلاً نحيفاً طويل القامة مرتدياً بدلة من ثلاث قطع. كانت تصرفاته مهذبة لكنه جدي بتعامله. قال لها أنه محاميها وقد كان كذلك محامياً وصديقاً لوالدها. ولقد نصحها أن تتصل به قبل أن توقع على أية أوراق تقدم إليها.


فكرت بالمحامي وهي تسترجع تعابير وجوه زوارها، رأت الاهتمام والتعاطف على وجوههم، بينما كان السيد بولسكي يرمقها بنظرات هادئة عملية. اعترفت أنه عبر عن اهتمامه لكنها لا تزال ترى أن تصرفه كان أقرب إلى العلاقة العملية أكثر من الصداقة.


سألت: " هل أثق بالسيد بولسكي؟"


أجاب جوناه: " بالنسبة لما أعرفه، أنت تثقين به. فهو وابنه يتوليان أعمالك وأعمال والدك وكذلك أمورك الخاصة."


نظرت إلى الرجل بجانبها وقالت: " هل تثق به أنت؟ "


أجاب جوناه: " نعم."


فكرت أنه أمر مثير للفضول، أن تسأل زوجها عن رأيه بشخصية محاميها. تبع هذه الملاحظة إدراكها أن حدسها يدعوها لتثق برأي زوجها. شعرت بإحباط قوي فهي تريد أن تتذكر كيف كان زواجهما.


تنهدت بعمق وأحست بألم قويّ يخترق رأسها. حاولت جاهدة أن تخترق الحواجز التي تحيط بذاكرتها لكنها لم تحصد إلا المزيد من الألم. وهذا عرفته عن التجربة. فأمرت نفسها أن تركز على ما تعرفه.


قالت: " إذاً أنا امرأة عاملة." ورأت الضيق يظهر بوضوح على وجه جوناه، لكنها أكملت ، مع أنها أقنعت نفسها بعدم التكلم عن زواجها: " كيف يمكن لامرأة عاملة متحفظة وناجحة أن تضع نفسها بمثل هذا الوضع." شعرت بانزعاج لأنها قالت ما تفكر به بصوت عالِز


قال بضيق: " ما كنت لأعلم."


طرأت فكرة أخرى على بالها، لقد وصلت معه إلى هنا، فيمكنها أن تسأله: " هل لدي شخصية غريبة لا أحد يكلمني عنها؟ "


ابتسم وكأن سؤالها لم يترك له مجالاً إلا أن يبتسم .قال: " لا أعتقد ذلك لما أعرفه عنك." اختفت ابتسامته بسرعة كما ظهرت وعاد رسمياً كما كان، تابع: " بالطبع القفز على الدراجة كان شيئاً غريباً. فأنتِ لم تكوني جاهزة للقيام بذلك وكنت تعرفين ذلك."


بالكاد سمعت إلويز جملته الأخيرة. لقد فاجأتها ابتسامته. فكرت أنها لم تر في حياتها رجلاً أكثر جاذبية منه. فلديه غمازتين تجعلان ملامحه أكثر رقة وتجعله أقرب على القلب.


قالت بدون أن تفكر: " يمكنك أن تبتسم." على الفور شعرت بالإحراج لما قالته.


نظر إليها وقد رفع حاجبيه وكأنه يريد أن يقول أن تعليقها تافه.


قالت مدافعة عن نفسها: " حسناً، إنها المرة الأولى التي أتذكر أنني رايتك تبتسم، بدأت أفكر أن عضلاتك ترفض الابتسام ."


قال بحدة: " تقوم عضلاتي بكل الأعمال بصورة جيدة."


شعرت بحرارة قوية تجتاحها، وللحظة قصيرة، تخيلت نفسها بقربه، وهو يضمها إليه. وكانت تضحك من عناقه. بعدها اختفت تلك الصورة، قالت وهي ترتجف: " إني متأكدة من ذلك." راقبته عندما ساد الصمت ثانية في السيارة. هل كانا حقاً عاشقين أم أن مخيلتها تصور لها ذلك؟


قالت لنفسها، والآن هذا سؤال ليست جاهزة أبداً لتجيب عليه.


سألت عوضاً عن ذلك: " هل لدي شخصية أليفة ؟"


" لم تحبي أبداً يوماً الأعمال المنزلية لذلك كنت تعتمدين على نانسي باكنز لتأتي وتنظف المنزل مرة في الأسبوع." توقف عن الكلام، وأضاف بعد قليل: " لكنك تطبخين طعاماً شهياً جداً."


لاحظت تردده قبل ان يتفوه بالجملة الأخيرة وتساءلت ما سبب ذلك. قالت " أنا كذلك ؟"


أجاب تعليقاً على لهجتها المشككة: " لقد تفاجأتِ من ذلك."


كانت إلويز تفكر بما ستسأله ثانية عندما أدار إشارة الاتجاه وخفف من سيره.

كانت تركز بقوة عليه، حتى أنها لم تدرك كم من الوقت أمضته على الطريق. أدركت الآن أنهم تركوا اشفيل منذ وقت طويل. ولقد ساروا على طريق واسعة وعامة لفترة طويلة لكن منذ عدة أميال كانوا يسيرون عبر طريق فرعية. نظرت إلى الجهة المقابلة لها لترى أراضي شاسعة تحيط بنهر كبير، وحقول واسعة من الذرة منتشرة في مناطق كثيرة. وعبر النهر رأت أكواماً كبيرة من القش من الحقول المحصودة.
أما الجهة المواجهة لتلك الحقول فقد رأت أرضاً صخرية جرداء تنحدر بقوة. مرت عبر تلك الأراضي الجرداء على طريق معبدة وعليها غشاؤة أن هذه طريق خاصة.
سار جوناه على الطريق عبر منحدر قوي. أدركت أنها لم تر منزلا منذ فترة بعيدة. ولمسافة قصيرة ساروا عير طريق مغطاة بالأشجار، بعد ذلك وصلوا إلى أرض واسعة بدت لها كمرج كبير. رأت أن هناك سياج يحيط بذلك المرج وهناك أربعة جياد تأكل بكسل. رأت من خلفهم إصطبل واسع ومعتنى به جيداً، وعن يمينها مزرعة وؤلفة من مبنيين. شعرت بتوترها يزداد، قالت بسرعة: " هل نعيش هنا؟ وكم تبلغ مساحة أرضنا؟ هل هناك جيران وراء الجسر؟ ؟
كانت تتمنى أن تكتشف أن هناك أحد ما بالجوار.
قال مصححاً لها: " أنت من يمتلك هذا المكان، ولقد كنت تملكين المزيد، لكن بعد موت والدك بعت معظم الأرض هنا وفقط احتفظت بثمان وأربعين بالمئة التي تحيط بالمنزل."
نظرت حولها إلى الأراضي الشاسعة وقالت: " هل أنتج أي نوع من المحاصيل؟ "
" لا، لقد بعت كل الأراضي الصالحة للزراعة. ولقد احتفظت بالأراضي الصخرية والتلال."
قالت: " اعتقد أنه لم يرغب أحد بشرائها." كانت تشعر أن جزء منها فرحاً ومتأثراً بجمال المنطقة بينما الجزء الآخر قلق بسبب عزلة المكان.
أجاب: " أطلقت شائعة أنه عرض عليك سعر جيد للبيع لبعض المستثمرين لإنشاء منازل جاهزة لكنك احتفظت بالأرض لتتمكني من ركوب الخيل بحرية أكثر." أوقف السيارة أمام البيت المرمم والمحاط بحديقة مليئة بالزهور البرية. نظرت إلويز إلى الخيول في المرعى. وبشعور غرزي، علمت أنها ستكون سعيدة جداً معهم.
تمتمت قائلة: " ما الذي كنت أفعله على دراجة بخارية بدلاً من حصان؟ "
نظر مباشرة إليها وقال: " قررت من عدة شهور أن تجربي ركوب الدراجة."
تجهم وجهها وقالت: " من الواضح أن تلك كانت غلطة كبرى."
قال موافقاً: " يبدو ذلك."
شعرت من صوته وكأنها أهانته فقالت بسرعة: "لا شيء عندي ضد الدراجات البخارية، لكن من الواضح أنها لا تناسبني. واعتقد أن على الإنسان أن يتعلق بما يناسبه فقط."
قال: " سيكون هذا أكثر أماناً وأشد حكمة."
رأت سخرية باردة في عينيه قبل أن تعود تعابير وجهه إلى ما كانت عليه من الغموض. لم تدري كيف حدث ذلك. لكنها علمت أنها زادت بإقامة الحواجز بينهما.
قطع صوت العمة سارة أفكار إلويز بقولها: " حان الوقت لتستقري في منزلك ثانية، فالمنزل هو مكان القلب دائماً وأنه أفضل مكان يقصده المرء عندما يكون بحاجة للعلاج."
نظرت إلويز إلى الجهة الخلفية من السيارة وهي متفاجئة كيف نسيت أمر عمتها. لاحظت أن لعمتها مثل لكل حالة. وكانت تتمنى أن تكون محقة بشأن العلاج.
وضعت يدها على مسكة الباب لكن سارة كانت قربها تفتحه لها. وما أن وقفت إلويز حتى أمسكت سارة بها من ذراعها وقادتها نحو المنزل. سيطر عليها إحساس من الإحباط . كانت تتوقع أن تشعر بإحساس من الحنين إلى منزلها عند وصولها. وعلى العكس تماماً شعرت بالتوتر والقلق وهي تسير على الدرجات القليلة العدد لتصل إلى الردهة الأمامية.
كان جوناه يسير وراء المرأتين وهو يحمل بيده الحقيبة الصغيرة التي تحتوي أغراض إلويز التي احتاجت لها في المستشفى. ما أن وصلتا إلى باب المنزل، حتى أصبح أمامهما ليفتح الباب، بعدها رجع إلى الوراء لتتمكنا من الدخول قبله.
توقفت إلويز في المدخل. شعرت بالألفة من المكان قالت: " هل كنت حقاً سعيدة هنا؟ " سمعت نفسها تقول هذه الكلمات من دون أن تشعر كيف تكونت في رأسها.
أجاب جوناه: " ليس منذ وقت قريب كما هو واضح." ورأت البرودة في عينيه.
قاطعتهما عمتها بقوة: " والآن لما لا نتوقف عن الحكم بسرعة وإعطاء استنتاجات خاطئة." وضعت يدها حول خصر إلويز وقادبها نحو الدرج وهي تتابع: " علينا أن نجعلك تشعرين بالاستقرار وما إن نطعمك بعض الطعام المنزلي حتى تصبحين أحسن حالاً."
فجأة تخيلت نفسها فتاة صغيرة تجلس أمام طاولة المطبخ وهي تحدق بصحن الفاصوليا والرز والتي وضع فوقه الفطر وله رائحة السكر الأسمر والقرفة وجوزة الطيب. وكانت تقف أمامها سارة وهي في العشرين من عمرها مرتدية بنطال جينز وقميصاً زهري اللون وشعرها الأسود الطويل يتدلى على ظهرها. وقد عقدته بشريط تناسب قميصها.
كانت تقول لها وهي تبتسم بكبرياء: " لقد صنعت ذلك خصيصاً لك."
اتسعت الصورة في مخيلتها لتدرك إلويز أن والدها كان بجانبها، تمتم في أذن إلويز قائلاً:"ليحفظنا الله من اختراعات سارة في المطبخ,"
اختفت تلك الصورة من الذكريات بسرعة تماماً كما ظهرت، فبدأت بالقول أنها لا تشعر بالجوع، لكنها لم تتمكن من لفظ ما تريد قوله فهي لا تريد أن تغضب عمتها. فإن غادرت سارة ستبقى بمفردها مع جوناه وهي ليست مستعدة لذلك. كما وأنها تشعر بأنها بدأت تحبها.
استدارت سارة وكلمت جوناه: " اصطحب إلويز إلى غرفتها." وما إن أنهت كلامها حتى تركت ذراع إلويز وأمسكت بيدها لتضعها على ذراع جوناه.
تفاجأت إلويز من الإحساس القوي الذي شعرت به ما إن لمست ذراعه، وأحست أنه تضايق من لمسة يدها. فنظرت إلى وجهه فرأت الضيق وعدم الصبر يظهران بوضوح عليه وعلى الفور شعرت بأنها مزعجة، قالت وهي تبعد يدها عنه: " إني متأكدة أنني أستطيع صعود الدرج بمفردي."
ظهر الغضب على وجه سارة وعلى الفور أعادت يد إلويز إلى ذراع جوناه وهي تقول: " لن أسمح لك بأن تتعرضي للدوار فتقعين وتضربين رأسك ثانية. لقد بقيت مستلقية لأكثر من ثلاثة أسابيع ومما لا شك فيه أن عضلاتك ليست قوية كفاية الآن."
قال جوناه بحزم: " سارة على حق."
وقبل أن تتصرف، أبعد ذراعه عن لمسة يدها الخفية ليمسكها بقوة من ذراعها. إحساس قوي سيطر عليها وتذكرت ثانية صورة معانقته لها.بعدها رأت البرودة في عينيه فشعرت بخيبة أمل. مع أنها تشعر وبوضوح أنها متأثرة به لكنها تشك إن كان حقاً يهتم بها. رفعت رأسها بكبرياء، راغبة فقط في أن تتحرر من لمسته بأسرع ما يمكن. فبدأت بالصعود على الدرج بدون أي اعتراض.
توقعت أن يترك ذراعها ما إن وصلا الممر. عوضاً عن ذلك بقي ممسكاً بذراعها حتى أوصلها إلى غرفتها. وما إن أصبحت بالداخل حتى تركها.
وضع حقيبتها بجانب السرير وقال: " لقد نقلت أغراضي إلى غرفة الضيوف في الجهة المقابلة للقاعة." نظر إليها ببرودة وهو يتابع: " أريدك أن تعرفي أنك لست مجبرة على التقيد بي."
لمع بفكرها تفسير محتمل فسألته بوضوح: " هل كنت أشعر بأنني كالمسجونة بهذا الزواج؟ "
" لم تقولي هذا أبداً لكن كان هناك توتر يزداد مع الوقت. ربما لو غادرت في وقت سابق لما تعرضت مطلقا لهذا الحادث." تابع بحزم أكثر: " لكنني أعتقد الآن أنك بحاجة لمن يراقبك ويهتم بك، لذا سأبقى حتى أتأكد أنك أصبحت بخير وبعدها سأرحل."
قالت وهي تشعر بالحاجة للاعتذار: " آسفة أنني لا أستطيع تذكر أي شيء عنا."
وعادت إليها صورة عناقهما لكنها اختارت أن لا تذكر ذلك. فهي لن تحكم على علاقتهما من خلال صورة تجول في مخيلتها. كما وأنها إن فكرت بمحاولته للابتعاد عنها، فهي تجد من الصعوبة أن تصدق أن هذه الصورة حقيقية.
رفع كتفيه وقال: " حتى إننا لم نكن نتوقع لزواجنا الاستمرار."
نظرت إليه بقوة وقالت: " أحقاً ؟"
أجاب : " نحن من نسيج مختلف تماماً وكنت تعرفين ذلك." وعندها غادر على الفور.
أخذت تصغي لوقع أقدامه الثقيلة، علمت أنه على حق. تمتمت: " ربما لا أستطيع تذكر أي شيء لأنني أريد بداية جديدة." وبعدها توجهت إلى الحمام لتأخذ حماماً ساخناً وترتاح.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 8:32 am


الفصل الثالث




تجهم وجه إلويز وهي تراقب نفسها على المرآة. لم تحصل على الراحة التي تمنتها من الاستحمام. واعترفت وهي تنشف شعرها أنه يزيد من توترها. فمن جهة كان يبدو كثيفاً متموجاً وطويلاً يصل إلى ما تحت كتفيها ومن الجهة الأخرى، حيث حلق شعرها لإجراء العملية، كانت لا تزال تعتبر نفسها في مرحلة إعادة نمو شعرها. قالت: " يبدو وكأنه تسريحة من هذه التسريحات الجديدة."
وجدت نفسها تتساءل إن كان جوناه يعرف نساء بمثل تلك التسريحات الغريبة. شعرت بإحساس من الغيرة يسيطر عليها.
ظهر القلق بوضوح على ملامح وجهها، قالت لنفسها: " لا يوجد بيننا أي قواسم مشتركة. ولا بد أن زواجها قام على انجذاب قوي... وبالنسبة لرد فعله أرى أن هذا الانجذاب كان من قبلي وليس منه."
وأعادت اهتمامها إلى وجهها، فكرت أن لديها وجه جميل، مع أنها لا تشبه أمها والتي هي فائقة الجمال، فهي معتدلة الجمال ولديها جسم قوي البنية. وجهها دائري الشكل وأنفها صغير، وأخذت تفكر أن عيناها الرماديتان يشبهان تماماً عينا سارة في اللون والحجم.
رفعت كتفيها وكأنها تقول أن آخر ما يقلقها الآن كيف تبدو وتوجهت نحو غرفة نومها. كانت غرفة الحمام خاصة ولا يفتح بابها إلا على غرفة النوم. ولهذا توقعت أن تكون بمفردها.
فكرت وهي تنظر إلى جوناه حيث توقفت من دون أية حركة، في المرة القادمة سأتذكر أن أغلق الباب بالمفتاح.
نهض عن الكرسي القريب من النافذة، وقال ببرودة: " سمعت صوت المياه، وعندما أدركت أنك تستحمين فكرت أنه يجب أن أبقى قريباً للتأكد أنك لن تدوخي وتقعي أرضاً.ط
كان يتصرف كعامل مجبر على القيام بواجب يثقل كتفيه. شعرت بغضب شديد، فها هو يجعل منها مصدر للانزعاج مرة ثانية. بدأت بالقول ببرودة:" أنا حقاً لا أريد أن تراقب.." لكنها توقفت عن متابعة كلامها عندما التقت عيناها بعينيه، فالثلج الذي كان في أعماق تلك العينين البنيتين قد اختفى وحل مكانه شوق جعلها تشعر به رغم المسافة التي بينهما.
قال:" يبدو أنك بخير وتدبرين نفسك جيداً." وخرج من الغرفة.
وقفت مندهشة تحدق بالباب الذي أغلقه وراءه. من الواضح أن الانجذاب القوي بينهما ليس من جانب واحد. لكنها لم ترغب بالوصول إلى استنتاج خاطئ. فمنذ لحظة مضت كانت متأكدة أنه لا يحمل أية عواطف نحوها.
قالت بصوت عالِ: " كما وأنني متأكدة أن الانجذاب القوي بين شخصين لا يجعل زواجهما ناجح." مع أنه بدا لها أنها ستوافق على ذلك.
ومهما حاولت إبعاد تلك النظرة من مخيلتها، بقيت تعاودها. شعرت بالضيق أن تبقى مختبئة في غرفتها فبدأت بالبحث عن ثيابها. أول باب من الخزانة فتحته وجدتها فارغة بالكامل. تمتمت: " عندما قال جوناه أنه انتقل من هنا، كان يقصد ذلك فعلاً." أنبأها المنطق أن لا بد هذه خزانته. توقعت أن تشعر بالراحة وعلى العكس تماماً إحساساً بالألم سيطر عليها.
قالت بإحباط: " أتمنى لو أستطيع أن أتذكر." وأغلقت باب الخزانة بقوة. بدأ رأسها يؤلمها بقوة فأجبرت نفسها على التوقف عن المحاولة. سرت نحو الباب الثاني وفتحته فرأت أنها مليئة بالثياب النسائية. قالت بكل تأكيد " ثيابي." وعاودها ذلك الإحساس بالألفة.
رأت على يمينها بدلات رسمية وقمصان حريرية باهضة الثمن وحقائب وأحذية تناسب الثياب المغلقة فوقها وقد صفت بترتيب على رفوف. وعلى الجانب الآخر رأت بعض الثياب للسهرات ومعطفين طويلين. أما على جهة اليسار علقت بناطيل جينز، قمصان قطنية وقمصان قصيرة الأكمام مع تنانير وفساتين وقمصان عادية. ورأت تحتهم أجوازاً من الأحذية الخفيفة وأحذية طويلة الساق.
على الرف الأعلى رأت أربع قبعات، قبعة بنية وأخرى سوداء اللون وواحدة بيج و الأخيرة بيضاء.
تمتمت: " هذا إفراط في الثياب."
اختارت بنطال جينز وقميصاً قطنية وحذاء خفيفاً ثم ارتدت ثيابها ونزلت إلى الطابق الأرضي.
رأت غرفة الطعام عن يمينها وغرفة الجلوس عن يسارها. شعرت بجوع شديد وهذا ما ذكرها أنه وقت الغذاء. افترضت أن المطبخ سيكون بالقرب من غرفة الطعام، استدارت نحو اليسار وفي نهاية الممر فتحت باباً حيث رائحة الطعام منتشرة واكتشفت مطبخاً كبيراً على طراز مطابخ الريف. كان يجوناه يجلس إلى المائدة وهي كانية عن طاولة خشبية واسعة وضعت في وسط الغرفة. كان يحدق بارتباك في صحن الطعام الذي وضع أمامه."
كانت سارة تقول وهي ترمقه بضيق: " دائماً طعامي أشهى بالطعم مما يبدو، كما عليك أن تفكر أنه ليس من الحكمة أن تضايق أو تزعج الطاهي إلا إذا كنت تحب عجينة طحين الشوفان." نظرت إليه بحدة أكثر وهي تتابع: " اقترح عليك أن تتذوق طعامي قبل أن تحكم عليه."
رفع يده وكأنه يستسلم لما تقوله: " هذا ما سأفعله. لكن عليً فقط أن أستجمع شجاعتي."
قالت سارة بسرعة: " لم لأتوقع أبداً أن تكون ساخراً."
فكرت إلويز، ولا أنا أيضاً، وقد شعرت بالدهشة من مزاحه مع عمتها. لقد كانت تعتقد أنه لا يملك أي حس بالمرح.
قطع قطعة بالشوكة من الطعام الذي يبدو أحمر اللون مع بيض مخفوق وكثير من الخضار وتذوقه.
قالت سارة: " ماذا؟ " وكانت لهجتها تتحداه أن يجرؤ ويقول أي شيء شائن.
أجاب بدبلوماسية: " إنه مثير للفضول."
أجابت سارة وهي تشعر بالنصر: " لا بأس بما قلته."
في تلك اللحظة وكأنه شعر أنهما ليسا بمفردهما، فجأة استدار ونظر ناحية الباب حيث تقف إلويز. لم تر الشوق في عيني
ه الذي رأته قبل وقت قصير، كان هناك تهذيب عادي. قال: " أليس من المفروض أن ترتاحي؟ " شعرت من لهجته أنه عليها العودة فورا إلى غرفتها.
قالت سارة تؤكد له: " نعم، عليها أن ترتاح."
شعرت إلويز بالتوتر وكأنها تريد الدفاع عن نفسها. أدركت أنه من الواضح لا ترضى أو تتقبل الأوامرز
قالت بصوت عالِ حازم: " لقد كنت مستلقية لمدة أسابيع، وأنا أشعر بالجوع."
أجابت سارة وهي تتجه نحو الفرن: " كنت سأرسل لك جوناه صينية الطعام ما إن ينتهي من تناول طعامه. لكن طالما أنت هنا يمكنك أن تنضمي إليه. اجلسي. "
قال جوناه محذراً: " تذكري أنها قد اعتادت معدتها على اطعام المستشفى، وربما من الأفضل أن تطهي لها البيض المخفوق وحده."
رمته سارة بنظرة نفاذ الصير وقالت: " سنتناول البيض مع البصل والبندورة والبقدونس تماماً مثلك. فهي بحاجة إلى للتنوع تماماً كحاجتها للبروتين."
نظر جوناه إلى إلويز وكأنه يقول لها: " لقد حاولت." بينما كانت تجلس على المقعد في آخر طاولة الطعام. وهذه اللفتة لحمايتها جعلت قلبها يدق طرباً. شعرت بالغضب من نفسها. منذ فترة قصيرة أوضح لها بكل صراحة أنه لا يكن لها أية مشاعر.
قالت سارة بلهجة آمرة: " ستجلسين إما قرب جوناه أو في الجهة المقابلة له، فأنا لا أجد أي سبب لأسير هذه المسافة الطويلة لأقدم هذا الطعام."
رفضت إلويز أن تكون قريبة منه، وهي تعترف كم يثير أعصابها، أجابت وهي تنهض وتسير نحو وعاء القهوة: " أستطيع تحضير طعامي بنفسي."
قالت سارة: " يثير أعصابي وجود أحد بقربي وأنا أعمل، سأحضر لك الطعام بنفسي."
علمت أنها ستبدو كالغبية أو جبانة أو الاثنين معاً إن لم تبدي تعاونها. حملت فنجان قهوتها وجلست على الكرسي قبالة جوناه.
نظر إليها والغضب يلمع في عينيه، قال بصوت منخفض: " أنا لا أعض."
لمعت بفكرها صورة لهما وهو يقبلها وبسرعة رشفت من قهوتها لتبعد أفكارها عنه.
قالت سارة تؤكد لها: " بالطبع هو لا يعض." ووضعت أمامها وعاء فيه مزيج بني اللون وتابعت: " يمكنك البدء بهذا حتى أحضر لك البيض. وهذه تحتوي على الكاربوهيدرات والسكر لتزويدك بالطاقة ."
أعادت سارة نظرها إلى جوناه وتابعت: " وأنت تناول طعامك قبل أن يبرد."
أجاب: " حاضر، سيدتي."
نظرت إلويز إليه ورأت ومضة من المرح في عينيه كإجابة لأوامر سارة وكأنها والدة له. بعدها غابت تلك الومضة وعادت ملامح وجهه قاسية وأعاد انتباهه إلى طعامه. لكن هذه اللمحة بقيت في ذاكرتها وأشعرتها بالسعادة. ذكرت نفسها بحدة، لا يريد أن يكون هنا، لقد تزوجني من أجل مالي ولا شيئ آخر. توقفي عن التفكير فيه أمرت نفسها أن تركز اهتمامها على طعامها.
ترددت بعد أن ملأت الملعقة بالطعام. كانت جائعة وتشعر أنها تستطيع أن تأكل أي شيء لكن لديها شكوك بما هو أمامها الآن.
قال جوناه بصوت منخفض: " إنها رقائق منكهة بالسكر الأسمر وجوزة الطيب والقرفة، وهي ليست سيئة كما تبدو لك. "
قالت سارة وهي تقف قرب الفرن: " شكراً لك." لتعلمه أنها سمعته. شعرت إلويز بألم في معدتها. من الواضح أن جوناه أكل من هذا الطعام ومازال حياً. وضعت الملعقة في فمها لتتذوقه. قررت أنه غير عادي لكنه ليس بالسيء وأكلت المزيد.
قالت سارة وهي تضع البيض المخفوق والتوست أمام إلويز: " الآن بعد أن انتهيت من الاهتمام بكما، سأذهب لارتاح قليلاً، فمازال جسمي معتاداً على التوقيت الأسترالي."
إلى جوناه وتابعت: " قلت أنك وضعت حقيبتي في غرفة الضيوف الصفراء؟ "
قال: " تصعدين الدرج وتستديرين إلى اليسار، أول غرفة على يسارك."
هزت سارة رأسها وقالت: " كانت هذه غرفتي دائماً." وقبل أن تتمكن إلويز من شكرها، كانت عمتها قد حرجت من المطبخ.
في اللحظة التي غادرت فيها سارة، نهض جوناه وأمسك الصحن الذي وضعته سارة للتو، حمله إلى المغسلة رماه ونظف الصحن بالماء.
تفاجأت وجلست بصمت تراقبه وهو يحضر المزيد من البيض ويخفقه، قالت: " يبدو أنك تعلم جيداً ما الذي تفعله." محاولة أن لا تفكر كم يبدو وسيماً وجذاباً.
قال: " لقد عشت بمفردي لسنين عديدة. "
فكرت إلويز، وسيعود ثانية للعيش بمفرده قريباً، وهي تتذكر إعلانه أنه سيغادر ما إن يتأكد أنها بخير. نظرت إلى وجهه وعلمت أنه يبدو غير مرتاح لوجوده هنا معها وتساءلت لما لا يحزم حقائبه ويرحل. ففي النهاية، لديها سارة لتهتم بها، وهاهو يجعلها تشعر وكأنها تسبب له الإزعاج. قالت بضيق: " ليس عليك أن تخدمني، كنت أكلت ما حضرته سارة. فأنت فعلت ذلك."
أجاب ببرودة: " اعتادت معدتي على تناول أي شيء تقريباً" وضع البيض في الصحن وأضاف إليه قطعتان من خبز التوست ووضع الصحن أمامها، قال: " إذا كنت تعتقدين أنك ستكونين بخير مع سارة فلدي أعمال كثيرة تنتظرني في الكاراج."
أجابت وكأنها تدعوه للانصراف: " سأكون بخير." هز رأسه، ورفع صحنه، غسله بالماء ووضعه في آلة غسل الصحون، وسار نحو الباب. لكن ما إن أصبح خارج الغرفة حتى توقف ونظر إليها قائلاً: " كتبت رقم هاتف الكاراج قرب الهاتف، فإذا أردت أي شيء، اتصلي بي .ط
أجابت: " بالتأكيد."
سار ثانية متجهاً نحو الباب، ليتوقف ويعود ثانية ويقول: " وتذكري أن الطبيب غرين قال أن عليك أ، لا تبالغي بتصرفاتك وأن عليك الانتظار على الأقل لمدة أسبوعين بعد قبل أن تركضي وراء الأحصنة أو أن تمتطيها، ويمكنك أن تعلمي أن جاد ياكس يهتم بها جيداً وهو يقوم بذلك منذ خمس سنوات، كما وأنه كفوء جداً وكل خيولك جيدة وبأحسن حال."
شعرت بالغضب من إصداره للأوامر لكن عليها الاعتراف أنها ليست بحالة جيدة لتتعامل مع أي حيوان كبير الحجم، فهزت رأسها موافقة.
أكمل هذه المرة طريقه وغادر تاركاً إياها بمفردها في المطبخ.
تمتمت: " والآن أعتقد أنه حان الوقت لأكتشف نفسي ولأعرف كم أملك من المال."
نظرت حولها في المطبخ ورأت الهاتف. كان معلقاً على الحائط وتحته رف صغير وضع عليه دليل للهاتف ودفتر صغير لتدوين الملاحظات وكوب مليء بالأقلام.
قالت وإحساس بالفخر يملأها:" من الواضح أنني مدبرة منزل من الطراز الجيد." نهضت وسارت نحو الهاتف.
وجدت رقم تشارلز بولنسكي فاتصلت به. أوصلتها السكرتيرة بالمحامي على الفور وقام بدوره بتعيين موعد لزيارتها بعد ساعة من الزمن.
تم الاهتمام بأمر العمل. فعادت وجلست إلى الطاولة وأكلت البيض والتوست لأنها كانت تشعر بالجوع وعلى الرغم إعجابها بمبادرته لكنها وعدت نفسها أن لا تقبل أية مساعدة من جوناه تافش. وفي الحقيقة، عليها فقط أن توضب حقائبه وتضعها بانتظاره في الردهة الخارجية عند عودته.

أنهت إلويز البحث في الملفات القانونية، ورفعت نظرها إلى محاميها وقالت: " بالنسبة إلى هذا الاتفاق الذي عقد قبل الزواج، لا يملك جوناه أي إدعاء أو حق على أموالي في كل الأحوال إذا بقينا متزوجين أو انتهى زواجنا بالطلاق."
أجاب تشارلز بولنسكي: " هذا بناء على إصراره، وفي الحقيقة لقد عملنا أنا وأنت على اتفاق ورأيته أنا أكثر من كريم له لكنه رفض أن يوقعه."
تجهم وجه إلويز بارتباك واضح وقالت بوضوح: " كنت متأكدة تماماً أنه قدم على الزواج بي من أجل أموالي."
ظهر بعض الحزن على وجه تشارلز الهادئ وقال: " أنا لم أقل أنه لم يكن للمال دور في زواجكما." نظرت إليه وقالت: " وكيف بالتحديد كان لمالي دوراً بذلك؟ "
" كان كاراجه ومعداته قديمة العهد، والتأمين عليهما قليل جداً. لقد أعطيته المال ليعيد بناء عمله، ولقد أصريت على توسيع المكان وتزويده بأفضل المعدات."
لمعت عينا إلويز بتفهم. إذاً هذا هو الأمر. حصل على ما يريده منذ البداية.
تابع تشارلز: " مهما يكن، لقد سجل كل سنت صرفه وهو يسدد لك المال في دفعات شهرية. كما أراد أن يدفع لك الفائدة لكنك رفضت ذلك."
تأوهت قائلة: " الرجل لغز غامض." عادت تفكر ما هو سبب بقائه بقربها طالما هي متأكدة أنه يرغب في العيش حراً.
قال تشارلز، وقد لمعت عيناه باهتمام أبوي: " عندما أتيت إلي وأخبرتني عن رغبتك بالزواج من جوناه تافش، حذرتك وطلبت منك التفكير بالأمر بروية أكثر."
سألت وهي تفكر إن كان هناك من وافق على زواجها: " إذاً أنت لم تكن راضياً عن زواجي؟ "
تابع بجدية: "كانت لدي الكثير من الشكوك، مهما يكن بعض الزيجات تفاجأ، وزواجك واحد من هؤلاء. فكل واحد منكما دفع الآخر لإعطاء الأفضل. لا أقول أنني أعتقد أن لديكما علاقة مثالية. فلقد كنت أشعر ببعض التوتر بينكما في بعض الأوقات لكن هذا طبيعي."
فكرت إلويز، أنا متأكدة أنني لا أدفع جوناه لإعطاء أفضل ما لديه في هذه الفترة، خاصة بعد الوصف الذي أعطاه المحامي لزواجنا وتصرف جوناه نحوها. سألت بشك: " أنت تفكر بصدق أن زواجنا كان ناجحاً."
" لقد أتيت لرؤيتي منذ شهرين وعملت على تغير وصيتك. ولقد تركت معظم أرضك لجوناه ولأي أولاد قد ترزقان بهم."
حدقت إلويز بالرجل: " كنت أتحدث عن إنجاب أطفال؟ " عليها أن تعترف أن لديها إعجاب شديد بزوجها لكن إنجاب أطفال أمر مختلف تماماً.
نظر تشارلز إليها وقال: " لقد عرفتك منذ يوم ولادتك ولم تكوني يوماً امرأة طائشة. بل كنت بالنسبة للكثيرين جيدة جداً حتى وأنت طفلة، ولقد كنت دائماً حازمة وحذرة بخصوص إنجاب أطفال بزواج غير سعيد. وفي الحقيقة، ذكرك للأطفال هو الذي أقنعني أنك ربما تنتظرين مولوداً."
بعد فترة قصيرة وقفت إلويز أمام مدخل منزلها تراقب المحامي يغادر، مازالت تجد صعوبة في الاقتناع بأنها كانت تخطط لمستقبل دائم مع رجل لا يبتسم إلا قليلاً ويتعمد إبقاء مسافة بينهما منذ أن استيقظت في المستشفى.
قالت وهي تفكر بمنطق باحثة عن جواب: " ربما أنا فقط كنت أفكر بإنجاب الأطفال وربما كل الذي أراده من زواجنا بناء كاراجه من جديد."
إستدارت وعادت إلى المنزل، كانت سارة لا تزال نائمة، فشعرت بأنها متعبة أيضاً فعلمت أن عليها أن تحذو حذو عمتها وتذهب لتنام. حرك النسيم الحار شعرها فشعرت بالراحة من دفء الصيف، فغيرت اتجاهها وتجولت في الباحة أمام المنزل.
رأت ممراً يقود إلى خلف المنزل فسارت عليه، ووجدت نفسها أمام باب لمبنى من طابق واحد يتسع لغرفتين كبيرتين. أدارت مسكة الباب واكتشفت أنه غير مقفل.
دخلت، لتجد نفسها في دكان لميكانيكي. رأت طاولة كبيرة على طول حائط بأكمله ورأت آلة ومعدات وضبت ورتبت على رفوف على الحائط. ورأت المزبد من الآلات على الجدران الباقية والآلات الكبيرة رتبت بجانب بعضها على الجهة الأحرى من الغرفة. فكرت، أن هناك شيئاً يوحي بالراحة في هذه الغرفة. لابد أنها معمل والدها. ومن نظافتها كانت شبه متأكدة أنه مازال هناك من يستعملها، وقررت أنه جوناه بلا شك .
" ها أنت هنا."
استدارت إلويز على صوت المرأة الخائفة. نظرت لتجد سارة وملامح الراحة والغضب باديان على وجهها. " عندما استيقظت ولم أجدك أنت وجوناه، اتصلت به في الكاراج لأسأله إن كنت ذهبت معه إلى البلدة." تابعت سارة وهي تحدق بها بغضب: " قال أنك بقيت في المنزل لذلك فكرت أنه من الأفضل أن أبحث عنك هنا قبل أن أصاب بالرعب وأبدأ بالتفكير أنك أخذت تتجولين على هواك وضعت في تلك التلال."
شرحت إلويز لها: " كنت أشعر بعدم الراحة، وأنني آسفة إن سببت لك الذعر."
" حسنا، فقط عودي إلى المنزل لنتناول بعض الشاي المثلج أو الليموناضة." وفتحت لها الباب وهي تتابع: " لا نريد أن تصابي بالجفاف."
اعترفت وهي تمسح التعرق عن جبينها: " إنني أشعر بالعطش الشديد."
ما إن التفتا حول المنزل حتى سمعتا صوت سيارة تقترب من المنزل بسرعة. رأت شاحنة زرقاء اللون قديمة تتوقف أمامهما وجوناه يخرج منها وهو يغلق الباب بقوة.
قال بغضب صارخ: " اعتقدت أنك ستبقين في الداخل وترتاحين."
كان غضبه واضحاً جداً، لكنها لاحظت أن هناك أثاراً للشحوم على يديه وذراعيه، وهذا يدل على خروجه من الكاراج بسرعة قصوى، حتى لم يأخذ أي وقت ليغسل يديه،ورأت وراء كل هذا الغضب قلقاً كبيراً في أعماق عينيه. شعرت بفرح في داخلها وقالت معتذرة: " لقد أمضيت في الداخل أسابيع عدة، وأنا أحتاج للخروج وتنشق الهواء المنعش.
" تأثرت كثيراً لما أحست بكل هذا السرور من اهتمامه. قال بغضب: " هل اكتفيت من الهواء المنعش الآن؟ " أجابت: " للآن فقط." ورأت أنها تبحث عن إشارات جديدة لاهتمامه بها.
نظر إليها بقوة وقال: "أريد أن تعديني أنك لن تخرجي أبداً بمفردك، على الأقل لعدة أيام بعد. فهناك الكثير من الأرتضي المعزولة وقد تضيعين فيها، كما أن الحقول مليئة بالأفاعي السامة."
قالت: " أنا حقاً أتذكر أنه عليّ مراقبة أين أضع قدمي، وأنا لست أدري لماذا لكنني أعلم أنه عليّ القيام بذلك." لكنها كانت سعيدة من رغبته في حمايتها.
أضاف بحدة: " أريد وعداً قاطعاً منك."
وعدته قائلة: " لن أتجول بمفردي." وفجأة تمنت لو يضمها بين ذراعيه.
قال بجدية: " حسناً ." لمعت عيناه بفقدان صبره وتابع: " والآن عليّ العودة إلى عملي."
وقفت إلويز تراقبه بصمت وهو يعود إلى شاحنته وإحساس كبير بالهجران يغمرها.
قالت سارة ما إن ابتعدت الشاحنة: " بدا على الرجل أنه مصاب برعب حقيقي عندما وصل.
" أجابت إلويز: " نعم، كما تقولين." وشعرت بأن ضميرها يوحي لها أن عليها أن تشعر بالذنب لإثارة قلقه هكذا، وعلى العكس تماماً كلام عمتها أحيا من جديد شعور الفرح لديها.
قالت سارة بلهجة الأم: " والآن لندخل إلى المنزل لتشربي شيئاً ما."
ما إن غابت شاحنة جوناه وراء المنعطف حتى تبعت إلويز عمتها إلى الداخل.
قالت سارة وهي تسير باتجاه المطبخ: " وسأنبهك من الآن، أن العشاء سيكون خفيفاً جداً، فلقد اتصل الدكتور غرين ليخبرني أنه نسي أن يعلمني أن عليك أن تتناولي طعاماً بسيطاً وخفيفاً."
كانت إلويز متأكدة أن جوناه وراء هذا الطلب، وعليها أن تشكره عندما تجد الفرصة المناسبة. وشعرت بفرح أن ذلك يدفعها للتحدث معه على انفراد.
وبسرعة تخلت عن هذا الإحساس وهي تفكر أنه زوجها وليست بحاجة لأي عذر لتتحدث معه على انفراد. أجبرت نفسها على مواجهة الحقائق، فلقد صرح لها بوضوح كامل أنه لا يرغب برفقتها. وقالت لنفسها أنها غبية لأنها تمنت أي يضمها بين ذراعيه، وخاصة، على إحساسها بالهجران عندما غادر.
ولكن على الرغم طلب كبريائها بأن تتجنبه، كانت تجد العذر لإحساسها لأنه أتى مسرعاً عندما اعتقد أنها قد تكون تعرضت لخطر ما. شعرت بإرهاق شديد جعلها تجلس إلى طاولة المطبخ وأخذت تشرب الليموناضة بهدوء. بعد قليل أجبرت نفسها على القيام وهي تقول: " اعتقد حان الوقت لأرتاح قليلاً." أجابت سارة وهي تبتسم لها بحنان: " هذا لا يفاجئني، فأنت لا تريدين أن يظهر التعب على عينيك ووجهك. وتريدين أن تكوني بأجمل ما يمكن من أجل زوجك الوسيم."
اعترفت إلويز لنفسها أنها حقاً تريد أن تكون جميلة وهي تصعد الدرج، لكنها بعد لحظة واحدة انزعجت من تصرفاتها الحمقاء. لقد قال لها بكل وضوح أنه يريد إنهاء زواجهما. أليس لديها كبرياء؟
وعلى الرغم من ترداد هذا السؤال في فكرها، عادت تتذكر القلق الذي كان يخفيه تحت ستار من الغضب. تأوهت بإحباط. ترى كيف كان زواجهما؟ ولما هي تشعر بالانجذاب لرجل صمم للبقاء بعيداً عنها؟
قالت وهي تتأوه: "أرفض أن اصدق أنني ضعيفة العقل هكذا، لأهتم لرجل لا يهتم بي أبداً."
استلقت على سريرها وحدقت بالسقف. شعرت بوحدة حادة. وفجأة ملأت فكرها بخيال جوناه مستلق بجانبها فشعرت وكأن وحدتها قد زالت. وقررت، أن عليها أن تعرف المزيد عن زوجها وعن زواجهما قبل أن تضع حقيبته أمام باب المنزل.
بقي خيال جوناه بقربها حتى استسلمت للنوم.
......................
اشتمت إلويز رائحة خفيفة للبصل والثوم المقلي بينما كانت سارة توقظها لتخبرها أن العشاء أصبح جاهزاً. من الواضح أنه حتى أوامر الطبيب لا تستطيع أن تكبح عمتها من الاختراع في المطبخ، هذا ما فكرت به عندما وصلت إلى الطابق الأرضي حيث رائحة الطعام منتشرة في كل مكان.
دخل جوناه بينما كانت تساعد عمتها بإخراج خبز الذرة من الفرن.
قال: " ظننت أن إلويز ستأكل طعاماً بسيطاً وخفيفاً."
استدارت سارة وقالت له بغضب مصطنع: " أعرف ذلك، هل هذه نصيحة طبية صرف أم أن دور مع الطبيب لكي يتوافق مع ذوقك في الطعام؟ "
قال وهو ينظر |إليها باحترام: " لقد اتصلت بالطبيب غرين للتأكد من أننا نقوم بتعليماته المطلوبة."
فكرت إلويز لابد أنه يؤثر بمعظم الناس بهذه النظرة، لكن ليس عمتها التي نظرت إليه بتحد وقالت: " ليس هناك أكثر مللاً من الطعام الذي لا نكهة وطعم له، كما وأن البصل والثوم مهمان جداً للدم. وهذه معلومة يعرفها الجميع. وإلويز تبدو وكأنها بحاجة للقوة والنشاط."
أجبرت إلويز نفسها على أن تسيطر على عواطفها فيما يتعلق بجوناه تافش. لكن مع كل تحذيراتها، شعرت بفرح كبير لمحاولته الاهتمام بها. استدار إليها وقال وهو ينظر نظرة باردة وعادية جداً : " إنها تبدو شاحبة حقاً."
تجهم وجهها، والإحساس بالفرح الذي شعرت به غادرها على الفور. لقد أمضت وقتاً وهي تضع مكياجها وتصفف شعرها لتبدو جميلة لكنه يتحدث عنها وكأنها مبللة من المطر.
قالت بضيق: " إذا كنتما انتهيتما من الحديث عن الاهتمام بي وعن طعامي، فأنا أريد أن آكل."
اقترب جوناه من كرسيها وأبعدها عن الطاولة لتجلي. وبصمت جلست بعدها انتقل ليبعد كرسي سارة.
قالت سارة وهي تشير بيدها: " أستطيع أن أجلس بمفردي، اجلس وتذوق العشاء قبل أن تحكم عليه."
جلس وعلى وجهه تعابير واضحة من الشط ثم أمسك بشوكته وأخذ قطعة صغيرة من صحنه.
ضحكت سارة ثم سكبت لنفسها..
ما إن بدأت تأكل حتى أخذت إلويز تراقب زوجها بصمت وسرية. لا استطيع أن صدق أنني منجذبة إليه بكل هذه القوة. إنه بارد وعديم الإحساس، مهما يكن، إنه زوجها وقد وعدت نفسها أن تبذل بعض المحاولات لتتعرف إليه أكثر، قالت: " كيف كان عملك اليوم؟ "
أجاب: " لا بأس. " حتى أنه لم ينظر إليها، بل تابع تناول طعامه.
تجهم وجهها. من الواضح أنه يعتبر النقاش أمراً مزعجاً. قالت بجدية: " جيد." وأدارت كل انتباهها لعمتها وتابعت: " لم تخبريني عن رحلتك إلى أستراليا."
قالت سارة: " كانت رحلة رائعة. لقد كنت دائماً أفكر بزيارة تلك الأماكن. بعدها اتصلت بافرلي مارتي وهي ابنة عم من ناحية جدتك. ويبدو أن ابنتها، مارغريت، كانت حامل ولديها مشاكل في صحتها، قررت بارفلي بالذهاب إليها لكن زوجها تعرض لأزمة قلبية فطلبت مني الذهاب مكانها. ولقد كانت حقاً رحلة مغامرات. وكنت سعيدة أن أخبرها أن مارغريت وطفلها بخير وقد تمت الولادة وعادت إلى منزلها. بعد ذلك بقيت لفترة لأتعرف على البلد."
تابعت سارة التحدث عن رحلتها بينما بقيت إلويز تصغي إليها وهي تنظر سراً إلى زوجها. بدا وكأنه نسي تماماً وجود المرأتين، أمسك الجريدة وأخذ يقرأ وهو يأكل.
ليس عليّ تضيع الوقت بالتفكير فيه. بعدها نظرت إلى يديه وتذكرت كيف نظر إليها عندما دخل إلى غرفتها.
أعلنت سارة، ما إنتهت من التحدث عن رحلتها: " ما أن انتهي من تنظيف الصحون، حتى أذهب للنوم."
كان واضحاً أن عمتها لاحظت انشغال بالها فقررت أن تغادرهما لتترك لها مجالاً للبقاء مع جوناه.
قال وهو يضع الجريدة جانباً ويتناول آخر قضمة من فطيرة الكرز: " إنني متعب جداً أنا أيضاً، أعتقد أنني سأذهب إلى غرفتي وأقرأ قليلاً قبل النوم."
أحست بشعور قوي من الرفض لها، لكن كبريائها منعها من الاسترسال بعاطفتها تلك. قلت لنفسها، أنها لا تريد أن تمضي أي وقت برفقته وحيداً، وتساءلت لما من كل العالم لم تتزوج غيره، قالت بعدم اكتراث: " أعتقد أنني سأشاهد التلفزيون لفترة."
ما إن نهضوا حتى أصرت على مساعدة عمتها في تنظيف الصحون. ساعدهما جوناه أيضاً، ولاحظت إلويز أنه يتعمد البقاء بعيداً عنها دائماً.
قالت لنفسها، غبية! وهي تتذكر كيف نامت وهي تتخيله بقربها. فالطريقة الوحيدة لتكون قربه لا بد أن تربطه بحبل وتوثقه جيداً. كما وأنه لا يستحق كل هذا العناء. هذا ما أكدته لنفسها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 8:34 am


الفصل الرابع




جلست إلويز على الشرفة تتأرجح وتحدق في السماء المظلمة. كان القمر يرسل أشعته الفضية على كل ما حوله. أغمضت وفتحت عينيها ثانية عندما لمحت خيال ما يصل إلى الشرفة قالت: " اعتقدت أنك ذهبت إلى السرير." كانت تحاول أن ترتاح وكانت تعتقد أن آخر من تريد رؤيته هو جوناه.
أجاب: " ظننت أنه من الأفضل أن أرى إن كنت بخير." طريقة اهتمامه وحمايته لها أثرت بها، لكنها قالت بضيق: " أشعر بالفضول بخصوص شيء ما."
رفع حاجبيه مستفهماً.
" كيف تمكنت من إقناعي بالزواج منك؟ "
اتكأ على حائط المنزل ونظر إليها بضيق مماثل:" لم أقم بذلك، أنت من عرض عليّ الزواج."
حدقت به وهي تشعر بإحساس كبير من الإحراج، قالت: " أنا عرضت عليك الزواج؟ "
رفع كتفته بكبرياء وقال: " نعم."
ذكرت نفسها،حسناً،لقد عملت على وجوده في المستشفى بسبب قيامها بقفزة غبية أمام جماعة من المشاهدين. وما زالت، ترفض أن تصدق أن بإمكانها القيام بعمل أحمق في حياتها. وفي النهاية. ألم يخبرها الجميع أنها تقليدية ومتحفظة؟ قالت: " إذا حاولت أن تخبرني أنني توسلتك لأتزوجك، فسأقول لك أنك كاذب."
ظهرت ملامح ابتسامة على وجهه وقال: " لقد كان يشبه عرض عمل أكثر مما هو عرض زواج."
بدا لها أن ما تسمعه الآن هو الكلام الأكثر عقلانية عن زواجها، قالت وهي تنظر إليه وقد ضاقت عيناها: " أي نوع من الإتفاق العملي؟ "
" قلت أنك تريدين زوجاً."
قالت وقد كادت الغصة أن تخنقها من الإحراج: " لقد اقتحمت منزلك ذات يوم وقلت أنني أريد زوجاً؟ "
اعترف قائلاً : " لقد تفاجأت بالأمر أنا أيضاً."
نظرت إلى وجهه علها تلمح أية إشارة تدل على أنه لا يقول الحقيقة: " وهل قلت لماذا أريد زوجاً، أو لماذا سألتك أنت؟"
" قلت أنك خططت دائما أن تتزوجي قبل أن تبلغي الثلاثين من عمرك. كما وأنك سئمت من التعرف إلى شبان وأنت لست متأكدة إن كانوا مهتمين بك أم بأموالك."
قالت وهي تجد صعوبة أن تصدق ما تسمعه: " ذهبت إليك وقلت كل هذا."
تابع بضيق واضح: " كنت تقابلين مارك طومبسون، إنه ابن بول. وكنتما قد فسختما علاقتكما قبل بضعة أسابيع، واعتقد أنك اكتشفت أن كان مهتماً بمالك أكثر من اهتمامه بك."
تنهدت إلويز براحة، فعلى الأقل وجدت سبباً لتصرفها الشائن. حتى ولو أنه سبب أحمق، فهو على الأقل سبب. قالت: " كان تصرفي رد فعل لصدمة."
تجهم وجهه وقال: " لم أستغل امرأة في حياتي، ولقد قلت لك أن عرضك كرد فعل لصدمة وأن عليك الانتظار بعض الوقت لتفكري قبل الإقدام على عمل تندمين عليه فيما بعد."
نظرت إليه بشك، لتدعه يعلم أنها لم تصدق إدعائه بالمطلق: " ومن الواضح أنني لم أعمل بنصيحتك."
قابل سخريتها بكبرياء وبرودة: " قلت لي أنك لا تكنين أية مشاعر لطومبسون ولا يعقل أن يكون عرضك كرد فعل. قلت أنك حاولت إقناع نفسك به لكنك لم تستطيعي. بعدها اكتشفت أنه بتودد إليك لأنه يريد مالك فتخليت عنه."
تجهم وجهها وهي لا تصدق ما تسمعه، قالت: " فعلت ذلك وأتيت إليك بغرض الزواج؟ "
أجاب: " لقد انتظرت لعدة أسابيع بعد انفصالك مع طومبسون. وعندما أتيت إلي كنت متأكدة من قرارك كمحامية و جاهزة للمرافعة في قاعة المحكمة."
علمت إلويز أن شيء ما في أعماق قلبها وعقلها يخبرها أنه يقول الحقيقة. تأوهت من حماقة تصرفها وقالت: " بماذا أنت؟ "
بدت عيناه باردتان كالثلج وهو يقول: " قد لا أكون الخيار الأفضل، لكنني لست الخيار الاسوء الذي قمت به."
احمرت وجنتاها من الإحراج، وقالت: " اعتذر. لم أقصد ما قلته بالتحديد." حاولت أن تخفف من قوة الإهانة التي رمته بها وهي تتابع: "فقط نحن نبدو مختلفين جداً."
أجاب بقسوة: " كان هذا أحد الأسباب التي دعتك للقدوم إلي. قلت أنك سئمت أيضاً من العلاقات الاجتماعية حيث تعاملين كدخيلة غير مرغوب بها. وتصورت أن زواجنا، سيجبر امك على إلغائك من قائمة مدعويها بسببي. وهذا سيمنحكما أنت وإياها عذر مقبول لتجنب رؤية بعضكما."
قالت بصوت مرتجف: " يبدو أنه عليّ الاعتذار منك على تصرفي القاسي."
رفع كتفيه باستخفاف وقال: " لقد كنت صادقة وأنا لا أتضايق من الناس التي تصدق معي. ولقد قدمت لي عرضاً جيداً. فقد احترق الكاراج وكنت أجد صعوبة باستدانة المال لأتمكن من إعادة بنائه. فقلت أنك ستقدمين لي المال الذي احتاجه."
تجهم وجهها وقالت بإحباط: " لكنك تعيد المال بدفعات شهرية."
رفع كتفيه بكبرياء وقال: " لقد قلت لك، أنا لا أستغل أحداً من الناس."
إذاً السيد جوناه تافش فخور بنفسه ومثالي أيضاً. ولكن إلى أين يوصلها هذا؟
قالت: " أنت تقول أنني اخترتك لأنني كنت أعلم أنك في ضائقة مالية وأنك غير مقبول اجتماعياً من أمي؟ " شعرت بإحساس من الإذلال وهي تقول ذلك." كل هذا جزء من سبب زواجنا."
أحست بالتوتر فيما قاله وعلمت أنه يخفي أمراً يعد، قالت: " وما هو الجزء الآخر؟ "
ابتعد عن الحائط ووقف واضعاً يديه في جيبي بنطاله، رافعاً كتفيه أكثر وقال: " كنت تعلمين أن هناك انجذاب قوي بيننا. فلقد تبادلنا قبلة مرة."
قالت تسأله وهي تحاول أن تتذكر كيف شعرت في ذلك الوقت: " لقد تبادلنا قبلة؟ "
" لقد حدث ذلك قبل زواجنا بعدة أشهر، كنت أتعامل مع شركتك لعدة سنوات خلت للقيام بالحسابات والضرائب. ولقد أتيت في إحدى الأمسيات للقيام ببعض الأعمال. لست متأكداً تماماً كيف حدث ذلك. لكن كنت تضعين عطراً ناعماً ورأيت نفسي أتأملك وأراقبك كثيراً. واعتقد أنني كنت أشعر بالوحدة في تلك الليلة."
قالت: " حقاً، شكراً لك."
أجاب بضيق: " كنت أعلم أننا لا ننتمي إلى ذات المستوى."
قالت بسرعة: " لكنك قبلتني بكل الأحوال." كانت بحاجة لتعرف ما الذي حدث تلك الليلة، وما الذي دفعها لتختاره كزوج لها.
ازداد تجهم وجهه: " لقد حدث ذلك كأمر مقدر. انتهيت من عملك ونهضت. أخذت أتأملك فأنت جميلة وعندما نظرت إلي رأيتني انظر إليك. تصورت أنك سترمينني بنظرة تجعلني أرحل من أمامك، وعلى العكس رأيتك تنظرين إلي باهتمام."
تنهد وتابع: " لم أقاوم من أن ألمس خدك. وتصورت أنك ستصفعينني، لكن هاتين العينان الرماديتين بدتا أكثر عمقاً وتقدمت خطوة باتجاهي."
شعرت إلأويز بأن قدميها ضعيفتان وكانت سعيدة أنا جالسة وإلا لكانت تقدمت منه الآن تماماً كما وصفها.
تابع بخشونة: " والذي حدث بعد ذلك، أننا كنا نقبل بعضنا. لكن انتهى الأمر بابتعادك عني فجأة ورأيت أنك صدمت من تصرفك. فاتفقنا أنه ماكان يجب حدوث ذلك وأن ما حدث لحظة جنون. واتفقنا على نسيانها."
فكرت، من الواضح أنها لم تنس، فقد عادت إليه وسألته أن يتزوجها، وسمعت نفسها تسأل: " وهل نسيتها؟ "
أجاب بهدوء: " من الصعب نسيان أمر كهذا بالكامل."
قالت وهي تلخص كل ما سمعته: " إذاً لقد تزوجنا لأنني أريد زوجاً وأنت تريد المال وهناك انجذاب قوي بيننا. "
هز رأسه موافقاً وقال: " هذا كل ما في الأمر."
تذكرت أن تشارلز أخبرها أنها كانت تفكر بإنجاب الأطفال، وتساءلت ماذا كان شعور جوناه بذلك. سألته:" وكيف كان زواجنا؟ "
قال بقسوة: " من الواضح أنه لم يكن ناجحاً وإلا لما كنت تعانين من كل هذه المشاكل لتتذكري. لكن أنا أيضاً لا أومن بالحب الأبدي للزواج. " قال ذلك وعاد إلى الداخل، وبقيت بمفردها تفكر على الشرفة.
أصبح واضحاً لديها الآن أن فقدان ذاكرتها أقنعه أنها لم تكن سعيدة باتفاقهما. وهذا يفسر موقفه البارد نحوها. كانت تشعر بقسوة كبيرة تدفعها للحاق به. لكن ما الذي ستقوله له؟ والحقيقة أنه قد يكون سبب فقدان ذاكرتها عاطفياً وقد حدث لها لأنها تريد التخلص من هذا الزواج. ربما بعدما تحدثت مع تشارلز حدث شيء ما جعلها تبدل رأيها. بدأ رأسها يضج فتنهدت بإحباط. ودخلت إلى غرفتها لتنام.
......................
استلقت إلويز تحدق بالسماء من النافذة، فعندما عادت إلى سريرها ليلة البارحة، نامت على الفور، وعندما نهضت منذ نصف ساعة لم تكن الساعة قد جاوزت الرابعة صباحاً، حاولت أن تنام ثانية ولم تنجح بذلك. إذ بقي حديثها مع جوناه يدور ويجول في رأسها.
نهضت وقد تخلت عن فكرة النوم ثانية، ارتدت بنطالاً من الجينز وقميصاً قطنية ونزلت إلى الطابق الأرضي. عندما دخلت إلى المطبخ وجدت عمتها هناك تحل لغر كلمات متقاطعة من جريدة الأمس.
اعترفت بسرها أن عمتها تجعلها تشعر بالرهبة قليلاً. لكن أية صحبة غير جوناه أفضل من البقاء لوحدها مع أفكارها.
ابتسمت سارة لها تحييها، قالت: " أرى أنك مازلت معتادة على النهوض على أوقات المستشفى. أتمنى في اليومين القادمين أن نعود كلانا للنهوض على الأوقات العادية."
تذكرت أنها لم تشكر عمتها على سفرها من أستراليا للقدوم إليها. قالت: " أقدر كثيراً قدومك للبقاء معي. "
أجابت سارة: " منذ تقاعدي من التمريض في الجيش وأنا أحاول أن أبقي معظم أوقاتي لعائلتي، لكن بالطبع مازلت أقوم ببعض التمريض في بعض الحالات الخاصة."
لمعت عيناها بفرح وهي تتابع: " لقد أصبحت مشهورة بتمريض الممثلين ومخرجي السينما." وابتسمت لابنة أخيها ابتسامة كبيرة وهي تتابع: " لكنني كنت أتيت إليك مهما كانت ظروفي."
شعرت وللمرة الأولى منذ أن صحت من فقدانها للوعي بأن هناك من يحبها حقاً. سارت تحو عمتها الرشيقة ضمتها إليها وقالت بامتنان: " شكراً لك."
غمرتها سارة بعطف وبعد قليل عادت إلى لهجتها المسيطرة، وقالت: " أعلم أنك تشعرين بالقلق والخوف الآن، وهذا طبيعي جداً. لكنك ستصبحين بألف خير."
شعرت إلويز وكأنها تلقت أمراً أكثر من مجاملة فحاولت أن لا تؤدي التحية العسكرية وهي تقول: " نعم سيدتي." وتابعت سيرها نحو وعاء القهوة.


جلست على أريكة مواجهة للنافذة بعد أن سكبت لنفسها فنجاناً من القهوة. رأت سلة كبيرة تحتوي على خيوط للغزل بقرب المقعد. نظرت بتعمد إلى السلة فرأت صنانير للحكاية في جانب من السلة. ومن الجانب الآخر عدة كتب لرسمات من الكروشيه. إحساس كبير من الألفة سيطر عليها وجعلها تقتنع أن هذه السلة وما في داخلها يعود لها وحدها.
مدت يدها ورفعت إحدى الشلل لتجد أنها معلقة بجورب محبوك للأطفال. لم تكن تعلم لماذا لكنها بسرعة أعادت الخيطان مكانها لتخفي جيداً الجورب الصغير.
تأوهت بعذاب لعدم قدرتها على التذكر، وأخذت ترشف قهوتها على مهل وتفكر.
" يبدو وكأنك مشغولة البال كثيراً."
رفعت إلويز نظرها لتجد عمتها تنظر إليها بحنان، قالت: " لقد اشتريت لنفسي زوجاً و الآن لا أستطيع التذكر إن كنت سعيدة أم لا." تجهم وجهها وهي تفكر، كيف تمكنت من التفوه بما قالته. لكن كل شخص في البلدة يفترض أن زواجها قائم بسبب أموالها.
سألتها سارة: " وكيف يمكن أن تتأكدي من أن جوناه تزوج بك من أجل مالك؟"
" لقد سألته لماذا تزوجنا وأجابني هو نفسه." بدا التفكير واضحاً على عمتها وهي تقول: " لا يبدو لي مطلقاً أن جوناه من نوع الرجال الذي يمكن لأحد أن يشتريهم."
قالت إلويز تشرح لها: " لقد كان عقد تبادل مصالح، لقد تمكن من إعادة عمله وأنا حصلت على زوج. ومهما يكن، إنه يدفع لي كل المال الذي أعطيته له." قالت سارة مستوضحة: " إذاً ما حصل عليه بالفعل هو قرض ليتزوج بك."
هزت إلويز رأسها موافقة: " ليس هذا هو العرض الذي قدمته له لكن هذا ما قبل به."
أعادت سارة كلمات ابنة أخيها وهي تنظر إليها باستفهام: " وأنت حصلت على زوج، هل لديك فكرة لماذا أردت الحصول على زوج لدرجة أنك كنت مستعدة لعقد اتفاق لذلك؟ "
" قال لي جوناه أنني قلت له أريد الزواج قبل أن أبلغ الثلاثين من عمري وأنه ليس لدي أي صديق خاص. وادعى أنني كنت أشعر بالإحباط لأنني لم أكن متأكدة إن كان من يتودد إلي راغباً بي أم بمالي لذلك قررت أن أحسم الموضوع بنفسي."
هزت سارة رأسها ببطء وقالت: " ما قاله عن معرفة الرجل إن كان يتودد إليك من أجل ذاتك أو من أجل مالك، وإحساسك بالإحباط لذلك، أمر طبيعي جداً. وأنك ترغبين بالزواج قبل أن تبلغي الثلاثين من عمرك يبدو مناسباً جداً لشخصيتك. فأنت كنت دائماً تخططين لبناء حياتك، لكنني لم أعتقد يوماً أنك جريئة وصارمة هكذا." لمعت عينا عمتها من الاهتمام وتابعت: " هل ذكر لك لماذا اخترته؟"
ابتسمت إلويز وقالت: " قال لأنني أردت أن أعطي نفسي وأعطي أمي عذراً لتلغيني من لائحة مدعويها." حدقت سارة بها غير مصدقة: " هذا ما لا أصدقه مطلقاً. فلم يكن لديك أية مشكلة في معارضتك لأمك. كما وأنه من الأسهل لك أن تشتكي من صداع أليم بدلاً من أن تشتري زوجاً."
ظهر إحساس قوي على وجه إلويز وقالت: " لقد ذكر أن تبادلنا قبلة مرة. ويبدو أنه بيننا انجذاب قوي." ابتسمت سارة وقالت: " والآن هذا يبدو كلاماً منطقياً أكثر من كل ما قلته لي حتى الآن."
أضافت إلويز: " ولدي إحساس أن تصرفاته الباردة نحوي بسبب أنه يعتقد أنني فقدت ذاكرتي لأنني أريد أن أنسى أن زواجنا قد حدث يوماً." هزت سارة رأسها موافقة وقالت: " هذا محتمل جداً. لم أتعرف إليه منذ فترة بعيدة لكنني متأكدة أنه رجل لديه كبرياء واحترام لنفسه كبيرين جداً."
تنهدت إلويز بتعب وقالت: " المشكلة أنه قد يكون على حق. فأنا لا أعرف."
قالت سارة بتعاطف: " لقد أوقعت نفسك في ورطة." ضغطت إلويز على عينيها بقوة وقالت وهي تشد على أسنانها: " أتمنى لو أستطيع التذكر."


قالت سارة محذرة: " لن تحصدي من كل هذا إلا الصداع المرير."
علمت إلويز أن عمتها محقة بشأن الصداع فتنهدت وفتحت عينيها. نظرت من النافذة ورأت الشمس تشرق. ملأت ابتسامة جوناه فكرها وشعرت بمزيج من الغضب والإحباط يسيطران عليها، تمنت بحزن شديد: " أتمنى ققط أن أتذكر كل شيء قريباً."
.......................
قالت سارة وهي تضع الفطور أمام جوناه: " يمكنك أن تحصل على النحل مع العسل أكثر منه مع الخل."
أجاب بجدية: " هل هذا تحذير؟ من الأفضل لي أن آكل البان كيك بدون أي تعليق مهما كنت قد وضعت فيه؟"
قالت وهي ترمقه بتحد: " ليس هناك من شيء غريب تتوقعه إلا بعض العليق الأسود الذي وجدته على سياج المخزن. وكنت فقط أعطي ملاحظة عامة عن أي تصرف."
قاطعتهما إلويز: " ربما جوناه غير مهتم مطلقاً بالحصول على النحل." تساءلت ما الذي دفعها لقول ذلك. هل عقلها الباطني يحاول أن يخبرها شيئاً ما؟ أجاب بهجة جعلها تدرك أن افتراضها صحيح: " لا أتمتع أبداً بالعرض للعقص."هزت سارة رأسها وقالت: " فقط من المخلوقات الحية التي عرفتها والتي لا تؤمن بالتعاطف هو كلب قديم
تعرض لعذاب من عصابة فرفض أن يدع أحداً يقترب منه خوفاً من أن يتأذى ثانية."
تفاجأت إلويز بتحليل سارة غير المتوقع. ولكن الذي أثر فيها فعلا آثار الارتباك التي ظهرت بوضوح على ملامح جوناه. تذكرت ما الذي تعرفه عن ماضيه وحقيقة زواجه منها فعلمت أن تصرفاته الباردة نحوها قد تكون ببساطة تصرفات طبيعية. وإن كان الأمر كذلك، فلا بد أن الوضع كان بالتحديد...أنها هي التي تريد الأطفال، بينما هو لا يهتم للأمر. لكنها تساءلت ولماذا ذكرته بوصيتها؟
تأوهت بضيق، كل مرة تعتقد أنها بدأت تفهم، تجد نفسها تطرح المزيد والمزيد من الأسئلة وتضيع في مزيد من المتاهات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 8:39 am

الفصل الخامس





أوقفت سارة السيارة في موقف كبير أمام مبنيين كبيرين. في وسط الموقف كان هناك حديقة أزهار دائرية الشكل وفي الوسط المرجة إشارة خشبية كتب عليها: شركة طومبسون واورمين للمحاسبة العامة. قالت ما إن أمسكت إلويز مكسة الباب: " والآن، تذكري أنك لست هنا لكي تعملي. لقد كان الطبيب صارماً جداً عندما قال أنك بحاجة لأسبوعين على الأقل للراحة وللشفاء التام."
أجابت إلويز: " أتذكر ذلك." فلقد كانت قلقة جداً لتجلس في المنزل طوال النهار. وعندما قالت سارة أنها بحاجة للذهاب إلى البلدة لتحضر بعض الأغراض، أصرت إلويز على القدوم معها. لكن بدلا من الذهاب معها إلى المتجر، طلبت منها أن توصلها إلى مكتبها.
كان عليهما البحث عن العنوان لكن هونسبرغ بلدة صغيرة كما أن شركة طومبسون واورمين ليست صغيرة وعادية جداً وليس من الصعب الوصول إليها.
قالت سارة ما إن خرجت إلويز من السيارة: " سأعود بأسرع ما يمكنني."
أجابت إلويز: " لا تستعجلي." لوحت لعمتها سارة عبر الممر المحاط بالزهور.
سيطر عليها إحساس عام بالألفة لكنها لم تستطع تحديد أي ذكرى لكل ما تراه.
نهضت ماري هواي عن مكتبها وقالت وهي متفاجئة من رؤية إلويز: " سيدة تافش."
ابتسمت ابتسامة كبيرة وهي تتابع: " أمر رائع أنك بخير وهنا."
ابتسمت إلويز وقالت: " شكراً لك. "
سمع صوت بول طومبسون من إحدى الغرف المغلقة يقول: " هل هذا صوت إلويز؟ "
قالت ما إن رأته يقترب منها ليستقبلها: " اعتقدت أنه من الأفضل أن آتي لأرى إن كنت أستطيع تذكر أي شيء."
قال وعلى وجهه حنان أبوي: " وهل حدث ذلك؟"
نظرت إلويز إلى كل ما حولها ببطء شديد وأجابت وهي تتنهد بخيبة أمل: " ’لا، في الحقيقة. "
قال بول يذكرها: " حسناً، لا تنسي أنك تعرضت لضربة قوبة على رأسك."
قاطعتهما ماري: " كنت أعلم أن عليك البقاء بعيداً عن كل تلك الدراجات البخارية. فقد تعرض ابن عمي لقطع ساقه بسببها."
قالت إلويز موافقة: " اعتقد إنك على حق." وتفاجأت من الإحساس الكبير بالرفض في داخلها، لا بد أنها كانت سعيدة وهي تقود الدراجة. وهذا الجزء منها أقنعها بالزواج من جوناه تافش. قررت أنها في المستقبل عليها أن تدير أذن صماء لاقتراحات هذا الجزء من شخصيتها.
أعادت إلويز انتباهها لبول، فهي لا تريد التفكير بتصرفاتها الغبية، قالت: " كنت أتساءل إذا كنت أستطيع رؤية مكتبي."
" بالطبع." ووضع يده برفق على ظهرها وقادها عبر القاعة، قال بصوت أبوي: " لكن لا أتوقع منك القيام بأي عمل. اتصل بي الطبيب غرين وأمرني أن لا أسمح لك بالعودة إلى العمل قريباً. لقد استخدمت هنري بارسل لوقت محدد وهو يقوم بعملك حتى يأمر الطبيب أنك تستطيعين معاودة عملك." وقفت أمام الباب الذي يحمل اسمها على لوحة خشبية ناعمة، فتح الباب لها وعاد إلى الوراء لتتمكن من الدخول.
دخلت وأخذت تنظر بإمعان وهدوء إلى كل ما في الغرفة علّ شيئاً ما يوقظ ذكرى في مخيلتها. كانت الغرفة كبيرة وثلاث مكاتب كبيرة تغطي الجدران الثلاثة. أما الجدار الرابع فلقد كان نافذة كبيرة تملأ الغرفة بالنور والحرارة. وعلى جانب من الغرفة كان هناك مكتب كبير أمام كرسيين. ومن الجهة المقابلة كان هناك طاولة تحيط بها مقاعد مريحة جداً.
شعرت بإحساس قوي من الانتماء إلى كل ما حولها ولكن لا شيء غير ذلك.
أغلق بول الباب ووقف ينظر إليها، وبدا الاهتمام والحنان الأبوي على وجهه أكثر. سأل فجأة بوضوح كامل: " هل جوناه يعاملك معاملة حسنة؟ " تفاجأت إلويز من القلق في صوته بدا وكأنه يتوقع أن يسيء جوناه معاملتها.
أجابت: " إنه يعاملني بطريقة مثالية."
ظهر الإحراج على وجه بول وقال بسرعة: " لم أقصد أن أوحي لك أنه لم يكن يعاملك بطريقة جيدة، لكن الحقيقة أنني لا أثق به أبداً."
شعرت إلويز بالتوتر فجأة وقالت: " قد لا يكون جوناه شخصاً اجتماعياً، لكنه رجل شريف وصادق." ودهشت كيف اندفعت بسرعة لتدافع عن زوجها.
قال بول باستسلام: " اعترف أنه يبدو كذلك، وأعلم أنك فكرت دائما أنني غير راض عن اختيارك لجوناه تافش لأنني أردتك أن تتزوجي من ابني." تابع وقد أصبح صوته أكثر حناناً: " لكن الحقيقة، كنت دائماً أفكر أنك تستحقين شخصاً أفضل."
اعترفت إلويز: " ربما."
ابتسم بول براحة وكأنه شعر أنها أخيراً عادت إلى رشدها.
مرة ثانية أحست إلويز بضيق شديد، قالت: " اعتقد، أحب أن أبقى بمفردي لفترة."
" نعم ، بالطبع. " ابتسم لها بول مشجعاً وسار نحو الباب وهو يتابع: " إذا أردت أي شيء فقط أخبريني أو اتصلي بماري."
قالت إلويز: " شكراً لك." وشعرت براحة قصوى ما إن أغلق الباب وراءه.
بقيت بمفردها وأخذت تتجول في الغرفة ببطء شديد. مررت يدها على بعض الكتب على الرفوف. وصلت إلى الطاولة ورأت نفسها تبتسم وهي تلمس الزجاج الذي يغطي صورة مهرج في وسطها. أراحت يدها على ظهر إحدى المقاعد وأحست بالراحة من لمستها.
اعترفت أن الغرفة تشعرها بالراحة، وهذا المكان بالتأكيد عالمها. فتحت الجوارير وأخذت تنظر إلى محتوياتها. عاودها القلق بصورة أكبر.
نهضت من مقعدها وسارت نحو مكتبة الحائط، أمسكت بمغلف وعادت إلى مكانها وأخذت تقلب أوراقه. إحساس بالراحة ملأها. إنها تفهم كل محتوياته وتعلم أن بإمكانها العمل به.
عاودها الإحباط وهي تفكر بصوت عال: " أتذكر كيف أقوم بعملي، كيف أقرأ وأطبخ، حتى أنني أتذكر قيادة السيارة." وتذكرت أنها راقبت عمتها تقود السيارة نحو البلدة وعلمت أن بإمكانها القيام بذلك بنفسها: " لكنني لا أتذكر شيئاً عن حياتي الخاصة."
قطع تفكيرها طرقة خفيفة على الباب. وقبل أن تجيب، فتح الباب ودخل شاب وسيم جداً يرتدي بدلة أنيقة. كان ذقنه حليقاً وشعره أشقر صفف على طراز تقليدي وعيناه زرقاوين. قال وهو يغلق الباب ويسير نحوها: " قال لي أبي أنك هنا، ويسعدني جداً أن أراك بخير. "
قالت: " مارك؟ " وعلى الفور أخذت تقارنه بجوناه. لم يكن طويلاً كزوجها لكنه يبدو أكثر وسامة منه من الناحية التقليدية. ومع ذلك، لم تشعر بأي إحساس من الانجذاب نحوه.
الحماس جعل عينيه أكثر زرقة وهو يقول: " هل تذكرينني؟ "
نظرت إليه إلويز للحظة طويلة، باحثة عن أي من الذكريات. لكنها لم تجد شيئاً قالت: " لا، قال لي جوناه أنني كنت مخطوبة لابن بول. كما وأنه ذكر اسمك."
قال غاضباً: " هل اعترفت أنك تزوجت به كرد فعل؟ " مرة ثانية شعرت بالتوتر يسيطر عليها، قالت: " قال أنني قلت أن زواجي منه ليس كرد فعل لصدمة ما ولقد صدقني."
قال بغضب أكبر: " إنه مستعد ليصدق أي شيء ليتمكن من وضع يديه على مالك."
نظرت إليه بقوة، فهي ليس بوضع لتخفي قول الحقيقة: " قال لي أنني اكتشفت أنك مهتم فقط بأموالي."
اقترب من مكتبها ونظر إليها وتعابير من الحزن والأسف تغطي وجهه: " كان هذا سوء تفاهم. فأنا أحببتك ومازلت أحبك. كنت أرغب في قتل تافش لأنه سبب لك هذا الحادث. كان من الممكن أن تقتلي."
ظهر الغضب والصدق على وجهه بينما كان ينظر إليها بحب صادق. هل كانت مخطئة بشأنه؟ تساءلت وإن كان هو مهتم بها كاهتمامه بأموالها ألم تتزوج من رجل وهي تعلم أنه مهتم فقط بأموالها؟ شعرت بالصدمة أنها قد تكون اقترفت غلطة كبرى باختيارها لزوجها.
استدار من وراء مكتبها وأمسك بوجهها بين يديه. قال: " أعلم أنني كنت أتكلم كثيراً عن أموالك لأنني مستشار لاستثمار الأموال. وإدارة الأموال هو عملي. وهو يثير حماسي جداً. فلو كنت طياراً لكنت تحدثت عن الطيران طوال الوقت. الرجال يفعلون ذلك، دائماً يتحدثون عن أعمالهم."
اعترفت إلويز، هناك منطق فيما يقوله. جلست من دون حراك، تفكر به، محاولة أ، تجد أي رابط مع هذا لرجل الذي يبدو كزوج كان يجب أن تختاره. لكن لمسته أشعرتها ببرودة. وحتى عينيه الزرقاويتين لا تشعرانها بأي دفء.
قال: "أعرفك، وربما أكثر مما تعرفين نفسك. كنت تكرهين دائماً الاعتراف بارتكابك أي خطأ في حياتك الخاصة. لكنك فعلت ذلك عندما تزوجت تافش. فقط عليك الاعتراف بذلك." تابع وهو يقترب منها أكثر: " ذاكرتك ستعود إليك وعندما ستعرفين أنه يجب أن نكون أنا وأنت معاً."
رأت وجهه يقترب منها وعلمت أنه يريد تقبيلها. فجأة لمع خيال جوناه في فكرها فأبعدت وجهها عن لمسته، قالت: " قد أكون ارتكبت خطأ لكنني مازلت امرأة متزوجة وأنا لا أقوم بعمل يسيء إلى قسمي بالإخلاص." وتابعت بلهجة آمرة: " واعتقد أنه عليك المغادرة الآن."
للحظة، بدا التردد عليه وكأنه يفكر في خيار آخر، بعدها وقف ببطء وهو يقول: " لقد كنت دائما شريفة ومع أنني لا أعتقد أن تافش يستحق ولاءك، لكن هذا يزيد من إعجابي بك." مرر إصبعه على خدها وتابع: " فقط تذكري، أنني سأكون دائماً
بانتظارك."
"أما الآن، فهي بحاجة للذهاب إلى المنزل قبل أن تذوب البوظة التي اشتريتها."
استدارت إلويز لترى عمتها واقفة أمام باب مكتبها. نظرت إلى مارك فرأت نظرة القلق في عينيه، لكن ما إن استدار لمواجهة عمتها حتى ظهرت ابتسامة على وجهه، قال: " آنسة اورمان." اقترب منها ليصافحها وتابع: " تبدين جميلة كالعادة."
ضحكت سارة من الفرح وأجابت: " وأنت متملق كالعادة ولكن ما من امرأة تنزعج إن سمعت كلاماً جميلاً عنها. وأنا أومن بشدة أن المرء بحاجة لسماع كلمات المديح بين فترة وأخرى."
أصبحت ابتسامة مارك أكثر حرارة ونظر إلى عمتها بصداقة قائلاً: " إنني سعيد لأنك أتيت للاهتمام بإلويز. وأنا أعرف أنك ستبقينها تحت المراقبة حتى الشفاء التام."
فكرت إلويز أن عمتها سعيدة جداً بإطرائه. قالت تذكر عمتها وهي تنهض عن مكتبها وتسير خارجة: " لابد أن البوظة ستذوب إن لم نذهب الآن." استدار مارك نحوها وقال:" تذكري أن بإمكانك الاعتماد علي إن كنت بحاجة لأي شيء."
نظر إلى سارة وأضاف: " وأنت أيضاً تذكري ذلك." أجابت سارة وهي تبتسم: " كم أنت لطيف."
بعد عدة دقائق وبينما كانت سارة تقود السيارة على الطريق العام، كانت لا تزال تبتسم، قالت:" ذلك الرجل يستطيع أن يبعد النحل عن الرحيق."
سألت إلويز: " هل حقاً يعجبك؟ " وتساءلت مرة ثانية إن كانت قد أخطأت بتخيلها عنه.
" استمتع برؤيته. فهو يعلم كيف يجعل المرأة مرغوبة وسعيدة. كما لا أعتقد أنني قد رأيت يوماً رجلاً أكثر وسامة." ضحكت وتابعت: " لكنني لست متأكدة إن كنت أستطيع أن أثق به. إنه دائماً يجعلني أفكر أنه مميز جداً ليكون صادقاً أو حقيقياً."
فكرت إلويز بصوت عال: " لكن إن كان حقاً صادقاً بمشاعره نحوي، فلا بد أنه الزوج المثالي"
نظرت سارة إليها ببساطة نظرة مشككة وقالت: " لا أحد كامل، عليك ببساطة أن تقرري أي حياة تفضلين وتختاري الأفضل بالنسبة لرأيك فقط."
يبدو أنها اختارت رجلاً لا صفات مثالية لديه. وهو لا يؤمن بأن الزواج أمر محتم ودائم و بالأخص أنه يعاملها بعدم الاهتمام. وفي الحقيقة الشيء الوحيد الذي تعتبره لصالحه أنها تشعر بشوق كبير إليه حتى عندما تسمع صوته. وهذا ضعف خطير من جانبها وليس نقطة لصالحها. مع ذلك ما زال الفضول حوله ينمو أكثر وأكثر في داخلها، قالت: " هل يمكن القيادة إلى محطة جوناه؟ اعتقد أنها على الشارع العام. وأنا أود أن أرى المكان."
هزت سارة رأسها واستدارت بالسيارة لتأخذ طريقاً جديداً، قالت: " لقد أعطاني كافة التعليمات للوصول إلى هناك في حال احتجنا للوقود أو إن تعرضنا لأي حالة طارئة أثناء وجودنا في البلدة."
كانا في ضواحي البلدة عندما استدارت سارة وعادت إلى الشارع العام الذي يقود إلى محطة الوقود. والتي كانت عبارة عن أربعة أجهزة لبيع الوقود صفت أمام مبنى جديد. جزء من المبنى مجرد مكتب صغير حيث يدخل الزبائن لدفع ثمن الوقود.
وقد ملأت جدرانه بمعدات للسيارات. أما القسم الأكبر من المبنى فلقد زود بثلاث أقسام لتصليح السيارات. بدت السيارات وكأنها قد رتبت بانتظار تصليحها. ومن الواضح أن القسم الأكبر من عمل جوناه هو تصليح السيارات. تذكرت، لقد قالت لها أوليفيا أنه تعلم مهنته من أفضل ميكانيكي في المنطقة.
قالت سارة وهي تقترب من إحدى مضخات الوقود: " سأملأ السيارة بالوقود طالما نحن هنا."
قالت إلويز بدون تفكير: " طبعا." وهي تتابع تأملها للمكان.
ابتسم شاب مراهق شعره اسود وقال وهو يقترب من السيارة: " سيدة تافش، إنه أمر رائع أن أراك خرجت من المستشفى. لقد سببت لنا الخوف الشديد. لم أر يوماً جوناه خائفاً هكذا من قبل لقد أصبح شاحباً كورقة بيضاء عندما تعرضت لذلك الحادث."
استعادت إلويز نظرة الاهتمام التي رأتها على وجه زوجها عندما استفاقت للمرة الأولى في المستشفى. وفكرت أنه ربما يهتم لها وليس كما يدعي أو يبدو عليه.
شعرت بالفرح في أعماقها. لكنها قالت لنفسها، لا بد أنها أكبر مغفلة في العالم لأنها تهتم بنا يفكر به. ابتسمت للشاب النحيل وقالت وهي تقرأ اسمه على قميصه: " تسعدني رؤيتك، دان."
اختفت ابتسامة الشاب وقال: " أنا طومي، طومي دون. لقد أخذت قميص دان لأن مقاسنا متشابه كما وأنه لا وقت لدي لأنزع الاسم." ظهر القلق على وجهه وهو يتابع: " لقد سمعت أنك تعانين من مشاكل تذكر أي شيء."
قالت سارة بحدة: " إنها حالة مؤقتة." وسحبت الخرطوم من مضخة الوقود.
أجاب طومي وهو يبتسم ابتسامة مشجعة لإلويز: "نعم، بالطبع. جوناه ليس هنا. اضطر للذهاب إلى منزل السيدة ليستر، اتصلت وقالت أن محرك سيارتها لا يعمل." ابتسم ابتسامة كبيرة وهو يتابع: " اعتقد أنها ملأت المحرك بالوقود. لكنها تنزعج كثيراً إن حاولنا أن نخبرها بذلك بل علينا الذهاب و التأكد من الأمر. كما وأنها تحضر لنا بعض الحلوى المنزلية في اليوم التالي. وأنها تضع أفضل زبدة فستق تذوقتها في حياتي."
لمعت عيناه بفكرة جديدة، قال: " ما رأيك لو قمت بجولة في المكان، ربما شيء ما يوقظ ذاكرتك؟ " قالت إلويز وهي تخرج من السيارة: " يسعدني ذلك." مرة ثانية قالت لنفسها أنها تلعب دور الحمقاء لأنها تريد أن تعرف كل ما تستطيعه عن جوناه. لكنها قالت، أنها زوجها، على الأقل حتى الآن.
قالت سارة: " هيا اذهبا. سأنقل السيارة على الجهة الأخرى وأنتظركما."
وبدون أن تشعر لوحت إلويز لعمتها وتبعت الشاب إلى القسم الصغير من المبنى، كل شيء كان مرتباً ونظيفاً.
أشار طومي نحو الرفوف المعلقة على الحائط: " لدينا معدات كثيرة هنا. وعمل جوناه الأساسي هو تصليح السيارات." تابع ونظرة من الإعجاب القوي ظهرت على وجهه: " إنه أفضل ميكانيكي على بعد مئات الأميال وربما أكثر."
تفاجأت إلويز من الحماس الذي ظهره الشاب في جعل جوناه بطل. فلقد كان لديها انطباع أن زوجها لا يقيم أي نوع من الصداقة.
أشار طومي إليها كي تتبعه عبر الباب من الجهة اليمنى وهو يقول: " المكان المخصص لتصليح السيارات من هنا. عندما أعاد جوناه بناءه وضع ثلاث فسحات لذلك." قال وهو يسير في ذلك القسم وقد ظهر القلق على وجهه: " أنت حقاً لا تتذكرين شياٌ من كل هذا؟ " أجابت: " مطلقاً."
قال بلهجة حازمة: " كما قالت المرأة التي بصحبتك ستتذكرين قريباً."
تمنت إلويز أن يكون محقاً. بدا لها إعادة أحداث حياتها أمراً يزداد صعوبة يوماً بعد يوم. قالت: " هذه المرأة هي عمتي." وخرجت من ذلك القسم إلى ما وراء الكاراج.
" آه. نعم. جوناه ذكر أن عمتك ستأتي للبقاء عندكم لفترة." أشار بيده وتابع: " هذه هي خردة السيارات المستعملة، نحن نسميها كذلك بسبب وفرتها."
لاحظت إلويز هياكل الشاحنات والدراجات وكذلك هياكل السيارات القديمة. لفت انتباهها امتداد للمبنى الأساسي لم يكن ظاهراً من الواجهة الأمامية، قالت: " لم أعلم أن مساحة المكان بهذا الاتساع."
نظر طومي إلى المكان الذي تقصده وقال: " إنه ليس واسعاً، بل مجرد شقة ذات غرفة نوم واحدة. ويدعني جوناه أعيش فيها مجاناً لأوفر المال لدراستي الجامعية، فوالدي رجل شرير."
اختفت ابتسامة الشاب وبدأ التوتر على وجهه وهو يتابع: " لا يسمح له جوناه بالاقتراب من هنا." رفع كتفيه باعتزاز وتابع: " لكنني لا أقبل الإحسان فأنا أحرس المكان وكأنني حارس ليلي." لاحظت إلويز أن الشاب الصغير يعرج قليلاً وتساءلت إن كان والده وراء ذلك، قالت: " أنا متأكدة أنه أمر مريح لي ولجوناه أنك معنا هنا."
عادت ابتسامة الشاب وقال: " لقد كنتما دائماً جيدين معي. وأنا أقدر ذلك." ابتسمت إلويز لكن في أعماقها شعرت بضيق. لقد قال لها جوناه أنه لا هو ولا هي توفعا أن يتسمر زواجهما. كانت متأكدة أنه بنى هذه الشقة له ليستعملها يوماً ما.
أعادت انتباهها للسيارات القديمة في المستودع الخارجي. لفت انتباهها دراجة سوداء ولها خط أحمر. كان مخفف الصدمة من الوراء مصاباً وهناك آثار خدوش في الطلاء كذلك الدولاب الخلفي ممزق. شعرت بانجذاب نحوها قوي كقوة المغنطيس على الرغم من شكلها المزري.
قال طومي: وهو يتبعها: " قال جوناه أن أعرضها للبيع."
تمتمت: " إنها دراجتي." ومررت يدها على المقعد. حدق بها وقال: " هل تذكرينها؟ "
تفاجأت إلويز تماماً مثله. لم تتذكر أي شيء حقيقي. و إدراك أنها دراجتها قد حصل بفعل عقلها اللاوعي.
أجابت : " لا، فقط شعرت بأنها مألوفة لدي." استدارت نحو الشاب وقالت: " مازلت أريدها."
" بالتأكيد " وعلى الفور نزع إشارة للبيع عنها.
قالت: " هل تطلب من جوناه أن يأخذها معه إلى المزرعة؟"
" نعم سيدتي." وعادت نظرة الاهتمام إلى وجهه وهو يقول: " لكن ستكونين أكثر حذراً، أليس كذلك؟ لقد أثرت خوفي كثيراً، أنا أيضاً."
أجابت: " أعدك." وأحست بفرح غير متوقع عندما أعلن الشاب أنه كان خائفاً عليها أيضاً. لسبب ما، أدركت، أن طومي كان مهماً بالنسبة لها.
هز رأسه وابتسم لها، بعدها مسح نقطة من التعرق عن جبهته بكم قميصه، وقال: " من الأفضل أن نعود إلى عمتك. فالطقس يزداد حرارة ومن المحتمل أنه لا يناسبك البقاء تحت الشمس لمدة طويلة."
دارا حول المبنى، ووجدا أن سارة تقف بظل شجرة بانتظارهما. سألت متأملة: " هل صادفت شيئاً أوقظ ذاكرتك؟"
أجابت إلويز: " لا، في الحقيقة لا شيء."
قال طومي: " لقد تذكرت دراجتها."
تجهم وجه سارة وقالت: " لقد اعتقدت أن تلك الدراجة ستكون آخر ما تتذكرينه."
شرحت إلويز: " أنا لم أتذكرها بالتحديد، فقط أحسست بنوع من الألفة نحوها."
علقت سارة وهي تنظر إليها مفكرة: " لو شعرت بكره شديد نحوها لكانت ردة فعلك طبيعية أكثر." عادت شخصيتها العملية إلى الظهور وهي تنظر إلى السيارة وتقول: " أتمنى أنك تحبين بوظة الشوكولاتة الذائبة."
قالت إلويز وهي تتبع عمتها بسرعة: " البوظة! إنني آسفة." أ
خذت سارة علبة البوظة من أحد الأكياس الورقية وقالت: " هذا الشاب سيتمتع بها أكثر منا، بكل الأحوال." وقدمتها له.
قال وهو يبتسم: " إنها المفضلة لدي."
بعد مرور عدة دقائق وبينما كانت سارة تقود خارج البلدة نظرت إلى ابنة أخيها وقالت: " إذاً شعرت بأن الدراجة مألوفة لديك؟"
أجابت: " نعم."
قالت سارة بحزم: " أتمنى أنك لا تفكرين بإعادة ذلك الحادث الذي سبب لك فقدان الذاكرة، أعلم أن هناك عدداً كبيراً من الناس يحاولون تتبع ما حدث ليتذكروا ما فقدوه. لكن في هذه الحالة، لا أعتقد أنها طريقة مستحبة."
ضحكت إلويز: " لا، أنا لا أفكر أو أخطط لإعادة الحادث أو حتى القيام بشيء مماثل."
أجابت سارة: " أشعر بالراحة لسماعي بذلك."
ما إن ساد صمت مريح بينهما حتى أخذت إلويز تحدق بالمناظر المترامية أمامها. هي لم تفهم حقاً لما قالت أنها تريد الدراجة. فلا فكرة لديها ماذا ستفعل. فالاحتفاظ بها سيفقدها قوتها تماماً كاستمرارها بالاهتمام بجوناه. قالت لنفسها: نسيان كل ما يتعلق بهما هو العمل الأفضل لها. عندما ستصل إلى المنزل ستتصل بطومي لتقول له أن يعيد إشارة للبيع على الدراجة. لكن عندما وصلت إلى البيت، لم تتصل به، بل على العكس وجدت نفسها تحاكم ذاتها بأن الدراجة أعطتها إحساساً بالمعرفة، وربما إن أصبحت بقربها قد توقظ فيها شيئاً من الذكريات.
.................................................. ..............................................
وقفت إلويز تحدق بالصناديق المليئة بأجزاء الدراجة في شاحنة جوناه، الصدام والرفراف الأسود قد وضعا على قمة الصناديق. قالت بضيق، محاولة أن تخترق الصمت بينهما: " لا أتذكر أنني رأيت دراجتي على هذا الشكل في الصباح."
أجاب وهو يقف داخل الشاحنة وينظر إليها بحزن: " لقد مرّ وقت طويل قبل أن يتغير طومي ويبدأ بالوثوق بالناش. وهو يجبك كثيراً. وبعد أن غادرت قلق كثيراً أن تتعرضي للأذى مرة ثانية. فوعدته أنني سأتأكد أنه لن يحدث ذلك."
الآن فهمت لما شعرت بردة فعل قوية تجاه الولد وفهمت لا بد أنها تحبه كثيراً هي أيضاً. مع ذلك لا يمكن أن تصدق أن جوناه قد يبالغ هكذا بتصرفه. قالت بغضب: " ولهذا خربت دراجتي؟"
أجاب: " تصورت أن وضع دراجة تعمل بين يديك كمن يعطي طفلاً مسدساً محشواً بالرصاص."
رفع كتفيه ونظر إليها وهو يتابع: " سآخذها إلى المستودع في طريقي إلى الكاراج غداً."
أثار غضبها أنه قارنها بالطفل فقالت بسرعة: " لن تفعل ذلك، فأنا مازلت أريدها."
للحظة بدا وكأنه سيعارضها، بعدها رفع كتفيه بلا مبالاة وقال: " هذا خيارك."
راقبته وهو ينزل الصناديق ويضعهم على المدخل، تساءلت إن كانت ستفقد عقلها تماماً كما فقدت ذاكرتها. حتى أنها لا تعرف ما الذي ستفعله بهذه الدراجة المفككة.
أعادت انتباهها لجوناه. يبدو أنها تقوم بخيارات غريبة منذ حوالي سنة أو أكثر.
عادت إلى المدخل، وكادت أن تصطدم بسارة. قالت سارة: " كنت قادمة لأقول لك ولجوناه أن العشاء جاهز." نظرت عمتها إليها وقد ضاقت نظرة عينيها: " ما الأمر."
أشارت إلويز برأسها نحو الباب الرئيسي للمنزل وقالت: " أحضر جوناه دراجتي...في عدة صناديق." سارت سارة نحو الباب ونظرت إلى الخارج لترى جوناه يرفع الصندوق الأخير من الشاحنة.
تابعت إلويز: " أراد أن يأخذها إلى مستودع الخردة لكنني قلت له أريد الإحتفاظ بها في هذه الحالة. حتى أنني لا أعرف لماذا أردت الإحتفاظ بها عندما كانت لا تزال دراجة حقيقية."
ضمت سارة ابنة أخيها إليها وقالت: " لديك دائماً حدس قوي. وأنا اقترح عليك أن تتبعيه. فإن كان حدسك يخبرك أن عليك الإحتفاظ بالدراجة فلا بد إذن من وجود سبب لذلك." لم تكن إلويز متأكدة مما قالته عمتها بشأن حدسها. قد يكون أنها غاضبة من جوناه وتصرفها هذا كرد فعل فقط، لكنها ليست مستعدة لتقول لجوناه أنها غيرت رأيها. ستبقى هذه الأجزاء هنا لعدة أيام وبعدها ستنقلها إلى المستودع.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 8:40 am


الفصل السادس




استيقظت إلويز وهي تشعر بحالة من الرعب. جلست في سريرها والخوف يسيطر عليها. بدا وكأن قصف الرعد يهز البيت وكأنه سيوقعه. نظرت من النافذة، ورأت عاصفة من البرق تضرب باتجاه الأرض. أمسكت غطاء السرير بأصابعها وشدت عليه بقوة. تمتمت: " إنها مجرد عاصفة." لكن كلماتها لم تخفف عنها.
تساقطت حبات المطر الغزيرة على النافذة. سحبت ركبتيها إلى الأعلى وجلست مكومة نفسها كالطابة. كررت: " إنها مجرد عاصفة." لكن حتى صوتها لم يحمل لها أي إحساس بالأمان.
عند دوي صوت الرعد التالي، فتح باب غرفتها. ورأت من خلال ضوء الممر شكل رجل. بعدها أنيرت الغرفة ورأت جوناه. تفاجأت من وجوده هناك، نظراً لتصرفاته الباردة طوال فترة المساء.
قال بصوت خشن: " هل أنت بخير؟ "
أجابت بكبرياء: " نعم."
وقف صامتاً للحظة، وهو يسد عليها ضوء الممر. ومع انفجار صوت الرعد التالي اهتزت الأنوار قليلاً و انطفأت. ظهر نور فجأة بجانبه وأدركت أن احتاط للأمر بإحضاره مصباح يدوي. دخل إلى الغرفة، وأنار شمعة بجانب سريرها. قال، وهو بالكاد ينظر إليها: " من الأفضل أن أذهب وأرى سارة وبعدها سأعود."
لهجة صوته المتذمرة وحقيقة أنه يتجنب النظر إليها أكثر من دليل أنه لا يشعر بالراحة لوجوده في غرفتها. أجبرها كبرياؤها على أن تقول لا داع لكي يعود إليها، لكن الخوف منعها من التفوه بأية كلمة. لم تسمع وقع خطواته بسبب غزارة الأمطار وهو يسير نحو الجانب الآخر من الممر، شعرت فجأة بالرعب لكونها بمفردها. اجتاحها الرعب حتى أرادت أن تصرخ ليعود بسرعة إليها. لم يستغرق غيابه أكثر من دقيقتين لكن بدا لها وكأن عمراً قد مضى قبل أن يعود ويقف أمام باب غرفتها.
قال: " سارة نائمة ولا تشعر بشيء من كل هذا." ابتسم قبل أن يكمل: " والحقيقة أنها تشخر بصوت عال، وأشك أنها قد تسمع هدير العاصفة."
فاجأها بمحاولته ممازحتها. لقد لاحظت مع أنه كان دائماً يمازح سارة وخاصة بشأن طعامها، لم يحاول مرة أن يمازحها. وعلى الرغم من الخوف الذي كانت تشعر به، وجدت نفسها تبتسم له.
دق قلبها بعنف عندما ابتسم لها ثانية. بعدها اختفت ابتسامته وعادت ملامح وجهه غير مفهومة. قال: " إذا كنت تعتقدين أنك بخير، سأعود إلى غرفتي."
أرادت أن ترجوه أن يبقى بقربها لكن برودة تصرفاته جعلتها تسيطر على نفسها. أجبرت نفسها على أن ترتاح فأرخت يديها وكانت لا تزال تمسك بغطاء السرير وتضغط عليه. نظرت إليه بثقة لا تشعر بها وقالت: " سأكون بخير. لم يكن هناك من داع لتنهض من سريرك أصلاً وتأتي إلى هنا.: وأجبرت نفسها على المتابعة بتهذيب: " لكن شكراً لك لإضاءة الشمعة."
أجاب: " أنت على الرحب دائماً. " وتراجع إلى الخارج الغرفة وأغلق الباب وراءه.
أغمضت عينيها بقوة متمنية أن لا تلاحظ نور البرق، وضغطت بيديها على أذنيها كي لا تسمع صوت الرعد. لكن مع ذلك ازداد خوفها وكثرة القلق جعلها تشعر وكأن معدتها ستتمزق.
فجأة أحست وكأن السرير يهتز، وبعدها ضمتها ذراعين قويتين، وسمعت صوت جوناه قرب أذنها يقول: " ستكونين بخير، لا تخافي."
رفعت رأسها ووضعت خدها على كتفه. وارتاحت يديها فرفعت يداً لترتاح على صدره. شعرت بإحساس من الحماية والرعاية.
قال: " لا بد أنك أعند امرأة عرفتها في حياتي. لماذا لم تعترفي أنك مازلت تخافين من العواصف؟ "
قالت: " تجعلني أشعر بأنني أسبب لك الانزعاج."
مرر أصابعه في شعرها، ليبعده عن وجهها وهو يقول: " بطريقة ما أنت مزعجة حقاً. فلديك القدرة دائماً للتأثير على السلام في فكري."
شعرت براحة قصوى، وقالت معترفة: " يعجبني قولك هذا." حذرها صوت في أعماقها أن لا تتصرف بحماقة لكن كل ما كانت تفكر به كم تشعر بالفرح لكونه قربها.
سمعته يتأوه وأحست بدقات قلبه تتسارع. قال: " أنت امرأة يصعب التعامل معها."
رفعت رأسها ونظرت إليه، فرأت الحنان في عينيه، نسيت كل التحضيرات التي كانت تقولها لنفسها. أجابت: " وأنت بالتحديد لست بالرجل السهل الذي يسهل التعامل معه، أيضاً." لكنها لم تستطع إلا أن تبتسم له.
قال وكأنه مرغم وبتردد: " لم أتعرف على امرأة تبدو أكثر جمالاً منك وأنت ترتدين ثياباً للعمل أو حتى قميصاً قطنية قديمة."
تمتمت: " أنت حقاً تعلم كيف تجعل المرأة تشعر بنفسها."
ارتجف وكأنه خسر معركة مع نفسه وبعدها قبلها. وضعت ذراعيها حول رقبته وهي تشعر بأن شيئاً ما في داخلها يحذرها من أنها تتصرف بحماقة لكنها لم تبال بذلك فهي تريد أن تكون بقربه.
قال جوناه: " لا." وكرر: " لا." وهو يرفع رأسه وينزع يديها عن رقبته: " كلانا يعلم أن هذا خطأ."
شعرت إلويز بالتوتر ما إن نهض ووقف بجانب سريرها، قالت معترفة: " ربما أنت على حق، واعتقد أنه علي أن أشكرك." لكن في الحقيقة لم تكن تشعر بأية رغبة في أن تشكره كانت تريده أ، يعود إليها فبإمكانهما التفكير غداّ إن كان تصرفهما خاطئ أم لا.
أومأ باتجاه الكرسي وقال: " سأجلس هناك حتى تنتهي العاصفة." كان يبدو عليه و كأنه يشعر بواجب عليه القيام به وهو مصمم على أن ينهيه مهما يكن. شعرت إلويز وكأنها حمقاء جداً. قالت بانزعاج: " إني متأكدة أنني أستطيع البقاء بمفردي، فلا حاجة لك لتشعر أنه يجب أن ترعاني. "
نظر إليها وقال: " قد يكون خوفك غير عادي لكنه قوي جداً. لقد مات والدك في ليلة كهذه. وكنت في الرابعة عشر من عمرك، وقد كنتما بمفردكما عندما أصيب بذبحة قلبية. قطعت الكهرباء وتقطعت خطوط الهاتف فركضت أميالاً تحت المطر والبرق والرعد حتى وصلت إلى منزل آل جفريز طلباً للمساعدة." ارتجفت وللحظة رأت رجلاً طويلاً مرمياً على أرض غرفة الجلوس. وفي اللحظة التالية، رأت نفسها تركض في الغابة تحت المطر والريح، تمتمت: " أتذكر ذلك." وبعدها اختفت الصورة كما ظهرت في مخيلتها.
نظرت إلى جوناه لتراه يراقبها وكأنه يسألها فقالت: " إنها مجرد ومضة. "
قال: " اعتقد أن هذا الأمر لا يرغب أحد في تذكره في أدق تفاصيله أيضاً." جلس على الكرسي وأغذ ينظر إلى الخارج يراقب العاصفة.
مرة ثانية شعرت وكأنها واجب ثقيل عليه فرغبت بأن تقول له أن يرحل. لكن ما إن أرادت التفوه بالكلمات حتى دوى صوت قوي للرعد تبعه برق خطف الأبصار مما جعلها تشعر بالرعب ثانية.
صممت على أن تظهر بعض القوة، فوضعت الوسائد خلفها وجلست متكئة عليها، رافضة أن تجلس كالطفل الخائف.
تنفست بعمق لتهدأ دقات قلبها المتسارعة. وأكدت لنفسها أنها سعيدة من تصرفه، فكل من مارك وجوناه يعتقدان أنها لا تتذكر زواجها لأنها لا تريد الاعتراف بأنها اقترفت خطأ بزواجها. وهي تعتقد أنهما على حق. ومن الأرجح، بعد حديثها مع تشارلز بولنسكي عن رغبتها في إنجاب الأطفال، قد حدث أمراً ما جعلها تقرر أن البقاء كزوجة لجوناه أمر خاطئ.
اعترفت بصمت، أن لا شيء أسوء من أن تتأثر عاطفياً به الآن. فإذا كان فقدان ذاكرتها يعود برغبة دفينة لديها، فبطريقة ما عليها أن تتذكر ولو قليلاً. وربما أي شيء آخر يقوله قد يجعلها تتذكر المزيد، قالت: " أعتقد أنك كنت تجلس معي أثناء العواصف من قبل؟ "
قال بقسوة وهو ينظر إليها: " كنت أحوال دائماً أن أبعد انتباهك عنها. "
أرادت أن يفعل ذلك الآن لكن قلة الصير التي تراها على ملامحه وهو ينظر إلى النافذة جعلتها تفكر وتفكر. فهي تعلم بجون أي شك أنه لا يريد أن يكون قربها. قالت لنفسها أنها غبية. فكرت ثانية أن تبعده إلى غرفته لكن موجة أخرى من البرق والرعد عقدت لسانها فلم تتكلم.
قررت، أن أفضل حل هو النوم. كل ما عليها القيام به هو أن تنام وعندما تستيقظ سيكون هو والعاصفة قد رحلا. أجبرت نفسها على أن ترتخي قبضتيها.لكن ما إن شعرت بأنها ترتاح قليلاً، حتى أضيئت الغرفة. فتوترت بسرعة حتى طنت أنها أصيبت بتشنج عضلي في ظهرها. تخلت عن فكرة النوم لتجلس بضيق و إرهاق.
قالت لنفسها، عليها فقط أن تتجاهل وجوده، لكنه قول أسهل مما هو فعل فهي ترى انعكاس صورته على المرآة أمامها ولكن مع ذلك أجبرت نفسها على النظر بعيداً، لكن عينيها لم ترضخا لأوامرها. شعرت بأن الصمت يزيد من توترها، تضايقت من نفسها، لكنها أعادت انتباها إليه.
سألت : " هل هناك شيء ما يخيفك؟ "
" أنت. اعتقدت أنك من الناس الذين يتنبأ المرء بأفعالهم، لكنك برهنت العكس تماما." بدا وكأنه غاضب من نفسه لأنه تحدث عن مخاوفه علناً، أضاف بتوتر: " أضع اللوم على نفسي بسبب الحادث الذي تعرضت له. ما كان عليّ أن أشجعك لتتعلمي ركوب الدراجة البخارية."
إذن الإحساس بالذب هو سبب وجوده بقربها ولن يرحل قبل أن يتأكد أنها شفيت تماماً. شعرت بالضيق و الانزعاج وقالت: " لا أريدك أن تشعر بتأنيب الضمير. لقد علمت من كل ما سمعته عن نفسي، أنني امرأة تختار طريقها بنفسها."
قال موافقاً وهو لا يزال يحدق بالخارج: " إنك امرأة صعبة المراس."
علمت من طريقة استمراره في التحديق خارجاً أنه لا يرغب مطلقاً في الكلام. مرة ثانية قالت لنفسها أنه عليها أن تتجاهله. وعوضاً عن ذلك، سمعت نفسها تقول: " لقد قلت لي أنك لم تتوقع أبداً أن يدوم زواجنا. هل أن عنادي هو أحد الأسباب لذلك؟"
رفع كتفيه وقال: " كما قلت لك، ليس لدي معتقد عم دوام أي علاقة. واعتقد أنني ذكرت لك أنني لم أكن الوحيد الذي لديه شكوك بشأن الزواج الدائم. لقد كنت أنت أيضاً تسخرين من مبدأ الزواج الدائم. أتذكر أنك كنت تقولين أن الزواج يدوم فقط طالماً الشريكين يجدان منفعة ما من زواجهما."
قالت: " لا أجد أن هناك سخرية إذا كنت تتعمد من زواجك أن تجد كتفاً تتكئ عليه."
نظر إليها وقال: " لقد تعلمت منذ زمن طويل أن لا اعتمد على أحد مطلقاً. افعلي ذلك وستجدين نفسك تقعين على وجهك مباشرة."
قالت: " ربما لم تعتمد على الأشخاص المناسبين."
قال بوجه قاس: " المشكلة هي معرفة من هم الأشخاص الجيدين."
" لا بد أنك وثقت بالسيد سليد."
أجاب : " كان لدينا تاريخ طويل مع بعضنا." وأعاد انتباهه إلى العاصفة، وكأنه يشير إليها أن حديثهما انتهى.
وجدت نفسها تحدق به وتتمنى لو أنه وثق بها. كل إحساس وحدس في داخلها أنبأها أنه رجل تستطيع المرأة الاعتماد عليه، على الرغم من أنه ليس من السهل التعامل معه كما وأنه مستقل جداً بتفكيره. لكن لديهما تاريخ قصير مع بعضهما، وهي لا تتذكر منه شيئاً.
حذرت نفسها، وربما يكون حدسها خاطئ. ربما أريد أن أصدق أنه رجل مثالي لأنني تزوجت منه ولا أريد أن أفكر أنني كنت غبية لاختيار رجلاً لأنني اشعر بانجذاب قوي نحوه.
شعرت بإرهاق شديد، فاتكأت على الوسادة وأغمضت عينيها.

استيقظت إلويز لتجد أشعة الشمس تملأ الغرفة. تذكرت العاصفة وأدركت أنها نامت وسط صوت البرق والرعد. أخذت تفكر ما كان سبب تعبها فنظرت إلى المكان الذي كان يحتله جوناه. فتحت عينيها بقوة كان لا يزال هناك، نائماً على الكرسي.
نهضت من السرير واقتربت منه بهدرء. شعرت بأنها لا تريد أن توقظه، فابتسمت من نفسها وكأنها تقترب من عرين الأسد... ومع ذلك كانت تتحرك بحذر.
رأت شعره أشعت على جبهته وشعرت برغبة جامحة كي تلمس شعره بأصابعها كما وأن هناك لحية خفيفة قد ظهرت على ذقنه. شعرت برغبة لو أنها بقربه لتشعر بالأمان الذي شعرت به ليلة البارحة. بعدها تذكرت كم يكره أن يكون هنا. فقالت لنفسها بحدة، إن لا أمان لها بأية علاقة معه
. فكرت أن تأخذ ثيابها ببساطة، وترتدي في الحمام وتخرج من دون أن توقظه وتتركه لينهض بنفسه. لكنه كان يبدو غير مرتاح ولا بد أنه سيعاني من تشنج في رقبته وألم في ظهره.
قالت بنعومة: " جوناه."
قال بنعومة فائقة: " آلي؟" شعرت بغصة في صدرها. هل لديها اسم دلع يناديها به أم أن هناك امرأة أخرى في حياته يهتم بها؟
تأوه وهو يجلس بطرقة أفضل، وكـأنه يؤكد لها مزاعمها عن آلمه هذا الصباح. بعدها فتح عينيه وكرر قوله: " آلي." ونظر إليها وعينيه شبه مغمضتين. كان هناك نعومة في صوته وعلى وجهه حب كبير لها.
وبسرعة تغيرت ملامح وجهه لتصبح أكثر قساوة وأبعد نظره عنها. مرر يده على شعره ليبعده عن وجهه. قال وهو ينهض: " يبدو أن العاصفة مرت."
قالت اسمه وكأنها تسأله: " جوناه؟ " فمازالت متأثرة بسماع صوته وهو يناديها آلي.
عادت التعابير البرادة والتي لا تحمل أي معنى للود لوجهه عندما نظر إليها، قال وهو يسير نحو للباب: " عليّ الذهاب إلى العمل."
تركها بمفردها في الغرفة، فاقتربت ولمست ظهر الكرسي الذي كان يجلس عليه. كانت لا تزال حرارة جسمه ملتصقة بالكرسي. وعلى الرغم من ابتعاده السريع، لم تستطع أن تنسى صوته الناعم وهو يناديها عندما استيقظ كما أن لديها اسم دلع خاص بها.
لما لا تتذكرّ بدأ رأسها يضج بقوة. لا بد من وجود شيء مؤلم جداً لا تستطيع مواجهته. اعترفت بذلك وبحدسها القوي لأنها تعلم أنها محقة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 8:41 am


الفصل السابع

قالت سارة ما دخلت إلويز المطبخ: " لقد مرت علينا عاصفة مخيفة ليلة أمس."
ابتسمت لابنة أخيها وتابعت: " لكن لا يمكن أن تكوني أسوء مما أنت عليه من التعب."
شعرت إلويز من نظرات عمتها أنها لم تكن نائمة كما اعتقد جوناه. ولإثبات ذلك أضافت سارة: " وكيف هو جوناه هذا الصباح؟"
فتح الباب كجواب لسؤالها ودخل جوناه. كان يبدو متعباً وهناك جرح صغير على وجهه من جراء الحلاقة، قال: " سآخذ فنجان من القهوة فقط وأخرج." مرّ أمام إلويز ليحضر كوباً للقهوة وتابع: " لقد تأخرت كثيراً."
لاحظت أنه لم ينظر إليها بينما كان يسكب القهوة ويخرج من الباب الخلفي.
قالت سارة: " أعتقد أن ليلته كانت سيئة مثل ليلتك تماماً."
أجابت إلويز: " لقد أمضاها على الكرسي، قلت له سأكون بخير، لكنه أصر على البقاء في غرفتي." نظرت سارة إلى الخارج لتراقبه وهو يغادر، قالت: " إنه ليس قاسي القلب منا يعتقد الناس به."
أجابت إلويز:" لكنه يبني جداراً بينه وبين الجميع في كل يوم جديد." إحساس مفاجئ غمرها أن هذه الفكرة هي مألوفة لديها. أعادت سارة انتباهها إليها وقالت: " ليس من داع أن تكون قسوة دائمة. فمع العلاج الملائم، قد تصبح أخف وبالتأكيد ستختفي."
تذكرت قبلة جوناه لها ليلة البارحة، وتذكرت ابتعاده السريع عنها فقالت: " لكن يجب أن يسمح لك القيام بالعلاج."
قالت سارة تؤكد لها: " قد يكون بعض المرضى أصعب من غيرهم، لكن حيث الإرادة، لا بد من وجود وسيلة لتحقيق ذلك."
فكرت إلويز بصمت، إلا إذا كنت تتحدثين عن جوناه تافش. راقبت عمتها وهي تخفق البيض، وبصمت توهت من وضعها البائس.
.................................................. .........................
حدقت إلويز بالصناديق المبللة بالمطر. فبعد أن تناولت الفطور وساعدت سارة بتنظيف الصحون، شعرت بالقلق وعدم الراحة. أرادت التجول خارجاً وعلى الفور وجدت نفسها حيث وضع جوناه الصناديق بجانب المنزل. تساءلت وهي تحدق بهم لماذا يثيرون انتباهها، فهم الآن ليسوا أكثر من مجرد خردة.
لفت انتباهها صوت عربة. نظرت باتجاه الصوت فرأت شاحنة تقترب من المنزل، وبدلاً من أن تتوقف قرب المنزل، تابعت طريقها نحو الإسطبل. دارت حول المنزل، ورأت الرجل الذي يبدو في أواخر الثلاثين من عمره يترجل من السيارة. سمعت صهيل أحد الأحصنة ورأته يقترب من القادم الجديد.
تمتمت إلويز: " لا بد أن هذا جاد باك." وقررت أن امتطاء الخيل هو الدواء الشفي لقلقها هذا، عادت إلى غرفتها لتغير حذائها الخفيف وتنتعل حذاءً طويلاً لركوب الخيل وتأخذ قبعة من على رف خزانتها.
بعد مرور عدة دقائق وبينما كانت تقترب من الإسطبل، سمعت اصواتاً في الداخل. كانت سارة تقول: " إنك تعتني بهذه الخيول بصورة جيدة."
أجاب الرجل: " إنهم من فصيلة مميزة. كما أنني مدين للسيدة تافش. يظن معظم سكان البلدة أنها أنانية ولا تهتم أبداً بمشاكل الغير. لكنني كنت لأخسر مزرعتي لولاها. عندما سمعت أنني أتعرض لأوقات صعبة، أتت إلي وقدمت إلي المال. قالت، هي تعلم أن والدها كان يعتبر والدي صديقاً حميماً له. فقلت لها أنني لا أقبل الإحسان مهما كان الأمر. ولهذا عرضت عليّ العمل هنا. ومزرعتي على أحسن ما يرام الآن، لكنني أعتقد أنني سأبقى بخدمتها طالما أرادت ذلك." قالت سارة: " إني متأكدة أنها تشعر بالراحة لأنها تعلم أن شخصاً مناسباً يهتم بالخيول لديها."
ظهر الاهتمام واضحاً في صوته وهو يقول: " كيف هي الآن؟ أتمنى من كل قلبي أن تصبح بألف خير. لقد تحدثت مع جوناه في اليوم الذي سبق قدومكم جميعاً إلى هنا. ولقد بدا شديد القلق."

شعرت إلويز بالفرح أن جوناه أظهر اهتمامه بها. ولكنها شعرت بحاجة لتبذل المزيد من السيطرة على نفسها كي لا تتقدم إلى الإسطبل وتسأل جاد بالتحديد ما الذي قاله وكيف تصرف. تمتمت: " عليّ التوقف عن الاهتمام بهذا الشكل بجوناه."
سيطر عليها شعور قوي وكانت متأكدة أنا قالت ذاك الكلام لنفسها من قبل.
سمعت صوت سارة الواثق يقول: " ستكون ابنة أخي بخير، ومن الأفضل أن أعود إلى المنزل أرى فطيرة الحلوى التي وضعتها في الفرن. أردت فقط القدوم إلى هنا لأتعرف عليك، سيد باك."
أجاب الرجل: " نادني جاد، سيدتي."
لم ترد أن يراها أحد تسترق السمع. فقررت أن عليها أن تظهر وجودها. تظاهرت أنها وصلت للتو، فقالت بصوت عال: " مرجباً، هل يوجد أحد هنا ؟ "
وصلت سارة إلى الردهة خارج الإسطبل، قالت وهي تنظر إلى إلويز بقلق: " آه، تبدين كامرأة لها هدف واضح أمامها."
أجابت إلويز: " فكرت أن أذهب بنزهة على الخيل."
بقيت سارة تنظر إليها بحيرة وقالت: " لقد تعرضت لالتواء في عضلة ظهري في رحلة التخييم في أستراليا. ولقد أصبحت أفضل بكثير لكنني لست مؤهلة بعد لامتطاء الخيل." نظرت إلى جاد وتابعت: " هل تذهب معها؟ "
هزّ جاد رأسه قائلاً: " لا، سيدتي. أنا لا أمتطي الخيل فقط أتولى العناية بهم."
أعادت سارة انتباهها لابنة أخيها وقالت وقد تجهم وجهها: " لا أعتقد أنه من الحكمة أن تذهبي بمفردك."
نظرت إلويز إلى جاد وقالت: " هل أمتطي الخيل بطريقة جيدة؟ "
بدا قلقاً تماماً مثل سارة، لكنه هز رأسه موافقاً وقال بتردد: " إنك من أفضل من امتطى الخيول."
قالت بثقة: " إذاً أنني متأكدة سأكون بخير."
بقي جاد قلقاً وقال: " حتى الفرسان يسقطون أحياناً."
اعترضت سارة قائلة: " أعتقد أنه عليّ الاتصال بالدكتور غرين. "
أصرت إلويز واتجهت نحو الإسطبل وهي تقول: " سأكون بخير." أمسكت بالسرج والرسن، وأدركت على الفور أنها تستطيع فعلاً استعمالها. تمتمت وهي تتأوه: " لا أصدق أنني أستطيع أن أتذكر بعض الأشياء غير المهمة ولكنني لا أتذكر زوجي أو حتى زواجي."
كانت تحمل السرج عندما لحق بها جاد وسارة. أخذ جاد السرج منها وقال بثقة: " يبدو أنك مصممة على ذلك، لذا سوف أساعدك."
قالت: " بلو ليدي." وكان الاسم لنع فجأة فرأسها.
قال موافقاً: " بلو ليدي، إنها أفضل فرس..." توقف عن الكلام في وسط الجملة ورأت إلويز أنه وسارة ينظران إليها متأملين. قالت وقد أدركت أنهما يعتقدان أنها استعادت ذاكرتها: " لقد تذكرت فقط الاسم."
قالت سارة بثقة: " وستستمرين بالتذكر حتى تتذكري كل شيء." تذكرت إلويز قبلة جوناه وعاودها الإحباط. أرادت أن تتذكر كل شيء الآن وفوراً.
شعرت وكأنها ستنفجر إذا لم تفعل شيئاً يخلصها من هذه المشكلة. أمسكت بالسرج وقالت: " لنجهز ذلك الحصان وسارت نحو المخزن.
رأت فرساً رمادياً يسير باتجاهها: " يا حلوتي." وأخذت تربت على عنق الفرس. علمت وبدون أي شك أن هذه بلو ليدي. وفكرة أنها تعرف حصانها ولا تعرف زوجها أذهلتها وعذبتها أيضاً.
ابتدأت تفكر بمنطق، ربما لا أفكر أننا كنا أنا وجوناه زوجين حقيقيين. ومع كل دقيقة تمر كانت تزداد يقيناً أن هناك شيئاً ما حدث بينهما ولهذا لا تريد أن تتذكر.
قال جاد مقترحا: " ربما عليك القيام بعدة دورات هنا في المرجة قبل الانطلاق إلى التلال."
هزت رأسها موافقة. وبعد عدة دقائق كانت تمتطي الحصان وهي تشعر براحة كبرى. وما أن دار عدة مرات في الرج القريب، حتى قادت بلو ليدي نحو عمتها وجاد اللذين وقفا قرب السياج يراقبانها. قالت متمنية أن تخفف من قلقهما: " من الواضح أن امتطاء الحصان كركوب الدراجة، فلا يمكن أن تنساه ما إن تتعلمه."
قالت سارة موافقة: " يبدو ذلك، مهما يكن، يجب أن لا ترهقي نفسك."
نظرت إلى ساعتها وتابعت: " سأتوقع عودتك في غضون نصف ساعة ولا تبتعدي إلى مكان لا يظهر المنزل منه."
أرادت إلويز الاعتراض، لكنها توقفت قبل التفوه بأية كلمة. فعمتها تسألها فقط أن تلزم الحذر. وربما لو كانت حذرة السنة الماضية لما وجدت نفسها في هذا الوضع المتأزم اليوم.
قالت واعدة: " نصف ساعة فقط وسأبقى ضمن المساحة التي يمكن رؤيتي فيها من المنزل."
تابعت سارة تذمرها قائلة: " لست سعيدة بكل هذا، ربما من الأفضل لو تبقين في هذا المرج. "
بدأت إلويز بالقول: " لكن هذا حقاً..." وتوقفت عن الكلام عندما سمعت صوت سيارة تقترب.
لوح إلى الأشخاص الثلاثة بقرب المخزن وتابع السائق قيادة السيارة نحوهم وأوقفها بالقرب منهم تماماً. عرفت إلويز مارك طومبسون ما أن ترجل من السيارة وهو يحمل بيده وردتين. واحدة صفراء وثانية لونها زهر. اقترب من السياج حيث الجميع, وقال وهو يعطي سارة الوردة الصفراء: " هذه لك." بعدها استدار نحو إلويز وابتسم بحرارة وقدم الوردة الثانية وتابع: " أتيت لأرى بنفسي كيف أمضيت ليلة أمس. فأنا أعلم كم تكرهين العواصف." أجابت وقد قبلت الوردة من قبيل التهذيب فقط." لقد أمضيتها بطريقة حسنة."
فكرت، أن عليها أن تشعر بالفرح وهي تحدق بالوردة، لكنها عوضاً عن ذلك كانت تشعر بفقدان صبرها كي تذهب في نزهتها، تابعت: " أقدر لك اهتمامك لكن ما كان من حاجة لتزعج نفسك."
قالت سارة تؤكد له: " كان هناك من يهتم بها."
أجاب مارك بسرعة: " لم أشك للحظة واحدة أنها ستكون بمفردها." من الواضح أنه يريد رضى سارة. أعاد انتباهها لإلويز وقال بصوت ناعم: " لكنني ما زلت قلقاً."
قالت إلويز لنفسها للمرة الثانية أن عليها أن تشعر بالفرح والرعاية. ولكن عوضاً عن ذلك كانت تشعر بتوتر غريب. حركت حصانها وسارت نحو عمتها، قدمت لها الوردة وقالت: " هل تمانعين إن وضعت هذه الوردة في كوب ماء." أعادت انتباهها لمارك وهي تقول: " أقدر لك اهتمامك. والآن عذراً، لدي نصف ساعة فقط للنزهة ولا أريد أن أخسرها."
نظر للخيول الثلاثة الباقية في المرجة، وأعاد النظر إليها متجهماً: " من المؤكد أنك لن تذهبي بمفردك؟ " استدار نحو سارة وجاد وتابع: " لن تسمحا لها بالذهاب بمفردها." بدأ جاد بالقول: " نحن..." وظهر القلق والاهتمام بوضوح على وجهه.
قاطعته إلويز: " لم أعطهما أية فرصة للاعتراض." ابتسم مارك فجأة وقال: " هكذا تبدين كإلويز التي أعرفها." تابع بجدية: " مهما يكن مازلت لا أعتقد أنه من الحكمة أن تذهبي بمفردك وأنا متأكد أن الدكتور غرين سيمنع ذلك. لذا سأرافقك."
لم تدر إلويز لما شعرت بالانزعاج فقالت: " لكنك لا ترتدي ثياباً تناسب ركوب الخيل."
قال مارك بلهجة آمرة، متجاهلاً، اعتراضها: " جاد، أسرج لي دبيت." خلع معطفه، نزع ربطة عنقه وفك أعلى زرين من قميص، استدار نحوها وقال: " الآن أصبحت جاهزاً."
للحظة تردد جاد، بعدها وكأنه أقنع نفسه أن لا خيار لديه، قال بثقة: " يجب أن يرافق السيدة تافش أحد ما." وقبل أن ينهي كلامه، سار نحو المرجة.
نظرت إلويز إلى عمتها طلباً للمساعدة: " سأكون بخير بمفردي."
بدا الاعتذار على وج عمتها بعدها قالت بحزم: " بل سيكون من الأفضل أن يرافقك أحد."
ابتسم مارك لإلويز وقال: " من الأفضل أن تتخلي عن عنادك. فحتى لو لم تسمحي لي بمرافقتك، فأنني سأتبعك، وطالماً استطعت، فلن أسمح لأي سوء أن يصيبك."
فكرت إلويز، أنه يرغب بحمايتها بدون شك. هل أساءت الحكم عليه؟ أم أن الذي حدث أسوء من ذلك، هل تزوجت من جوناه بسبب وهم ما ولهذا لا تستطيع أن تتذكر زواجها لكنها في أعماقها تعلم أنه كان عليها الزواج من مارك؟
قالت موافقة: " حسناً، طالماً أنك مصمم هكذا ويعتقد الجميع أنني بحاجة لمن يعتني بي، فبإمكانك مرافقتي."
انحنى مارك وقال: " يشرفني ذلك." بعدها وقف بشكل مستقيم، وغمزها قبل أن يستدير نحو سيارته ويرمي معطفه وربطة عنقه في داخلها.
راقبته وهي تقول لنفسها أن عليها أن تشعر بالفرح من اهتمامه بها. لكنها لم تشعر إلا بالتوتر مسيطراً عليها.
قالت سارة، ما إن رأت جاد يعود من الإسطبل وهو يصطحب فرساً بني اللون جاهزاً للامتطاء: " سأتوقع عودتكما في غضون نصف ساعة."
قال مارك واعداً: " نصف ساعة بالتحديد. " وقفز على السرج.
قالت إلويز معتذرة: " أشعر بالانزعاج حقاً لأنك ستفسد بدلتك." ووجدت نفسها تتمنى لو أنه يغير رأيه فجأة ويتركها تذهب بمفردها.
قال وهو يبتسم : " أكثر ما يمكن أن يحصل هو إرسالها إلى المصبغة للتنظيف." سارا وراء الإسطبل واتجها نحو الغابة المقابلة. نظر إلى وراء كتفه، ولوح إلى سارة وجاد بعدها أجبر الحصان على زيادة سرعته كي يسير بقربها. تابع بصوت يحمل الكثير من الندم: " لقد مرّ وقت طويل منذ كنا نتنزه معاً على ظهر الخيل، وأنا أفتقد ذلك كثيراً."
رمته إلويز بنظرة محذرة، فلديها ما يكفي من المشاكل العاطفية ولا تريد أن تتعرض للمزيد. وهي لا تريده أن يضيف أي ضغط عليها.
قال بسرعة وقد اختفت لهجة المرارة من صوته: " إنني أتكلم عن كوننا أصدقاء فلقد كنت أشعر دائماً أنني استطيع التحدث معك بكل صراحة."
ضاق الممر مما جعل سيرهما بجانب بعضهما مستحيل. تمهلت إلويز، تاركة له تولي القيادة. أخذت تنظر إليه، محاولة أن تشعر بأي عاطفة نحوه.بكل تأكيد لو أنها كانت تفكر جدياً بالزواج منه، لكانت شعرت ولو بقليل من العاطفة نحوه. فهو من دون شك وسيم جداً. لكن الإحساس الوحيد الذي تشعر به نحوه هو فقدانها للصبر، قالت وقد تعجبت من سؤالها: " هل كنت أتحدث معك بصراحة؟"
استدار نحوها حتى التقت عيناهما وقال: " نعم."
شعرت إلويز أن هناك شيئاً ما يريد أن يقوله، لكنه استدار وتابع سيره.
لم تلاحظ أنه أصبح أشد توتراً.
رأت على مسافة قصيرة أن الممر يتفرع إلى فرعين، سألها: " إلى اليمين أم إلى الشمال؟ "
شعرت بإحساس قوي يدعوها للذهاب إلى الجهة اليمنى لكن شيئاً ما منعها من تلفظ ذلك فقالت: " إلى الشمال."
تجهم وجه مارك وقال: " طوال الأوقات التي تنزهنا بها في أرضك، لم نذهب مرة إلى الجهة اليمنى، لما لا نجرب هذه الطريق اليوم كتغيير؟"
اجتاحها إحساس بالثورة، ولسبب ما، لم ترد أن يسلك تلك الطريق، قالت بحزم: " يقول لي حدسي أن أتبع الطريق التي إلى الشمال."
تردد مارك للحظة، بعدها رفع كتفيه غير مبال وقال: " لقد تعلمت أنه ليس من الحكمة مخالفة حدس المرأة." قال هذا ودفع حصانه في الممر المؤدي إلى الشمال. سارا مسافة صغيرة ويعدها أصبح الممر أوسع. وبصورة غير متوقعة، رفع مارك يده وكأنه يطلب منها أن تتوقف، وعندها استدار ليتمكن من النظر إلى وجهها. قال بتوتر: " اسمعي، لقد قمت بغلطة ما هزت ثقلتك بي. كان لدي علاقة مع باربرا هوارد في تلك الفترة التي كنا نتقابل فيها. وعندما أدركت أنني أحبك بصدق وأنني أريد الزواج بك، انفصلت عنها. غضبت باربرا كثيراً...يمكنك القول، كانت تغار، بكل الأحوال كانت مصممة على الانتقام. فاتصلت بك وأخبرتك عن علاقتنا، لكنها جعلت الأمر يبدو وكـأننا لا نزال على تلك العلاقة."
إذاً كان هناك سبب آخر غير المال جعلها تنفصل عن مارك.
أكمل مارك قائلاً: " ومازلت أتمنى أن تعطيني فرصة ثانية."
قالت بتوتر: " كما ذكرتك من قبل، أنا امرأة متزوجة."
وتساءلت بصمت إلى متى ستبقى متزوجة لكن هذا الموضوع لا يعنيه مطلقاً. وهي لا تريد تعقيدات أكثر في حياتها و إن أخبرته عن طلاقها المتوقع فقد يتشجع ويزيد من التودد لها. نظرت إلى ساعتها، وأضافت: " من الأفضل أن نعود إلى المزرعة، فعمتي تغضب جداً من عصيان طلباتها."
قال وهو يمسك بيدها: " أرجوك. لا تغضبي مني. أحاول أن أحترم قسمك للزواج لكنني لا أجد الأمر سهلاً وأنا أهتم بك كثيراً." بعدها ترك يدها، وضرب حصانه بيده لينطلق في المنحدر نزولاً.
سارت وراءه وهي تحاول أن تحلل ما تشعر به. اعترفت، معرفتها بعلاقته جعلها تركض إلى جوناه تافش وتطلب منه الزواج. أخذت تبحث عن إحساس يربطها بمارك أو حتى قليل من اللطافة نحوه. لكن كل ما تشعر به نحوه هو اللامبالاة ورغبة بأن يدعها بمفردها. من المؤكد لو أنني اهتم به حقيقة لكنت شعرت بأي شيء، حتى ولو الغضب، المهم أي شيء، وعاد الإحباط لينمو في داخلها.
قال جاد عندما عادت هي ومارك: ط رأيت من الأفضل أن أبقى هنا لأتأكد أنك عدت سالمة."
رأت إلويز نظرة القلق في عينيه وشعرت بالأسف لأنها سببت له ذلك. شكرته بحرارة بينما كان يمسك الحصان لتترجل عنه. بعدها شكت من الإرهاق والصداع وتركت الرجلين مع الحصانين وذهبت إلى داخل المنزل. نظرت إلى الإسطبل من نافذة المطبخ، وشعرت بالضيق من مارك عندما صعد إلى سيارته تاركاً جاد لينزع السرج عن دبيت.
انتظرت حتى غابت سيارته وبعدها عادت على الإسطبل، قالت: " سأعمل على مسح جسمهما بالفرشاة."
أجاب: " لقد سارا على مهل، وكنت فقط سأطلق سراحهما للذهاب إلى المرجة، وسأعمل على تنظيف أجسام الخيول كلها بالفرشاة غداً."
رأت إلويز أن بلو ليدي تنظر بشوق باتجاه المرجة. تابع وهو يحف رقبة الحصان بحب: " لا تقلقي عليهم أبداً، سيدة تافش. لقد بنيت لهم إسطبلاً رائعاً هنا ولديهم هذه المرجة الكبيرة وبإمكانهم العودة بمفردهم إلى الإسطبل عند حلول المساء. وأنا اعمل على تأمين الطعام والماء وعلى تنظيف أجسامهم كل فترة."
ابتسم لها مشجعاً وهو يتابع: " ولقد طلب مني جوناه تعليمه العناية بهم في حال لم أتمكن من الحضور. ,لذلك ليس هناك من داع لتقلقي عليهم."
ملأت مخيلتها صورة جوناه وهو يهتم بالخيول أثناء وجودهم بالمرجة . سألت: " هل يجيد زوجي ركوب الخيل؟ "
أجاب جاد: " كنت تعلمينه ذلك ولقد أصبح يحسنه. إنه يحب الخيول كثيراً و لكنه لا يظهر ذلك كما وأنه يحترم الحيوانات، فهي تشعر بذلك. لقد رأيت بلو ليدي تشمه، وهي لا تفعل ذلك مع أي كان، فقط مع الناس الذين تحبهم. وكاش فلو..." وأشار نحو تابع: " ....يركض دائماً نحو جوناه عندما يقترب من السياج."
" هل يعجبك زوجي، سيد باك؟ " واحمرت خجلاً عندما أدركت أنها قالت ما تفكر به بصوت عال.
بدت الدهشة على وجه جاد وهذا ما زاد من إحراجها، قالت بسرعة: " أنا آسفة، فليس من العدل أن أسألك." نظر جاد إليها مفكراً وقال: " أنا لا أعرفه جيداً حتى أعرف إن كنت معجباً أو غير معجب به فهو لا يصادق الناس بسهولة. لكنه دائماً يعاملني بصورة جيدة، وما أستطيع قوله أنه يعاملك أنت أيضاً بطريقة جيدة." نظر جاد باتجاه الطريق وتابع: " لدى السيد طومبسون طريقة مميزة بالكلام، خاصة مع النساء، لكنني لا أعلم إن كنت أستطيع الوثوق به."
لأجابت: " أعتقد أنك على حق." وكانت متأكدة أن حدسها يوافقها الرأي. هز جاد رأسه موافقاً ولمحت نظرة ارتياح على وجهه.
تنهدت بضيق بعد مرور عدة دقائق وهي تراقبه يرحل. فالأحصنة تحب زوجها. ومحاميها موافق عليه، حتى عمتها سارة، وعلى الرغم من الاعتراضات بينهما، تبدو وكأنها تشجعها أن لا تتخلى عن زوجها بسرعة. وجاد، على الرغم من حذره، لم يقل إلا كلمات جميلة ومشجعة عن زوجها.
قالت لنفسها بصوت عال: " الاعتماد على رأي الآخرين لن يساعد." ومع ذلك بقيت تشعر بالإحراج لأنها سألت جاد عن رأيه بزوجها.
سمعت صوت صهيل بالقرب منها، فسارت نحو السياج ورأت بلو ليدي هناك تراقبها. قالت تحدث الفرس: " إنني مرتبكة كلياً ومحبطة، هل لديك أية حلول لمشكلتي ؟ "
سمعت صوت سارة من ورائها: " اعتقد أنك بحاجة لقليل من النوم قبل الغذاء، فعقلك وجسمك بحاجة للراحة من الحادث. أعطي نفسك بعض الوقت وستجدين أنك ستصبحين بألف خير."
اعترفت إلويز: " إنني متعبة." متمنية أن تكون عمتها محقة وأن قليل من الراحة والوقت قد يعيدان لها ذاكرتها.
.................................................. ......................
استيقظت إلويز والدموع تملأ خذيها. لقد كانت تحلم. ورأت في نومها، أنها كانت تقف أمام الصناديق التي تحتوي دراجتها البخارية....سبب لها المنظر حزناً عميقاً وصل إلى أعماق قلبها.
جلست في سريرها، ومسحت الدموع المنهمرة بغزارة على خديها، تمتمت: " لا أستطيع أن أصدق أنني أبكي على تلك الدراجة اللعينة."
ما إن صحت جيداً حتى توقفت عن ذلك البكاء اللامعقول. لكنها بقيت تشعر بالذهول والقلق فدخلت إلى الحمام وغسلت وجهها لتتخلص من آثار دموعها المالحة.
نظرت إلى وجهها الشاحب وقالت: " كيف يمكن أن اشعر بكل هذه العاطفة نحو دراجة؟ لقد كدت أن أقتل عليها."
وبسرعة تذكرت المنعطف عند الممر خلتال نزهتها مع مارك. ازدادت رغبتها في الذهاب ثانية إلى هناك لتأخذ المنعطف الذي على اليمين.
وبسرعة انتعلت حذائها الطويل، وأمسكت بقبعتها ونزلت إلى المطبخ. قال لسارة: " أريد القيام بنزهة صغيرة، هناك مكان أريد الذهاب إليه."
أجابت سارة: " إذاً سنذهب معاً." تناولت الخبز بينما كانت إلويز تحضر الجبن واللحم من البراد.
نظرت إلويز إلى عمتها وقالت: " لا، أحتاج الذهاب بمفردي."
تجهم وجه سارة وقالت: " وأين هذا المكان الذي ترغبين بالذهاب إليه بمفردك؟ "
" إنه في الجبل." واستدارت إلويز نحو نافذة المطبخ لترى المكان الذي قصدته ذلك الصباح، وتابعت: " هناك مكان عليّ الذهاب لرؤيته."
اختفى التجهم عن وجه سارة وحل مكانه الفرح والإثارة: " لقد تذكرت شيئاً ما؟ "
هزت إلويز رأسها وقالت: " لا، إنه مجرد شوق غريب، لكنه قوي جداً لا أستطيع مقاومته."
اعترضت سارة: " لا أحب أن تذهبي بمفرك." وأخذت تراقب إلويز وهي تحضر لنفسها سندويش.
أصرت إلويز: " علي القيام بذلك." وضعت الطعام في الحقيبة وأسرعت بالخروج من الباب الخلفي قبل أن تستمر سارة بالجدال.
وصلت إلى السياج وصفرت وعلى الفور أتت بلو ليدين قالت تحدث الفرس: " سنذهب في نزهة مرة ثانية." وشعرت كأنها تتحدث مع صديق قديم.
وكأن بلو يدي فهمت عليها فصهلت وهزت رأسها وكأنها موافق.
بقيت إلويز تنظر إلى وراء ظهرها طوال الوقت الذي استغرقته لتضع السرج على الفرس، متوقعة وصول سارة كي تحاول منعها من الذهاب. لكنها كانت مصممة بقوة.
فلا سيء ممكن أن تقوله عمتها سيمنعها. وهي لا تريد أن تتشاجر معها، لكنها ستذهب. لماذا الذهاب إلى هناك أمر مهم هكذا؟ هي نفسها لا تدري. كل الذي تعرقه أنه يجذبها نحوه.
شعرت بالراحة عندما لم تظهر عمتها. فامتطت الحصان وحاولت بقوة أن تسيطر على الفرس كي لا يركض بينما كانا يسيران باتجاه الغابة. كانت متأكدة أن عمتها تراقبها وهي لا تريد أن تثي ر قلقها أكثر مما فعلت.
شعرت بسلام غير متوقع ما إن دخلت الغابة وسارت في الممر الذي سارت عليه عند الصباح. وعندما وصلت إلى المنعطف اتجهت إلى الجهة اليمنى. إحساس غريب وكأنها دخلت إلى مكان مقدس أصبح أقوى. رأت الممر يزداد انحداراً لكن يبدو أن بلو ليدي تعرف الطريق جيداً. سارا في عدة طرق عندما شاهدت إلويز أن هناك فسحة بين الأشجار. دخلتها لتجد صخرة كبيرة، وكـأنها انحدرت من جانب الجبل. ترجلت عن الحصان، وربطت الرسن بشجرة قريبة وسارت نحو الصخرة.
تسلقتها ونظرت إلى الوادي تحتها. كان المنظر يجبس الأنفاس. هذا هو المكان الذي تبحث عنه. وهذا ما عرفته بدون شك. جلست على الصخرة وأخذت تأكل طعامها على مهل، متمنية أن سبب قدومها إلى هنا سيدفع الذكريات إلى مخليتها. لكن لم يحدث شيء من كل هذا.
قالت تحدث الفرس: " ربما عمتي سارة على حق. ربما كل ما أحتاجه هو بعض الراحة."
مرة ثانية صهلت الفرس وهزت رأسها وكأنها موافقة على ما سمعته.
ابتسمت إلويز لها وقالت: " أمر مريح أن يتحدث المرء مع من هو محب ومتعاون."
تحركت بلو ليدي وكأنها فهمت المديح الذي سمعته وبعدها أخذت تتلهى بتناول الأوراق الخضراء حولها. رفهت ركبتيها إلى ذقنها ولفت ذراعيها حول ساقيها. جلست محاولة أن لا تفكر بل لتسمح لكل هذا السلام والجمال أن يلفها. لكن مع أن الشمس كانت ترسل حرارتها شعرت ببرودة في داخلها. ملأت مخيلتها صورة جوناه. رأته بجانب الصخرة، يحدق بالوادي أمام.
تمتمت: " ما الذي حدث بيننا بالتحديد؟ " أصدرت بلو ليدي صوتاً مما جعل صورة جوناه تختفي. نظرت من وراء كتفها لترى حصاناً يقترب من المكان. رأت من خلال الأشجار أن لون الحصان بني أحمر. بعد مرور لحظات قليلة رأت جوناه بقربها.
قال بخشونة: " اتصلت سارة، فتصورت أنك قد تكونين هنا."
راقبته بصمت وهو يترجل عن الحصان ويربطه بقرب حصانها.
سألته ما أن تسلق الصخرة وجلس تماماً كما تخيلته: " هل تعرف لماذا هذا المكان له أهمية عندي؟ "
نظر إليها وقال: " تدعين هذه الصخرة " مكان للتفكير" كما أنك تعتبريه ملاذك الخاص."
أدركت وهي متفاجئة مما عرفته: " لقد أتيت إلى هنا من قبل؟ "
" أنت أتيت بي إلى هنا."
تجهم وجهها وهي تتذكر كم شعرت بالانزعاج للسماح لمارك بالقدوم إلى هنا. فلو كانت علاقتها بمارك صادقة كما يدعي، لما لم تحضره إلى هنا من قبل؟
قال بغضب: " عندما سألت سارة كيف سمحت لك بالتنزه على الحصان بمفردك، قالت أنك قمت بنزهة أخرى عند الصباح ولم يحدث لك أي سوء. أنت مازلت تتعالجين من إصابة بليغة في رأسك. ولا أستطيع أن أصدق أنها سمحت لك بالتجول بمفردك في هذا الجبل، وليس مرة واجدة بل مرتين."
قالت: " لم أكن بمفردي في المرة الأولى." شعرت أنه من الأفضل لها لو دافعت عن عمتها فقط.
رفع جوناه حاجبه متسائلاً.
قالت: " أتى مارك طومبسون في اللحظة التي كنت أهم بالخروج، فأصر على الذهاب معي."
بدا الضيق على وجه جوناه وقال: " قد لا أكون الشخص المناسب لك، وأعتقد أنه ليس كذلك أيضاً."
اعترفت قائلة: " أعتقد هذا ما يحاول إحساسي الداخلي أن يخبرني به، فعندما وصلنا إلى الممر ذات المنعطف، أردت القدوم إلى هنا لكن شيئاً ما بداخلي منعني من أن أحضره معي." تفاجأت وهي متأكدة أنها لمحت ومضة سعادة في عينيه البنيتين. بعدها اختفت تلك الومضة وعادت البرودة إلى وجهه كالمعتاد. قال ينصحها: " إذا كنت حكيمة، فستتبعين ذلك الإحساس."
تساءلت فجأة أي إحساس دفعها لإحضار جوناه إلى هنا. ربما هذا الإحساس الذي يجب أن لا تتبعه.
أشار نحو الممر وقال: " لقد حان الوقت لتعودي إلى المنزل."
مرة ثانية شعر بالغضب لأن هناك من يأمرها لكن لم تتعد ثورتها إحساسها. وتفاجأت أكثر من إدراكها أنها لا تريد أن تتجادل معه. بدا لها وكأنها خائفة أن يصبح الحاجز بينهما أقوى وأكبر. ضحكت وقالت في نفسها، لا يمكن أن يصبح أكبر، مع ذلك رفعت كتفيها ونهضت.
حاولت أن تحتفظ بكبريائها، فقالت لنفسها وهي تسير نحو حصانها أن أشعة الشمس أصبحت أكثر حرارة كما وأن وجوده قد قضى على الهدوء والسلام المخيمين على المكان.
لكن بينما كانا عائدين، أغضبها صمته. فها هو يجعل منها مزعجة له للمرة الثانية.
اعتذرت بحدة: "آسفة لأن سارة أبعدتك عن عملك."
أجاب: " أنت تحت مسؤوليتي حتى يعلن الطبيب أنك شفيت بالكامل." ضاقت عيناه وهو ينظر إليها ويتابع: " أريد وعدً أنك لن تخرجي بمفردك ثانية."
رفضت تنفيذ أوامره، فقالت: " أنت غير مسؤول عني بالكامل."
نظر إليها بغضب وقال: " أريد وعداً منك أنك لن تخرجي بمفردك ثانية."
علمت من تعابير وجهه أن النقاش معه لا جدوى منه، فقالت واعدة من بين أسنانها المطبقة: " أعدك بذلك." وبينما تابعا طريقهما بصمت، أخذت تقنع نفسها أنه ممل ولا يحتمل.
أصر عندما أصبحا في الإسطبل على نزع السرج عن الحصانين. قالت بانزعاج: " أريد أن أفرك جسم بلو ليدي قليلاً ويمكنك العودة إلى ما كنت تفعله قبل اتصال عمتي بك."
قال: " سأنظف جسم كاش فلو أيضاً." وأمسك بفرشاة ثانية وبدأ عمله على الفور.
كانت إلويز متأكدة أنه لا يريد أن يكون برفقتها لكن ا بد من الواضح أنه لن يغادر قبل أن تدخل إلى المنزل. قالت بعد مرور عدة دقائق: " انتهيت." وأرسلت الحصان إلى المرجة، بعد ذلك، وبدون أن تنظر إلى جوناه، دخلت المنزل.
دخل على الفور ورائها. لاحظت بسرعة الوعاء الذي يحتوي على الوردتين وقد وضع في وسط طاولة المطبخ.
قال: " أزهار جميلة."" وعلمت من البرودة في صوته أنه حرز ممن هما.
قالت تؤكد له شكوكه: " أحضرهما مارك."
نظر إليها بسخرية وقال: " كوني حذرة. لدى الرجل وسائل تهدم كل حدس قوي وتسهل له أن يطوي اية امرأة حول إصبعه الصغير."
قالت بسرعة: "لا يتمكن أي رجل من أن يضعني حول إصبعه الصغير."
ذهب إلى المغسلة ليغسل يديه. نظر من وراء كتفه وضحك فجأة وقال: " قد تكونين مخطئو." شعرت إلويز بأن قلبها يخفق بعنف في صدرها من رؤيتها لتلك الابتسامة. ولمعت فكرة برأسها أنه لو حاول لتمكن جوناه تافش من أن يلفها حوا إصبعه الصغير. لكنه لا يريد ذلك. ذكرت نفسها بذلك، كما وأنها لن ترضى أبداً أن تكون شبه عادية وبلا احترام خاص لنفسها أمام أي رجل.
اختفت ابتسامة جوناه بسرعة كما ظهرت، عادت تعابير وجهه غامضة، جفف يديه وقال أن لديه كاراج مليء بالسيارات التي تحتاج للتصليح وغادر.
أعلنت سارة وهي تقف أمام النافذة تراقب جوناه يصعد إلى شاحنته: " هذا الرجل يهتم بك كثيراً، عندما اتصلت به وأخبرته أنك ذهبت بمفردك، كاد أن يجن من الغضب."
شعرت إلويز بإحساس كبير من الفرح، وعلى الفور تجاهلته وقالت: " إنه لا يهتم بي، إنه يشعر بالذنب نحوي. فهو يضع اللوم على نفسه بسبب الحادث ويعر بالمسؤولية تجاهي الآن."
تجهم وجه سارة وقالت: " لا بد أنه قاد الشاحنة كالمجنون ليصل إلى هنا بسرعة، حتى أنه لم يتوقف قرب المنزل. وصل مياشرة إلى الإسطبل، أسرج حصاناً وانطلق."
نظرت إلويز إلى عمتها وقالت: " لم أفكر أبداً أن لديك هذا الإحساس الرومانسي القوي."
" أحب أن أرى الأحبة يحلون مشاكلهم بدلاً من أن يذهب كل واحد منهم بطريق مختلف." ضاقت عيناها وهي تحدق بإلويز وتتابع: " تصرفي بتهور اليوم و اندمي على ما فعلته كل ما تبقى لك من العمر."
كانت إلويز متأكدة أنها رأت ظلالاً من الحزن في عيني عمتها وقالت: " تبدين وكأنك تتحدثين عن تجربة ما."
تأوهت سارة وقالت: " إنها مياه تحت الجسر، أما بالنسبة لك، فمازال هناك وقت لتتجنبي الوقوع بخطأ ما."
اعترفت إلويز: " المشكلة هي، أنني لست متأكدة إن كانت غلطتي محاولتي لإنجاح زواجي أو ببساطة أتخلى عنه."
ضمت سارة ابنة أخيها إليها وقالت: " كل الذي أقترحه عليك هو أن تعطي نفسك الوقت الكافي قبل أن تأخذي أي قرار متسرع."
" قد لا يكون لي أي دور في اتخاذ هذا القرار."
نظرت سارة في عيني ابنة أخيها وقالت: " لم تهربي يوماً من مواجهة أي تحد."
فكرت إلويز، التحدي هو الصفة المناسبة لوصف جوناه تافش، أو مهمة مستحيلة قد يكون وصف أفضل. فجأة لم تعد تريد أن تفكر به، قالت: " ماذا عن الماء تحت الجسر؟ ما الذي حدث بينك وبين الرجل الذي كنت تحبينه؟ ومع عنادك، لا أستطيع التصديق أنك تخليت عنه."
" كنا أنا ووارد اندريس فخورين جداً ولم يرض أي واحد منا أن يتنازل للآخر."
نظرت إلى ابنة أخيها وتابعت: " وإلويز التي أعرفها تشبهني كثيراً فلا ترتكبي نفس الخطأ الذي فعلته."
مرة ثانية رأت إلويز الحزن في عيني عمتها. بعدها وبسرعة عادت إلى شخصيتها العملية، قالت: " الآن بعد أن تحدثنا قليلاً، لقد حان الوقت لأكتب بعض الرسائل التي كنت أتجاهلها. أما أنت فاغتسلي ونامي قليلاً. كما وأن هناك لائحة من الاتصالات الهاتفية لك. لقد اتصل عمك برسكوت كذلك عمتك مودي وعمتك بليندا. قلت لأخي وشقيقتي أنك ستتصلين بهم ما إن تتذكري من هم."
قالت إلويز: " شكراً لك." وقد شعرت بالامتنان لأنها لن تحاول التحدث مع أشخاص مازالوا إلى الآن غرباء بالنسبة لها.
" اتصلت ابنة عمك ايرين أيضاً." وظهر التفكير العميق على وجه سارة وهي تتابع: " علي أن أذهب لزيارتها." بعدها وبسرعة عاد انتباهها لإلويز: " لكن أولاً عليّ أن أتأكد أنك شفيت تماماً. والآن، اصعدي إلى غرفتك ونامي قليلاً."
فكرت إلويز وهي تتجه نحو غرفتها، عمتي سارة مليئة بالمفاجآت. فهي لم تتخيل مطلقاً أن تكون عمتها رومانسية وأن لديها حب ضائع في حياتها. قالت ما إن استقرت في سريرها: من الواضح أن الناس ليسوا دائماً كما يبدون.
بدا التفكير والحزن على وجهها وهي تتابع: مهما يكن، في حالة جوناه، أعتقد أن مظهره الخارجي أقوى بكثير مما أستطيع أن اخترقه، كما وأنني، حتى لو نجحت بذلك، فقد أصاب بخيبة أمل خفيفة مما سأجده.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 8:42 am

الفصل الثامن




وقفت إلويز تحدق بأجزاء دراجتها الملقاة على الأرض وهي تمسح الشحم والأوساخ عن يديها. حاولت أن تنفذ أوامر عمتها وتنام قليلاً لكنها لم تكن مرتاحة كي تنام. أخذت تتقلب في سريرها لعدة دقائق، بعدها عادت إلى الطابق السفلي، أخذت تتجول في المنزل وبعدها خرجت إلى الردهة.
وصلت إلى الصناديق التي تحتوي دراجتها المفككة. وبدون أن تدري لماذا، أحضرت عربة يدوية ونقلت الصناديق إلى العمل.
" اعتقدت أنك سترتاحين."
استدارت إلويز لترى سارة تقف عند الباب الأمامي. قالت: " حاولت لكنني لم أستطع."
قالت سارة باستسلام: " يمكنك أن تأخذ بغلاً إلى النهر لكن لا يمكنك أن تجيره ليشرب."
قالت إلويز مصححة: " اعتقد أن المثل يقول حصاناً... يمكنك أن تقودي حصاناً للنهر."
أجابت سارة: " كلمة بغل مناسبة أكثر للمثل." بعدها نظرت إلى كومة الأجزاء على الأرض وتابعت: " وماذا ستفعلين بهذه الخردة؟"
" أريد أن أفرزها." خرجت الكلمات من فمها بدون أي تفكير وتفاجأت إلويز من جوابها تماماً كعمتها. سألت سارة: " ولماذا؟ "
اعترفت إلويز: " لست أعرف بالتحديد، لكن يبدو أن فرز كل قطعة منها هو العمل المناسب لي."
نقلت سارة نظرها بين الكومة في الأرض وبين ابنة أخيها. وبعد لحظة قالت: " حسناً، لا أعتقد أنك ستتعرضين لأية مشكلة لقيامك بهذا العمل." ابتسمت لها مشجعة وأضافت: " تمتعي بوقتك." وغارت.
تمتمت: " أفرزها؟ لقد قلت أنني أريد أن أفرزها؟ " تساءلت أي جنون أصابها حتى اختارت هذا النوع من العمل تابعت: " ربما عليّ التفكير ثانية بهذا القرار."
لكن مع أنها حاولت أن تقنع نفسها أن عملها هذا سيكون عملاً سخيفاً يضيع وقتها. التقطت قطعة من الدراجة وبدأت بمسحها بقطعة القماش التي كانت تستعملها لتنزيل الشحم عن يديها.
فيما بعد عادت سارة إلى المعمل لتخبر إلويز أنه حان وقت العشاء. تفاجأت إلويز كيف مضى الوقت بهذه السرعة.
قالت سارة: " يبدو وكأن عملية الفرز تحتاج الكثير من الوقت." وأخذت تنظر إلى الكومة الكبيرة في الوسط وإلى الكومة الصغيرة بجانب الحائط البعيد. قالت إلويز: " إنني أنظف كل قطعة أمسكها."
نظرت إليها سارة وهزت رأسها مفكرة: " حسناً، يبدو وكأنك تعلمين ما الذي تفعلينه، أعتقد أن لديك شيئاً من حب صناعة الحديد من والدك."
أجابت إلويز: " هذا ما يبدو." أدركت أنها لأول مرة نشعر بالراحة منذ أن استعادت وعيها في المستشفى.
لكن عاودها القلق وهي تغتسل وتحضر نفسها للعشاء، أن سبب ذلك يعود لجوناه. نظرت إلى نفسها في المرآة وقالت: " لن تسمحي لهذا الرجل أن يزعجك بوجوده." وأمرت نفسها: " تجاهليه." دخلت إلى المطبخ وهي تشعر بالتوتر وكأنها تستعد لمعركة. نظرت إلى الطاولة ورأت أنها معدة لشخصين فقط. تأثرت من فكرة أن عمتها تخطط لتدعها تتعشى هي وجوناه بمفردهما.
قال سارة، وقد لاحظت ما تفكر به إلويز: " اتصل جوناه وقال أنه لن يأتي للعشاء، قال أن لديه عملاً متأخراً و سيرسل طومي ليحضر لهما طعاماً جاهزاً."
فكرت إلويز، لا بد أنه محظوظ، وهي تنظر إلى الوعاء الذي تضعه سارة على الطاولة.
" هذه بايلا. تعلمت كيف أطهيها عندما كنت أعمل لدى مخرج سينمائي في اسبانيا. إنها وصفة اسبانية للتخلص من كل فضلات الطعام. لكن بدلاً من اللحم، تستعملين الأرز وتضيفين إليه كل ما لديك في البراد والذي يتناسب معه." تجهم وجه سارة من نظرة القلق على وجه إلويز، قالت: " تذوقيه قبل أن تحكمي أنه غير شهي."
سكبت إلويز رغماً عنها القليل في صحنها، بعدها وضعت كمية قليلة على شوكتها وتذوقته. شعرت وكأن دموعها ستنهار لكثرة ماهو حار، فقالت بلطافة: " إنه حار جداً."
هزت رأسها موافقة، وبدأت بالأكل، لمعت عيناها بالمرح وقالت: " في الحقيقة، لقد تم استخدامي من قبل الاستوديو لأهتم بالمخرج. كان يشكو من ساق مكسورة وكذلك من أنف مكسور بسبب حادث في التزلج أجبرته ساقه المكسورة لاستعمال الكرسي النقال. لكن هذا لم يمنعه من التنقل، وبالطبع كنت أذهل برفقته."
استمرت سارة بالتحدث عن أعمال المخرج، وأدركت إلويز أن حياة عمتها مليئة بالمغامرات. لكن مهما كانت قصص سارة مسلية، فلم تشد انتباه إلويز. بل وجدت نفسها تنظر ناحية كرسي جوناه الفارغ.
قالت سارة بصورة غير متوقعة: " تفتقدينه."
استدارت إلويز نحو عمتها لتراها تشير نحو كرسي جوناه.
أجابت إلويز: " لا تكوني سخيفة."
رفعت سارة حاجبيها مستفهمة.
تنهدت إلويز وقالت: " جسناً، إنني أفتقده. ولا أدري لماذا. فحتى عندما يكون هنا، سيجلس هناك ولا يقول أية كلمة."
ظهر الحزن على وجه سارة وقالت: " كنت أحب أن أكون في ذات الغرفة مع وارد. لم نكن بحاجة لنتكلم مع بعضنا أو حتى أن نجلس قرب بعضنا. كنت أحب أن أنظر حولي وأراه هناك."
تجهم وجه إلويز وقالت: " أجد من الصعوبة أن أشعر هكذا نحو جوناه. من دون شك لا يحمل لي ذات المشاعر."
قالت سارة مقترحة عليها: " قبل أن تأخذي أي قرار، عليك بذل المزيد من الجهود لتتعرفي عليه أكثر."
ازداد وجه إلويز تجهما وقالت: " لقد حاولت، لكنه يبني الحواجز حوله حتى أصبحت أكثر كثافة من أي جدار."
أعلنت سارة: " يحتاج المرء لعدة ضربات حتى يبدأ الجدار بالتساقط."
وجدت إلويز من الصعوبة أن تتخيل أن جدار جوناه قابل للتصدع أكثر من أن ينهار.
شعرت إلويز بينما كانتا تغسلان الصحون، أن إحساسها بالقلق عاودها وبصورة أقوى. قالت لعمتها ما أن انتهيا: " سأعود إلأى عملي لأعمل على فرز المزيد."
تجهم وجه سارة وقالت محذرة: " يجب ألا تبالغي بالعمل."
" إنني أعمل وكأنني أجلس لأطرز، كما وأنني أشعر بالراحة وأنا أعمل."
وافقت سار على مضض: " في تلك الحالة، اذهبي لكن أتوقع منك أن تتوقفي عن العمل عندما تشعرين بالتعب.ط وعدتها بأنها ستفعل. أخذت إلويز معها بعض الأقمشة النظيفة وعادت إلى العمل. جلست على الأرض وأمسكت بالرفراف. ما إن بدأت تنظفه حتى لمعت صورة في خيالها. إنها صورتها مع جوناه، وكلاهما جاثيين بجانب دراجة. كان يشرح لها كيف يوصل المكرين. وكانت تعابير وجهه حادة وكأنه يتحدث عن شيء مهم، ومع ذلك كانت تشعر أن كان سعيداً لقيامه بدور المعلم.
جلست بدون أي حركة، كالمصدومة. لقد اعتقدت أن والدها من علمها فنون الصناعة.
والآن أدركت أن جوناه من فعل ذلك. إذاً كان هناك أشياء يتشاركان بها.
عادت إلى العمل وهي تتمنى أن تتذكر المزيد.
.................................................. .........................
اخترق صوت قاس تركيزها: " هل تدركين كم الوقت متأخر؟ كان من المفروض أنك ترتاحين الآن."
نظرت إلى مصدر الصوت لترى جوناه يقف أمام باب المعمل ويبدو متعباً ومتوتراً.
نظرت إلى الساعة المعلقة بالجدار، فرأت أنها تجاوزت منصف الليل. أجابت بهدوء، رافضة أن تسمح له أن يزعجها: " لقد كنت منشغلة، فنسيت الوقت تماماً."
استمر بالتحديق بها وبالتحدث بغضب واضح: " وجدت سارة نائمة وأنت لست في أي مكان في المنزل. لم يكن لدي أية فكرة ما الذي حدث لك.. فاضطررت أن أوقظ سارة لأعرف أين تكونين."
رأت إلويز في أعناق عينيه اهتماماً واضحاً. شعرت بفرح كبير وقالت: " لقد كنت قلقاً عليّ."
أصبح وجهه أكثر تجهماً وقال: " لقد وعدت الدكتور غرين ووالدتاك أنني لن أسمح لأي سوء أن يصيبك." اختفت فرحتها، فها هو يتكلم عن الواجب ثانية.
قالت: "أتمنى حقاً أن تضع في رأسك العنيد هذا أنني لست بحاجة لاهتمامك."
رفع حاجبيه وقال: " لست العنيد الوحيد في هذه الغرفة. لا بد أنك ضايقت سارة كثيراً لتسمح لك بالبقاء خارجاً وبالطبع خذا ليس عمل سهلاً."
ابتسمت وقالت: " وعدتها أن أعود إلى المنزل عند الساعة التاسعة. واعتقد أنها نامت قبل ذلك الوقت."
نظر جوناه إلى أجزاء الدراجة المتناثرة في أماكن كثيرة، سألها: " ماذا تفعلين بالتحديد بهذه الخردة؟ " وبدا من صوته أنه يعتقد أنها تضيع وقتها على عمل تافه.
أجابت: " أنظفها وأفرزها."
نظر إليها وقال: " وماذا تريدين أن تفعلي بها بعد الانتهاء من فرزها؟ "
" أريد أن أعيد بنائها." وتوقفت إلويز عن الكلام عندما شعرت وكأنها ستشهق غير مصدقة ما قالته. قالت لنفسها، عليها التوقف عن الكلام بدون أي تفكير مسبق. لا بد أن جوناه الآن يفسر أنها بدأت بفقدان عقلها كما فقدت ذاكرتها.
قال: " حسناً، على الأقل سأعرف أين ستكونين في الأيام القليلة القادمة."
حدقت به غير مصدقة: " أنت تعتقد حقاً أنني أستطيع إعادة بناء هذه الدراجة؟ "
التقت عيناهما وقال: " تعلمت منذ بداية زواجنا أن لا أقلل من قدراتك."
وجدت إلويز نفسها تبتسم بسعادة من ثقته بها. وظهر حنان عميق فجأة في أعماق عينيه، فازداد إحساسها بالفرح. لكن بسرعة عاد قناع من البرودة يغلف وجهه.
قال وبلهجة آمرة: " مهما يكن، اعتقد أنه حان الوقت لترتاحي."
قالت: " نعم، بالطبع." ووجدت نفسها تتمنى لو أنه يقبلها. سخرت من نفسها وهي تنهض إنني آخر شخص في العالم يريد تقبيله. ولتبرهن لنفسها أنها محقة نظرت إليه. حبست أنفاسها، فبدلاً من النظرة الباردة التي كانت تتوقع رؤيتها، رأت حناناً جعلها تشعر بالضعف.
لمعت في ذهنها صورتهما معاً في هذا المعمل. كانا يقفان ينظران إلى بعضهما تماماً كما يفعلان الآن. بعدها حملها بين ذراعيه وسار بها نحو المنزل. تنهدت وأجبرت نفسها بالعودة إلى الحاضر.
عاد قناع من البرودة يغلف وجه جوناه حين قال بلهجة آمرة: " اذهبي إلة المنزل، سأطفئ الأنوار وأغلق المعمل."
اقتربت منه وإلى عينيه وقالت بلهجة وكأنها تتحداه أن ينكر: " لم يكن زواجنا سيئاً."
اعترف قائلاً: " لا، ليس بالمطلق." بدأ التعب عله وهو يتابع بخشونة: " أذهبي إلى غرفتك، آلي."
بسرعة مرت أمامه ودخلت المنزل.
عندما استقرت فيما بعد على سريرها أخذت تتذكر ما رأته في المعمل. علمت أنها تكن له الكثير من المشاعر، وبدأت تردد، أنا أحبه. بعدها سيطر عليها الإرهاق فنامت على الفور.
جلست إلويز ومددت ظهرها وذراعيها. لقد كانت تعمل طوال النهار وباستثناء الغذاء فلم تأخذ أي فرصة للراحة. لقد كان العمل ينجز ببطء. كانت متأكدة أنها لم تنجز من قبل تركيب دراجة. وأحياناً كانت تنظر لفترة طويلة لبعض الأجزاء لتعرف أين مكانها.
تمتمت: " ما كان عليه أن يكون قاسياً هكذا عندما فككها."
قطع تذمرها طرقة على الباب وبدت كأنها رفسة من القدم أكثر منت اليد، قالت: " ادخل."
سمعت: " لا أستطيع أن أفتح الباب، فيداي مليئتان."
عرفت صوت جوناه. شعرت بالسعادة لمجرد سماع صوته. فكرت، لا أستطيع أن أصدق أنني منجذبة هكذا إليه. مسحت يديها ببنطالها، وسارت نحو الباب. تضاعفت دهشتها ما إن فتحت الباب. شمت رائحة البيتزا ورأته يحمل أيضاً صندوقاً يحتوي على ست علب من المرطبات.
قال وهو يقدم لها البيتزا: " اعتقد أنك تستحقين إجازة من طعام سارة."
قالت: " شكراً." وهي تبتعد عن الباب ليدخل.كانت لا تزال كالمصدومة من وجوده هنا مع العشاء. بعدها تذكرت عمتها، قالت: " وماذا عن سارة؟ أتمنى أنها لم تمض طوال فترة بعد الظهر وهي تحضر العشاء."
أجاب وهو يضع بعض المرطبات في براد صغير: " اتصلت بها باكراً وقلت لها أنها تستحق أمسية لها. أحضرت لها البيتزا وقالت أنها تريد الذهاب إلى السينما."
نظرت إليه وأحست أنه غير مرتاح لما فعله، فقالت: " رائحة البيتزا شهية."
" إنها نباتية، وكان الطعام المفضل لديك."
وضعت صندوق البيتزا في مكان فارغ على الطاولة. فتحته واشتمت الرائحة. قالت: " اعتقد أنها لا تزال كذلك."
سارت نحو المغسلة لتغسل يديها، كانت متأكدة أنها لمحت نظرة من الارتياح في عينيه. وفكرة أنه يريد حقاً أن يسعدها أعطاها إحساس كبير بالفرح. قالت لنفسها غاضبة، أنت تبالغين. ألم يقل بكل صراحة أنه يريد هاء هذا الزواج؟
وأضافت، أنه عليها أن تشعر بالراحة لموقفه هذا. فما الذي تعرفه عنه حتى الآن أنه رجل يصعب العيش معه...لا، صححت لنفسها من المستحيل العيش معه. وربما هذا هو السبب الذي لا يجعلها تتذكر ما الذي حدث بينهما. ما إن عادت إلى المكان الذي وضعت فيه البيتزا، حتى ناولها جوناه علبة مركبات. كانت العلبة باردة لكن عندما لمست أصابعه يدها شعرت بحرارة وكأن تياراً كهربائياً قد لمسها.
حسناً، حسناً، إنها منجذبة إليه، بصورة قوية جداً. لكن كما يبدو هي وحدها تشعر هكذا. وإن كانت ذكية لما فيه الكفاية ستتركه وشأنه ببساطة. ولزيادة حزنها، مجرد التفكير بذلك جعلها تشعر بإحساس قوي من الندم.
تأوهت بصمت بسبب قدرته على إرباك عواطفها وجعلها غير واثقة من أي موقف تتخذه. بدا على وجهها تصميم. وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي ستؤمن لها السلام الداخلي. قالت: " عندما بدأت العمل بهذه..." وتوقفت عن الكلام لتشير إلى الكومة في وسط الغرفة: " اعتقدت أن أبي هو من علمني. لكن الحقيقة أنه أنت من فعل ذلك، أليس كذلك؟ "
أعطاها قطعة من البيتزا ونظر إليها متعجباً: " كنت معتادة على الجلوس لتراقبينني وأنا في عملي. وفي أحد الأيام، قلت أن ما أفعله يبدو مسلياً وطلبت مني أن أعلنك. كما وأنك تعلمت بسرعة فائقة."
قالت: " ربما ورثت حب العمل اليدوي من والدي."
قال موافقاً: " ممكن جداً." وأعاد انتباهه للبيتزا.
رغبة منها في جعل النقاش الدائر بينهما مستمراً سألته: " هل تعلمت بسرعة؟ "
أجاب: " نعم." وكأنه يرغب في قطع الحديث، أومأ إلى قطعة البيتزا التي تحملها، قال: " علينا أن نأكل قبل أن يبرد الطعام." حمل صوته رسالة أنه لا يرغب في متايعة الحديث.
مرة ثانية رأت عدم الإرتياح في عينيه. وبدأت بتناول قطعة البيتزا.
ما إن انتهت من تناول آخر قطعة، حتى أخذت تنظر إليه خفية. فمنذ عودتها من المستشفى وهو يتجنب رفقتها، وعندما لا يتمكن من ذلك كان يجعل اللقاء قصيراً قدر الإمكان. لكن الليلة ها قد جاء باحثاً عنها وراغباً في تناول العشاء معها.
مرّ في بالها أنه ربما قد حان الوقت ليغادر وقد أحضر البيتزا ليودعها.
ربما من الأفضل أن يرحل. لكن بدلاً من الراحة التي أرادت أن تشعر بها، شعرت بالحاجة إلى شيء يجبره على البقاء. تأوهت بصمت من إحساسها بالإحباط. إنه يجعلها تشعر بالارتباك.
قال بصورة غير متوقعة: " كنت أتساءل إن كنت تريدين بعض المساعدة."
بالكاد استطاعت أن تخفي دهشتها. أنه يعرض عليها البقاء... وأن يعمل معها أيضاً. أجابت: " بالطبع، إذا كنت تريد." محاولة أن تخفي فرحتها. ففي النهاية، لديها كبريائها وحتى هذه اللحظة، كان واضحاً أنه يريد البقاء بعيداً عنها قدر الإمكان.
أصبحت تعابير وجهه أقسى وهو يقول: " أعتقد أنك تعملين بصورة جيدة بمفردك."
أمسك بعلبة البيتزا الفارغة واتجه نحو الباب.
تضايقت من نفسها، لقد بدت باردة جداً، وغير مهتمة لوجوده. نسي كبريائها، وأسرعت أمامه لتمنعه من الخروج، قائلة: " في الواقع، أعاني بعض المشاكل، فأنا لم أجمع دراجة بشكل كامل من قبل، وأنا حقاً بحاجة للمساعدة."
تردد للحظة، لقد كانت متأكدة أنه يعيد النظر بعرضه. بعدها هز رأسه وغير اتجاهه.
اختارت إلويز أن لا تجري معه أي نقاش، ما إن بدآ العمل. وصفت نفسها بالجبانة، لكنها لا تريد ان تطارده. ولترضي كبريائها، اعترفت لنفسها، غن سمحت له بالرحيل، فلن تعرف أي شيء عنه.
لكنها بعد فترة، شعرت أنها تعرف الكثير عن شخصيته وبدون أي نقاش. إنه متحمس جداً لعمله كما وأنه كفوء جداً. وبلكن الذي أثار دهشتها فعلاً، كم هو صبور. لم يحاول أن يعيد بناء الدراجة بنفسه بل ترك الأمر لها. وعندما تتعرض لأي مشكلة أو عندما تحاول أن توصل قطعة بطريقة خاطئة، كان يشرح لها بهدوء كيف يتم القيام بذلك، بعدها يتركها تقوم بذلك بنفسها.
ابتسمت بفخر ما إن أنهت بناء هيكل الدراجة. قالت بثقة: " انتهيت."
نظرت إلى جوناه مبتسمة وقالت: " وماذا الآن؟ " شعرت بفيض من الذكريات ما أنها تفوهت بهذه الكلمات. رأته في خيالها يقترب منها ويقبلها.
أبعد نظره عنها ونظر إلى الدراجة قائلاً: " لقد تمكنت من إعادة بنائها."
اختفى شريط الذكريات. هل قبلها مرة في ظروف مماثلة أم أنها أرادته أن يقبلها فتصورت ذلك؟ حدقت بالدراجة لتتجنب النظر إليه، وقد أجبرت نفسها على مواجهة الحقيقة. لقد كانت تحب زوجها، لا بد أنه التفسير الوحيد لرد فعلها نحوه. ولكن الذي لا تعرفه هل أحبها يوماً؟
نظرت إليه من زاوية عينها، ورأت وجهه القاسي، لا يسمح جوناه تافش لأحد أن يكون مقرباً إليه. كيف وقعت بحبه؟ بعدها تذكرت ليلة العاصفة وكيف أمضى الليل في غرفتها كي لا تخاف. وكذلك يوم ذهبت بنزهة إلى الجبل بمفردها، كيف أتى يبحث عنها ليتأكد انها بخير. اعترفت، أنه رجل جيد وشريف. وعندما فكرت كيف أنه يدفع لها المال الذي أقرضته اياه تأكدت من أنه إنسان صادق وفخور بنفسه وهو يستحق كل حب واحترام.
لكنه لا يحبها، لمعت هذه الفكرة فجأة في خاطرها. كل حدس وإدراك عندها أخبرها أن ما تفكر به صحيح.
أعادت كامل انتباهها إلى الدراجة. لكن عندما حاولت تحريكها علمت أنها ثقيلة ومربكة.
قال جوناه: " هيا، دعيني أساعدك." لمس كتفه كتفها ويده يدها وهو يساعدها على حمل الدراجة.
حدقت بالدراجة محاولة أن تسيطر على نفسها. وعندما شعرت أنها تستطيع ذلك، كان مجيراً ليقترب منها أكثر. فأحست بأنفاسه على عنقها.
ابتعد عنها عندما رفع الدراجة قليلاً عن الأرض وأعادها إلى مكانها. قال وهو يقف: " لقد أصبحت الساعة الحادية عشرة. وأعتقد أنه حان لك أن ترتاحي، سأساعدك في ما تبقى صباح الغد."
نظرت إليه وقالت اسمه بصوت ناعم: " جوناه؟ "
أصبح وجهه أكثر توتراً. وأدركت أنها تعرف تلك النظرة, إنه يتصارع مع نفسه وقد وصل إلى استنتاج لما يريده.
قال بخشونة: " قدومي إلى هنا الليلة كان غلطة، وزواجنا أيضاً كان غلطة."
أحست بألم قوي في معدتها. كان هناك حسم واضح في صوته مما جعلها تدرك أنه اتخذ قراره. حاولت أن تستدير وتدعه وشأنه لكن شيئاً بداخلها رفض الانصياع قالت: " لماذا وجودك هنا غلطة؟ ولماذا كان زواجنا غلطة؟ "
تجهم وجهه وكأنه غاضب من نفسه وقد فقد صبره لعدم إدراكها الأمر: " نحن من عالمين مختلفين. لا أستطيع أن أنسجم في حياتك ولن اطلب منك أبداً أن تنسجمي مع حياتي."
قالت تجادله: " كلامك يبدو كجملة قديمة في مسرحية رديئة جداً."
قال: " إنه الواقع." تضايقت من محاولته ليسيطر على طبعه. أشار إلى آثار الجرح في خده وتابع: " أنت لا تتذكرين كيف حدث هذا. حسناً سأذكرك. لقد هاجمني رجل بينما كنت في حانة في نيواوليانز وأنا في التاسعة عشر من عمري. قتلت رجلاً في ذلك الشجار. اقترب مني وهو يحمل سكينا وتمكن من جرح خدي. أبعدته عني فسقط على الأرض وأصاب عنقه. أمضيت سنة ونصف فس السجن بسبب موته."
شعرت بالألم من فكرة أنه تعرض للعذاب. شعرت بغضب شديد وقالت: " كنت تدافع عن نفسك لا يحق لهم وضعك في السجن."
أجاب ببرودة : " كان درساً لي لأتعلم كيف أختار أصدقائي. فالإنسان يحكم عيه من خلال من يعاشر. فلو مثلاً، أمك أو زوجها أو حتى طومبسون علموا بأمر سجني فلا بد أنهم سيزيدون ما يشاؤون على القصة وستجدين نفسك ميعدة عن هؤلاء الذين يدعون أنفسهم أصدقاءك."
فكرت ربما اكتشافها معلومات عن سحنه هي التي أفقدتها ذاكرتها. قالت: " ومتى علمت عن ماضيك؟ "
رفع كتفيه وقال: " أنا أخبرتك قبل زواجنا."
استنتجت، حسنا ليس هذا ما يحاول عقلها الاختباء منه، نظرت إليه وقالت: " من الواضح أنني لم اهتم للأمر.ط
اعترف قائلاً: " لا، لم تفعلي وهذا ما فاجأني. عندما أخبرتك، تصورت أنك ستهربين مني كما يهرب الأرنب من الثعلب، لكنك لم تفعلي. قلت أن عرضك مازال قائماً."
استمرت إلويز تراقبه، قالت وقد ضاقت نظراتها: " ومن الواضح، في ذلك الوقت، لم تكن مهتماً بسمعتي أن تتأثر من الناحية الاجتماعية." أحست بمارة وهي تتابع: " أم أن حصولك على مالي كان مهماً جداً لك، فلم تهتم لما سيحدث لي و الآن بعد أن حصلت على ما تريده أصبحت أكثر شهامة؟ "
غضب من اتهامها، قال: " عندما تزوجت بك تصورت أنك تعرفين ما الذي تفعلينه فكرت فيك دائماً وتصورت إن عرف أحد بماضي، ستدعين ببساطة أنك لم تعرفي شيئاً عن الموضوع وتتخلي عني، لكن لم تكوني كما توقعت. أنت امرأة محترمة."
قالت من دون أن تفكر: " هل كنت زوجة مملة؟ " بعدها وجدت نفسها تضيف: " هل بسبب ذلك تجد التخلي عن زواجنا أمر سهل لك؟ "
تنهد بقوة وقال: " لم تكوني أبداً مملة. إنني ببساطة أفعل ما أراه الأفضل لكلينا."
أشار نحو الباب وتابع: " والآن إلى المنزل وسأقفل المعمل بنفسي."
ارادت أن تسأله كيف يمكنه أن يكون متأكداً عما هو أفضل لكليهما لكن لم تتمكن من أن تلفظ تلك الكلمات. إنه يعلم ما هو الأفضل بالنسبة له وهذا ما يهمه. إنها لن تتمسك بشخص لا يريدها.
حاولت طوال الوقت وهي تستعد للنوم أن تبعده عن فكرها، لكن تلك العينين البنيتين بقيتا في مخيلتها. فكرت بإحباط: " بعض الرجال لديهم كبرياء لا يحتمل."
استقلت في سريرها، وسمعت وقع خطى على الدرج. علمت أنها خطوات جوناه لأنها عندما صعدت إلى غرفتها سمعت عمتها تغط في نوم عميق. أدركت أنها كانت تنتظر لتسمع وقع خطواته لتتأكد أنه في المنزل. تضايقت من نفسها لرغبتها في وجوده معها، أغمضت عينيها وأجبرت نفسها على النوم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 8:43 am

الفصل التاسع





نزلت إلويز إلى الطابق الأرضي لتتناول الفطور ولتجد أن جوناه قد تناول فطوره وغادر.
قالت سارة: " كان يتناول عجة البيض عندما دخلت المطبخ." ونظرت إلى ابنة أخيها بقوة وتابعت: " لم تتشاجرا البارحة، أليس كذلك؟ "
أجابت: " لا." وبدون إدراك منها، توجهت نحو الباب الخلفي وقالت: " نسي شيئاً البارحة في المعمل، سأعود على الفور."
وهناك علمت لماذا جوناه عاد متأخراً إلى غرفته ليلة البارحة. لقد بقي هنا وأكمل عمله في الدراجة. تمتمت بضيق: " فقط ليتجنب العمل معي." فكرت أن الحل الأفضل لكليهما هو أن تجمع أغراضه وأن تضعهم قرب الباب بانتظار عودته، وقالت تحدث نفسها: " وهذا تماماً ما سأفعله."
شعرت بألم في داخل صدرها من اتخاذها لهذا القرار لكنها تجاهلته.
سألتها سارة ما إن عادة إلى المطبخ: " هل وجدت ما كنت تبحثين عنه؟ "
أجابت إلويز بوضوح: " عمل جوناه على إصلاح الدراجة بنفسه كي لا يجبر على مساعدتي، ربما أنه يعلن بصراحة تجنب رفقتي، لقد قررت أنه حان الوقت ليغادر المنزل. عندما يعود هذا المساء سيجد أمتعته بانتظاره في الردهة الخارجية. "
أمرتها سارة قائلة: " حسناً، ستحتاجين إلى طاقة للقيام بذلك لذا اجلسي وتناولي فطورك."
شعرت إلويز بخيبة أمل كانت تتمنى أن تحاول عمتها التحدث معها بشأن إبعاد جوناه عن المنزل، سمعت نفسها تقول: " كان لدي انطباع أنك تحبين جوناه."
" أنا أحبه حقاً. لكن عليك اتخاذ قراراتك بنفسك."
أشارت سارة نحو الطاولة وتابعت: " اجلسي، لقد حضرت لك الشوفان مع الزبيب والبندق والقرفة."
تمتمت إلويز: " أكره الشوفان، طوال عمري أكره الشوفان."
ابتسمت سارة بفرح وقالت: " يبدو وكأن ذاكرتك تعود إليك."
شعرت إلويز بالفرح وقالت: " نعم، إنها كذلك." نسيت الشوفان وأخذت تفكر بأمور أخرى علها تتذكرها، لكنها لم تستطع، تابعت بخيبة أمل: " من الواضح أن كرهي للشوفان كان مجرد ومضة فقط."
ضمتها سارة إليها مشجعة وقالت بثقة: " ستتذكرين كل شيء في الوقت المحدد. مهما يكن، الشوفان صحي جداً. ومن المؤسف أنك تعتقدين أنك لا تحبينه، لأنك ستأكلينه."
جلست إلويز وهي تعلم أن الجدال لن يفيدها بشيء، ملأت ملعقة ووضعتها في فمها.
اعترفت، من الواضح أن طعمه ليس سيئاً وبدأت بتناول فطورها.
ملأت سارة فنجان قهوتها وجلست بقرب ابنة أخيها. بدا عليها التفكير وهي تقول: " هل تعلمين، يذكرني جوناه بإنسان عالجته مرة."
قالت إلويز بغضب: " لا بد أنها كانت تجربة مروعة."
تجاهلت سارة سخرية ابنة أخيها وتابعت: " كان يعمل في الأفلام السينيمائية والتلفزيون التي بحاجة لأعمال خارقة. ولقد أصيب بعدة كسور أثناء قفزة من هليكوبتر. لم أقابل يوماً أحداً مثله، فهو يبدو وكأن لا شيء يخيفه. ولقد أراني أفلاماً لأفضل ما قام به وفي أحد الأفلام تعرض لعرض لجعل العنكبوت تسير عليه وهي من النوع الكبير ذات الشعر الكثيف."
ارتجفت إلويز وقالت: " فهمت ما تقصدين."
قالت سارة: " سألته مرة كيف تمكن من القيام بكل هذه الأعمال."
وعندما صمتت عمتها فجأة، نظرت إلويز إليها وقالت: " و بماذا أجابك؟ "
نظرت سارة إلى عيني إلويز وأجابت: " قال أن الحيلة بعدم الاهتمام. قال أنه لا يمكن أن يصاب بالألم إذا لم يهتم."
بقيت إلويز تحدق طويلاً بعمتها. وبدأت بعض ذاكرتها تتفتح أمامها. لم تكن واضحة ودقيقة تماماً، بل ومضات سريعة. بعد قليل نهضت وهي تقول: " أعتقد أنني بحاجة للجلوس على الشرفة لأفكر."
قالت سارة: " اذهبي وافعلي ما تشائين."
جلست إلويز على أرجوحة الشرفة وأخذت تتذكر بعض ذكرياتها جيدة وبعضها الآخر سيء.
مهما يكن، شيء ما أثار انتباهها. تذكرت عندما تزوجت هي و جوناه، لم يبد رجل الدين أي اعتراض عن زواجهما. وفي ذلك الوقت، كان لا يزال جديداً في البلدة. كان قد وصل إلى هونسبرغ منذ سنتين فقط واعتقدت أنه لم يقم بنصحها عن التخلي عن زواجهما لأنه يعلم أنها لا تعمل إلى ما تريده وهو لا يريد أن يغضبها فتمتنع عن تقديم المساعدات المالية للمؤسسة.
لكن عندما أتى لزيارتها في المستشفى، كان جوناه هناك. سلم رجل الدين بحرارة على جوناه وكان تصرفه معه ودوداً ولطيفاً. وهذا ما جعلها تعتقد أن رجل الدين يحب بصدق جوناه ويحترمه.
" هل تريدين أية مساعدة لتوضيب أغراض جوناه؟ "نظرت إلويز باتجاه الباب لترى عمتها واقفة هناك وجاهزة للعمل، أجابت: " لقد قررت أن أعيد التفكير بقراري."
قالت سارة: " إذاً سأعود ثانية إلى المطبخ." وغادرت.
نهضت إلويز عن الأرجوحة وعادت إلى الداخل لتبحث عن حقيبتها ومفاتيح السيارة.
بعدها ذهبت إلى سارة وقالت: " لقد بدأت أتذكر أشياء عديدة، ومن هذه الأشياء كيف أقود السيارة. سأذهب إلى البلدة."
أجابت سارة بلهجة آمرة: " سأتوقع عودتك على الغذاء. وإن كنت ستتأخرين اتصلي بي، وإلا سأطلب جوناه والشرطة لتبحث عنك."
ضمت إلويز عمتها وقالت: " لا تقلقي. سأكون بخير."
بعد مضي قليل من الوقت كانت تجلس في مكتب رجل الدين تتحدث إليه.
قال: " تسعدني رؤيتك معافاة وبصحة جيدة."
علمت أنه لاحظ أنها أغلقت باب المكتب عندما دخلت، وعلمت مع التهذيب الواضح في تصرفاته هناك قليل من الفضول في عينيه، قالت أصبحت أتذكر بعض الأمور."
ابتسم بحرارة وقال: " يسعدني سماع ذلك."
تابعت: " لكن أثار ما أتذكره الكثير من الحيرة والشك في ذهني."
شجعها عندما لاحط ترددها، قال:" تابعي. "
ازداد توترها وهي تقول: " لا أريد أن أزعجك ولكن ليس هناك طريقة مهذبة لقول ما أريد قوله."
أجاب: " أؤكد لك أنني لن أنزعج مطلقاً."
قالت: " عندما أتيت أنا وجوناه لنطلب منك عقد قراننا، لم تحاول أن تنصحنا بالتفكير بالأمر بأية طريقة ما. في ذلك الوقت افترضت أن الأمر لا يعنيك، وأن اهتمامك بي يعود إلى أنني امرأة ثرية ولا تريد أن تخسر الهبات التي أقدمها سنوياً للمؤسسة."
ابتسم لها ليعلمها أنه لم ينزعج أبداً مما قالته، قال: " لم أحاول أن أقدم النصح لأي منكما لأنني اعلم أنكما من الناس الذين لا يأخذون بنصيحة أحد.. كما وأنني أثق بأنكما تعرفان جيداً ما هو الأفضل لكما."
تجهم وجهها وقالت: " لكن كيف يمكن أن تثق بجوناه؟ فأنا متأكدة أنه لم يحضر يوماً إلى هنا قبل زواجنا، ومما أتذكره أني متأدة أنه لم يحضر بعد ذلك أبداً."
قال يؤكد: " هذا صحيح."
تابعت بسرعة: " والذي يثير حيرتي أكثر طريقة معاملتك لجوناه عندما زرتني في المستشفى، فلقد شعرت أنك معجب به."غابت البسمة عن وجه رجل الدين وقال: " قد يكون أدق تعبيراً القول أنني أعرف زوجك أكثر من أني أعرفه شخصياً."
قالت إلويز باهتمام: " احتاج للقيام ببعض القرارات، وأحتاج لأعرف ما الذي تعرفه."
جلس رجل الدين على كرسيه براحة ونظر إليها مفكراً، قال: " لا أعتقد أن هناك سبباً أخلاقي يمنعني من عدم إخبارك. اكتشفت من خلال إهتمامياً بأهل هذه البلدة أن زوجك يقدم العون لعدد منهم."
حدقت إلويز به متفاجئة، قالت: " جوناه؟ "
" إنه يصلح شاحن إيرل ستانسون العجوز منذ عدة سنوات مقابل وجبة غذاء أو فطيرة تفاح بين الحين والآخر."
قالت: " أتذكر أنه كان يحضر الفطائر أو وعاء من العسل بين الحين والآخر ويقول هذه هدايا من زبون راض عن عمله." وتذكرت زياراتها لجوناه في الكاراج.
ولقد ذكر طومي أن جوناه يساعد السيدة ليستر وأنه من المحتمل ستحضر السيدة بعض الحلوى في اليوم التالي. وأدركت الآن أنهربما جوناه لا يقبض أي أجر من تلك المرأة العجوز.
تابع رجل الدين: " لقد سمعت من بعض الناس، أنهم عندما مروا بأوقات صعبة كانوا يسمعون طرقة على باب بيتهم بعد حلول الظلام ويجدون هناك سلة مليئة بالطعام. وفي بعض الأحيان كانوا يجدون مالاً في السلة أيضاً. تبقي السيدة جارفز العجوز عينها على كل شخص وكل شيء، ولقد قالت أنها رأت جوناه يضع سلة أو اثنتين. لكننا اتفقنا طالما هو لا يريد أن يعلم أحد بذلك، أن نبقي الأمر سراً بيننا. كما وأن الناس الذين يساعدهم هم أشخاص فخورين بأنفسهم وسيشعرون أنهم ممتنون له وهذا ما لا يريده على ما أعتقد."
هزت إلويز رأسها موافقة. فجوناه لا يريد أي شيء من أي شخص.
أضاف رجل الدين: " كما أن هناك طومي دون، وضعه جوناه تحت حمايته ورعايته."
لمعت ذكرى جديدة في مخيلتها فقالت: " يريد جوناه أن يرسله إلى الجامعة."
اتكأ رجل الدين على مكتبه وقال: " لقد ذهبت إلى جوناه أجد الأيام، وشكرته على المساعدة التي يقدمها قال أنه يفعل ذلك لأنه ينفذ وعداً قطعه لسليد غيلدر. قال لقد طلب منه سليد أن يفعل عملاً جيداً من أجل ذكراه." تابع وهو يقترب من مكتبه أكثر: " لكن إذا رأيت رأيي، جوناه إنسان جيد وهو يقوم بهذه الأفعال لأنه يريد ذلك وليس لأنه يحافظ على وعد قطعه."
أجابت: " أقدر لك إخباري بذلك."
نظر إليها مفكراً وقال: " أتمنى أن أكون قد ساعدتك."
أجابت: " لقد فعلت، أكدت لي أشياء يقولها لي حدسي وأحاسيسي."
قال: " إذا أردت التحدث عن هذا القرار الذي تريدين اتخاذه، أنا هنا لأصغي."
نهضت وهي تقول: " كما قلت، فأنا معتادة على اتخاذ قراراتي بنفسي."
ابتسم مشجعاً وقال: " إذا غبرت رأيك، سترين أبوابي دائماً مفتوحة لك."
أجابت: " شكراً لك." وغادرت.
أخذت تفكر بجوناه وهي تقود سيارتها نحو المنزل.
وكما أخبرت رجل الدين، لم تعد ذاكرتها بالكامل، لكنها تتذكر أنها كانت يائسة لإنجاح زواجها. وما قاله لها رجل الدين أكد اعتقاداتها أن زوجها رجل يستحق كل الحب.
قالت وكأنها اتخذت قرارها: " ليس لديه أحد أفضل مني لذلك عليه البقاء معي."
أعطتها المعلومات التي سمعتها من رجل الدين الأمل بأن الجدار الذي يحيط قلب جوناه قابل للاختراق بعكس ما كانت تتصور، وحتى لو لم يفتح قلبه لها، فهي لا تبالي. تريد أن تشاركه حياته حتى تجد مكانا أفضل له. وستفعل كل ما بوسعها للاحتفاظ به.
قالت سارة ما إن رأت إلويز تدخل المطبخ: " تبدين وكأن لك هدفاً واضحاً أمام عينيك."
أجابت إلويز: " لقد قررت الاحتفاظ بزوجي."
ابتسمت سارة: "عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة."
قالت إلويز: " يشبه جوناه كلب مسعور أكثر مما يشبه العصفور، لكنه يسيحق المحاولة والتحدي."
قالت سارة: " لقد استعدت ذاكرتك."
" فقط بعض المعلومات والذكريات من هنا وهناك. لكنني أعلم حقاً أنني أريد لزواج النجاح."
أجابت سارة بثقة: " أنا متأكدة أنك ستنجدين طريقة للقيام بذلك."
ضمت إلويز عمتها إليها، وبعدها اتجهت نحو البراد وأخذت تفرغ ما فيه من طعام، قالت: " أريد أن أخضر الغذاء وآخذه إلى جوناه. سيكتشف أنه من الصعب عليه أن يتجنب رفقتي."
بعد قليل من الوقت، وصلت إلى محطة جوناه وهي تضع الغذاء بقربها على المقعد والرفراف والدولاب في صندوق سيارتها.
قال وهو يخرج من إحدى الفتحات: " اعتقدت أنك ستمضين النهار بطوله وأنت تصلحين دراجتك."
أجابت: " هذا صحيح." تابعت وهي تتجاهل فقدان الصبر في صوته: " لقد وعدتني أنك ستصلح لي الرفراف كذلك أحتاج لتصليح الدولاب."
" دعيهم هنا، سأهتم بهم بنفسي ما أن أنتهي من السيارة التي أصلحها."
وقبل أن تجيبه، بدأ بالسير عائداً إلى الكاراج، تمتمت: " لن تتخلص مني بهذه السهولة."
تبعته إلى الداخل، واقتربت من السيارة التي يصلحها. وقفت بقربه ما إن دخل تحت السيارة. لمست كتفه بكتفيها وهي تحاول أن تنظر إلى داخل محرك السيارة، قالت: " ما بها؟ "
أجاب ببرودة: " لم أعرف بعد. إنها تتوقف باستمرار، أعتقد أنها الشراقة."
اقتربت منه أكثر وقالت: " أين هي الشراقة؟ "
قال بحدة وبفقدان صير: " حيث لا يمكنك رؤيتها."
شعرت بتوتر أعصابها، ربما السبب الحقيقي لرغبته في إنهاء زواجهما إنه متضايق من كونه متزوج ويريد استعادة حريته, وهي لن تحاول الاحتفاظ به رغما عنه.
قال: " تقفين قريبة جداً مني، أحتاج لمساحة لأجرك كوعي." فكرت بأن تقول له بأن ذاكرتها قد عادت إليها وأنه يمكنه الرحيل ساعة يشاء وهو مرتاح الضمير. عندها رأت عينيه تلمعان بالشوق. وعلى الفور أعاد انتباهه للمحرك.
استعادت قوتها، وقالت بسرها، حيث هناك حجر، يمكن إشعال نار. بعدها ضحكت على نفسها، لقد أصبحت تشبه سارة كثيراً.
ابتعدت قليلاً عنه وقالت: " لقد أحضرت لك الغذاء."
قال: " شكراً. " وأسقط الآلة التي كان يمسك بها وفضح نفسه في تصرفه الأخرق.
حاولت إلويز أن لا تبتسم، عندما أدركت أن وجودها يسبب له الإرباك، قالت لنفسها محذرة، من الأفضل أن لا تندفع بسرعة.
أجبرت نفسها على تركه بمفرده ولو لفترة قصيرة، فوقفت وسارت مبتعدة إلى الخارج. وبينما كانت تسير أخذت تتمايل قليلاً، وكأن شيء ما لمسها برقبتها، نظرت إلى ما وراء كتفها. رأته يراقبها وكانت متأكدة من الشوق في عينيه. على الفور أعاد انتباهه إلى السيارة، قالت لنفسها مشجعة، حتى الآن كل شيء جيد. فتحت صندوق سيارتها وأخرجت منه الرفراف والدولاب.
وجدت من الصعوبة البقاء بعيدة عنه، فهي تشعر بالشوق لمجرد النظر إليه.
" مرحباً." استدارت لنداء صديق واكتشفت أنه طومي يقترب منها.
قال: " لقد ذهبت لتصليح سيارة رئيس البلدية، لقد نسي السيارة مضاءة طوال الليل." نظر إلى الرفراف والدولاب وتابع: " تبدو هذه كمقطع من دراجتك."
" إنها كذلك، ولقد أتيت بها لإصلاحها." شعرت وكأن جزء منها سعيد لوجود الفتى، فهكذا ستبقى متزنة، أما الجزء الآخر فهي تريد جوناه بمفردهما. اعترفت أنها مجنونة حقاً به، وشعرت بالارتباك من قوة عاطفتها نحوه.
قال طومي: " دعيني أساعدك." وحمل الرفراف والدولاب إلى داخل الكاراج. تابع بعد أن نظر إليهما جيداً: " لم يقطع الدولاب كل ما نحتاج إليه هو إطار جديد، لكن الرفراف بحاجة إلى وقت لإزالة كل الضربات عنه."
سمعت إشارة أن هناك زبون يريد أن يملأ سيارته وقوداً
قال طومي معتذراً: " علي الذهاب." وأسرع إلى الخارج.
غير قادرة على البقاء بعيداً عن جوناه، عادت إلويز إلى جانبه ببطء، وكأنها تتجول بدون قصد منها. وقفت بقربه وكأنها تهتم لعمله، قالت: " كيف تجري الأمور؟ "
قال مقترحاً: " طالما تشعرين بأنك أفضل، ألا ترين أن أفضل ما يمكنك القيام به هو التنزه برفقة عمتك لمشاهدة البلدة؟ "
لاحظت أنه لم ينظر إليها، كما وأنها سمعت تلك اللهجة في صوته والتي لا تحمل شيئاً من الغضب بل وكأنه متضايق من نفسه. فحاولت أن لا تبتسم.
سمعت صوت جرس من داخل المحطة يعلن وصول زبون اشترى الوقود ويريد أن يدفع الثمن فقط. رأت طومي ما زال منشغلاً، قالت: " أكثر ما يسعد عمتي هو أن تترك على هواها. سأتولى الاهتمام بالزبون."
وكما في المرة السابقة تعمدت السير بدلال أكثر ونظرت من وراء كتفها، فرأته ينظر إليها هذه المرة، لم يكن هناك أي التباس من نظرة عينيه. وبسرعة أعاد انتباهه للمحرك. اقتربت من صندوق المال وابتسمت . هذه اللعبة تسليها حقاً.
لكنها اعترفت بعد قليل وهي تحمل سلة النزهة، أنها محبطة أيضاً. فمع وجود كومي والزبائن لم تتمكن من التحدث معه إلى قليلاً.
لكن الآن تمنت أن تتناول الغذاء معه بمفردهما.
قال طومي وقد اقترب ليساعدها: " طلب مني جوناه الانضمام إليكما على الغذاء. قلت له أن لدي غذاء في البراد لكنه أصر عليّ."
حاولت إلويز أن لا تتأوه، قالت معترفة: " لقد أحضرت طعاماً لعشرة أشخاص."
وتذكرت كيف أخذت ترمي الطعام في السلة ولم تتمكن من التوقف حتى سألتها عمتها إن كانت ترغب في إطعام سكان البلدة كلها. أضافت بتهذيب: " يسعدني جداً أن تنضم إلينا."
قالت لنفسها بعد مرور عدة دقائق أنها لم تتصور الغذاء مع جوناه سيكون هكذا، جلست إلى طاولة تحت الشجرة قرب المحطة، نأكل سندويش بمفردها بينما جلس جوناه وطومي يتحدثان عن أهم الأشياء في تصليح الشراقة. وصلت سيارة ووقفت في مكان تعبئة الوقود للخدمة الذاتية فتطوعت أن تأخذ المال منه. ابتعدت عن الطاولة وهي تفكر إن كان جوناه سيلاحظ غيابها، فأدارت رأسها لتراه، ومن زاوية عينيها رأته ينظر إليها. ابتسمت بفرح وهي تنتظر الزبون.
بعد مضي قليل من الوقت وبينما كانت تعيد ترتيب ما تبقى من الطعام وتصر على طومي أن يأخذها ويضعها في البراد، قررت أن بقائها في المحطة لن يجدي نفعاً.
قالت لجوناه عندما ذهب طومي ليضع الطعام في شقته: " أعتقد أنني سأذهب لأرى سارة."
أجاب موافقاً: " أعتقد أنها فكرة جيدة."
كان عليها أن تشعر بالغضب لكنها اعترفت أن وجودها لقد أعاقه عن عمله. فلديه سيارتين بعد بحاجة للتصليح كما وأن العمل الذي يقوم به منذ أن وصلت احتاج لوقت أكثر.
" أراك وقت العشاء." لقد كان واضحاً أنه يريد البقاء بعيداً عنها وهو ليس من النوع السهل الذي يسمح لأحد أن يثنيه عن عزمه.
.................................................. ..........................
عندما عادت إلى المزرعة، عملت على إعادة تصليح دراجتها. كانت قد تركت الرفراف في الكاراج، وكان طومي قد بدأ العمل به لكنه بحاجة لمزيد من الوقت. أما بالنسبة للدولاب، فقد وضع له طومي إطاراً جديداً أعادته معها. كانت قد أعادت تركيبه ما إن سمعت كرقة على الباب تبعها دخول مارك طومبسون.
قال بغضب: " لا أستطيع التصديق أنك تصلحين هذه...هذه الدراجة، لقد كدت تقتلين بسببها."
قالت تصحح له: " أنا من سبب الحادث."
رفع كتفيه وكأنه لا بهم من سبب الحادث، وقال: " اتصل صبي أمي وأخبرتني أنها رأتك تعملين في محطة جوناه. من المفترض أنك مريضة ويجب أن ترتاحي."
أثار تصرفه لحمايتها غضبها لكنها أجبرت نفسها على الإجابة بهدوء: " لقد ارتحت لأسابيع في المستشفى. كما وأنني لم أكن أعمل. لقد ذهبت إلى هناك لأعطيه الغذاء وساعدت قليلاً عندما كثر عدد الزبائن."
تنهد مارك بضيق وقال: " أنت تفكرين بالبقاء معه، أليس كذلك؟ "
" إنه زوجي."
قطع الغرفة بخطوات واسعة وأمسك بذراعها بقوة وقال: " أنا من كان عليه أن يكون زوجك. كل من في هذه البلدة توقع زواجنا. فلقد كنت الخيار المناسب."
أبعدت يدها عنه وتراجعت خطوة إلى الوراء: " تزوجت من الرجل الذي أريده."
بدا الغضب واضحاً على وجه مارك، حين قال: " ستنهضين ذات يوم وتكتشفين أن كل مالك وأن زوجك الغالي قد رحلا."
نظرت إليه بتعال وقالت: " أنت مخطئ، هذا لن يحدث أبداً."
قال محذراً: " يوماً ما ستندمين على ما فعلته."
خرج وصفع الباب وراءه، وشعرت إلويز برجفة في جسمها. عادت إليها المزيد من الذكريات. قالت بصوت عال: " لقد أفسده دلال أمه وأبيه، إنه فقط يطلق الكلام ليخفف من غضبه." لقد رأته يفقد طبعه من قبل. وهذا سبب آخر جعلها تسأل نفسها إن كانت ترغب بالزواج منه. وعندما يمر بعض الوقت يندم على غضبه ويعود ليعتذر.
تخلت عن التفكير بمارك، وأعادت اهتمامها للدراجة. رأت أنها حقاً تبدو جيدة، سيكون جوناه فخوراً بها. فجأة سيطرت عليها الشكوك مجدداً. هل هي تقوم بالعمل الجيد بمحاولتها إنجاح زواجها؟ قالت لنفسها بحزم، إنني زوجة جيدة له، وإنني لن أحاول التمسك به إن كان حقاً يريد الرحيل.
نظرت إلى الساعة، وشهقت وركضت باتجاه المنزل. عند عودتها بعد ظهر ذلك اليوم أحضرت معها كل ما يحتاج إليه طبق جوناه المفضل، قالت لسارة أنها هي ستطبخ العشاء. حضرت الشيلي قبل أن تأتي للعمل بدراجتها، تاركة سارة مع أوامر محددة بأن تحرك الطعام بين الحين والآخر وأن تضيف له أي شيء.
عندما طلبت من عمتها خشيت أن تسبب لها الإزعاج لكن عمتها ابتسمت لها مشجعة وكأنها تعرف بما تفكر.
الآن، أخذت تقطع كل درجتين معاً، قالت لنفسها أن لديها الوقت الكافي لتستحم ولتضع خبز الذرة في الفرن قبل عودة جوناه إلى المنزل.
طوال فترة بعد الظهر وهي تفكر ما الذي سترتديه على العشاء. أخيراً استقر رأيها على فستانها القطني الأزرق ذا الياقة المرتفعة والتنورة الواسعة. كان مثبت بأزرار من الأمام من الياقة حتى ذيل التنورة، تذكرت أن جوناه كان يحب هذا الفستان بالتحديد.
قالت سارة عندما نزلت إلويز إلى الطابق الأرضي: " أخشى أن لدي أخبار غير سارة، لقد اتصل جوناه بينما كنت تستحمين."
أكملت هي ما تريد عمتها قوله: " وأن لديه الكثير من العمل وأنه سيتناول أي شيء جاهز للعشاء من محل قريب."
هزت رأسها موافقة، قالت: " قلت له أنك حضرت تشيلي وأنني لم أفعل شيئاً سوى تحريكها. للحظة طويلة اعتقدت أنه سيغير رأيه، بعدها قال، سيتناول بعضاً منها عندما يعود إلى المنزل وأغلق الهاتف." نظرت إلى ابنة أخيها نظرة عطف وتابعت: " إنني آسفة."
قالت إلويز تؤكد لها: " لقد فعلت كل ما بوسعك." وتابعت بلهجة مصممة وكأنها تقول لنفسها وليس لعمتها: " إنني مصممة على الاعتقاد أنه يحاول أن يتجنب رؤيتي لأنه يخشى أن أخترق ذلك الجدار القاسي حول قلبه."
ابتسمت سارة وقالت: " لقد رأيت كيف يتصرف عندما يعتقد أنك معرضة لخطر ما. وبرأيي أن ذلك الجدار سينهار قريباً."
ضمت إلويز عمتها إليها وقالت: " شكراً، أحتاج لسماع ذلك." ابتسمت لها معتذرة وهي تتابع: " سأتركك تأكلين بمفردك، عليه أن يعرف أنه ليس من السهل التخلص مني."
أجابت سارة وهي تدفعها برفق نحو الباب: " كنت لأدفعك بنفسي للذهاب، لو لم تقرري الذهاب بنفسك."
قادت السيارة نحو كاراج جوناه، عندما وصلت نظرت إلى نفسها في المرآة، أعجبتها صورتها.
كان جوناه في إحدى الفتحات قد رفع سيارة وهو يعمل في جهاز العادم. كانت إشارة مغلق قد وضعت على الباب وطومي لم يكن بالجوار،
تذكرت أن لديه صديقة وربما يكون قد ذهب لرؤيتها.
فكرت، على الأقل هكذا سنكون أنا وجوناه بمفردنا. انضمت إلى زوجها تحت السيارة، ورأت نظرة الاستغراب على وجهه. بعدها أعاد انتباهه إلى عمله وقال: " آسف أنني لم أتمكن من العودة للعشاء."
أجابت: " يجب أن تأسف على تناول الحلوى فقط."
نظر إليها وعلى وجهه تعابير من الحزن، قال: " أعتقد أننا اتفقنا على أن أفضل ما نفعله هو أن ننفصل."
لنعت فكرة كانت تدور في رأسها مما سبب لها ألم في معدتها: " هل لديك عرض أفضل؟ هل هناك فتاة ما كنت تتمنى الزواج بها؟ "
قال بضيق: " لا، لا يوجد أحد. لقد أخبرتك بأنني لا أؤمن بالحب وبكل تلك الوعود التي لا قيمة لها."
قالت معترفة: " لقد ذكرت لي ذلك." لكن ألم معدتها لم يتوقف.
أعاد انتباهه إلى عمله وكأنه يعلن أن نقاشهما قد انتهى. تجهم وجهها وقالت: " قد يكون لك القدرة على التأثير على الغير لتتركك وشأنك لكنك لن تأثر علي، جوناه تافش."
بدا الإرباك على وجهه ونظر إليها ثانية.
اعترفت بوضوح: " كنت أخطط للقيام بهذا الحديث في المنزل، مهما يكن، هذا الحديث ليس مناسباً في الأماكن العامة."
قال لها بخشونة: " ثيابك جميلة جداً." ومرة ثانية رأت الشوق في عينيه قبل أن يتمكن من إخفائه.
ازدادت شجاعتها وقالت: " نحن لا نتفق أن أفضل ما نقوم به هو أن ننفصل. أعترف أنك عنيد ومتسلط وأحياناً يصعب التعامل معك لكن كل هذا لا يبدو أنه يزعجني أبداً. لقد تعلمت أن نباحك يؤلم أكثر بكثير من عضك."
قتال محذراً: " انتبهي، لقد بدأت تشبهين عمتك سارة."
تجهم وجهها وقالت: " مهما بالغت في السخرية فلن أغير رأي حدسي يقول لي أنك رجل جيد، وأنا أتبع حدسي دائماً."
بدا على وجهه وكأن هناك صراعاً ما في داخله. تمنت أن تكون العركة لصالحها، تابعت بهدوء: " لقد اعتدت على وجودك بقربي وأريدك أن تبقى معي."
التقت عيناها بعينيه وتابعت: " كزوج حقيقي."
كانت تتوقع أن تحادثت بهذا الموضوع في المنزل، لكنها أنهت كلامها قائلة: " فكر فيما قلته لك، وأنا ذاهبة إلى المنزل وسأنتظرك."
عادت إلى سيارتها وهي تشعر بأن ساقيها لا يحملانها. ماذا إن لم يتبعها إلى المنزل؟
نظرت إلى المرآة الخلفية وهي تسير على الطريق، ورأته لا يزال واقفاً مكانه حيث تركته.
لاحظت أنه لم يعد إلى عمله، وعوضاً عن ذلك كان يراقبها.
عندما ابتعدت عن البلدة، أخذت تبعد يدها عن المقود كي تجفف راحة يدها.
تساءلت مرة ثانية ما الذي ستفعله إن لم يأت، ومرة ثانية شعرت بألم في معدتها.
قالت بصوت عال: " إن لم يأت هذه المرة، سأحاول مرة ثانية. فبعض الجدران أقسى من غيرها لتنهار."
هزت رأسها متعجبة من نفسها، لقد أصبحت بالفعل تبدو مثل سارة.
كانت سارة تجلس على أرجوحة الشرفة عندما وصلت إلويز، سألتها: " هل سيأتي جوناه إلى العشاء الليلة؟ "
أجابت إلويز: " إن أتى، فلن يكون السبب التشيلي."
لمعت عينا سارة بالفرح وقالت: " سأضع الطعام في البراد، لإمكانكما تسخينه إن أردتما."
أجابت إلويز وهي تصعد الدرج: " شكراً." رأت أكثر من مرة لمعان أضواء للسيارة في طريقها لكن كانت تلك السيارات تكمل سيرها باتجاه معاكس...ازداد خوفها كلما صعدت درجة تلو الأخرى.
أطفأت أنوار غرفتها وسارت نحو النافذة وأخذت تحدق في الليل المظلم.
لقد وعدت نفسها بأنها ستحاول ثانية إن أخفقت هذه الليلة لكنها لم تعد متأكدة من أنها ستحافظ على وعدها. فلديها كبريائها.
انهمرت دمعة من الإحباط على خذها. تباً لنظرته المنعزلة في الحياة فجأة لمع ضوء سيارة من البعيد. ورأت شاحنة تسير عبر طريق منزلها، ومن صوت المحرك، علمت أنها شاحنة جوناه من قبل أن تراها.
رأته يدخل المنزل وسمعت وقع أقدامه على الدرج، فاستدارت نحو الباب، لكنه لم يأت ناحية غرفتها. على العكس سمعته يسير متابعاً
نحو غرفته.
شدت بيديها على ظهر الكرسي وهي تحاول أن تسيطر على الألم الذي تشعر به. بعد مرور عدة دقائق سمعته يسير نحو غرفتها. راقبت مسكة الباب، بعدها فتح الباب رأته من خلال ضوء القاعة. دخل وأغلق الباب وراءه. لم يقل أية كلمة وهو يقترب منها لكن عندما ضمها إليه وقبلها علمت أنه يفتقدها تماماً كما تفتقده.
قال: " أتمنى عندما تعود ذاكرتك، أن لا تندمي على ذلك."
أجابت: " أؤكد لك أنني لن أندم."
.................................................. ........................
شعرت إلويز بإحساس من الذنب، عليها أن تخبره أن ذاكرتها قد عادت لكن الخوف منعها. لقد قال لها عدة مرات أنه يخطط للرحيل ما إن تشفى وهي ليست متأكدة أن لقائهما هذا سيجعله يبقى. وهي لا تريد الاحتفاظ به إن كان حقاً يريد الرحيل لكن إعطاء نفسها المزيد من الوقت لإقناعه بالبقاء لن يؤذي أحد. كما وأنه قال ليس لديه أي صديقة أو أي مكان أفضل.
مررت يدها على ذراعه ونظرت إلى وجهه. لا يبدو كرجل يستطيع أحد السيطرة عليه. أما بالنسبة لذاكرتها، فهي لم تعد بالكامل. فهي تتذكر الأحداث الكبيرة في حياتها ومعظمها يتعلق بجوناه، ولكن حتى بشأنه هناك هفوات. فهي ما زالت لا تدري لماذا قامت بتلك القفزة وهكذا أقنعت نفسها لتريح ضميرها. قبلته وقالت: " لا أدري بما تشعر، ولكنني أكاد أموت من الجوع ، ما رأيك ببعض التشيلي؟"
قال ببساطة: " أعتقد أنني بحاجة للتغذية."
ابتسم، فرأت المرح يلمع في عينيه. بدا وكأن قلبها يقفز في صدرها فهي تحب أن تراه سعيداً. قال: " إنني زوجة مناسبة لك وكلما أسرعت بالاعتراف بأننا نشكل زواجاً رائعاً، ستصبح أفضل بكثير."
أمسك خصلة من شعرها وأبعدها عن وجهها وهو يقول: " قد تكونين على حق."
شعرت وكأن الهواء قد حبس في صدرها. لقد وافقها الرأي. قالت باقتناع: " أعلم أنني كذلك."
نظر إليها مفكراً وقال: " تلك الضربة على رأسك غيرتك لقد كنت تخفين ما تفكرين به ولم تقولي أبداً ما تريدين القيام به."
انتابها قلق وقالت: " هل تزعجك صراحتي هذه؟ "
اعترف بعد قليل: " لا، كنت أتساءل عم تفكرين، الآن لا أحتاج إلى ذلك."
شعرت بالأمل ينمو في صدرها: " كنت تتساءل بما كنت أفكر به؟ "
لمعت عيناه بقلق ما وقال: " أحب أن أعرف أين أقف بالتحديد."
أرادت أن تسأله وأين تقف هي بالنسبة إليه لكن الكلمات لم تخرج من فمها. فقالت: " الطعام، نحتاج لتناول الطعام." وبسرعة غادرت الغرفة.
سمعت صوت التلفزيون من غرفة سار. من الواضح أن عمتها تركت لها الاهتمام بالعشاء. شكرتها إلويز بسرها لأنها تتصرف معهما كالوالدة حقاً.
كانت قد أخرجت التشيلي من البراد وسكبت بعضاً منه في مقلاة عندما انضم جوناه إليها. نظرت إليه وفكرت أنها لن تدع الخوف من فقدانه يمنعها من أن تلاحقه وتقنعه بالبقاء معها.
قال محذراً: " ستحترق التشيلي إذا لم تطفئ النار." احمر وجهها خجلاً وبسرعة أعادت انتباهها للفرن. إنه يجعلني أشعر وكأنني مراهقة.
أتى من خلفها، أبعد شعرها عن عنقها وقبلها بنعومة. شعرت بقلبها يضرب بقوة حتى أنها كانت متأكدة أنه يستطيع سماعه. لقد اعترفت أنه يفكر بها والآن يعترف أنه يفتقدها. استدارت نحوه وهي تبتسم: " هذا العشاء في خطر حقيقي من الاحتراق."
تراجع إلى الوراء وهو يقول: " أعتقد من الأفضل أن تجلسي وتأكلي."
ابتسمت وقالت: " ربما هذا أفضل."
بدت الحيرة على وجهه، أمسك وجهها بيديه الاثنتين ونظر بقوة إلى عينيها: " أريد وعداً منك أن لا تحاولي ثانية القيام بذلك العمل المجنون الذي رماك في المستشفى، لقد أصبت بالرعب لأجلك." وراء كل تلك القسوة على وجهه ، كانت متأكدة أنها رأت خوفاً حقيقياً. ربما حقاً توصلت إلى اختراق ذلك الجدار، قالت: " أعدك بذلك."
هز رأسه بارتياح ورضى. ولمعت عيناه بقلق ما، قال وهو يستدير نحو الخزانة: " سأحضر الأطباق."
فكرت بخيبة أمل، قد أكون اخترقت ذلك الجدار القاسي لكنه ليس مستعداً للاعتراف بذلك. علمت وهي تراقبه أنه يحاول أن يبني ذلك الجدار ثانية ليحمي نفسه من أي أذى. كل ما أتمناه أن لا يشعر بالندم ولا يعيد عزلته بصورة أكبر.
مرة ثانية يعاودها ذلك الشعور أنها قد أحست بذلك من قبل. فلقد مرت عليها فترات كانت تعتقد أنها اخترقت ذلك الجدار. شعرت بألم أكثر عندما عاودتها ذكريات أكثر.
نظرت من وراء كتفها حيث يهتم بوضع الطاولة، أجبرت نفسها على الاعتراف أنها قد لا تتمكن من تحقيق هدفها. لكنها ليست مستعدة للتخلي عنه بعد، ليس بعد كل هذا العناء، شعرت بتصميم أقوى وأعادت انتباهها للطعام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: الزوج المنسي   الثلاثاء يوليو 04, 2017 8:44 am

الفصل العاشر







قالت سارة: " حسناً، يسعدني أن أراكما معاً وسعيدين."
كان ذلك في صباح اليوم التالي حيث جلست إلويز قريبة من جوناه تراقبه وهي تشرب فنجان قهوتها، قالت: " نعم، إننا كذلك."
نهضت سارة من مقعدها وسارت نحو إبريق القهوة توقفت ونظرت إليهما قائلة: " طالما أنا هنا، هل يريد أحد منكما أي شيء آخر ليأكل؟ فلدي المزيد من الحبوب الطازجة. وأعتقد أن إضافة التفاح والبلح والشوفان يعطيه المزيد من الطعام الشهي مع الفانيليا."
نظرت إلويز إلى صحنها لتكتشف أنها أنهت كل الشوفان. كذلك جوناه بالإضافة إلى العجة الممزوجة بأشياء لا يستطيع أحد أن يسأل سارة عما هي، ابتسمت بنعومة وأجابت: " شكراً لكنني شبعت."
هز جوناه رأسه موافقاً وقال: " أنا أيضاً."
قالت سارة: " يبدو وكأنكما متعبان، لما لا ترتاحان اليوم."
ابتسم جوناه ونظر ناحية إلويز وقال: " اعتقد أنني سأرتاح أكثر في العمل."
ضحكت سارة وتابعت سيرها لتملأ فنجان قهوتها. رغبت إلوبز أن تحاول إقناع جوناه بإمضاء النهار برفقتها. فمنذ أن استيقظت هذا الصباح وهي تشعر بالضيق لأنه سيغادر، قالت لنفسها محذرة، من الأفضل أن لا تندفع بقوة، ومع ذلك، سمعت نفسها تقول: " ربما يمكنك أن لا تعمل هذا الصباح."
بدا التوتر على وجهه وهو يقول: " لدي عمل عليّ القيام به."
رأت الكبرياء يلمع في عينيه. كان يذكرها أنه ولو تزوج من امرأة ثرية، فهو ليس برجل كسول. قالت بسرعة: " سأحضر لك الغذاء." لأنها تريده أن يعرف أنها تفهمه وتحترم قراره.
عدت البسمة إلى وجهه، قال: " أنت تشتتين أفكاري، ولدي عمل علي إنهاءه منذ البارحة كما وأنني لا أريد التأخر عند المساء. سآخذ معي سندويتش."
أمرت نفسها قائلة أعطيه بعض الحرية. قالت وهي تسير لتحضر له السندويتش: " هذا إذا وعدتني أنك لن تتأخر على العشاء."
أجاب: " أعدك."
سمعت صوت سيارة تسير باتجاه منزلها فنظرت من النافذة، وتأوهت.
نظر جوناه من فوق كفها وقال غاضباً: " ما الذي يفعله مارك طومبسون هنا باكراً؟ "
فكرت إلويز، يسبب المشاكل، ولاحظت أن ملامح جوناه قد تغلفت بالبرودة والضيق. قالت: " سأكتشف ذلك على الفور." وسارت إلى الباب الخارجي. تمنت أن تتخلص من مارك بسرعة، لذا خرجت إلى الردهة الخارجية ما إن صعد الدرجات.
قال: " أردت الاعتذار عما حصل بعد ظهر البارحة. لقد فقدت أعصابي وقلت أشياء ما كان عليّ قولها." قدم لها باقة كبيرة من الزهور، تابع: " أجبرت عمي على النهوض باكراً ليفتح متجره لأتمكن من إحضار هذه لك. أتذكر كم كنت تحبين أزهار اللافاندر."
أحست بشعور غريب فنظرت من وراء كتفها، رأت جوناه يقف عند الباب، قالت بعدم رضى محاولة أن تعيد الأزهار له: " أحب حقاً أن تعيش حياتك وتدعني أعيش حياتي بسلام."
أصر مارك، رافضاً أن يستعيد باقة الزهور.
" أريد فقط أن نبقى أصدقاء." نظر من وراء كتفها فعلمت أنه رأى جوناه. أعاد انتباهه لها وقال بحزم: " إذا عدت إلى رشدك، سأكون بانتظارك." وقبل أن تتمكن من الإجابة، غادر.
قال جوناه وهو يتقدم إلى الردهة ويقف قربها: " أزهار جميلة وغالية الثمن."
نظرت إلى الباقة. إنه محق فمع كل تلك الزهور والأغصان الخضراء هناك أزهار اللافاندر وعدد من الورود المتعددة الألوان. قالت: " لقد اشتراهم بعد أن حصل على حسم في السعر."
شعرت بالحاجز الذي يبقيه جوناه حول نفسه أصبح أشد صلابة، أرادت أن ترمي الزهور على الأرض وتدوسها بأقدامها. وعوضاً عن ذلك نظرت إلى عينيه مباشرة وقالت: " أعلم تماماً ما الذي أريده، جوناه، لا مارك طومبسون ولا زهوره. أريدك أنت."
عاد الحنان إلى عينيه وابتسم بسعادة. كانت تشعر بأنها تربحّ وقفت على رؤوس أصابع قدميها وقبلته بنعومة. قالت بلهجة آمرة: " لا تتأخر على العشاء."
قال واعداً: " لن أفعل."
وقفت تراقبه وهو يغادر، لم تتحرك حتى لم يعد له أي أثر. شعرت بالفرح يملأها. ها هي تربح ثقته وتمنت أن تحصل أيضاً على قلبه. دخلت إلى المنزل، ورمت الزهور في سلة المهملات قبل أن تساعد عمتها بتنظيف الصحون.
.................................................. ................................
" إلويز."
ربتت عمتها على كتفها وهي تناديها في أذنها وهذا ما دفعها لتستدير. ما إن انتهت من مساعدة عمتها في المطبخ. حتى أسرعت إلى العمل لتكمل دراجتها. فلم يعد هناك إلا أعال ثانوية لتتمكن من تجربتها. الآن عادت الدراجة قطعة واحدة ولم يعد ينقصها إلا الرفراف. كانت قد سارت بها خارج المعمل لتفحص المحرك قبل أن تجربه في نزهة قصيرة، أطفأت المحرك ونظرت إلى عمتها وهي تبتسم أكبر: " لا أستطيع الانتظار حتى يراها جوناه."
قالت سارة: " جوناه هو سبب وجودي هنا."
شعرت بالرعب يسيطر عليها، عندما لاحظت القلق في عيني عمتها: " ما الذي حدث؟ هل أصيب بمكروه ما؟ "
ازداد القلق على وجه سارة، قالت: " لقد أتى إلى المنزل منذ بضع دقائق حتى أنني لم أسمعه يدخل. كنت في المطبخ وأنت هنا تقومين بتجربة المحرك."
" إنه هنا." وبدأت بالسير باتجاه المنزل لتكتشف بنفسها الأمر.
أمسكت سارة بذراعها: " لقد غادر للتو. أخذ بعض من أغراضه. أتى إلى المطبخ وقال أنه سيرسل طومي ليحضر ما تبقى."
لم تستطع إلويز أن تصدق ما يحدث: " لقد رحل؟ لا بد أنك مخطئة !"
بدا على سارة وكأها على وشك البكاء، قالت: " أتمنى ذلك. سألته لماذا يريد الرحيل، قال أنه ما كان عليه الزواج بك منذ البداية وغادر."
شعرت إلويز وكأن عالمها كله ينهار أمام عينيها. وغمرها فيضان من الذكريات. وفجأة بدالها يوم الحادث واضحاً في مخيلتها كالمرآة.
" لا يمكنه أن يتركني بدون تفسير أفضل من ذلك." صعدت على دراجتها، وأدارت المحرك، ضربت بقدمها مكان الدواسة ودارت حول المنزل.
وصلت إلى الطريق الرئيسي ورأت شاحنة جوناه على مسافة منها. نسي كل الحذر، وزادت سرعتها
كان الهواء يلفح وجهها والدموع تخفي عنها الرؤية لكنها لم تهتم اقتربت منه وتخطته. رأت في المرآة الخلفية أنه يسر على مهل. فأشارت بيدها ليتابع سيره.
سار بشاحنته إلى مكان خاص بالوقوف، خففت من سرعتها وأوقفت دراجتها أمامه. قال والغضب واضح على وجهه بينما كان يخرج من الشاحنة ويصفع الباب بقوة مما جعل الشاحنة تهتز." ماذا تعتقدين أنك تفعلين، كنت تقودين الدراجة كالمجنونة! وبدون خوضة أيضاً." وأشار بيده نحو الدراجة وتابع: " وهذا الشيء لم يكتمل بعد."
قالت تدافع عن نفسها: " لا ينقصها إلا الرفراف." لم تره يوماً غاضباً هكذا تراجعت خطوة إلى الوراء بينما كان يقترب منها.
لاحظ تراجعها، فتوقف على الفور، بقي ينظر إليها بغضب وهو يقول: " يجب أن تمتنعي من ركوب الدراجة بالمطلق."
ارتجفت شفتيها. فهي تعلم أنها لن تحب ما الذي ستسمعه لكن عليها أن تفعل ذلك بكل الأحوال، قالت: " أريد أن أعرف لماذا ترحل."
أصبح وجهه أكثر حزناً، قال: " اكتشفت الحقيقة." كان ذلك الجواب الوحيد الذي لم تتوقعه، حدقت به بارتباك وقالت: " أية حقيقة؟ "
قال ببرودة: " أتى طومبسون إلى المحطة، واتهمني أنني أستغل فقدانك لذاكرتك."
كررت: " تستغلني؟ " تمنت لو أ،ها رمت الزهور بوجهه عند الصباح.
" تساءلت دوماً لماذا عقدت معي اتفاقاً لتتزوجي بي وأنت تعلمين أنني بحاجة لمالك ولكنك لم تتزوجي به لأنك اعتقدت أنه يريد مالك. الآن فهمت كل شيء. لقد أخبرني عن علاقته."
تمنت إلويز لو تتمكن من أن تضع يديها حول عنق مارك في تلك اللحظة، قالت: " أخبرك عن علاقته الغرامية؟ "
تابع جوناه بحدة: " لا بد أنك كنت مجنونة بحبه لرضيت الزواج بي. واعتقد أنك لا تستطيعين تذكر الماضي لأنك لا تريدين تذكر كم كنت تحبينه. وإذا كنت ذكية حقاً، فأنت لن تتذكري ذلك الماضي أبداً."
رأت الألم يمتزج مع الغضب في عينيه، شهقت وقالت: " أنت تغار." وعلى الفور اختفى كل الخوف من خسارته.
قال من وراء كتفه وهو يسير نحو شاحنته: " كل رجل يصنع من نفسه أحمقاً ولو مرة واحدة في حياته.|
ركضت وراءه وأمسكت بذراعه: " أنا لست ولم أكن يوماً مغرمة بمارك."
نظر إليها ساخراً وقال: " ألا تعتقدين أنه عليك الانتظار لعودة ذاكرتك قبل أن تقومي بتلك التعليقات المتسرعة؟ "
قالت معترفة: " لقد عادت إلي ذاكرتي. وقد بدأت أستعيد ذاكرتي منذ أيام لكن كان هناك فجوات. وعندما قالت لي سارة أنك رحلت، كل ذكرياتي عادت إلي."
تابع النظر إليها ببرودة، فكرت برعب، أنه يعيد بناء الحواجز بينهما، قالت: " قبل أن أكتشف علاقة مارك بأخرى كنت قد قررت أنني لا أستطيع الزواج به. حاولت كثيراً أن أقنع نفسي أنه الخيار الأنسب. لكن مجرد التفكير بمشاركته الحياة كانت تجعلني يائسة. كان عليّ الانفصال عنه لكنني كنت أبحث عن طريقة مهذبة للتخلص منه. فبعد كل شيء، أنا ووالده شريكان وعلي العمل معه. أما علاقته الغرامية، و اهتمامه بمالي فكانت تلك مجرد أعذار."
لم يبدو جوناه مقتنعاً بما سمعه.
قالت لنفسها، عليك أن تخبريه كل شيء. تابعت بعصبية: " لم أتمكن من نسيان تلك القبلة. حاولت أن أقول لنفسي أنه ليس هناك من شيء مشترك بيننا، لكن كنت أراك في أحلامي. ولم أقم بحياتي بعمل متسرع أو غير منطقي لكنني لم أتمكن من عدم التفكير بك."
غاب الغضب عن وجهه، لكنها لم ترّ أية تعابير على وجهه سوى أنه يستمع لها. تابعت: " أردت الزواج بك، وعندما فكرت بالأمر للمرة الأولى، علمت أنها فكرة سخيفة لكنها ظلت تراودني وتقوى كل مرة أراك فيها. كنت أعلم أنك لست من النوع الذي يرغب بالزواج ولم تكن تشبه بأية صفة الشخص الذي كنت أبحث عنه كزوج. ومع ذلك، لم أمكن من إبعادك عن فكري. احترق الكاراج فأتيت بذلك العرض للزواج. قلت لنفسي أنها فكرة مجنونة لكنني تصورت أنك سترمينني خارجاً وهكذا سأتمكن من نسيانك عندما سأبحث عن شخص مناسب أكثر منك."
عاوده الغضب وقال: " كان من الأفضل لو بحثت عن شخص مناسب أكثر لك ومنذ البداية."
غضبت من نفسها وقالت: " لم أقصد ما قلته بالتحديد." رفع حاجبه متسائلاً. اعترفت قائلة: " حسناً ربما ما قلته صحيح، هذا ما كنت أفكر فيه في البداية. فلم يكن لدينا أشياء مشتركة."
نظرت إليه وكأنها ترجوه أن يصدقها وهي تتابع: " على الأقل بالنسبة لي. فلم تكن أبداً كما توقعت. فكلما تعرفت عليك أكثر، كلما تعلمت أن أهتم بك أكثر."
أمسكت وجهه بيديها وتابعت: " يوم الحادث، كنت أحاول أن أبرهن لك أنني أناسب عالمك. كنت أعلم أنه تصرف سخيف وطفولي، لكنني كنت أحاول أن أشد انتباهك."
اعترف قائلاً: " أنت تثيرين اهتمامي منذ أشهر عديدة."
شعرت بالراحة من نظرة عينيه. لمست الجرح في وجهه وقالت: " علمت الآن أن السبب الأساسي لفقداني ذاكرتي هو أنني منت خائفة لأنك كنت تبدو وكأنك مللت من زواجنا وتريد حريتك، شعرت منذ شهرين أو أكثر أنك لست مرتاحاً معي. لم أرد أن أواجه خسرانك لذلك عملت على محوك ونسيان عواطفي نحوك بنسيان كل شيء."
قال: " كنت أشعر بعدم الراحة، فقد جعلتني أشعر بأنه أصبح لدي جذور وهذا ما أقسمت أنني لن أفعله مطلقاً. كما وأنك سيدة راقية جداً بالنسبة لي."
ابتسمت وقالت مصححة: " إنني المرأة المثالية لك وأنت الرجل الوحيد لي. حتى عندما كنت لا أتذكر شيئاً، كنت لأعلم أنك مهم لي وكنت أريد البقاء بقربك."
تنهد بعمق وضمها بين ذراعيه وهو يقول: " كنت متأكداً أن سبب فقدانك لذاكرتك أنك كنت تعرفين أن زواجنا غلطة كبرى وأنك لا تريدين الاعتراف أن بإمكانك القيام بخطء فادح هكذا."
" الخطأ الكبير الذي قمت به هو وقوعي بحبك. ابقى معي جوناه."
قال بصوت جزين: " أعتقد أن عليّ القيام بذلك، على أحد ما أن يتأكد أنك لا تقودين الدراجة بلا خوذة."
ضمها إليه أكثر وقبلها على رأس أنفها وتابع: " كما وأنني، أعتقد أنني...اعتدت وجودك بقربي."
شعرت بخيبة أمل كبيرة. فلقد تمنت أن يقول أنه يحبها، لكن مع الوقت سيفعل. أكدت ذبك لنفسها. لقد أمضى سنين طويلة من عمره يحتفظ بمشاعره لنفسه، وهي لا تتوقع منه أن يطلقها كلها في وقت واحد. وإن اعترافه أنه سيتقى معها هو كاف بالنسبة لها الآن. سألته: " هل يمكننا الذهاب إلى المنزل؟ "
أجاب: " نعم، إلى المنزل."
أبعد الحنان في صوته كل خيبة أمل تشعر بها وأحست بأمل كبير من المستقبل. حتى الآن، كان يعتبر المزرعة دائماً لها، ولم يقل مرة أنها " منزلهما". قالت لنفسها، إن المنزل هو حيث يوجد القلب. بعدها ضحكت بصمت. لقد أصبحت حقاً تشبه عمتها سارة. ومع ذلك، بينما كانت تساعد جوناه في وضع الدراجة في الشاحنة، تمنت أن يكون هذا المثل صحيحاً.
.................................................. .........................
جلست إلويز على الكرسي الهزاز قرب المطبخ. لقد مرّ ستة أشهر منذ أن تعرضت لذلك الحادث.
غادرت عمتها بسرعة تماماً كما وصلت. ففي التالي للحاق إلويز جوناه على الطريق، أعلنت أنه حان الوقت لتعود إلى منزلها، قالت: " أنت لم تعودي بحاجة إلي، وأنا أريد أن أزور منزلي، لقد مرت فترة طويلة على مغادرتي." ولمعت عيناها قبل أن تكمل : " بعدها سأذهب لزيارة ابنة عمك ارينا، فتلك الفتاة تشغل بالي منذ فترة.ط
حاول كل من إلويز وجوناه إقناعها بالبقاء لعدة أيام بعد لكنها كانت حازمة قالت: " أنتما بحاجة للعودة إلى حياتكما العادية." وأضافت تعدهما: " ولكن لا تقلقا، سأعود بعد فترة."
في اليوم التالي أوصلت إلويز عمتها إلى المطار، قالت وهي تستعد لتصعد إلى الطائرة." كما كنت أعتقد دائماً، كلما كان الشخص أقسى، كلما كان وقوعه أكبر. وجوناه رجل قاس جداً. ولكن أنكما تهتمان كثيراً لبعضكما، سأتمكن من الإحساس بالراحة اكثر."
في ذلك الوقت، شعرت إلويز بخيبة أمل وخلال الأشهر الماضية، كانت تشعر أن الرباط بينها وبين جوناه أصبح أقوى. كما كانت تعتقد أنه يشعر بذلك أيضاً، لكن أخيراً بما أنها عادت إلى حياتها العادية، عليها أن تعترف بالحقيقة. تمتمت: " أعتقد أنني كنت مخطئة، فمن الواضح أن جوناه لم يقع بحبي بقوة كما ظنت عمتي سارة."
أمسكت بسلة الخياطة، وأزالت الغطاء على الغطاء الصغير الذي تصنعه والذي يناسب تماماً الكنزة و الحذاء الصوفي. قبل أن تتعرض للحادث كانت تفكر في إنجاب الأطفال. فمن خلال اهتمام جوناه بطومي وقيامه بدور الأب في حياة الولد أقنعت نفسها أنه والد جيد. لكن قبل الحادث، لم تكن تشعر بالأمان بأن زواجهما سيدوم فلم تتحدث معه أبداً بذلك.
وحتى بعد الحادث، لم تجد الشجاعة على الرغم من صراحتها الجديدة بأن تقترح عليه أن يصبح لديهما أطفال. وعلى العكس كانت تحذر نفسها عن التحدث بهذا الموضوع. مهما يكن، سألته هذا الصباح عن رأيه بإنشاء عائلة.فللم يظهر أي حماس للأمر.
قال: " لست متأكد إن كنت مستعداً لأصبح أباً، ولكن إذا كنت تريدين أطفالاً، فلا بأس بالنسبة لي." بعدها قال أن لديه عمل في المحطة وغادر. ضغطت على أسنانها بقوة، وانهمرت دموعها. " أريد أن يكون لدينا أطفال نرغب بهم معاً."
أعادت الكنزة إلى السلة وقالت لنفسها أن عليها إعطاء جوناه المزيد من الوقت. أما الآن عليها أن ترتدي ثيابها وتذهب إلى عملها. فلديها مكتب مليء بالعمل بانتظارها.
لكن إحساسها بخيبة الأمل عاودها وهت تصعد الدرج. ربما عندما قال لها جوناه أنه يعتقد أنه اعتاد على رؤيتها بقربه هو كل ما يشعر به نحوها. كما وأنه لم يظهر أي اعتراف لعواطفه بعد ذلك اليوم. ربما كانت تخدع نفسها، ربما لم تصل إلى قلبه أبداً.
وصلت إلى غرفة نومهما عندما سمعت صوت سيارة تقترب. نظرت من النافذة ورأت جوناه يقود بسرعة كبيرة نحو المنزل. كان يقود بسرعة لدرجة أن دواليب الشاحنة قد حفرت أثاراً عندما توقف. تمتمت: " لا بد أنه نسي شيئاً." واختارت أن تختبئ في غرفتهما حتى يغادر. فلا يمكنها مواجهته الآن، مازالت خيبة أملها قوية جداً.
رأت حتى من تلك المسافة ملامح الجدية والحزن على وجهه عندما نزل من الشاحنة وصعد الدرج.
دخل المنزل وهو يصرخ: " آلي، أين أنت؟ "
شعرت بالتوتر من لهجة فقدان الصير في صوته، شعرت بالخوف قالت: " في غرفة النوم." وحاولت ن تبدو هادئة ومسيطرة تماماً على نفسها. من الواضح أن فكرة إنجاب الأطفال جعلته يعيد النظر في زواجهما. ربما لا يريد أطفالاً في حياته كلها، فكرت من المحتمل أنه يشعر بالاختناق ويريد استعادة حريته. أجبرت نفسها على مواجهة الحقائق.
لمع الكبرياء في عينيها. هذه المرة ستدعه يرحل من دون أية كلمة. فمن الواضح أن الجدار الذي يبنيه حول قلبه أقسى بكثير مما تستطيع اختراقه.
التقت عيناهما ما إن وقف أمام باب الغرفة. كان هناك ارتباك واضح في وجهه. قالت بحزم: " يبدو أن فكرة إنجاب الأطفال أزعجتك."
قال معترفاً: " لقد أصبت بالرعب."
أرادت أن تصرخ من الضيق، لكنه لم يقطع لها يوماً وعداً ولم يحافظ عليه. قالت بوضوح: " أريد أطفالاً، لكنني لا أريدهم من رجل لا يرغب بهم مثلك تماماً."
شعرت بغصة وكأنها ستختنق لكنها أجبرت نفسها على المتابعة: " أعتقد أن هذا الزواج لن ينجح في نهاية الأمر."
نظر إليها بقوة وقال: " لقد تزوجنا من أجل أسباب خاطئة. آلي."
شعرت بألم قوي في معدتها. من الواضح أنه يحاول جعل انفصالهما أسهل عليها تمنت أن يرحل فقط.
لكنه تابع بحزم: " لكننا بقينا متزوجين لكل الأسباب الصحيحة للزواج."
حدقت به غير مصدقة، فليس هذا ما توقعت أن يقوله. سار نحوها وهو يقول: " أحبك، آلي."
" أنت تحبني!" وشعرت بغصة قوية، كانت خائفة أنها تتخيل ما سمعته لكثرة ما رغبت بسماعه.
اقترب منها ولمس خدها بنعومة: " أحبك وسأحب أي طفل نرزق به. و بالحقيقة كنت أفكر بنفسي أنه حان الوقت ليصبح لدينا أطفال لكن فكرة أن أبح والداً تخيفني قليلاً."
قالت وقد ملأت دموع الفرح عينيها: " سأمسك بيدك وأساعدك لاجتياز هذه المرحلة."
ضمها إليه بقوة وقال: " وأنت تمسكين بيدي أستطيع اجتياز أي أمر مهما كان صعباً."
غمرت إلويز السعادة. وعلمت بدون أي شك أن الحواجز التي كان يبقيها بينهما قد انهارت... حتى آخر أثر لها. قالت: " أحبك كثيراً، جوناه تافش."
قال وهو يبتسم: " وأنا أحبك كثيراً."

تمت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الزوج المنسي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دعوة حب نوبية :: ~¤¢§{(¯´°•. الاقسام المميزة .•°`¯)}§¢¤~ :: ♥♫♥ منتدى روايات رومانسيه♥♫♥-
انتقل الى: