دعوة حب نوبية
اهلا اهلا اهلا زوارنا الكرام
مرحبا بكم في منتداكم وبيتكم الثاني
نتشرف بتسجيلكم معنا
أخوانكم ادارة المنتدى

دعوة حب نوبية

منتدى لكل المصرين والعرب وعشاق النوبة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 - لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: - لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت   الثلاثاء يوليو 04, 2017 4:55 am

[size=32]الملخص
[/size]

كل منا يسعى وراء حلم معين بقناعة ذاتية همّها الوحيد أختصار المسافة بين أثنين. قد يكون هذا هو مايسمى بالحب .
بعد ستة أشهر من الهروب ,وفي محاولة يائسة لنسيان حبها الفاشل لرجل متزوج , أيقنت فرنسيس هارون أنها شفيت أخيرا وهي على أستعداد للدخول في تجربة حب جديدة مع هذا الغريب الذي علقت وأياه بالصدفة في مصعد معطل.
منتديات ليلاس
فيلكس رافنسكار من برج العقرب, عازب متكبر يقرب سلوكه من الاستهتار المزعج أحيانا, ولكنه أيضا مخرج ذكي, ناجح في عمله وله عينان جذابتان لهما القدرة على أختراق السطح العادي الى حيث تختبئ العواطف الكامنة وتنتظر في الأعماق , عملت معه في مسلسل تلفزيوني, وهي مصممة على أن لاتمنحه حبها ما لم يبادلها نفس الشعور , وبنفس الحدة والحرارة, هل كان لقاؤهما كافيا ليحدث هذا ؟ أم أن الخيبة , هذه المرة ايضا, ستقلب صفحة أخرى في كتاب حياتها؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: - لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت   الثلاثاء يوليو 04, 2017 4:58 am


[size=32]1- مصعد الى النجوم



رياح عاصفة تهب على شارع ريجينت في مدينة لندن , الشمس خفيفة وخدولة تطل لدقائق وتختفي بسرعة بعد أن تلقى كل ترحيب وسرور , الحدائق العامة تكسوها زهور النرجس الصفراء وبعض النباتات والعشب الأخضر.
رفعت فرنسيس روز هارون وجهها ونظرت صوب الشمس الباهتة ثم أسرعت خطاها وهي تفكر بالربيع القادم ببطء , شعرت بفرح يغمرها وهي تتذكر الربيع المقبل والحياة المتجددة والأمل المنشود بالنسبة الى حياتها وعملها , فالأمل هو شعارها لهذا اليوم وهي متحمسة وكلها نشاط , مشرقة كزهور النرجس الضاحكة , تمشي مشية سريعة رأسها مرفوع الى أعلى , واثقة من نفسها , شامخة.
لقد أستلمت رسالة قصيرة من زميلتها التي تسكن معها في الشقة الصغيرة , زوي ألكسندر , كانت السبب المباشر لبهجتها وشعورها المتفائل , مدت يدها من جديد الى جيبها وتحسست الرسالة ,ورقها من أجود الأنواع , صديقتها تستعمله دائما في مراسلاتها , تذكرت كلمات الرسالة التي تقول:
" فرنسيس , لقد سمعت من مصدر موثوق أن هناك تجربة في الأداء للممثلات الجديدات في الثانية والنصف بعد الظهر في أستوديوهات التلفزيون في شارع أدجوار في جنوب لندن , يطلبون ممثلة تتقن لهجة أهل الجنوب من منطقة كورنوال , أتصلي بالسيد توم ويفربل هناك وأتمنى لك حظا سعيدا ونجاحا كبيرا".
ثقتها بصديقتها زوي كبيرة لأنها على أتصال بمسؤولين مهتمين في حقل التمثيل , أما الحظ فهي تحتاجه اليوم أكثر من أي يوم آخر , الحظ يلعب دورا بارزا في هذه التجارب , لقد خبرت هذه الحقيقة بنفسها أثناء عملها ولكثرة ما قامت من تجارب في الآداء , عدم نجاح المشتركة في تجربة الآداء مرده أسباب عديدة أخرى بعيدة كل البعد عن المقدرة والكفاءة , ولكنها اليوم تشعر بأن الفشل ليس من نصيبها , فالنهار يبتسم لها والأمل كبير يدفئها وتوصية زوي بها لا بد وأنها ترتكز على أساس متين , أما لهجة أهل كورنوال فهي تمتلكها بالفطرة.
تذكرت فرنسيس أيام طفولتها التي أمضتها في جنوب أنكلترا .... في جنوب غربي أنكلترا حيث كانت ترافق والدها الطيب أثناء العطل المدرسية في تنقلاته اليومية لأستفقاد مرضاه , تذكرت صخورها هارتلاند وشابتوز, وكيف كانت تجوب منطقة بودمتمور سيرا على الأقدام مع والدتها والنزهات الخلوية في منطقة ترتغي كوت وحدائق براون ويللي حيث كانت تقطف الأزهار البرية وتفتش عن المتحجرات فوق الصخور , اللهجة تملكها بالسليقة ولن يصعب عليها أن ترطن بها بعفوية.
غمرها الحزن وهي تتذكر عائلتها والحنان الذي أفتقدته بموتهم , أنها يتيمة الأبوين منذ عشر سنوات , أقرب عائلة لها هي عائلة صديقتها زوي , لقد رحبوا بها كفرد من أفراد العائلة وأعتبرتها زوي شقيقة صغرى لها.... ومع ذلك فعاطفة والديها الدافئة لا يعادلهما أي حنان في العالم.
حاولت فرنسيس أن تبعد ذكرياتها الأليمة من خاطرها .... فاليوم هو يوم بلسم بالنسبة لها وهي متفائلة بالمستقبل ولن تنظر اى الوراء.
مر بها رجل مسرع ودفعها بخشونة بذراعيه وهو يوسع طريقه وسط الزحام , بعض الناس لا يتهاونون في أيذاء الآخرين دون أهتمام , نظرت الى الرجل وهو يسرع خطاه.
قالت سيدة قربها وقد أصطدم بها بطريقة أدت الى تبعثر مشترياتها وأكياسها:
" لا يهمه من يؤذي وهو مسرع في طريقه".
أنحنت فرانسيس تساعدها في لملمة الخضار وبعض التفاح , ركضت خلف تفاحة أبتعدت قريبا من سيدة متقدمة في السن , نظرت فرنسيس الى السيدة الي بدت كأنها تتفرح على واجهات المحلات التجارية وشعرت أنها تتمسك بزجاج الواجهة كأنها ستغيب عن وعيها أو تسقط أرضا , ركضت فرنسيس لمساعدتها بحذر وقالت لها:
" آسفة.... هل تشعرين بأي شيء؟ هل أنت بخير ؟". نظرت اليها ثم أكملت:
" هيا , أستندي الى ذراعي , يبدو عليك التعب والمرض , هل أطلب لك المساعدة؟".
" أرجوك يا عزيزتي أن تساعديني". أشارت الى حقيبة يدها الجلدية الفاخرة المعلقة في ذراعها وأكملت:
" يوجد علبة أدوية في جيبة صغيرة داخل الحقيبة ".
فعلت فرنسيس كما طلب منها , وجدت علبة الأدوية وأستخرجت حبة بيضاء ناولتها للسيدة الجليلة , أمسكتها السيدة بيد مرتجفة ووضعتها على طرف لسانها وأبتلعتها , بقيتا صامتتين لدقائق وفرنسيس تمسك بها كي لا تقع أرضا :
" لا تهتمي يا عزيزتي , سأتحسن بعد قليل , بعد أن تأخذ حبو الدواء مفعولها المرتقب".
" أنت تحتاجين لعناية طبية فورية , سأطلب سيارة أجرة".
تمتمت السيدة بجهد:
" أنا معتادة على ذلك".
وجدت فرنسيس سيارة الأجرة , أشارت اليها ولحسن حظها توقفت قربها فورا.
[/size]

 
" هيا معي لأساعدك حتى سيارة الأجرة , لا تستعجلي نفسك أرتاحي على كتفي".
" أنت لطيفة ومهذبة".
" أرجوك أن لا تتكلمي , أنا واثقة بأن الكلام يتعبك , سنصل بعد قليل بأمان الى منزلك وترتاحين".
نزل سائق السيارة وساعد في أدخال السيدة المتعبة الى المقعد الخلفي , قال السائق متلهفا وهو ينظر الى شحوبها الواضح:
" هل سيغمى عليها؟".
" لا أعرف , ولكن أرجوك أن تسرع".
نظرت الى السيدة تسألها:
" أين العنوان؟".
ترددت السيدة , نظرت فرنسيس أليها وأضافت بحنان:
" سأرافقك وأتأكد من وصولك سالمة الى منزلك , أرجوك أعطيه العنوان".
أعطت السيدة عنوانها للسائق وهي تنظر الى فرنسيس شاكرة بصمت , تابعت فرنسيس مراقبتها للسيدة الجليلة بتمعن , كانت ترتدي جزمة رمادية جلدية ثمينة وتتكلم بلطف ورقة دون تبجج , يظهر أنها تنتمي الى الطبقة الأرستقراطية الرفيعة وعمرها يناهز الستين أو يقارب السبعين , ثيابها الأنيقة تناسب عمرها وقد تزينت بدورين من الؤلؤ في جيدها وترتدي معطفا من الفراء الأصلي , بينما يتوهج في أذنيها قرطان من الماس البراق مما يؤكد ثراءها وغناها.
منتديات ليلاس
تمسك بعصا في يدها لتساعدها على التنقل وقد زينت أصابعها بالعديد من الخواتم ذات الأحجار الكريمة.
مالت فرنسيس نحوها وسألتها:
" كيف حالك الآم؟".
" أشعر ببعض التحسن , لا تخافي يا عزيزتي , لقد ساعدتني كثيرا بوجودك قربي , القليل من الناس يتصرف كتصرفك حيال الغريب , أتمنى أن لا أكون قد أخّرتك عن بعض أعمالك".
كان صوتها حنونا وقد أكتسب من الحياة الخبرة والأقناع وهي تخرج كلماتها بشكل ساحر جذاب.
" أبدا".
حاولت فرنسيس أن لا تنظر الى ساعتها لترى كم تأخرت عن تجربة الآداء من أجل عملها.
" هل هناك أحد في المنزل؟".
هزت السيدة رأسها وأرتاحت فرنسيس.
دارت السيارة لتقف أمام منزل فخم في ساحة كبيرة مليئة بالنباتات والعشب الأخضر المنسق , راقبت بأهتمام بالغ المنزل القديم الذي ينم عن عز كبير وقارنت بينه وبين السيدة الجليلة , أنه يناسبها تماما.
توقفت السيارة ونزلت فرنسيس مسرعة وقفزت الدرجات الحجرية الأربعة وأطبقت بأصابعها على الجرس لفترة طويلة مما ينبىء أن الأمر مستعجل للغاية , فتح الباب وظهر الخادم , نظر حوله متسائلا ولاحظ سيدته في السيارة , صرخ ملهوفا وركض لمساعدتها , لحقت به فرنسيس مسرورة لتساعده , شعرت بأن عبئا ثقيلا قد أزيح عن كاهلها , خرج السائق أيضا لمساعدتهم... وأدخلت السيدة الى منزلها , بقيت فرنسيس تنتظر عودة السائق في الخارج وهي قلقة تنظر الى ساعتها بعصبية , وحين ظهر السائق من جديد هرعت الى داخل سيارة الأجرة وأنتظرت دخوله بفارغ الصبر , ثم قالت له بعد أن أغلق بابه:
" شارع أدجوار , أستوديوهات التلفزيون , أرجوك أن تسرع , لقد تأخرت".
" حسنا يا آنسة... كم يسرني التعامل مع الناس الميسورين أمثالهم".
هز برأسه ناحية المنزل وأصحابه:
" أنهم يعرفون كيف يجزلون العطاء".
فكرت فرنسيس في نفسها: لا بد وأنهم أجزلوا له العطاء وأكرموه.
سرت لمعاملتهم الجيدة , نظرت خلفها لتلقي نظرة أخيرة على المنزل ووجدت أن الخادم قد خرج من الدار كأنه يبحث عنها ثم دخل بعد أن تأكد أن السيارة قد أختفت.
منتديات ليلاس
نظرت فرنسيس الى ساعتها تستطلعها الوقت مرة ثانية , لا بد أن المخرج قد أنتهى من تجربة الآداء ... ولكن لم يكن بأستطاعتها أن تهمل المرأة المسكينة وتتركها دون مساعدة في وسط الشارع العام , ستتفهم صديقتها زوي ما حصل لها ولكنها ستعلق على الحادثة بسخريتها اللاذعة :" لا أعرف لماذا تحصل معك أنت فقط كل هذه الحوادث غير المتوقعة؟ لماذا تجذبك مشاكل الناس كما يجذب العسل النحل؟".
" وصلنا يا آنسة , هل تعملين في التلفزيون؟ لا أذكر أنني رأيتك؟".
" لا أعتقد أنك رأيتني".
أخرجت من حقيبتها بعض المال.
" شكرا , لقد دفعت السيدة أجرة التاكسي عنك".
سرت فرنسيس بمبادرتهم الحميدة وراقبت سيارة الأجرة تبتعد عنها قبل أن تدخل الى الأستديو , فتشت في المدخل عن اللافتة حيث قرأت أسم ديفريل : الطابق الثامن , غرفة رقم أربعة.
دخلت المصعد مع فتاتين ورجل , كان الرجل عريض المنكبين يضع يديه في جيوبه وينظر مفكرا الى أسفل, وصل المصعد الى الطابق الرابع وخرجت الفتاتان , نظر الرجل اليها يستطلعها الطابق الذي تريد الوصول اليه وقد وضع أصبعه في حالة تأهب.
" آسفة , الطابق الثامن أرجوك".
ضغط الرجل على الزر المناسب دون أن يتكلم , لقد تجاهل وجودها كليا وبقي ينظر الى أسفل مفكرت , تنهدت فرنسيس وهي تفكر في نفسها : " لماذا كل هذه التعقيدات في هذا اليوم؟ كل شيء يسير خلافا لرغباتها ويعاندها, حتى رقم الطابق الذي تريده هو رقم ثمانية... لماذا لم يكن الطابق الثاني؟ كانت الآن قد أرتاحت ووصلت الى بغيتها , راقبت المصعد يصل بين الطابقين السادس والسابع ونظرت الى ساعتها تستوضحها الوقت , أنها تحاول المستحيل , وقت التجربة أنتهى حتما.... توقف المصعد بين الطابقين السابع والثامن فجأة , نظرت الى لافتة الأرقام والأشارات الضوئية حيث توقف , صرخت فرنسيس بلهفة وهلع:
" أوه , كلا".


صرخت يائسة وهي تفكر أن ما حصل لها الآن هو القشة التي قصمت ظهر البعير , كان رفيقها في المصعد يقرأ تعليمات الطوارىء الملصقة على الحائط بالقرب من لافتة الأرقام , سألته:
" هل علقنا ؟".
كانت تعرف أن سؤالها لا معنى له ولكنها كانت ترغب في الكلام , هز رأسه موافقا.
نظر اليها متفحصا , على الأقل يعترف بوجودها معه , لفترة كانت تظن أنها غير مرئية بالنسبة اليه , حدق بها بشكل متعجرف ووقح , بدأت فرنسيس تنزعج من نظراته ولكنها كانت هي أيضا تحدق به بطريقة غرية , تحدق في عينيه الساحرتين .... عينان لم تر جمالهما من قبل , لونهما يميل الى الأصفرار مع بريق لامع يأخذ الأبصار , كعيني قطة وحشية تشعان وسط الظلام , لهما بريق الأحجار الكريمة , قال بأيجاز:
" نحن عالقان".
مد بده يضغط بأصبعه على بعض الأزرار ثم ضغط على زر الأنذار وبقي صامتا هادئا.
" هل يتكرر أنقطاع المصعد في الأستوديو؟".
مد الشاب يده يعاود ضغط زر الأنذار من جديد وقال بأقتضاب:
" لا أعتقد ذلك".
ران الصمت من جديد , مالت فرنسيس بثقلها من رجل الى رجل وقد بدا عليها التذمر من شريكها في المصعد , هي لا تتوقع منه معاملة مميزة ولكنه يستطيع أن يخفف من حدة الموقف ببعض الجمل المريحة.... وهما عالقان في فخ واحد وربما كلاهما في وضع مؤسف , نظرت اليه وقرأت تعابير الأستياء والقرف بادية على وجهه كأنها ستطلب منه قرضا , فكرت في نفسها : ربما ستضطر لطلب القرض عاجلا أذا لم توفق بعمل ما وبسرعة , ولكنها حتما لن تطلب من هذا الشخص المتشامخ المتعالي , أنه متكبر ومتحفظ ويجيب عن أسئلتها بصبر نافذ , هنا الكثيرون لا يحتملون البقاء في مكان ضيق ومغلق ويصابون بهستيريا ونوع من النرفزة والجنون , كم كان سناسبه أن يعلق مع شخص مريض بالكلوسترفوبيا ( عدم أحتمال الأماكن المغلقة والمقفلة) , تنهدت بعمق وهي تريد أن تلفت نظره الى وجودها , رمته بنظرة ثاقبة وهي تفكر أنه شاب يتستر تحت ستار الهدوء.... سمعته يقطع عليها تفكيرها ويقول:
" لا تخافي, صدقيني , أنا لست هاربا من السجن أو مجرما".
وكأنه قرأ أفكارها , تنهدت مرة ثانية بصوت مسموع وقالت:
" يسرني معرفة ذلك , هل تعتقد أنهم عرفوا بأمرنا داخل المصعد؟".
" ثقي بجرس الأنذار.......".
كأنه يقول لها أخرسي وكفي عن الثرثرة , كم يناسبه لو يغمى عليها بين يديه , وحتى لو أغمي عليها وسقطت مغشيا عليها تحت قدميه فلن يتحرك لمساعدتها بل يتركها وشأنها , ربما عليها أن تبرهن له خوفها الشديد , وحين عيل صبرها ركزت أهتمامها على شخصه , هل قالت من قبل أنه شاب طبيعي؟ أهذا غير مقبول , أنه رجل غير طبيعي.... وهو في الثلاثين من عمره , وجهه قاس وصارم وفيهتصميم وجدية واضحة , ربما يبتسم أحيانا... ونادرا , أنفه قاس وشعره بني غامق يعلو جبهته العريضة , سمرته ليست سمرة طبيعية بل ربما أكتسبها من أسفاره خارج أنكلترا خلال الصيف المنصرم , يرتدي بنطلونا وكنزة عادية ولكن ثيابه باهظة الثمن ومن شارع نايتس بريدج , قوي العضلات كأنه لاعب رياضة متمرن , شكله يوحي بأنه يمارس رياضة كرة المضرب , صوته دافىء ووقعه مطرب , يحمل تحت أبطه مخطوطة لتمثيلية... لا بد وأنه ممثل تلفزيوني , شكله محيّر ... ولكن عينيه تلفتان النظر , مع أنه لم ينظر الى عينيها ألا القليل , لونهما عسلي أو خليط من اللون البني والأصفر , لونهما غريب جدانظر اليها نظرة ثانية ولكنه بقي على صمته, ربما هو يكره النساء عامة ... لا نظراته الساحرة تؤكد لها عكس ذلك تماما , أنه كامل الرجولة ولكنه يتعمد أهمالها , شعرت بأن عليها أن تستفزه ووسوس لها الشيطان بأن تتحداه بروجها المرحة , لا يمكن لأي أمرأة أن تقبل أهمال الرجل لها , قالت:
" الى... متى نستطيع أن... نتنفس الأوكسجين .... برأيك؟".
كانت تعلم أنها لن تخدعه بكلامها , نظر اليها بأهتمام ونظر الى نافذة التهوئة في سقف المصعد ثم نظر اليها من جديد:
" أتمنى أن لا تصابي بالهستيريا أو الجنون؟".
" لا لن أصاب بالهستيريا على ما أعتقد , ولكن الأمر متوقف على.... الى متى سنبقى على هذا الحال؟ هل شكلي يوحي بالمرأة الهستيرية؟".
نظر اليها نظرة فاحصة قبل أن يجيبها عن سؤالها , كانت فرنسيس معتادة على النظرات الفاحصة التي يلقيها المخرجون والمسرحيون عليها من حين الى آخر , ولكن نظراته اليها كانت وقحة مما أخجلها وشعرت بالدماء الحارة تكسو وجهها بينما وقف هو مسرورا بنتائج نظرته , أنها بلهاء بسؤالها ... ماذا سيعتقد الآن؟ لا بد وأنه سيعتقدها أمرأة ثرثارة في منتصف العقد العشرين من عمرها , طويلة ومتناسقة الأعضاء ترتدي سترة من الفراء مع تنورة صوفية وجزمة ترتفع للركبة , وجهها مستدير وبشرتها بيضاء ناعمة ويعلو أنفها , وجهها مستدير وبشرتها بيضاء ناعمة ويعلو أنفها القليل من النمش , فمها مستدير وأبتسامتها العريضة تنفرج عن أسنان متناسقة بيضاء , عيناها زرقاوان حادتان , رنة صوتها متناغمة. شعرها أحجية كبيرة لأنها ضمته كتلة واحدة تحت قبعة كبيرة خوفا من عبث الرياح الشديدة في ذلك اليوم ... لو أنها لم تكن ترتدي تلك القبعة , أنها تخفي أجمل ما فيها... شعرها , هذا الشاب الواقف أمامها رجل خطير للغاية , أنه شديد الوسامة والجاذبية وهو لا يريد أن يشاركها الحديث مهما أستفزته


قالت من جديد:
" حسنا؟".
" أعتقد أنك شديدة الأنفعال وسريعة الغضب ... ولست أمرأة هستيرية ,وأنا أتفاءل وأقول ذلك وأتمنى أن لا أضطر أن أصفع وجهك أن أغمي عليك لأنني لا أحب أن أضرب سيدة...".
أنه خطير وكاذاب أيضا , بدأت تشعر بالغضب يتفاعل بداخلها , أنه مغرور ولا يتحلى بلياقة أو دبلوماسية , أنه صارم في معاملاته وتكاد تسمع صوت السوط في يده يضرب به كل من لا يحسن التصرف... أنه رجل أناني ومتفاخر.
" يسعدني أن أسمعك تقول ذلك ". أبتمست:
" نعم أنا سريعة الغضب ". نظرت الى عينيه الضاحكتين كأنه يتحداها بمرحه وأكملت ساخرة:
" وهذا يريحني".
مشت الى لوحة الأزرار من جديد وضغطت بعصبية على جميع الأزرار دون تمييز وبكل قوتها , لم يتحرك المصعد , نظرت الى ساعتها كأن صبرها قد نفذ ثم عادت الى موقفها السابق دون أن تنظر الى عينيه من جديد.
لم تعتد أن تضبط أعصابها فترة طويلة , نظرت الى المسافة بينهما وقالت بعصبية واضحة:
" هل تعتقد أن الصراخ يفيد".
" أشك بالأمر".نظر الشاب المتكبر الصامت اليها ثم نظر الى النافذة في سقف المصعد وأضاف ساخرا:
"ليس في مقدوري أن أمثل دور جيمس بوند أيضا".
" لم أطلب منك ذلك".
كانت لهجتها الساخرة تنم عن أنها تشك بأن في مقدوره أن يخلصها بأعمال بهلوانية , أنه رابط الجأش وصارم وهي مرحة وخفيفة الروح تحب أن يشاركها مرحها ولكنه في وقفته المتزنة زم شفتيه مفكرا... بدا متعقلا محترما , أرادت فرنسيس أن تتجاهل نظراته الجريئة وتتصرف على هواها.
قالت:
" أعتقد أنني سأجلس على الأرض , أنا لم أتناول أي طعام ظهرا وأشعر ببعض التعب من كثرة الوقوف".
أخرجت الجريدة اليومية من حقيبة يدها وفرشتها على الأرض وجلست فوقها , بدأت تقرأ بعينيها أقسام الجريدة الظاهرة وقالت بصوت مسموع:
" دع النجوم تتنبأ ". قرأت بصوت متفائل عجيب ثم رفعت رأسها اليه وعلّقت:
" أنا لا أؤمن بالتنجيم , ربما هي تسلية بريئة ... ربما هناك علاقة تربط بعض الأمور بتاريخ الولادة , أشتغلت سكرتيرة عند عالمة فلك , كانت تؤلف كتابا في قراءة النجوم , كان بأمكانها أن تحدد برج الأشخاص ,وقد تعلمت منها الكثير".
" صحيح".
" نعم , أنه شيء معقد للغاية , هل تعرف أن الشمس تغير مركزها في فترات مختلفة من النهار وليس في منتصف الليل؟ ولهذا السبب عليك أن تعرف تاريخ ميلادك بالساعة واليوم والشهر والسنة أن كنت ترغب في معرفة طالعك بدقة أكيدة , الوقت المحدد يتأثر ببقية النجوم وصعودها ونزوللها... وأنا لا أعتقد أن ذلك ممكن ... أسمع حظي هذا اليوم , أنا من برج الميزان , فرص جديدة أمامك وخاصة في الأمور المالية , لا تتعجل الحكم بسرعة , الصبر مفتاح الفرج , اللون الأحمر هو اللون المفضل هذا الأسبوع ".
نظرت اليه متسائلة :
" أنتظر أن تتحسن الأمور المالية معي وأستطيع أن أصبر أذا لزم الأمر ولكن اللون الأحمر لم يكن أبدا اللون المفضل لدي , أنا لا أحبه ولم أرتد ثوبا أحمر أبدا".
نظرت اليه بحذر وأكملت:
" هل تريدني أن أقرأ لك طالعك؟".
" أفضل أن أصنع حظي بيدي , شكرا".
عاد الشاب من جديد للضغط على زر الأنذار.
قالت:
" أنت لا تؤمن بالتنجيم أبدا , لو كنت أعرفك أفضل لأستطعت أن أحدد برجك".
" ربما تسنح لك الفرصة الآن لتعرفيني أكثر... ربما سنبقى النهار بطوله هنا وسنتسلى بسرد تاريخ حياتنا لبعض".
" لدي شعور أكيد بأنني سأتكلم لوحدي عن تاريخ حياتي , أنت لا تحب المشاركة أليس كذلك؟ ".
مالت برأسها تراقبه وأكملت:
" أنت لست من برج الأسد ولا برج الحمل , ربما من برج الثور أو العذراء ".
نظرت الى وجهه وشعرت أنها فشلت في تخمينها وضحكت قائلة:
" يمكن للأنسان أن يقرأ كل شيء في الأبراج لتناسبه , معظم الناس يؤمنون بالخير ويتفاءلون بقدومه وينكرون الشر ويرفضون أن يحل بهم".
نهضت واقفة وطوت الجريدة وسألته من جديد:
" كم مضى علينا في داخل المصعد يا عزيزي؟".
" عشرون دقيقة".
" فقط , شعرت كأننا هنا منذ عشرين سنة , آسفة , أنا لا أريد أن أكون قليلة الذوق أو وقحة ... ما رأيك ببرج السرطان؟".
أهتز المصعد فجأة , وقعت وأختل توازنها.
منتديات ليلاس
توقف المصعد بعد أن نزل بسرعة رهيبة بين الطابقين الثالث والرابع , وجدت فرنسيس نفسها بين يدي الشاب القاسيتين بعد أن وقعا أرضا , حاول الشاب أن يمنعها من السقوط ولكن توازنه أختل وسقطا سوية.
لم يكن بمقدورها أن تتحرك , لقد أنقلبت معدتها من شدة الأهتزاز وشعرت كأن الأرض تميد تحت قدميها ,لم تهتم لأن الذراعين القويتين تسندانها ووجهها مدفون في كنزته الناعمة , كانت تسمع ضربات قلبه بأنتظام , أحست فرنسيس أنها منذ فترة طويلة لم تقترب من أحد.... منذ فترة بعيدة وهي تحاول أن تنسى مارك لوكاس وعلاقتها المؤلمة به.


أبعدت نفسها بجهد عنه وتنفست قائلة:
" آسفة".
ولكن رجليها لم تقويا على حملها وشعرت بدوخة أكيدة.
أمسك بها مهدئا وقال ساخرا:
" لحسن الحظ أنني أجيد لعب الكرة".
" لو عاود المصعد هبوطه السريع سأستفرغ".
" أتمنى أن لا يكون علي".
نهض واقفا وساعدها على الوقوف , أمسك بها جيدا وقال:
" نحن نصعد الى أعلى من جديد".
توقف المصعد فجأة وفتح بابه , وبسرعة خرج الشاب ومعه فرنسيس الى الممر , كان بعض الناس قد تجمعوا أمام الباب , فتحت عينيها وأعادت أغماضهما بسرعة أسهل أن تحس الأشياء تدور حولها من أن تدور فعليا أمامها , سمعت صوت رفيق المصعد يقول آمرا:
" ضع كرسيا بين دفتي الباب لمنع نزوله .... أتصل أنت بمركز التصليح... أجلب كرسيا للآنسة وأفتح هذه النافذة بسرعة".
جرّها برفق داخل الممر وأجلسها على الكرسي ثم تركها.
شعرت بالهواء المنعش يصفع وجهها , كانت لا تزال مغمضة العينين مسترخية ورأسها الى الوراء , تسمع ما يدور حولها ولكنها لا تقوى على المشاركة بالحركة , وبعد فترة قصيرة سمعت شخصا يقترب منها, قال:
" لا لزوم للأنتظار , شكرا ستكون بخير".
شعرت بالأصوات تختفي من حولها والصمت يعم , فتحت عينيها ببطء , لتجد صديقها لا يزال يحدق بها , عبست ووضعت يدها على جبهتها , وقالت بأمتعاض:
" كيف تعرف أنني بخير؟".
" هل أنت دائما واثق من نفسك بهذا القدر؟".
كان مسرور من حديثها وقال:
" لقد أحسنت التصرف وأنت داخل المصعد , لم أعتقد أنك تخافين... ولكن من الصعب أن نتنبأ بتصرفات الناس في مثل تلك الظروف".
" شكرا جزيلا , كان بأمكانك أن تفصح عن شعورك ونحن داخل المصعد , ولكنني عرفت أنك لا تجيد المحادثة وربما أضيف الآن مؤكدة لك أنني لست ثرثارة بقدر ما ظهر عني.......".
أبتسم وأجاب:
" أنا واثق من ذلك".
أبتسامة أصيلة وساحرة , وكذلك نظراته الحانية.
" نعم ". نظرت الى المصعد وأكملت:
" أرجوك لا تدعني أؤخرك عن أعمالك أكثر".
" أنا لست مستعجلا ... وأنت ؟ من ترغبين في مقابلته؟".
"كان علي أن أقابل السيد توم ديفريل , كنت متأخرة أصلا ... هل تعرفه؟".
نظرت الى وجهه فزعة وأكملت مضطربة:
" أنت توم ديفريل؟".
أبتسم أبتسامة خبيثة.... هل من الممكن؟
" لا , أنا لست هو ولكنني كنت في طريقي اليه".
هل عليها أن تتكل على هذا الرجل لمساعدتها في عملها؟
" هذا غريب!".
" أذن أنت ممثلة , ظنت أنك سكرتيرة".
" أعمل سكرتيرة حين أكون بلا عمل".
" فهمت , أتقد أن توم قد أنتهى من تجارب الآداء".
أنا واثقة من ذلك.... ولكن هل تعتقد أنه من المفيد أن أفتش عنه؟".
" لم لا؟ وبما أنك لم تتناولي طعام الغداء ... تعالي معي لنجد لك بعض الشراب الساخن , علينا أن نفحص عقول الفتيات اللواتي يتقيدن بالريجيم ".
" أنا لا أعمل ريجيما ولكنني لا أستطيع أن أتناول أي طعام قبل تجربة الآداء, ينتابني شعور بالقلق وتقطع شهيتي".
" أو ربما أغمي عليك تحت قدمي المخرج فأن ذلك سيؤثر كثيرا على نيلك الدور المطلوب ". قال كمن نفذ صبره:
" نحن في الطابق السابع , علينا أن نصعد السلالم الى الطابق الثامن ....... ألا أذا كنت تفضلين أستعمال المصعد الآخر".
ضحك مازحا وأبتسم لها أبتسامة ساخرة وصعد معها.
سألها:
" هل أنت دائما متأخرة في عملك؟".
" لا , لدي تفسير حقيقي لأسباب سأطلع السيد توم ديفريل عليه أن رغب في سماعه".
" أعتقد أنه سيستمع الى كلامك بعد أن تبتسمي له أبتسامتك الخلابة , ولن يهتم بعد ذلك أن كنت تمثلين عليه الدور أم لا".
توقفت فرنسيس غاضبة وقالت بقسوة:
" لحسن حظي أنك لست السيد ديفريل , من الواضح أن أبتسامتي لن تنفع معك ". تنهدت بعمق وبدأت تقول من جديد:
" ربما كان يومك سيئا وكل شيء يسير خاطئا ولكن لا تلمني أرجوك , هذه التجربة مهمة جدا بالنسبة لعملي , ربما أفسدت الفرصة دون سبب وجيه , أرجوك أن تساعدني لمقابلة السيد ديفريل وبأمكانك بعد ذلك أن تغسل يديك مني وتذهب لسبيلك".
نظرت اليه ساخرة:
" سأحاول الآن أن أتدرب على أداء أبتسامتي الخلابة لأسحره بها".
نظر اليها نظرة قاسية وقال:
" يمكنني مساعدتك في العثور عليه , أنتظري هنا قليلا حتى أجده لك".
فتح أحد الأبواب دفعا وأدخلها وأغلق الباب دونهما , نظرت فرنسيس حولها في الغرفة الفارغة , أنتابها شعور بالغرابة وهي تفتش عن كرسي لتجلس عليه , جالت بنظرها فوق الطاولة المليئة بالأوراق والمخطوطات , المنافض لا تزال مليئة بأعقاب السكائر , لا فائدة على ما يبدو , أن تجربة الآداء قد أنتهت.... لماذا تنتظر؟ من الأفضل لها أن ترحل بصمت.
فتح الباب من جديد ودخلت فتاة شابة تحمل لها فنجانا من الشاي الساخن.
" قال فيلكس أن عليك أن تتناولي بعض السكر مع الشاي".
وقبل أن تشكر الفتاة على أهتمامها كانت قد أختفت.
" فيلكس!".
شربت فرنسيس الشاي ببطء , الأسم يناسبه , ربما لن تراه بعد الآن وسيبقى في ذاكرتها, رجل المصعد الغامض... الذي يحسن التصرف.
حاولت أن ترتاح... وهي تنتظر عودته





 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: - لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت   الثلاثاء يوليو 04, 2017 5:11 am


[size=32] 2- الحديث غير ممكن

" لقد حضرت , فيلكس شرح لي أسباب تأخرك".
نظرت فرنسيس الى مصدر الصوت في آخر القاعة ورأت رجلا مليئا في متوسط العمر يسرع نحوها.
" لسوء الحظ أنك علقت في المصعد , لا بد أنك أنزعجت كثيرا , ولكن وجود فيلكس معك هون عليك الأمر , أنه يحسن التصرف ويركن اليه".
مد يده اليها محييا وأبتسم , نهضت فرنسيس من مجلسها ومدت له يدها مصافحة وقالت:
" السيد توم ديفريل؟".
" نعم , وأقترح أن تقرأي هذا المقطع من الدور وتتدربي عليه ".
سألته وهي لا تصدق حظها السعيد:
" هل سأقوم بتجربة الآداء؟".
" أذا كنت مستعدة أم أنك تفضلين الحضور في الغد لتجربة الأداء؟ أنا شخصيا أكره المصاعد ولكن ماذا نفعل في بناية بهذا الحجم الكبير؟ أنه ضرورة أكيدة ".
نظر اليها مبتسما وقال:
" أرجو أن لا تقاضينا لتأخيرك بسبب عطل المصعد".
أحست فرنسيس ببعض الدفء في أبتسامته المشجعة.
قالت مازحة:
" لا , لا أعتقد أنني سأفعل".
" حسنا كيف حالك الآن؟ هل أنت قادرة على أداء التجربة؟".
" نعم يسعدني أن أقوم بها الآن".
نظر توم الى المدخل ورأى شخصا خاطبه قائلا:
" فيلكس , أنت هنا , أعتقد أن لدينا بعض الوقت لسماع تجربة الآداء , للآنسة". نظر اليها وأكمل:
" لا أعتقد أنني أعرف أسمك بعد".
" فرنسيس هارون.....". أخرجت من حقيبتها لائحة:
" أليك لائحة بالأعمال التي قمت بها".
كانت تعجب لوجود فيلكس معهما , يمكنها أن تقوم بالتجربة على وجه أفضل لو يذهب ويتركها , نظرت الى وجهه ورأت تعابير غير مشجعة.
" حسنا يمكنك قراءة دورك بينما أقرأ أنا لائحة أعمالك السابقة وخبرتك".
تمكنت فرنسيس من قراءة ادور ثلاث مرات متتالية قبل أن تسمعه يقول لها آمرا:
" نحن على أستعداد لسماعك حين تصبحين جاهزة , ربما فهمت أن القصة تدور في منطقة كورنوال حوالي القرن الثامن عشر , هي قصة غرامية تاريخية وتتضمن الحياة السياسية لتلك الحقبة , الحياة في قصر كبيرة مقابل الحياة في كوخ صياد فقير , عمليات تهريب ومخالفات قانونية , عواصف بحرية وعوامل أخرى تشجع على قصة ناجحة لمسلس تلفزيوني ناجح... هذا ما نأمله , البطل هو نيكولا بنروت والأسم هو عنوان المسلس وأنت ستقرئين الآن مقطعا ( لماري ترويت )... البطلة , هل أنت جاهزة يا آنسة هارون؟".
هزت فرنسيس رأسها وخلعت سترة الفراء ووضعتها على الكرسي ثم نزعت قبعتها , وعلى الور تدلى شعرها الكستنائي الى كتفيها , مرت بأصابعها خلال تموجاته الكثيفة بفخر وألتفتت الى الرجلين وأنتظرت تعليماتهما.
منتديات ليلاس
بدت نظرة مبهمة على وجه فيلكس بينما فرك ديفريل يديه مسرورا مبتهجا , وقال:
" هذا مثير للغاية, نعم.... لديك لهجة أهل الجنوب , أليس كذلك؟".
هزت فرنسيس رأسها من جديد.
" لنبدأ أذن".
قال فيلكس:
" لقد طلب مني توم أن أقرأ دور االبطل معك ... هل لديك مانع يا آنسة هارون؟".
أمسك يدها وقادها الى وسط القاعة بينما جلس توم يراقب ويسمع.
" لا , لا أبدا".
لقد كان نظرها ثاقبا حين أعتبرته ممثلا.
حاولت فرنسيس أن تضبط أعصابها وتمنت أن لا يرى فيلكس الأوراق ترتجف بين يديها.
قال فيلكس:
" البطل شاب شريف المحتد بينما ماري فتاة قروية ... المشهد الذي سنقرأه يقع بعد أن تكون ماري قد أنقذت البطل عندما تحطمت سفينته فوق الصخور بفعل العاصفة , حملته في قارب صغير وأخذت تجذف بنفسها حتى أنقذت حياته من الموت الأكيد , والمشهد الآخر بعد زواجهما , كان يواجهها بغيرته القاسية , مشادة حامية تنتهي بعناق حار ...".
كانت لهجته طبيعية دون أي أنفعال , نظر اليها بعينيه العسليتين وسأل:
" هل أنت جاهزة؟".
هزت رأسها موافقة وشرعت في الأداء ... وكان عليها أن تعترف بعد ذلك أن البطل قد ساعدها كثيرا في قراءته , كان يلقنها الجمل بسهولة فائقة.... أنه ممثل بارع وهذا ما ساعدها في تقمص دورها بسهولة طبيعية.... لهجتها الجنوبية أتت طيّعة مرنة وتناغمت مع نبرة صوته العذب, طلب منها توم أعادة مشهد المشادة الكلامية مرة ثانية ... هل كان طلبه تأكيدا لنجاحها في الدور؟ تمنت ذلك , الجدال والمشادة مع شخص وسط المخوطات والأوراق .... ولكن المشهد للمرة الثانية أتى عفويا وأفضل , لقد أستغل شريكها البطل دوره على أفضل وجه وقام بتمثيل العناق الذي يسمح به المشهد خير قيام... وتمكنت أخيرا من دفع نفسها بعيدا عنه ونظرت اليه والشرر يتطاير من عينيها , تمنت لو تستطيع أن تمثل المشهد التالي والذي تصفع فيه البطل صفعة مدوية على وجهه.....
وكأن فيلكس قرأ أفكارها فقال مبتهجا مسرورا:
" نتوقف هنا يا آنسة هارون , أنت لا تريدين أن نصفع البطل طيلة فترة التجربة".
أبتسم ساخرا وهو يقرأ تعابير وجهها:
" هل يكفي يا توم؟".
" نعم , شكرا يا فيلكس , تفضلي الى هنا يا آنسة هارون".
[/size]


نظرت فرنسيس الى فيلكس نظرة باردة غضبى ومشت الى الطاولة حيث جلس السيد ديفريل وقد شمخت برأسها نافرة منه.
نظر ديفريل اليها وهي تقترب منه وأبتسم لها أبتسامة مشجعة وقال:
" شكرا , كانت قراءتك مشجعة ومثيرة , أجلسي , ضمن لائحة خبراتك أرى أنك قمت بأداء أدوار بارزة في مناطق برستول , كوينز بريدج , ليستر وشيستر".
" لقد ذكرت الأدوار المهمة فقط".
كان فيلكس يجلس مستمعا لما يدور من حديث بينهما وهو يفكر .
" لقد مدحك النقاد كثيرا في شيثستر".
هزت فرنسيس رأسها موافقة:
" كان حظي كبيرا لوجود مخرج ممتاز وبعض الزملاء الممتازين في حقل التمثيل".
" هل قمت بأي عمل للتلفزيون من قبل؟ لا يهم.......".
قطع كلامه صوت فيلكس وهو يعلق:
"التمثيل التلفزيوني يختلف تماما عن التمثيل المسرحي , هل تعرف الآنسة هارون ذلك؟".
نظر ديفريل اليها ورفع حاجبيه وهو ينتظر جوابها:
" نعم , أعرف ذلك , وأنا متأكدة أن بأستطاعتي أن أتعلم بسرعة.... سيعلمني المخرج ما يلزمني من هذه المسائل الفنية".
كانت تخاطب ديفريل ولكنها تود أن يسمع فيلكس رأيها ضحك توم ضحكة عالية وقال :
" أعتقد أن بأمكانه تدريبك , لقد أعجبتني لهجتك الجنوبية يا آنسة هارون , يبدو أنها طبيعية......".
" نعم لقد أمضيت سنوات طفولتي هناك".
" هذا يفسر ذلك لأنها تخرج طبيعية للغاية ". فرك ذقنه مفكرا ثم أكمل:
" هذا كل شيء الآن ... سنتصل بك , لدينا عنوانك أليس كذلك؟". مشى ديفريل نحوها وحمل سترتها يساعدها على أرتدائها :
" سنتصل بك خلال خمسة أيام لنعلمك رأينا". مد يده مودعا:
" أنا سعيد لأنك قمت بتجربة الآداء ولو متأخرة ... وأعتذر بشأن ما حصل لك في المصعد , هل تعرفين طريقك الى الخارج؟".
هزت فرنسيس رأسها موافقة.
" سأغيب عنك بعض الوقت يا فيلكس , أنتظرني أرجوك".
ترك توم الغرفة مسرعا بينما بقيت فرنسيس ترتب نفسها للخروج ببطء شديد , لن تدع فيلكس يقلقها أو يربكها , عقصت شعرها من جديد ووضعته تحت القبعة وحملت حقيبة يدها , ألقت نظرة أخيرة الى فيلكس , كان يجلس على الكرسي وقد مد رجليه بأسترخاء ووضع يديه خلف رأسه وهو يراقبها بتمعن:
" كنت محقا بأنك سريعة التأثر وشديدة الأنفعال : الشعر الأحمر يتماشى مع عصبيتك".
" لقد سمعت هذا القول تكرارا وكدت أصدقه ". حملت حقيبتها :
" شعري كستنائي فاتح وليس أحمر ... أشكرك على الشاي , لقد أنقذ حياتي".
هز رأسه مودعا ولم يتكلم , كانت تعابير وجهه متوازنة ورصينة ونظراته متحدية , وقبل أن تصل الى الباب أستدارت اليه وقالت:
" أعتقد أنك من برج العقرب , تشرين الثاني ( نوفمبر ) , أنت عقرب مميز ومتكبر ومتعجرف".
خرجت مسرعة وتمنت لو ينقلب الكرسي من تحته ويقع على الأرض... ولكن الكرسي لا ينقلب من تحت شخص مثل فيلكس , أنه واثق من نفسه...... أنه كالديك بين الدجاجات.
قالت زميلتها زوي:
" لديك أمل كبير في الحصول على الدور , لقد قلت أن تأديتك التجربية كانت جيدة ... وأن توم ديفريل أعجبه شكلك الخارجي وجمالك وسرّ بلهجتك الجنوبية الأصيلة".
" وهل تعرفينه؟ هل هو المصدر المسؤول الذي له تأثيره في أنتقاء البطلة؟".
" لا , لقد سمعت عنه من صديق لصديق لي ". عبست قليلا قبل أن تكمل قولها:
" أليس من المضحك توقف المصعد؟".
" شيء مضحك للغاية".
" ولكنك معتادة على هذه الأمور؟".
" ماذا تقصدين ؟ أنا لم أعلق طوال حياتي في مصعد غير هذه المرة... ولا أرغب في تكرار ما حصل معي مرة ثانية".
" وماذا بشأن السيدة المريضة؟ لم يتوفر أنسان غيرك لمساعدتها, لم يكن بأستطاعتك أهمالها وتركها لحالها.... والآن كل شيء تم حسب ما ترغبين , أعتقد أن الممثل ساعدك كثيرا بأقناع توم ديفريل بسماع تجربة الآداء لك , قلت لي أن دور البطل بنروت يلائمه كثيرا؟".
" أوه , نعم نعم".
كانت تقرأ جريدة المساء.
لقد أخبرت صديقتها الشيء القليل عن فيلكس ومع ذلك كان أسمه يتردد كثيرا في الحديث, هل ساعدها؟ كان لا يشارك في المحادثة وهما في المصعد.... ولكنه ليس شخصا كريها, خلال التجربة أحست نحوه بكراهية فطرية.... أنه بارد ومتعجرف.
قالت زوي:
" لا أذكر ممثلا بهذا الأسم؟ ربما هو ممثل تلفزيوني ونحن نعمل في الليل ولا نشاهد برامج التلفزيون , وأذا حصلت على هذا الدور ستعملين في النهار وتجدين أمسياتك فارغة لمشاهدة برامج التلفزيون , لقد أنتظرت طويلا وأنت دون عمل , حان الوقت أن يبتسم لك الحظ , منذ عودتك من شيشستر تحولت مواهبك الدافئة الى أدوار كوميدية مخيفة في روايات بوليسية".
ضحكت فرنسيس وعلقت قائلة:
" لا يمكنك أن تلومي المخرجين أن وجدوا أن شباك التذاكر يتقبل هذه الروايات بحماس , كنت أتقاضى أجرا جيدا على هذه الأدوار , أما من أجل شيشستر فالقصة تختلف......"


" وهل أنتهت علاقتك بمارك لوكاس كليّا؟".
نظرت فرنسيس عبر النافذة وسرحت بأفكارها تفكر بمارك.
" أن كنت تفضلين أن لا أتكلم في شؤونك الخاصة.....".
" لا يهمني يا زوي , لقد أنتهى كل شيء بيننا منذ أسابيع , ستة أشهر تكفي لمعالجة جراح الحب.....".
" الحمد لله , أنا أعرف ما قاسيت.... ولكنني مرتاحة جدا لبعدك عنه".
" لم يكن لي خيار في الأمر , كان لا بد أن أقطع علاقتي به وأهرب بعيدا عنه , كانت تجربة مؤلمة بالنسبة الي , ومن الآن فصاعدا سأبتعد ما أستطعت عن الرجال وسأعمل جاهدة لأحقق النجاح في عملي ومهنتي , تفكيري سيقتصر على هذا المجال دون غيره".
" وهل سيسمحون لك بذلك؟ ثم أنك لست من النوع الذي يفضل حياة العوانس , مشكلتك أنك تجذبين اليك الشباب الطائش... وأنت تحتاجين الى رجل قوي مسيطر , رجل يستطيع أن يجادلك كمنافس لك ولديه القدرة للسيطرة عليك , لقد قلت لك مرارا أن الرجال لا يحبون النساء القديرات المتفوقات والناجحات , قدرة المرأة في النضال تقتل شتلة الحب وتمتيها , أعرف أنك فتاة أستقلالية وحرة التصرف والرأي ولكن هذا الدور في الحياة بغيض , تحتاجين لرجل يستطيع أن يتخذ قرارا بسرعة ويشجعك على أن تكوني السيدة الصغيرة... رجل بمستوى ذكائك تحترمينه وتستندين اليه".
" وأين أجده؟".
" أنه في كل مكان .... فقط تأكدي أنه لا يمثل عليك هذا الدور تمثيلا".
"ولكنني لا ألتقي في حياتي العملية ألا الممثلين ... وأنا أكره الرجل المسيطر , وجوده قربي يزعجني , ولكنك لا تؤمنين بالحب ؟".
" أستطيع أن أتزوج لأجل المال ... أما أنت فأنا واثقة بأنك لا تستطيعين ذلك , والآن بت أخاف عليك من الوقوع في الحب من جديد ,ستة أشهر فترة طويلة بالنسبة الى شابة صحيحة تضع قلبها في ثلاجة.... والآن أخاف أن تخسري قلبك من جديد لشخص تافه".
" لم يكن مارك بالرجل التافه".
" لا , ولكنه كان متزوجا , كان أمر زواجه لا يقلقه أبدا , لو لم يكتشف أنك فتاة عفيفة لم تكن علاقته بك لتقلقه أبدا... هل تشربين قهوة؟".
هزت فرنسيس رأسها موافقة , دخلت زوي الى المطبخ لتحضر القهوة لهما.
تذكرت فرنسيس لقاءهما الأول بصديقتها زوي في معهد التمثيل منذ ست سنوات , زوي ألكسندر الشابة السمراء النحيلة , الطويلة القامة والتي تكبرها بسنتين فقط , فتاة ذكية وودودة , بادلتها الود وتبنتها في المعهد ودعتها لزيارة عائلتها بعد أن أكتشفت أنها وحيدة في العالم , كان آل ألكسندر يعرفون معنى الوحدة , لقد نزحوا عن فرصوفيا ولجؤوا الى أنكلترا , رحبوا بفرنسيس وأحبوها كمحبتهم لأبنتهم, قالت زوي:
" أتصلت والدتي هاتفيا هذا المساء , أخبرتها عن تجربة الأداء وهي تتمنى لك النجاح وتنتظر رؤيتك على شاشة التلفزيون قريبا".
" أذا حصلت على الدور".
" ولماذا التشاؤم ؟ هل هناك أي شيء أجهله؟ لقد قمت بالتجربة خير قيام , ثم.....".
" فيلكس ..... هذا الرجل , يجب أن أعرفه , ما شكله؟ هل هو وسيم؟".
" هذا يتوقف.......".
" ماذا؟ هل يحظى بقبولك؟ هل لديه جاذبية بحق السماء؟".
ضحكت فرنسيس:
" نعم , لديه جاذبية , أنه طويل وأسمر وشديد الجاذبية , وأعتقد أنه محاط بالفتيات ... لا يجد صعوبة في أيجاد رفيقة , هل هذا يشفي غليلك؟".
" هذا يشفي غليلي.... هل يروقك أنت يا فرنسيس؟".
" نعم يا زوي , وهذا ما يقلقني, أعتقد أن شعوري غير متبادل , أرجوك أن تحفظي نظراتك اللائمة بعيدا عني".
" وكيف عرفت ذلك؟".
" لقد سمعته".
" ماذا سمعت؟".
" حين عدت لأجلب قفازي... كان الباب مفتوحا وسمعت توم دبفريل يطري قراءتي ويمدح جمال شعري ولونه وشكلي....ولكن الممثل المغرور قال يخاطب توم ديفريل ساخرا , أن لون شعري هو بفعل الصباغ , وأن عليه أن لا يتأثر بنظرات العيون الزرقاء الساحرة...".
ثم أكمل حديثه بأنني لست سوى كتلة متاعب بالنسبة اليه".
" أنه متعصب , أنه ممثل مغرور أناني , أرجو أن لا تقيمي أية علاقة معه .... دعي غيرك يهتم بجنونه , أبتعدي عن الممثلين أرجوك". نظرت الى ساعتها:
" يا ألهي , حان وقت عملي وعلي أن أسرع".
" وكيف يسير العرض؟".
" على أحسن حال , لا أصدق أننا نعرض المسرحية منذ ثمانية أشهر ولا يزال شباك التذاكر يسجل حضورا تاما".
منتديات ليلاس
وبعد أن غادرت زوي الى عملها عادت فرنسيس الى أفكارها وأمكانية العمل في التلفزيون , تساءلت , لماذا كان تعليق فيلكس بهذه الخشونة , وتمنت أن لا يأخذ توم ملاحظاته بعين الأعتبار ... أنها تحتاج للعمل والحماس العاطفي قبل أن تموت الحياة بداخلها .... وجع رأسها مميت منذ تركت شيشستر وتشعر بأنه بدأ يزايلها ويخرج من أطرافها , ربما فصل الربيع يعمل سحره الخاص وكذلك دور ماري ترويت مشجع ومثير لعواطفها الساكنة , خاصة أن لعب هذا الرجل المتغطرس دور بتروت أمامها.


وبعد أسبوعين ألتقت الشاب المتكبر فيلكس , دخلت باب الأستديو وأصطدمت به وهو يخرج , ووجدت نفسها مرة ثانية في شبه عناق , تراجعت الى الوراء وقالت مدهوشة:
" أوه , هذا أنت".
" ظننت أنك أنت على الفور... لماذا لا تنظرين أمامك وأنت سائرة؟".
" آسفة , أنها غلطتي....".
أنحنت لتلتقط المخطوطة التي وقعت أرضا , وكان هو قد أسرع وحملها.
" لقد نلت دور ماري ترويت كما أرى".
" نعم , وقد حضرت اليوم وأستلمت المخطوطة".
" هل أنت سعيدة بذلك؟".
" طبعا , أنا مسرورة جدا ". كانت أبتسامتها عريضة ومثيرة وأكملت قائلة:
" أنني متحمسة ولكنني خائفة قليلا , أتمنى أن يكون المخرج صبورا معي في البداية ... هل ستلعب دور بترويت؟".
" لا , للأسف , لقد أستمتعت بأداء التجربة معك كثيرا".
كانت مسرورة جدا وجزلة وهي تقول له ساخرة:
" لا يمكنني أن أقول نفس الشيء".
سرحت قليلا وهي تفكر بعناقه التمثيلي المتقن الذي حرّكها من رقادها وشعرت بحمرة الخجل تكسو وجهها.
قال وصوته حزين:
" شعرت أننا كما متوافقين".
شدت فرنسيس على أسنانها وقالت:
" أشكرك لقراءتك دور بنروت معي , لقد ساعدتني كثيرا في النجاح".
" لا شكر على واجب , أنني مستعد دائما لتقديم المساعدة وبأي طريقة.....".
أبتسم لها قبل أن يمشي في طريقه , تمنت فرنسيس لو تستطيع أن ترميه بأي شيء معها... ولكنها لم تكن تحمل غير مخطوطة التمثيلية وهي تحتاجها.
منتديات ليلاس
ما شأن هذا الرجل معها؟ كلما ألتقته واحدثت معه يرميها بالكلمات اللاذعة الساخرة , قالت في نفسها: الحمد لله لأنه لن يلعب دور البطولة أمامها وألا لوجدت نفسها مضطربة وهي تقوم بأدوار الحب معه وسط نظراته الساخرة الوقحة , ولكنه بالرغم من كل شيء جعلها تشعر بأنها أمرأة مرغوبة , وهذا ما أزعجها وأقلقها كثيرا , منذ أشهر وهي تعيش دون أحساس بالحياة , تأكل وتشرب وتنام ولكن روحها في سبات عميق وقد أيقظها هذا الرجل... أعاد الحياة الى عروقها وجعل الدماء الحارة تركض في شرايينها , معرفته تزعجها ولكنها لا تعرف لماذا... هي حتما لا تحبه.
بعد أن غادرت الأستوديو توجهت الى محلات بيع الورود وأشترت باقة ورد حملتها الى منزل السيدة المريضة , قرعت الجرس وفتح لها الخادم الباب وتعرّف عليها على الفور.
قالت:
" حملت بعض الزهور للسيدة , أريد أن أزورها لأستفقادها , كيف هي الآن؟".
" أهلا وسهلا بك , الليدي رافنسكار متشوقة لرؤيتك من جديد".
أجفلت فرنسيس لسماع أسم السيدة ودخلت خلف الخادم مترددة , كأنا في عالم جديد لم تعتد رؤيته , المنزل الفخم أدهشها , الأثاث الفاخر والتحف المعلقة وساعة قديمة كبيرة والمفروشات اللامعة والنظافة والترتيب المتقن ... دخلت غرفة جانبية , هناك بيانو كبير في زاوية الغرفة بينما تدلت الستائر المخملية الخضراء من السقف الى الأرض فوق السجاد الفاتح اللون , الموبيليا من صنع أفخم بيوت الموبيليا في لندن وخزانة الفضيات مليئة بالأدوات الفاخرة , هناك مكتبة كبيرة رصت الكتب فوق رفوفها بترتيب , فتح باب جانبي ودخلت الليدي رافنسكار تتوكأ على عصاها وتمشي ببطء نحوها وهي تبتسم أبتسامة ودية محببة:
" يا عزيزتي , أنا سعيدة جدا لرؤيتك مرة ثانية , أشكرك على الورود , أنها جميلة ". نادت خادمها:
" سيمكن , ضعها في زهرية مع الماء... لماذا أختفيت يا عزيزتي يوم أوصلتني قبل أن أشكرك على مساعدتك؟ أجلسي".
يبدو أن الليدي مريضة جدا بداء المفاصل أو القلب.
" يبدو أنك بصحة جيدة الآن , كم أنا مسرورة ... أما بشأن أختفائي ... كنت على عجلة من أمري... ولكنني لم أنسك منذ تركتك واليوم قررت أن أزورك".
" تسرني رؤيتك كثيرا , طلبت بعض الشاي , أرجو أن تبقي معي لنتناوله سوية ". أبتسمت فرنسيس وهزت رأسها موافقة:
" عظيم , والآن أخلعي معطفك يا عزيزتي وأرتاحي".
فعلت فرنسيس كما أقترحت عليها الليدي وشعرت أنها تتلقى معاملة خاصة , كانت عينا الليدي تتفحصانها بدفء وحنان وود .
" أنت شابة فاتنة , لنتعرف على بعض , حين أخبرت أفراد عائلتي أنني أجهل أسمك وعنوانك لم يصدقوني..".
" أسمي فرنسيس هارون".
" فرنسيس , أسم لطيف ونادر في هذه الأيام , أسمي مارغريت رافنسكار ". وصل سيمكن يحمل الزهرية والشاي :
" ضع الزهور فوق البيانو , شكرا , ضع الشاي أمامنا على هذه الطاولة".
وبعد خروج الخادم قالت الليدي مسرورة:
" فرنسيس , أرجوك أن تصبي لنا الشاي لأن يدي لا تساعدانني في هذا العمر".
" طبعا".
كانت فرنسيس تراقب الأبريق الفضي اللامع وتتمنى أن تحسن التصرف , لقد أمضت سنوات تصب الشاي على المسرح أمام مئات العيون ... العملية سهلة وهي تتقنها.


" تسرني زيارتك , وجه جديد شاب يضفي على روتين حياتي طعما جديدا , أنا أرملة منذ عشر سنوات , أفراد عائلتي يزورونني حسب ما تسمح به ظروفهم ولكن حياتي مؤخرا أصبحت هادئة باردة وأنا مريضة".
" ألا تشعرين بتحسن؟".
" أنا ممتازة صحيا بالنسبة لعمري يا عزيزتي , لقد أعتدت العيش مع آلامي وأوجاعي , أحيانا أبدو كأمرأة مجنونة... ولو لم أحظ بمساعدتك في ذلك اليوم لكانت النتيجة مميتة , حسب رأيي طبيبي الخاص , وعدته أن أتقيد بتعليماته في المستقبل ". أبتسمت أبتسامتها الودودة:
" أنا لست على أستعداد لمغادرة هذه الفانية بعد... لا يزال لدي بعض الأعمال لتصريفها ". أشارت الى صحن الكعك :
" خذي بعضا من هذه الحلوى يا عزيزتي , أنها لذيذة , أريد فنجانا آخر من الشاي أرجوك ".
أنحنت فرنسيس وصبت لها فنجانا :
" أخبريني ماذا تعملين بالأضافة الى مساعدة المسنات في محنتهن؟".
" أنا ممثلة , أعمل في المسرح".
" هذا مثير , عائلتي على علاقة وثيقة بالمسرح والتمثيل , عمتي أشتهرت بالتمثيل على المسارح ولكن أفراد العائلة المحافظين قطعوا علاقتهم بها , أنا شخصيا كنت آمل أن أصبح عازفة بيانو , درست عدة سنوات وتمرنت قبل زواجي".
" وهل لا زلت تعزفين؟".
" فقط لأتسلى , لقد أصبح ذلك نادرا جدا , روحي تتوق لذلك ولكن جسمي لا يساعدني وهذا ما يكدرني , أكتفي الآن بالأستماع الى الموسيقى التي أهوى , أنت أذن ممثلة , وماذا تمثلين في هذه الأيام ؟".
" لقد أنهيت لتوي بعض الأعمال المسرحية في الموسم الماضي وسأبدأ التدريب على مسلسل تلفزيوني قريبا جدا".
حاولت أن تبدو غير متحمسة .
" التلفزيون ؟ حقيقة؟ هل شاهدتك في برنامج ما؟".
ضحكت فرنسيس وهزت رأسها نفيا:
" أبدا , هذا هو أول عمل تلفزيوني أقوم به".
" ماذا سيكون؟ تمثيلية؟".
" نعم , أنه مسلسل من عدة حلقات , ما يثير حماسي هو أن المسلسل تجري أحداثه في الجنوب.... في كورنوال حيث أمضيت طفولتي , أتوق شوقا للذهاب الى هناك من أجل التصوير الخارجي ".
" هذا يثيرني أيضا لأنني أعرف كورنوال جيدا وأحب المنطقة , هل يسمح لي بمعرفة أسم المسلسل لأتأكد من مشاهدتك في المستقبل حين يعرض؟".
منتديات ليلاس
" بتروت , ولكنه لن يعرض قبل شهر , ربما في نهاية السنة , هم يخططون مسبقا لهذه المسلسلات".
أكملت فرنسيس حديثها مع الليدي وأخبرتها تفاصيل حياتها السابقة ... موت والديها وهي في الخامسة عشرة من عمرها ....ثم لقاءها صديقتها زوي في معهد التمثيل ومشاركتها شقتها منذ ذلك الوقت.
نهضت فرنسيس لتودع الليدي قبل مغادرتها وقالت مبتسمة:
" آمل أن لا أكون قد أضجرتك كثيرا , لقد أطلت زيارتي كما يبدو".
هزت الليدي رأسها وهي تبتسم :
" أبدا يا عزيزتي , كانت زيارتك لي مفاجأة لذيذة , أتمنى أن تزوريني دائما , كرم منك أن تمنحيني وقتك". ترددت وهي تنظر اليها بسرور وقالت :
" أرغب في دعوتك لحفلة عشاء صغيرة ستقام هنا مساء الغد , الدعوة متأخرة ولكنني أريدك أن تنضمي الينا أذا كان وقتك يسمح بذلك , هل أنت حرة؟". نظرت بسرعة الى أصبعها ورفعت حاجبيها:
" لا خاتم خطوبة ولا صديق أدعوه لمرافقتك؟". أبتسمت فرنسيس وهزت رأسها نفيا :
" لا أفهم أين الشباب ؟ كيف يتركون شابة فاتنة بجمالك دون أرتباط ؟ ستحضرين؟".
شعرت فرنسيس أن الليدي تريد أن تشكرها على مساعدتها ورأت أن من اللياقة أن تقبل دعوتها ولو أتت متأخرة:
" شكرا , ولكن .... ألست متطفلة ؟ لا يوجد لدي مواعيد , أنا شاكرة لك دعوتك الكريمة".
" عظيم , سأنتظرك لأعرفك الى أفراد عائلتي.... الموجود منهم ". مدت يدها بطريقة أرستقراطية وصافحتها مودعة:
" أنت فتاة طيبة وقد أبديت حنانا وعطفا على سيدة مسنة في محنتها , هذا شيء نادر في هذه الأيام , اناس يتراكضون ولا يهتمون لما يدور حولهم , لقد أدخلت السرور الى قلبي في زيارتك لي اليوم".
" وأنا سررت بلقائك ".
أحمرت وجنتاها.... لقد سرّت بصدق الليدي وأبتهاجها الحقيقي :
" أنا لم أفعل أي شيء .... وسأحضر يوم السبت الى العشاء , متى؟".
" في الثامنة مساء , مع السلامة يا فرنسيس , أنتظرك يوم السبت".
تركت فرنسيس المنزل وهي مبهورة , الليدي أمرأة مدهشة , تحسن الحديث وقوية الشخصية وساحرة الحضور , لقد دربت نفسها على تقبل مرضها بشكل مرض , عيناها تنبئان بالمزيد من المفاجأت .
العشاء المرتقب ولقاء أشخاص لأول مرة لم يكن ليضايقها في السابق ... وهي تتقن أستعمال الشوكة والسكين والتصرف بلياقة في عشاء رسمي ... ولكن شعورا غريبا غمرها وأربكها , تكريم الليدي لها وقد غمرتها بلطفها .... وقالت في نفسها : حفلة عشاء وتتهي .... تنتهي علاقتها بالليدي ولن تراها بعد.

كانت ردة فعل زوي غريبة , صمتت قليلا وهي تفكر ثم أنفجرت ضاحكة:
" يا ألهي يا فرنسيس , الليدي أرملة فاض وتقولين أنها أرستقراطية المحتد ... من سيكون معك على العشاء؟ عليك أن تحسني التصرف وترتدي أفخر الثياب لتليق بالمناسبة".
" لم أفكر بعد في ثيابي , لا زلت أستغرب وجودي في هذه الحفلة الخاصة".
ذهبت زوي مع فرنسيس الى خزانة الثياب وساعدتها في أنتقاء الثوب الملائم.
" أرتدي هذا الثوب الأزرق بلون عينيك , نعم يا سيدتي المحترمة".
وفي مساء اليوم التالي وقفت فرنسيس أمام المرآة تلقي نظرة أخيرة على شكلها , كانت تشعر ببعض الأنقباض والأرتباك , هناك بعض الوجع في معدتها كما يحصل معها عادة قبل ظهورها على خشبة المسرح.
ثوبها الأزرق ذو قصات بسيطة وفنية , أكمامه ضيقة ويظهر تناسق تقاطيعها , القبة واسعة مع عدة ثنيات حول الأكتاف , أخرجت فرنسيس ساعتها الذهبية ووضعتها بتأن حول معصمها كما تزينت بالقرطين الذهبيين , أعادت ترتيب شعرها من جديد وأبتسمت لنفسها أبتسامة الرضى وحملت معطف صديقتها الواسع ووضعته على أكتافها ونزلت الى المدخل تنتظر وصول سيارة الأجرة التي ستقلها الى حفلة العشاء.
وصلت الى القصر وتنبهت الى وجود سيارات عديدة متوقفة أمام المدخل الرئيسي , صعدت الدرجات الحجرية القليلة وقرعت الجرس بحذر , كانت تشعر بأن القدر قد خبأ لها سهرة مثيرة وبأنها ستتذكر هذا العشاء في المستقبل , أملها وتفاؤلها شجعاها على دخول المنزل حين فتح لها الخادم سيمكن الباب وحمل لها معطفها وقادها الى قاعة الأستقبال ذات اللون الأخضر , وحين دخلت وجدت أن هناك ما يقارب الأثني عشر شخصا من المدعوين قد سبقوها , شعرت بأن المدعوين صمتوا قليلا وهم ينظرون اليها بفضول وهي تتقدم من الليدي رافنسكار لتسلم عليها.
" مساء الخير يا سيدة رافنسكار".
كانت الليدي ترتدي ثوبا أسود من القماش اللامع وقد زينت أذنيها بقرطين من الماس ووضعت في جيدها عقدا من اللؤلؤ بينما زينت أصابعها بأكثر من خاتم ثمين من الحجارة الكريمة , وعقصت شعرها الأملس وجعلته كالتاج فوق رأسها وقد وضعت قليلا من مساحيق التجميل على وجهها وشفتيها.
" فرنسيس , أنا سعيدة أن أراك مرة ثانية , كيف حالك يا عزيزتي؟".
" أشكرك , أنا بخير , أتمنى أن لا أكون قد تأخرت عليك...ولكن التاكسي.........".
" لا , لم تتأخري , لا زلنا ننتظر شخصا متأخرا غيرك , تعالي لأعرفك على المدعوين , لن تتذكري الأسماء لكن لا بأس".
أبتسمت فرنسيس لكل شخص تعرفت اليه , كانت الليدي تعرفهم عليها بقولها:
" أنها الفتاة التي أنقذت حياتي يوم داهمتني نوبة قلبية في شارع ريجنت ... لقد أثقلت على فرنسيس ولكنها لا تحب أن تتباهى بمساعدتها , ولكن الطبيب غاريت سيؤكد لكم كلامي ". نظرت الى الطبيب وقالت:
" غاريت , سأترك فرنسيس بين يديك لترعاها وتسليها".
هز غاريت رأسه موافقا وتقدم منها مبتسما مسرورا بهذه المهمة السعيدة وقال:
" وليام غاريت وليام".
كان الطبيب في الأربعين من عمره , ذكي التعابير ودافىء الصوت , واثق من نفسه ومترفع في تصرفاته.
" أهلا وسهلا , تشرفت بمعرفتك , هل ترغبين في بعض الشراب يا آنسة هارون؟".
" شراب الكرز , شكرا".
" سأؤكد ما قالته مارغريت , أهنئك على سرعتك وأنتباهك لحالتها".
" كان والدي طبيب وقد أكتسبت منه بعض الخبرة في هذا المضمار , أنا سعيدة لأنني أستطعت أن أساعدها وقت الحاجة , ولكنني أتمنى لو تكف الليدي عن شكري أمام المدعوين... أن ذلك يربكني".
" لا يمكننا مناقشة الليدي , ولكنها فهمت خطورة وضعها كمريضة... أخيرا , لمست أن شفاءها لا يتم.... فأنا كطبيب لا أصنع المعجزات بل أنصحها وأرشدها لما فيه خيرها , ولقد تركت لها أمر العناية بنفسها, وبعدما حصل لها مؤخرا أصبحت أكثر حرصا على أتباع أرشاداتي".
شعرت فرنسيس بصدق عاطفة مرافقها لمريضته , وأحست برابطة الصداقة المتينة التي تربطه بأفراد العائلة , كرر لها أسماء المدعوين مع شرح بسيط لكل واحد منهم , معظمهم من الأقارب وأثنان فقط من الأصدقاء القدامى , كانت فرنسيس أصغر المدعوين.
نهضت اللييدي فجأة من مجلسها وقالت بلهجة آمرة:
" علينا أن نبدأ في تناول العشاء , لا نعرف متى سيصل أبني , لا أريد أن يفسد الطعام ونحن ننتظره , ربما حصل ما أعاقه عن موعدنا , هيا بنا يا براترام تقدم الى غرفة الطعام ونحن نلحق بك ".
برترام هو شقيق زوجها , وهو رجل عسكري أعتاد الأنضباط والنظام , لقد أمضى حياته في الخدمة العسكرية , وقال:
" لا يمكننا أن نفسد عليك حفلة عيد ميلادك".
قالت فرنسيس:
" لم أكن أعرف أن احفلة هي حفلة عيد ميلادك يا ليدي رافنسكار".
" وكيف تعرفين ذلك يا صغيرتي؟ لو أخبرتك لشعرت أن من واجبك أن تحضري لي معك هدية ... وأنا رغبت في وجودك معنا ليس ألا".


أمسكت الليدي بذراع فرنسيس ومشت معها الى غرفة الطعام , وبعد قليل تذكرت الليدي حقيبة يدها وطلبت من فرنسيس أن تحضرها لها , وحين عادت فرنسيس أكتشفت أن الشخص المتأخر قد وصل أخيرا... وقفت مترددة , لا تريد الأزعاج , وهي ترى الليدي تسلم على القادم بحرارة ودفء وهي تقول:
" لقد وصلت يا عزيزي , عرفت أنك ستحضر ولو متأخرا , لقد ضجر عمك برترام من الأنتظار وكدنا أن نتعشى بدونك".
خلع الشاب القادم معطفه وناوله الى سيمكن وبعد ذلك أخذ الليدي بين ذراعيه بحنان ظاهر وهو يقول:
" أنا آسف جدا يا أماه , لقد أخرتني عنك بعض الأعمال الملحة , حاولت أن أتهرب منها ولكنني لم أفلح ". نظر اليها مادحا:
" تبدين جميلة وصحتك ممتازة وأصغر سنا.... ميلاد سعيد يا حبيبتي".
" أشكرك يا بني على هديتك , لقد أرتديت خاتمك ". فتحت يدها لتريه الخاتم في أصبعها:
" أنها هدية جميلة للغاية ".
لمح فرنسيس وهي تتلكأ في مؤخرة الغرفة , لمحته والدته ينظر اليها , أضافت بسرعة:
" آه فرنسيس يا عزيزتي , لقد عدت بالحقيبة , شكرا , يمكنني الآن أن أعرّفك الى أبني فيلكس ... فيلكس هذه هي فرنسيس هارون".
كانت الليدي تنظر اليها بأعتزاز وفخر وتستطلع رأي أبنها بفرنسيس من تعابير وجهه وقد ظهر على وجهها طيف أبتسامة حقيقية.
تسمر فيلكس في مكانه من الدهشة , تعجبت فرنسيس وهي تردد في نفسها : فيلكس هو أبن البيدي رافنسكار ....لباسه الآن يختلف كثيرا عما رأته من قبل , أنه أكثر وسامة في لباس السهرة الأنيق , قميصه الناصع البياض ورأسه المتعالي وطريقته الأرسنقراطية ونبرته الآمرة... لون عينيه الساحرتين يحيرها ....ولقد ظهر الغضب بوضوح فيهما ومد يده ليصافحها وقد أرتدى قناعا مبهما على وجهه.
قالت الليدي:
" هيا بنا ندخل غرفة الطعام ... لقد حضر برترام خلفنا , سأسبقكما مع برترام , فيلكس أهتم بقرنسيس....".
بدأت فرنسيس تتحرك نحو غرفة الطعام ولكن فيلكس أمسك بذراعها بقسوة وأوقفها قائلا:
" أنتظري لحظة , أريد أن أكلمك , ماذا تفعلين هنا بحق السماء؟".
حدقت فرنسيس به يائسة وقد أرتبك شعورها وأختلط عليها الأمر , حاولت أن تبقي على رباطة جأشها ما أمكنها , كل شيء يسير بسرعة حولها , وهذا الرجل غاضب لسبب تجهله كليا ولكن جام غضبه قد صبه فوق رأسها.....
" ما الأمر؟ أنا لا أفهم.....".
" من دعاك الى هنا؟".
هزها بقسوة , تعثرت , وكادت تسقط , أبتعدت عنه مسرعة , حضر سيمكن وقال:
" سيقدم طعام العشاء فورا يا سيد فيلكس...".
" شكرا يا سيمكن , سندخل بعد لحظة واحدة".
مشى الخادم وهو يحمل صينية الطعام , أنتظرت فرنسيس حتى أختفى وقالت ببرودة:
" لقد دعتني والدتك....".
ومشت دون أن تنتظر جوابه , حاول فيلكس أخفاء غضبه بجهد جهيد وهو يلحق بها.
سمعا ضحكات تتصاعد من غرفة الطعام قبل أن يدخلاها , بدأ فيلكس يتمتم غاضبا ثم قال لها:
" سأتحدث معك فيما بعد.... الحديث غير ممكن الآن".
" من قال لك أنني أرغب في الحديث معك يا سيدي؟ ".
نظرت الى يده الممسكة بذراعها بخشونة وأفلتتها على الفور وأكملت:
" لو لم يكن ذهابي الآن يسيء الى والدتك ويسبب لها بعض الكآبة في عيد ميلادها لغادرت الحفلة على الفور .... سأحاول أن أتغاضى عن طريقتك البربرية الجلفة غير المهذبة ... أتمنى لو تبقي يديك لنفسك وكذلك تصرفاتك غير اللائقة".
تركته ومشت ال غرفة الطعام.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: - لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت   الثلاثاء يوليو 04, 2017 5:13 am

[size=32]
3- دور رئيسي في الحياة


بعد أن أنتهى صنف الطعام الأول بدأت الليدي تدير الحديث في الوجهة التي تريد... سألت أبنها ببراءة خادعة:
" أعتقد أنك فوجئت بوجود فرنسيس معنا هنا في هذه السهرة".
نظر اليها فزعا ثم حدق بسرعة في فرنسيس التي كانت تجلس قربه ثم نظر الى والدته من جديد وقال:
" نعم لقد فوجئت بوجودها".
كانت فرنسيس تود لو تضحك وتنسى ما حصل , ولكنها كانت غضبى ومرتبكة وهي ترى جميع المدعوين يراقبون الحديث بأهتمام كلي وخاصة غاريت الذي قال مستوضحا:
" هل لك يا مرغريت أن توضحي لنا الأمر؟ لقد سررنا جميعا بوجود فرنسيس معنا ولكن لماذا تعتبرين وجودها مفاجأة لفيلكس؟".
قالت الليدي :
" لأن فرنسيس هب الشابة التي أنقذت حياتي وساعدتني يوم مرضت في السوق وحملتني الى بيتي".
حاول فيلكس أن يتحكم بأعصابه , شد كثيرا على أسنانه وأيقنت فرنسيس أن براعته في حقل التمثيل ساعدته في السيطرة على نفسه وقال:
" أنت مسرورة جدا يا أماه بمفاجأتك". ألتفت الى فرنسيس وأكمل كلامه:
" دعيني أضيف شكري وأمتناني لمساعدتك القيمة في أنقاذ والدتي في ذلك اليوم".
كان صادقا في قوله , سرها تواضعه وأعترافه بفضلها وأحست بأنتصارها عليه في هذه المعركة , نظرت اليه نظرة مؤنبة جريئة ثم أكملت طعامها وهي مبتهجة.
قال برترام :
" أين الصدفة في ذلك ؟ أنا لا أفهم المفاجأة , هل لك أن تشرحي لي؟".
" فرنسيس تعمل ممثلة يا برترام وقد أسند اليها مؤخرا دور البطولة في المسلسل التلفزيوني الجديد....".
أبتسمت فرنسيس وهي ترى كل العيون تنظر اليها وخاصة عيني فيلكس الجالس عن يمينها:
" وفيلكس هو مخرج المسلسل".
أختنقت فرنسيس يطعامها من المفاجأة , نظرت الى زجاجة الماء وقام فيلكس يملأ لها كأسها , وبعد أن أستعادت تنفسها الطبيعي نظرت اليه متسائلة وهي لا تستطيع أن تخفي رغبتها وفزعها , رفع فيلكس حاجبيه متسائلا وهي تسأله متمتمة:
" أنت؟ أنت.... مخرج ... بنروت؟".
" نعم , ألم تعرفي؟".
" وكيف أعرف؟ لم يخبرني أحد".
أكملت فرنسيس تناول طعامها الذي أصبح دون طعم , أنتابها شعور غريب وهي تعود بذاكرتها الى يوم آداء التجربة علّها تجد ما يشير الى هذه الحقيقة التي كانت تجهلها ... ما الذي جعله كمخرج يتقمص البطل أمامها ويظهر كأنه ممثل؟ أنها تكرهه.... لم يخبرها بأي شيء حول هذا الموضوع , لقد أرتبكت كل الأمور في عقلها ... هو مديرها المباشر , هو مخرج المسلسل , المتكبر المتعالي ... هو الذي يثيرها ويثير غضبها و.......
منتديات ليلاس
لاحظت فرنسيس أن فيلكس بدأ يجيب عن الأسئلة التي توجه اليه حول المسلسل الجديد.
قالت الليدي :
" كنت أرغب في مفاجأتك ولكنك أفسدت كل خططي بتأخرك ". نظرت الى فرنسيس وأكملت:
" سامحيني يا صغيرتي , عندما أخبرتني عن قيامك بدور البطولة في هذا المسلسل كنت أعرف أن فيلكس هو المخرج وأردت أن أفاجئكما معا بهذه الحقيقة".
" ولقد نجحت يا أماه".
أبتسم لها أبتسامته العريضة الساخرة.
ودار الحديث حول طاولة الطعام عاديا بعد ذلك .
ألتفت فيلكس الى جارته وتمتم بصوت خفيض:
" سيبدو الأمر غريبا لو تفاديت الحديث معي طوال السهرة , حاولي يا فتاتي أن تتغاضي عما حصل , أنت طيبة القلب.... أعملي قصارى جهدك".
بدأت فرنسيس تقول في نفسها : أنه مديرك ... وستعملين تحت أمرته فترة عشرة أسابيع مقبلة......
" لم يعد لدي أي حديث لائق ومهذب معك".
" أذن حاولي حديثا غير مهذب وأنا واثق بأنك لن تجدي صعوبة.....".
سحبت نفسا عميقا وقالت في نفسها: هي لا تحبه وهو أيضا لا يحبها , الشعور بينهما متبادل , حاولت الهجوم بدل الدفاع وقالت محتدة:
" ما سبب غضبك هذا المساء؟".
" ظننت أنك تستغلين والدتي من أجل مقابلتي".
كان تفسيره صاعقا , لم تنتظر هذا التبرير المخجل.
" أنا لم أربطك بالليدي بأي شكل.... وكيف يمكنني ذلك وأنا أجهل أسم عائلتك كليا..... لو سمعت الأسم لم يكن ليعني بالنسبة الي أي شيء".
" أنت تتعمدين تجريحي وتقللين من شأني مما يجرح كبريائي". قال ساخرا:
" هل أساعدك ببعض الشراب المهضم؟".
" ظننتك ممثلا".
" كنت ممثلا , عملت في المسرح فترة طويلة , بدأت التمثيل ثم ألتزمت الأخراج حين سنحت لي الفرصة , ونجحت على ما يبدو في الأخراج التلفزيوني , كان التلفزيون في بداية عهده ويحتاجون للعديد من المتخصصين , طلب مني البقاء وبقيت , والآن وبعد أن توسع العمل التلفزيوني وتشعب ونضجت صناعته وأينعت توصلت أنا بجهدي الى هذا المركز المرموق , ولحسن حظي أنني دخلت في حينه لأن الأمر أصبح أكثر تعقيدا الآن والمنافسة على أشدها .


حين يترك فيلكس سخريته وعجرفته يصبح شخصا مسليا ومحدثا لبقا يجيد فن الكلام وتوزيع الحديث.
" هل ظننت أنني بعد أن وقعت عليك وبقيت معك دقائق معدودة في داخل المصعد وقعت صريعة حبك , وحاولت بطريقة ماكرة أن أجعل نفسي مدعوة الى العشاء في بيت والدتك هذه الليلة ؟". رفعت حاجبيها ساخرة :
" يا سيد افنسكار , أنا واثقة أنك على علم تام بجاذبيتك ولكنك تحمل الأمور أكثر مما ينبغي ".
مر الخادم يحمل صحنا من الخضار للمدعوين وبعد أن تناولا حاجتهما أجابها:
" تتعجبين أذا أخبرتك ما تقوم به الممثلات من أعمال جريئة للحصول على أدوار مختلفة ". قال ساخرا وهو ينظر اليها:
" كنت واثقا من أن مركزي ونفوذي هما اللذان جذباك الي وليس جاذبيتي".
" حقيقة؟ لا بأس ولكنني أؤكد لك أن هذا التصرف ليس من طبعي... لماذا لم تخبرني عن نفسك عندما طلبت منك مساعدتي لمقابلة توم ديفريل؟".
" لم أكن مخرج المسلسل بل كان توم هو المخرج".
أبتسمت له أبتسامة بلهاء كأنها تشفق عليه وقالت:
" أنا لست غبية , أنا واثقة بأنه بحث معك أختيار الممثلات ". ونظرت اليه بفضول وأكملت:
" وأنا لا أعرف كيف حصلت على الدور , لقد شعرت شعورا أكيدا بأنك لا تحبني ولا توافق على أختياري يا أستاذ رافنسكار".
" أنا لا أدع شعوري الشخصي يتدخل في عملي يا آنسة هارون , دور ماريت ترويت كان متأرجحا بين أثنتين ولقد فزت أنت , لقد أعجب توم ديفريل بسحر شعرك ولونه".
" وهو ليس بفعل الصباغ كما قلت له".
قالت ذلك وأستدارت لتتحدث مع الطبيب غاريت الذي كان يجلس عن شمالها وقد سره أشراكها في الحديث الذي كان يدور حول رواية نزلت حديثا الى السوق وبيعت بكميات كبيرة.
أبدت فرنسيس رأيها حول الموضوع المثار بكفاءة , كانت تحس بوجود فيلكس عن يمينها بالرغم من تجاهلها له , من الواضح أنه يثيرها بل يزعجها , كانت ترى أبتسامة الليدي نحوهما وهي تراقبهما راضية.
كان فيلكس بالنسبة لليدي رافنسكار هو قرة عينيها وأغلى ما عندها , قالت فرنسيس في نفسها : ربما كنت أشاطرها شعورها نحوه لو تقابلنا في ظروف مغايرة , ربما سيخيب أمل الليدي لو فهمت حقيقة شعورها نحو وحيدها.
أنه حتما يجذبها ... دفعت شعرها بيدها وهي تقنع نفسها قائلة:
" هناك آلاف الرجال لهم جاذبيته ووسامته ... لهم صوت دافىء يدخل القلوب , تسر عشرتهم وأذكياء مثله.
بعد مغادرة غرفة الطعام جلست فرنسيس بالقرب من الطبيب غاريت الذي تناول في حديثه عملها وقال:
" أنت شديدة الحظ في عملك تحت أشراف مخرج ممتاز مثل فيلكس".
" هذا يشجعني وأنتظر أن يساعدني في عملي , أنا أعرف مخرجين يعملون في المسرح".
" فيلكس في مركز متسلط في التلفزيون , فريق العمل التقني يسعدهم العمل تحت أمرته .... أنهم الحاكم العادل على كفاءته, فالتقنيون يفضلون العمل مع الأفضل ". أبتسم وهمس في أذنها:
" لا تنزعجي من تدخل الليدي في تدبيرها , أنها فخورة بأبنها وهو جدير بفخرها , أنه شاب ناجح يجيد عمله , أعرفه حق المعرفة كما أعرف شقيقته جاسيكا منذ سنين عديدة".
" أنت محام بارع أكثر منك طبيبا للعائلة".
مشى غاريت نحو فيلكس الذي كان يقف قرب المكتبة , راقبتهما فرنسيس , كلاهما أسمر ولكن فيلكس أطول ويتحرك ببطء أكثر , بينما غاريت في حركة دائمة يشع بالحيوية والنشاط وهو يتكلم بيديه وعينيه السوداوين المعبرتين.
طلبت الليدي من أبنها أن يعزف لهم ولكنه قال:
" أعتقد أن السيدة التي تحتفل بعيد ميلادها هي التي ستعزف لنا , أنها أفضل عازفة بيننا".
" لا يا فيلكس , لن أعزف هذه الليلة , أنا أحتفل بعيد ميلادي وعليكم تسليتي وأدخال السرور الى قلبي".
وقام غاريت ودفع فيلكس نحو البيانو قائلا:
"بما أنني الطبيب فأنني أقترح عليك أن تعزف لتدخل السرور الى قلب الليدي العظيمة".
" حاضر".
مشى غاريت بعد ذلك وجلس على الأريكة بالقرب من فرنسيس , سألته:
" وهل تعزف أنت أيضا يا دكتور؟".
هز رأسه نفيا وقال:
" لا , لا وقت لدي ولا موهبة ". نظر الى فيلكس وأكمل حديثه قائلا:
" كان بأمكانه أن يصبح عازفا لو تابع دراسة الموسيقى".
صمت الجميع بينما أنسابت موسيقى شوبان وملأت الغرفة .
جلس فيلكس يعزف بأتقان ومهارة , أغمضت فرنسيس عينيها وتركت للموسيقى أن تدخل كيانها , وبعد أنتهائه نال تصفيقا حادا من الجميع وبدأ غاريت يغني أغنيات معروفة يتابعه فيلكس في العزف على البيانو , وأشترك الجميع بعد ذلك في الغناء , سرت فرنسيس بما يدور حولها وشعرت بسعادة حقيقية وألفة وود.


أنتهت السهرة ومشت فرنسيس لوداع الليدي التي طلبت اليها أن تكرر زياراتها في أقرب فرصة وهي تقول:
" أعرف أن المسلسل يحتاج لبعض الوقت ولكنني أريد أن أعرف كل شيء عنه وعن كورنوال ... أريد أن أعرف رأيك بفيلكس المخرج".
قال فيلكس معترضا:
" أماه , لن تقول الآنسة لك الحقيقة ". عاد يحمل معطف فرنسيس بعد أن أرتدى معطفه :
" وأنت لن تصدقي ألا المديح عني".
" أوه لماذا؟ وأنا أعرف كل أخطائك ".
" مساء الخير يا أماه , أنتبهي لنفسك ولصحتك".
عانقها مودعا:
" هل ستوصل فرنسيس الى منزلها في طريقك؟".
ساعد فرنسيس في أرتداء معطفها وأمسك بشعرها يبعده عن قبة المعطف:
" طبعا".
" ألا توافق يا فيلكس أن شعرها جميل!".
" بلى , وأؤكد لك أن لونه طبيعي وليس بفعل الصباغ".
نظرت الليدي اليه فزعة مما قال وعلقت:
" أعرف ذلك ولكن لماذا تؤكد لي؟".
لم يجبها بل أمسك بذراع فرنسيس وقادها نحو الباب مسرعا بالخروج , وقفت الليدي مسرورة جدا وهي تودعهما وتحيك في رأسها قصصا , وتمني نفسها بنجاح خطتها في جمعهما في قصة حب من نسج خيالها.
لم تتكلم فرنسيس في طريق العودة , لقد قال لها أنه سيتكلم معها في وقت لاحق... ولا بد أنه سيتكلم متى يرى ذلك مناسبا , جلست قربه في سيارته اللانسيا السوداء الفخمة والمريحة , ونظرت خلفها الى المنزل الذي الذي غادرته وتذكرت ساعة وصولها وشعورها بأن القدر يخبىء لها مفاجأة في هذا المنزل...
والآن بعد أن عرفت أن قدرها مرتبط بهذا الرجل أرتباط عمل وثيق شعرت ببعض الأمتعاض والغيظ.
" آنسة هارون.... أين تقطنين؟".
" منطقة لامبث".
قيادته سلسة ومريحة وقد شعرت بأمان وهي معه وتلاشى غضبها تدريجيا , السهرة ممتعة ولولا بدايتها السيئة معه .... قالت في نفسها: من الجنون أن تبدأ معه علاقة متوترة أذا كان عملها يرتبط به مباشرة , من الجنون أن لا تتوصل معه الى هدنة أو تسوية.
" الى الشمال أو الجنوب؟".
" الى الجنوب بالقرب من مركز البلدية".
" حسنا , أعرف المكان ". قاد السيارة بمهارة وأكمل بعد قليل:
" عرفت الآن أنك تأخرت عن آداء التجربة في موعدها بسبب مساعدتك لوالدتي".
" نعم".
" هذا يجعلني سعيدا لأنني أفسحت لك المجال لآداء التجربة متأخرة , فلولا مساعدتك لما كنا نحتفل اليوم بعيد ميلادها , كنت تعرفين أنك بمعاونتك لها ستخسرين فرصة كبيرة في عملك , ومع ذلك لم تتأخري عن مد يد المساعدة لها .... قليلون يفعلون ذلك ويتخلون عن أنانيتهم ومنفعتهم الخاصة".
كان كلامه مديحا لكن لهجته مزعجة كمن يعترف بذنب أقترفه , نظرت فرنسيس عبر النافذة الى نهر التيمس والأنوار التي تنعكس على سطح الماء وقالت:
" ولحسن حظي أنك لم تكن تعرف هذه الحقيقة وألا لكنت ظننت أنني حصلت على هذا الدور جزاء عملي".
" عندما تتعرفين اليّ عن كثب يا آنسة هارون تعرفين أنني لا أمنح الدور لأحد ألا عن جدارة وأستحقاق".
سرّها سماع أقواله , ولكنها لم تصدقه لعلمها ما تفعله بعض الممثلات من أمور رهيبة مخجلة لقاء حصولهن على دور.
وحين وصل الى منزلها قالت له مترددة:
" شكرا لتوصيلك لي , لقد شكرت والدتك على هذه السهرة الممتعة , أرجوك أن تكرر شكري لها.........".
" أعتذر منك عن تصرفاتي الشائنة ساعة تقابلنا هذا المساء , كانت تصرفاتي غير لائقة دون سبب واضح , أسرعت في أستنتاجي الخاطىء... وقد أنزعجت وفقدت السيطرة على رباطة جأشي لأسباب واهية...".
بقيت فرنسيس تستمع اليه صامتى دون تعليق , لقد حيّرها , أنه لغز , شخص متوازن مثله بدا غضبه غير مقبول أطلاقا , أكمل فيلكس حديثه دون أن يلمس أي تجاوب منها:
" كنت دائما أجيب من يسألني عن أسباب نجاح المخرج .... وأقول : أنه الرجل الأهم والمحور الذي يرتكز عليه البرنامج التلفزيوني الناجح , المخرج الناجح يحتاج لحكم عادل ويستطيع التعامل مع جميع فئات الناس , الشخص الذي يوحي بالثقة والحماس , يحسن التخطيط والتنظيم ويستطيع أن يوكل ببعض أعماله الى مساعديه بكفاءة , هو المسؤول الأول أمام الجميع , يستطيع أن يتقبل النصح أو يرفضه ويبقى على رباطة جأشه تحت وطأة ضغوط العمل وملابساته ".
ضحك ضحكة باهتة وأستدار لينظر اليها وأكمل :
" ولا يستطيع أي رجل أن يكون مثاليا مهما حاول , الضغوط أحيانا لا تحتمل , عملي متشعب الأقسام وأنا المسؤول الأول يا آنسة هارون , وأنا أتحمل مسؤولياتي بشجاعة ومقدرة وحين أفشل في تحملها سأتنحى عن عملي فورا .... قبل ساعة من حضوري لحفلة عيد ميلاد والدتي طرأ طارىء عمل مفاجىء لم يكن في الحسبان , كان علي تنظيم أجتماع عمل مع مجموعة من المندوبين في كورنوال ...المشروع يحتاج لآلآف الجنيهات الأسترلينية وهذه الحقيقة تتطلب دراسة كافية وتخطيطا لأن كل تأخير في برنامج العمل الموضوع يكبد الميزانية مئات الجنيهات وربما الألوف ".
نظر اليها مستطلعا أدراكها لما أخبرها وأكمل:
" ربما ضغط ذلك الأجتماع كان أكثر مما أحتمل , وجاءت ردة الفعل الكريهة عندما ألتقيتك.....".
" فهمت..........".


رفع حاجبيه متسائلا وقال بخبث:
" طريقتي في مقابلتك أغضبتك وربما أفسدت عليك السهرة لو لم يكن غاريت جارك على طاولة الطعام الذي أحاطك بأعجابه وأنتباهه, لقد تجاهلت وجودي المزعج قربك فترة طويلة.. ربما ساعد الطعام الجيد في تبديد تجهمك أليس كذلك؟".
نظرت اليه لا تصدق ما تسمع , ولكنه تابع تحديقه فيها يراقب ردة فعلها التلقائية على أقواله.
قالت بعصبية:
" أنك شخص لا يحتمل يا أستاذ رافنسكار , أنت تعرف جيدا أنني سأسامحك".
" أتمنى ذلك من كل قلبي , يبدو أنك أنسانة كريمة متسامحة ولطيفة".
" هل صادفك مرة في حياتك لغز محيّر لم تستطع أن تحل رموزه ؟".
فغر فمه عن أبتسامة باهتة ثم لمعت شرارة في عينيه وقال متشدقا :
" لا أعتقد ذلك , الحمد لله".
" ليكن الله بعون الذين يتعاملون معك يوم يحصل مثل هذا الأمر معك".
بدأت تحاول الخروج من السيارة بحماس ظاهر.
" أرجوك أن تبقي قليلا......هناك أمر آخر أريد أن أبحثه معك".
تسمرت في جلستها وبدا الجد على محياها , بقي فيلكس صامتا فترة ينظر عبر النافذة وهو يفكر كيف سيبدأ حديثه معها , وأخيرا بدأ....
" والدتي معجبة كثيرا بك , لقد أحبتك يا آنسة هارون .... وهذا طبيعي لأنها تعتبر أنك أنقذت حياتها".
" هراء , لا أريدها أن تعتقد أن ذلك حقيقة".
" وهي ترغب في مكافأتك بما يناسب ,لديها بعض الأماني التي أصبحت أكثر وضوحا بالنسبة اليها , أمنيتها في تزويجي وبسرعة..... بعد أن شارفت على نهاية عمرها , وقد قررت أن الفتاة ذات العينين الزرقاوين والشعر الأحمر تنسجم وتناسب مخططها , وهذا يفرحها ويبهجها كثيرا لترى في أحفادها عينين زرقاوين......".
" أعتقد أنك تثرثر كالمحموم ولا معنى لما تقول , أنك تتكلم زيادة ". ضحكت كثيرا:
" لقد قابلتها البارحة فقط وهي لا تعرف عني أي شيء.......".
" لقد قامت بتحرياتها عنك أكثر مما حاولت أنت أن تعرفي عن عائلتنا , فقد أطلب منك أن لا تدعي أفكار سيدة عجوز تخدعك يا آنسة هارون , وأؤكد لك أنها بالرغم من مرضها فهي سيدة قوية الشكيمة وأذا صممت على أمر لا تتوانى عن تنفيذه .... وحين عرفت أنك ستمثلين في المسلسل الذي سأخرجه بدأت تنسج خيوط تمثيلية حقيقية تقومين فيها بدور رئيسي في حياتي ومنزلي....".
" لا زلت أعتقد أنها تمزح".
" أنا في السادسة والثلاثين من عمري....... وبالنسبة لتفكير والدتي كان علي أن أتزوج منذ فترة بعيدة , لقد عاشت لترى زواج شقيقتي جاسيكا وهي مصممة أن تعيش طويلا لتتأكد من زواجي وأستقراري بأمان قبل أن ترتاح وتغادر هذه الدنيا..... وأنا أشك في هذا الأمر كليا , وهي الآن تشعر أنها مدينة لك وكونها أمرأة كريمة سمحة ستهبك هدية غالية جدا , وأغلى ما عندها في هذه الحياة...... أبنها ووحيدها , لا يهمها أبدا أن تعرف أنني لست هدية ممكنة لأي أمرأة.....".
" هذا غير صحيح".
" أتمنى ذلك , لقد مررت بمناسبات عديدة مماثلة من قبل وكنت أنجح في الهروب ... ولكنني أشك الآن بمقدرتي".
"ولكنك أن أستطعت التملص سابقا ستتمكن من ذلك الآن".
" أتمنى ذلك........ وأصر عليه , أردت فقط أن أتأكد من فهمك لهذا الموضوع".
تنهدت وسحبت نفسا عميقا ثم علّقت قائلة:
" أنك شاب مغرور يا أستاذ رافنسكار.....".
أبتسم فيلكس أبتسامة ساخرة باهتة وأكمل:
" يا فتاتي العزيزة..... والدتي لديها من الغرور ما يكفينا كلينا....... ورغبتها أوامر".
" أفهم الأمر جيدا , وأشكرك على توضيح الموضوع بهذه البساطة , أفهم الآن جيدا أن ليس في نيتك الأرتباط بروابط زواج مع أية فتاة , وملاحظاتك الساخرة حول مؤسسة الزواج لم تخف علي".
" هذا صحيح يا آنسة هارون , أنني وجودي وأؤمن بالواقعية.... وما خبرته عن مؤسسة الزواج لا يشجعني على تذوق ملذاته وجناته".
" ولكن هناك زواجا سعيدا ودائما".
" لكل قاعدة أستثناء ... الزواج السعيد الدائم هو الأستثناء ".
فتش في جيوبه وأخرج مفكرة صغيرة وقلب صفحاتها بسرعة وقال:
" هل ترغبين في جولة في أستديو التلفزيون يوم الأربعاء المقبل ؟ سنبدأ التمارين يوم الأربعاء المقبل وأقترح زيارة الأستوديو صباح الثلاثاء في العاشرة والنصف , ما رأيك؟".
حدقت فرنسيس به متعجبة وقالت:
" ظننت أن الفكرة تتلخص في الأبتعاد عني حتى لا تفسح أي مجال لتفكير والدتك الوردي بشأننا .... ألست تعالج الموضوع بطريقة معاكسة للواقع؟".
" أبدا , لا أريد أن أهشم أمانيها دفعة واحدة , وأريد أن أفسح لك المجال لتتعرفي الى ما ينتظرك في المستقبل قبل أن نبدأ التصوير...... في المستقبل".


ران صمت مريع , كان كل منهما ينظر الى الآخر وهو يحاول فهم ما يدور في رأسه , وأخيرا تكلمت فرنسيس بعناد واضح وتحد:
" أنت خسيس". ضحكت ضحكة قصيرة:
" لا بأس , أقبل مرافقتك فقط لأنني أريد رؤية الأستوديو فمستقبل عملي يتوقف على ذلك..... وأستطيع أن أؤكد لك بأن بأستطاعتي أيضا أن أكون خسيسة مثلك وأكثر".
" لا أصدقك........ وألا لما كنت عرضت فرصة آداء التجربة للضياع من أجل مساعدة أمرأة مسنة في محنتها ".
أغلق مفكرته وأعادها الى جيب سترته:
" أذن نلتقي سباح الثلاثاء , سأمر عليك لأصطحابك حوالي العاشرة أذا سمحت!".
نظرت فرنسيس اليه ضاحكة وقالت:
" وكيف لا أسمح؟ أنت أنسان قليل الخيال ... هل كنت تنتظر أن أرفض من يوصلني بسيارة فاخرة مريحة وأختار الذهاب في الباص أو القطار وزحمة المواصلات؟ يسرني جدا أن أقبل عرضك اللطيف والساعة العاشرة تناسبني ".
أضافت بعد ذلك بلهجة ساخرة:
" أنت تقول أنك لا تفتش في الوقت الحاضر عن زوجة ... ولكن ما أدراك أنني لا أفتش عن زوج؟ ثم أذا تضافرت جهودي مع جهود والدتك فربما نبرهن لك أننا أقوى منك .... ونغلبك".
بدأت تحاول فتح الباب لتخرج ...... عبثا , ضحكت وقد بدت عصبية:
" هذا ليس عدلا!".
بدأت دموعها تنحدر على خديها رغما , وقالت يائسة:
" كنت أريد أن أتركك بعد جملتي الأخيرة لكنك أفسدت كل شيء......".
ساعدها في الضغط على زر الباب ليفتح , رفعت رأسها متحدية:
" كنت أمزح.... لا تأخذ قولي مأخذ الجد , أنا أيضا لا أحب الرجل الأسمر كما أنك لا تحب الفتاة ذات الشعر الأحمر , كلانا بأمان.....".
" جملتك هذه ربما هي للتحدي......".
" لا , أنني لا أتحداك , أؤكد لك ذلك " "
"هل صحيح أنك تفتشين عن زوج المستقبل يا آنسة هارون؟".
" مثل كل فتاة في هذا العالم , أفتش عن زوج معين , أفتش بتدقيق وتمحيص.. أؤمن أن الزواج رباط دائم لا تنفصم عراها مع الأيام".
عبس فيلكس وأغلق عينيه كأنه لا يحتمل ما يسمع وقال :
" بحق السماء!".
" كأنك لا تصدقني؟".
" يمكنك أن تقنعيني بذلك يا آنسة هارون".
خرج من مجلسه وفتح لها باب السيارة وأنتظرها لتصل الى مدخل البناية ثم أضاف:
" أعتقد أنك الآن بخير".
" نعم , شكرا , عمت مستء يا سيد رافنسكار , أشكرك لتوصيلي".
" يسرني ذلك , عمت مساء يا آنسة هارون".
بقي ينتظر دخولها ثم ذهب , صعدت الى منزلها وهي تفكر بأمور عديدة تدور في خلدها كأنها ألغاز , دخلت وبدأت تجهز نفسها للنوم بهدوء حتى لا تزعج صديقتها زوي , أفكارها جميعها تتركز حول فيلكس رافنسكار.
لا يهم أن كان شعورها نحوه شعور محبة أو كراهية فهو قوة هائلةلا يستهان بها , أنه لغز لا يفهم بسهولة .... وبالتالي سيكون العمل معه صعبا مرهقا , أقفلت ضوء الحمام ومشت الى غرفتها مثقلة بالهموم , توقفت قرب النافذة وهي تفكر : من حسن حظها أنه لن يمثل دور البطولة أمامها ... وألا ... لاحظت صديقتها تقف قربها ونمظر من النافذة.
منتديات ليلاس
" زوي لقد أخفتني.... لماذا تقفين هكذا والنور مطفئا؟".
" آسفة يا صديقتي ولكنني تسمرت في مكاني وأنا أراك تعودين بسيارة فاخرة كما تعود النجمات الشهيرات .... ما بك؟ هل أنت متوترة الأعصاب؟".
" لا , أيقظتك من نومك؟".
" لا , أنا عدت منذ قليل ورغبت في أنتظار عودتك لأسمع أنباء السهرة الغامضة منك ... لقد أصبحت من سيدات المجتمع الراقيات..... هيا أخبريني عن السهرة ... أياك أن تنامي قبل أن تفعلي ".
جلست زوي على طرف سرير فرنسيس.
" لن أنام , أقفلت عين لأريحهما فقط ... هل يمكنك أن تحزري من كان معنا على العشاء؟".
" من ؟ حتما تمتعت بوقت طيب لأنك عدت في الثالثة صباحا".
" يا ألهي , كيف مر الوقت بسرعة.. زوي , صدفة غريبة جدا , لقد حضر فيلكس رافنسكار..".
" حسنا , ولكن من هو فيلكس؟".
تنهدت رنسيس وأكملت توضح لها بسرعة فائقة:
" أنه رجل المصعد".
" يا ألهي! الشاب الأسمر الساخر ...... الممثل".
" أنه هو...... فيلكس هو أبن الليدي رافنسكار , أنه ليس ممثلا بل مخرجا تلفزيونيا , سيخرج مسلسل بنروت".
" أوه , أوه , هيا أخبريني كل شيء".
أخبرتها فرنسيس أكثر تفاصيل السهرة وبأختصار. ثم أنهت حديثها بدعوته لها لزيارة الأستوديو يوم الثلاثاء المقبل , أهملت الحديث عن اللقاء الأول بينهما وعن غضبه لوجودها في السهرة , وكذلك أهملت أطلاعها على أمنية الليدي في تزويج فيلكس.
" كانت أمسية لا تنسى , فيلكس هذا لقطة وعلي أن أعرف المزيد عنه".
" هل بأمكانك التحري عن فيلكس من مصادرك الموثوقة؟".
" طبعا , بخصوص غاريت وليام الذي يقطن في شارع هارلي , ربما أستطيع أن أتدير أمري معه.... هل هو شاب وسيم؟".
" جدا , لقد وعدني أن يتصل بي هاتفيا ليصحبني الى حضور مسرحية في وقت قريب".
" حسنا".
[/size]

تركت زوي غرفة فرنسيس وأوت الى سريرها , وتأخرتا في النهوض من فراشيهما في صباح الأحد كالمعتاد , وحين قامتا بأسترخاء وجلستا في غرفة زوي لأنها شرقية والشمس تدخلها في الصباح ,كانتا تطالعان صحيفة الأحد وهما تتناولان فطور الصباح بتمهل , رن جرس الهاتف في قاعة الجلوس .
قالت فرنسيس:
" زوي , المكالمة لا بد لك".
" وكيف تعرفين؟ أذهبي أنت".
" أنت أقرب , هيا".
" وأذا كانت المكالمة لك... لا تنتظري مني المعونة".
خرجت زوي لترد على التهاتف ثم صرخت تنادي فرنسيس قائلة:
" المكالمة لك يا فرنسيس".
" صحيح".
أخذت نفسا عميقا قبل أن تجيب:
" من يتكلم؟".
" فيلكس رافنسكار .... أتمنى أن لا أكون قد أزعجتك!".
" لا أبدا , كنت أطالع صحيفة الصباح".
" أردت فقط أن أطمئنك أنني وجدت ساعة يدك الذهبية في سيارتي , ربما كسر قفلها .... ألم تستفقدي ضياعها بعد؟".
صوته دافىء وحنون.
" لا , لم أشعر بعد بضياعها , يسرني أنك وجدتها , أشكرك لأعلامي , أنني كنت سأنزعج كثيرا لو أضعتها".
" سأصلح القفل وأجلبها معي يوم الثلاثاء".
" لا تتعب نفسك بذلك , سأصلحها......".
" ليس هناك أي تعب".
" شكرا أنك لطيف".
" أحيانا ". كان يمزح :
" الى اللقاء يوم الثلاثاء , وداعا يا فرنسيس".
" وداعا".
قالت زوي ضاحكة:
" أذن المكالمة كانت لك وليست لي".
" نعم , أنه فيلكس".
قالت بطريقة هادئة كأنها كانت معتادة على مخابراته اليومية :
" لقد وجد لي ساعتي الذهبية في سيارته اللانسيا..".
" من حسن حظك أنها وقعت في سيارته وألا لفقدتها الى الأبد".
" أوه ما الأمر؟".
مالت فرنسيس لترى صورة مارك لوكاس في الجريدة.
" أنها صورة مارك لوكاس في دور هنري الخامس في أدنبرة".
" يسعدني أن الأمور تسير معه من نجاح الى آخر".
قالت زوي ساخرة:
" أنه سعيد الحظ تسير الأمور معه دائما حسب ما يشتهي وعلى أهون السبل...".
" أنت قاسية جدا في تقييمك لمارك لوكاس يا زوي, أنك غير محقة , أنا لا أريد أن أتحدث عنه".
نظرت الى صورته ولم تشعر بأي أحساس أو أنفعال :
" هو شريك لي في الجريمة.... كان غير سعيد مع زوجته ولكنه لم يلق باللوم عليها , أنه ممثل ويسهل عليه تمثيل دور العاشق , كنا نعيش سوية فترات تدريب طويلة ونخاف على التمثيلية من الفشل ونتمنى لها النجاح , أصبحنا قريبين جدا , كنا نعيش في عالم وهمي وكأننا منفصلان عن العالم الخارجي برمته , وبعد فترة لاحظت حقيقة شعوره نحوي وأرتبكت ولكنني كنت سعيدة , أصبحت شديدة القلق وأكتنفتني الهموم ... لم أستطع أن أقاسمه العاطفة وأهدم بيته الزوجي مع أنه أكد لي تكرارا أن زواجه تحطم من قبل أن يلتقي بي".
" ولهذا هربت من شيشستر وأنت في أوج النجاح وأنضممت للعمل في مسرحيات دون المستوى".
" نعم".
" أما هو فتابع نجاحه صعودا. وعرفنا بعد ذلك أن زوجته أنضمت اليه".
" صحيح , وكنت سعيدة لهما".
أمطرت الدنيا بغزارة صباح يوم الثلاثاء , كانت فرنسيس تقف في مدخل البناية تنتظر وصول سيارة اللانسيا , وحين شاهدتها أسرعت بأتجاهها وسط الأمطار الغزيرة , دخلت السيارة بسرعة وأغلقت الباب وقد بعثرت الرياح شعرها على وجهها , جلست قبالته وأبتسمت له وهي ترد شعرها عن وجهها.
" أهلا".
جلس فيلكس نظيفا أنيقا وقد رتب شعره الأسود , تفوح منه رائحة خشب الصندل من العطر الذي يستعمله بعد الحلاقة , تذكرت لحظة أرتمت عليه في المصعد , أنها كانت تشم نفس الرائحة .
نظر اليها بعينيه الساحرتين وأبتسم قائلا:
" لا أريدك أن تمرضي بنزلة صدرية قبل أن تنتهي من المسلسل".
ناولها منديله النظيف لتمسح به الماء عن شعرها ووجهها.
" سأحاول أن أسمع أوامرك .... رأيت السيارة وركضت بأتجاهها قبل أن تنزل أنت أيضا وتبتل , هذا المنديل لا يفيدك بعد الآن للأستعمال , سأغسله لك يا سيد رافنسكار....".
" لقد أنتهينا من الشكليات على الهاتف على ما أعتقد, يمكنك مناداتي بأسمي ".
أرتجفت قليلا من البرد وجلست هادئة وساكنة.
" نعم يا فرنسيس , في هذه المهنة الجميع يتركون الألقاب جانبا وعليك أن تتدبري أمرك .... هذه ساعتك , هل أساعدك في أقفال المشبك؟".
هزت رأسها موافقة ومدت له يدها ليحكم أغلاق قفل الساعة لها.
" شكرا لأصلاحها , كم كلفك؟".
" لا لزوم , أحد التقنيين أصلحها , أستغرق أصلاحها عشر دقائق , لا تشعري أنك مدينة بشيء".
أبتسمت له أبتسامة شاكرة وشعرت ببعض الدفء يسري في كيانها , جلسا يتبادلان الأبتسامات الدافئة وشعرت أن السخط قد زايلها , أتضح لها جليا أن خططها للتحفظ معه والبرودة في معاملته كلها قد تبخّرت , كانت تلتقط أبتساماته الودودة وترد له التحية بأحسن منها.
أحست بأنذارات ترن في عقلها الباطني تحذرها .... ولكنها أقنعت نفسها بأن علاقة العمل التي تربطهما هي الحاز الأول والأخير لكل تصرفاتها , صحيح أن رفيقها خبير في معاملة المرأة ويستطيع أن يزيل جميع الحواجز التي تقف في وجهه... ولكن أين أرادتها ؟ هل تبخرت فعلا؟
" هل قرأت طالعك اليوم وما تقوله لك النجوم؟".
ضحكت كثيرا وأجابت:
" لا أحتاج لذلك.... أنا أطالعها فقط حين أعلق في المصعد".
غمرتها السعادة وهي تسمعه يتذكر لقاءهما الأول:
" هل كنت محقة بأنك من مواليد برج العقرب؟".
" أذا كان برج العقرب يتضمن مواليد تشرين الثاني ( نوفمبر) ".
نظر الى الغيوم المتلبدة في السماء وأكمل:
" سأشعل التدفشة في السيارة وستشعرين ببعض الدفء.
هزت فرنسيس رأسها موافقة , مشت السيارة تتهادى وسط الأمطار , قالت في نفسها : لا شيء يفوته , عيناه فاحصتان وخبيرتان وقد لاحظ أرتجافها , عدّلت جلستها كي تراه دون أن تضطر لأن تدير رأسها وبدأت تتفحصه , أنه من برج العقرب .... ولدغته سامة وربما مميتة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: - لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت   الثلاثاء يوليو 04, 2017 5:17 am

[size=32]4- لا خداع في الحب....


قال فيلكس يحدثها:
" والدتي ترسل لك أحر تمنياتها وحبها".
" وهل أخبرتها أنك ستصحبني اليوم؟".
" طبعا , لقد أرتاحت كثيرا لأن خطتها تنفذ بدقة , وهذا ما سيسعدها ويدخل البهجة الى قلبها ".
كاد أن يصبح صبيا يافعا يسير أمامه على دراجته .
" هذا الصغير المجنون!".
نظرت فرنسيس الى وجهه الخالي من الأنفعالات أو الغضب , منذ قليل كاد يدهس ولدا ويتسبب في حادثة كريهة ومع ذلك كان يتحكم بأعصابه برباطة جأش ويقود سيارته بمهارة واضحة.
" كيف دخلت مهنة التمثيل؟".
" أعتقد أنني أنسقت الى المهنة دون تخطيط , كانت لدي صديقة أصطحبتني معها الى فريق تمثيل.. ومن المصادفات الغريبة أنها نسيت لهفتها للتمثيل وبقيت أنا متعلقة به , تركت المدرسة وأنا في الثامنة عشرة من عمري ودخلت معهد التمثيل".
" هل وافق أهلك .. .... ألم يمانعوا؟".
" والداي متوفيان منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري .. ولكنني لا أعتقد أنهما كانا سيمانعان".
بقي صامتا يفكر في قولها ثم سألها:
" هل لديك أشقاء أو شقيقات؟".
هزت فرنسيس رأسها نفيا.
" لا , لقد أنتقلت من مدرسة خارجية الى القسم الداخلي ومن ثم الى معهد التمثيل , ولحسن حظي ترك لي والداي ما يكفي من المال لأنهي تعليمي وتدريبي المهني , أعتدت على تصريف أموري بنفسي وأتكلت على نفسي في كل كبيرة وصغيرة من حياتي , كنت أنتقل من غرفة صغيرة الى أخرى ومن مدينة الى أخرى فترة اللتمرين وفي بدء حياتي العملية , كنت أحصل على الأدوار الثانوية وكسبت خبرات عديدة, عندما يكون الأنسان فتيا يشعر أنه يعيش سلسلة من المغامرات...".
" قال وهو يفكر بأناة:
" تتكلمين كأنك عجوز شمطاء خبيرة وأنت لا تزالين في الخامسة والعشرين من عمرك , مع أنني أكبرك بعشر سنوات , أشعر أنني في مثل سنك ... وكيف كان شعورك عندئذ يختلف عن شعورك الآن؟".
" خمس سنوات فقط.....".
" لماذا تسخرين؟".
" لا , أنني لا أسخر , ولكن الحياة تستمر بالرغم من الألم".
" ربما تتألمين من الناس حولك؟".
عبست فرنسيس وهي تتذكر لقاءها به وقالت :
" أتمنى أن لا يجرحوني عن عمد ....ثم أن مهن التمثيل تزخر بصعوبات عديدة وعليك أن تتحلي ببعض الروية , شخصيا أنا محظوظة , لقد قفزت من فترة التجربة والأدوار الثانوية الى دور البطولة بسرعة , كنت في بريستول وتقمصت دور البطلة في حفلة التدريب الأخيرة , كان هذا أول يوم حقيقي بالنسبة الى حياتي المهنية , أستطعت أن أجذب الي الأنظار وبالتالي تحسن دخلي وسكني والأدوار التي أوكلت الي ..... وها أنا الآن أجلس بجانب مخرج تلفزيوني شهير : فيلكس رافنسكار....".
" لم تسمعي بأسمي من قبل".
" وهل يضايقك ذلك؟".
أبتسم لها ولكنه حاول أن لا يجيب عن سؤالها بل قال:
" لقد قرأت نقدا عنك في المجلات الفنية , قرأت عن دورك في شيستر".
" ربما , لقد أستطعنا أن نلفت نظر الصحافة العالمية الينا , كانت المسرحية ناجحة".
" ولماذا لم يستبقوك؟".
لم تجبه , أرادت أن تتجاهل التفسير , منعها كبرياؤها من الأفصاح عن الحقيقة , لا تريد أن تخبره الأسباب الحقيقية لهروبها.... وكذلك لم يعجبها أن يعتقد أنهم طلبوا منها أن تترك وهي في أوج نجاحها ... ولحسن حظها وصلا الى الأستوديو وأنتهى الموضوع مبدئيا.
أوقف سيارته في المرآب ثم شرح لها برنامج العمل لهذا الصباح:
" سأصحبك الى الأستوديو وسأتركك وحدك فترة وجيزة , لقد طلبت من المخرج المسؤول أن يسمح لك بمراقبة التصوير ولقد وافق... هل نستعمل المصعد أو تفضلين أن نصعد السلالم؟".
ضحكت كثيرا وقالت:
" با نجازف ونصعد بالمصعد".
" أنت فتاة طيبة القلب".
منتديات ليلاس
نزلا في الطابق الثالث وأدخلها أمامه , وجدت فرنسيس نفسها في قاعة كبيرة في داخل الأستوديو , الباب أمامها مصنوع من الزجاج يستطيع الأنسان أن يرى من خلفه كل ما يجري داخل الأستوديو حيث يعمل الممثلون وفريق التصوير والتقنيين , معظم العاملين يضعون سماعات كبيرة على آذانهم , هناك طاولة كبيرة يجلس اليها عدد من الأشخاص وأمامهم مكبرات للصوت يتم الأتصال بواسطتها مع خارج الأستوديو , كل شيء أمامها يبدو معقدا للغاية , ربما بدا على وجهها الأرتباك مما حدا بالرجل الجالس أمام مكبر الصوت أن يبتسم لها أبتسامة مشجعة وهو يحيي فيلكس ويلوح له بيده , قاد فيلكس فرنسيس الى كرسي بالقرب من الحائط الزجاجي وأجلسها عليه برفق وقال:
" لن أنساك هنا!".
وضع يده على كتفها وربت يطمئنها ثم تركها وأنصرف , بدأت فرنسيس تستجمع قواها تدريجيا ومع الوقت نسيت خوفها وقلقها وأرتباكها.
أمام مخرج البرنامج عدد من شاشات التلفزيون الصغيرة كان يتابع كل ما يدور حوله بواسطتها , كانت فسحة الأستوديو مقسما الى ثلاثة أقسام يمثل كل قسم منها مشهدا مختلفا , أحد الأقسام يمثل مقصفا لتناول المشروبات والقسم الآخر يمثل مطبخا عصريا في منزل حديث والقسم الثالث يمثل قاعة للمحاكمة.
 [/size]
أعجبت فرنسيس كليا بما يدور حولها ونسيت نفسها وهي تتابع بأهتمام كل ما يدور , وحين عاد فيلكس من جولته وجلس قربها على كرسي نظرت الى ساعة يدها وأيقنت أنه غاب عنها ما يزيد عن الساعة من الزمن.
تابع ما يجري دون أن يتكلم , وبعد فترة لامس ذراعها ليعلن لها أن الوقت حان للأنصراف , نظر اليها وقال:
" يكاد وجهك أن ينفجر من كثرة الأسئلة؟".
ضحكت ورفعت وجهها الممتقع وقالت:
" أوه , صحيح , لقد سررت كثيرا بكل ما شاهدت , أشكرك يا فيلكس".
" أنا سعيد لأن الصباح كان ناجحا بالنسبة اليك".
أمسك بذراعها وقادها في الممرات:
" يمكنك أن تسألي ما تشائين ونحن نتناول فنجانا من القهوة".
دخل معها الى مكتبه الفخم , ضغط على زر معين وحضرت على الفور فتاة تحمل لهما فنجانين من القهوة:
" أسألي الآن".
" ما عمل الرجل الذي كان يجلس خلف مكبر الصوت على الطاولة؟".
" أنه مدير المسرح , أنه مركز الأتصال الرئيسي بين غرفة التسجيل وغرفة الأستوديو حيث يتم التصوير , أنه رجل مسؤول لأنه يوزع جميع التعليمات التي يصدرها المخرج , أنه يتصل بفريق العمل التقني وفريق الأنارة والتصوير والممثلين........".
" من يجلس معه الى الطاولة؟".
" المرأة التي تجلس عن شماله هي مساعدة المخرج , هي تسبق المخرد بأعماله , تنادي المصورين ليستعدوا وتتابع قراءة النصوص مع الممثلين وترتب مواعيد التصوير والعمل وتتولى حجز الفنادق وترتيب ما لزم للسفر وتسجل القرارات المتخذة وتضبطها".
" عملها يشبه عمل مدير المسرح".
هز فيلكس رأسه موافقا.
" وعن يمين المخرج يجلس المسؤول عن التصوير والمسؤول عن الأضاءة والألوان ".
أبتسم فيلكس وهو يراقب تعابير وجهها وقلقها وقال:
" يبدو لك الآن كل شيء معقدا ولكن الحقيقة غير ذلك .......".
" بدأت أفهم الآن لماذا يتوجب على المخرج التلفزيوني أن يلم بجميع الأمور التقنية .... ولكنني أعتقد أن معظم عملك يتم خلال فترة التدريب.... مثل المخرج المسرحي".
" تقريبا , ولكنني أهتم أكثر منه بزوايا التصوير".
أمسك بفنجان القهوة الفارغ ووضعه مع فنجانه على طاولة قريبة :
" الممثل المسرحي يعبر عن عواطفه وأحاسيسه بجسمه وصوته , أما الممثل التلفزيوني فيمكنه أن يعبر عن عواطفه برفة عين أو بأبتسامة دافئة أو نظرة معبرة.... وهذه كانت تخفى كليا عن جمهور المشاهدين في المسرح , وكذلك الديكور , في المسرح , نحتاج لديكورات كبيرة الحجم وواضحة وضخمة , بينما في التلفزيون نستطيع أن نكتفي بديكورات أصغر حجما وأقل فخامة".
رن جرس الهاتف , أعتذر فيلكس منها بصوت منخفض وتناول سماعة الهاتف , وبينما كان يتكلم كانت هي تفكر في نفسها : متى سيعلن لها أن زيارتها قد أنتهت؟ وحين أنتهى من كلامه رفع حاجبيه يسألها:
" هل من أسئلة أخرى؟".
رفعت له يدها أشارة على النفي وقالت:
" لقد أرهقتك بأسئلتي العديدة ولكنني أريد معرفة موعد البدء في مشروع جديد ...... مثلا متى نبدأ تصوير مسلسل بنروت؟".
" نبدأ في تحديد الميزانية , ندعو الى أجتماع عمل تحضيري يضم جميع التقنيين ومدراء التصوير والأضاءة.......".
" هل تحتاجهم في هذا الوقت المبكر من التحضير؟".
" نعم , لهم رأيهم في أمكانية تنفيذ ما نفكر به , تحريك الكاميرات والصوت والضوء.... كل شيء يعمل له حسابه , ثم نبدأ في التمارين , أحيانا نغير بعض الحوارات والمشاهد , وأخيرا يحضر فريق العمل بكامله لمشاهدة التمثيلية كوحدة كاملة قبل أن نبدأ في التصوير.
التمارين تتم مبدئيا في الأستوديو , نحتاج لأدوات التجميل والملابس , أن كانت حديثة أم تاريخية , ونكمل تدريبنا بالملابس المقررة قبل أن نسمح بالتصوير".
" بدأت أرتعد خوفا منذ الآن".
" حين أنتهي من تدريبك ستنسين وجود كاميرات التصوير كليا ".
نهض واقفا ورفع حاجبيه متسائلا:
" ربما أنت تنزعجين من حرارة الأستوديو المرتفعة ولكن الطقس في كورنوال سيكون باردا على ما أعتقد وأرجو أن تكوني في صحة جيدة ".
أبتسمت وهي تصغي اليه :
" لماذا تبتسمين؟".
قالت بأتزان واضح:
" أنت تقول أن الأمر سهل".
" أنا أحيط نفسي بفريق عمل أثق به".
" هل تقول أن بأستطاعتك أن تجعلني أطير الى القمر؟".
" لا , لن أطلب منك أن تطيري الى القمر , أنا لا أطلب المستحيل".
عادت فرنسيس الى البيت ومرت في طريقها بالحديقة العامة , كان المطر قد توقف كليا وأشرقت الشمس بعض الوقت مما ساعد على جفاف الأرصفة ومقاعد الحديقة العامة , ولكن العشب لا يزال رطبا.
جلست فرنسيس تفكر بفيلكس وكلماته وتطميناته .... أنه يثق بكل من حوله , تمنت أن تكون أهلا لثقته .... أليس مخبولا أذ يؤكد لها مقدرتها على النجاح؟ لقد قال أنه لا يضيع وقته مع من لا يحترمهم أو يثق بهم , أنه صلب عنيد ولا يتأثر بالتقاليد .... أي نوع من المخرجين هو هذا الرجل؟ كانت تنتظر بفارغ الصبر حلول الغد وبدء التمارين , كانت متفائلة.......

وفي صباح اليوم التالي وجدت فرنسيس نفسها في طريقها الى الأستوديو قبل الموعد بوقت طويل , نزلت من محطة القطار ومشت في شارع ألبرت , كانت تفكر بالوقت الذي ستستغرقه التمرين في الأستوديو قبل الأنتقال الى كورنوال حيث سيتم التصوير الخارجي , تنبهت الى سيارة فخمة تمر بها وتتوقف فجأة :
" فرنسيس يا فتاة , أنت براقة جميلة كعادتك , لقد عرفتك في طريقتك في المشي , دعيني أنطر اليك".
كان سلامه الحار وحماسه جديرين بأبتسامتها وهي ترى صديقا قديما , أنه جوليان رانور زميلها في التمثيل , أنه يرتدي أفخر الثياب ويقود سيارة سبور , يربط حول عنقه منديلا مقلما ويرتدي معطفا جلديا من صوف الخروف وقفازات جلدية.
" أهلا يا جوليان , ما هذه السيارة الرهيبة الفخمة؟".
خلع جوليان نظاراته بأبتسامة ماكرة وفتح الباب بكل ترفع لها لتدخل , مشت فرنسيس حول السيارة الفخمة وهي تتأملها بحماس وشغف....
" هذه سيارة ليما صنعت خصيصا من أجلي وبناء لطلبي , أنها سريعة جدا تقطع مئة ميل بالساعة".
" أرجوك لا تسرع وأنا معك".
" لها أربع سيلندرات وبعض الأنارة الخاصة ومقاعد وثيرة.....".
" نعم يا جوليان , أنها رهيبة وفاخرة".
ضحكت وهي تفكر بجوليان الشاب العادي الذي يمكنه أن يتحدث بذكاء في أمور أخرى غير أمور سيارته الفخمة.
كان جميع المارة ينظرون الى السيارة بأعجاب.
" من السهل التعرف اليك بهذه السيارة , أنك كالدبور .....".
" لقد عطلنا السير وأنا أعرف وجهتك".
" جوليان... هل تعني أنك أنت أيضا تعمل في مسلسل بنروت؟".
" نعم , حان الوقت لنعمل سوية , أليس كذلك؟".
دخلت السيارة بسرعة وعانقته قائلة:
" أوه يا جوليان , كم أنا سعيدة , الآن أعرف أحدا من الممثلين العاملين معي , ما هو دورك؟".
" دور نيكولا بنروت البطل يا عزيزتي.... أنني مستعد لقبول هذا الدور تحت ألحاح الجماهير".
" أين حزام الأمان؟ أنني لا أجده".
" من الصعب الوصول اليه ". حاول مساعدتها
" وأنت هالكة لا محالة في حال وقوع حادث".
" أنت تقول أشياء مشجعة يا جوليان ولكنني أرغب في الوصول الى التمارين وأنا سالمة , أرجوك أن لا تسرع , مفهوم؟".
كان الأستوديو يبعد مسافة قريبة ولكن جوليان أطلق لسيارته العنان وأمسكت فرنسيس بالمقعد خوفا من الأرتطام , وأخيرا دخل المرآب وتنفست فرنسيس الصعداء وهو يقول لها متهكما:
"لا تخافي , كابحها من أفضل الأنواع وهو يعمل كأفضل ما يكون".
" يسرني سماع ذلك".
خرجت فرنسيس وهي ترى أبتسامته الساخرة , حين ترجلا , رأى جوليان سيارة اللانسيا السوداء في المرآب , رفع حاجبيه وسألها:
" سيارة جميلة للغاية ".
خلع قبعته وهو يمرر بيده في شعره الأشقر ثم دار حولها متفحصا:
" لمن هذه السيارة؟".
" أنها لفيلكس رافنسكار".
نظر اليها مستغربا وسألها:
" صحيح ؟ ومنذ متى يا عزيزتي تتنزهين بخيلاء في سيارة مخرج شهير؟".
" ما الذي جعلك تقول ذلك؟".
" لأنك شابة جميلة فاتنة يا فرنسيس وفيلكس يحب الجمال ويقدّره حق قدره".
" شكرا جزيلا ".
ضحكت فرنسيس :
" أنه مجنون ".
وضع جوليان يده حول كتفها ومشيا نحو القاعة:
" هل تعرفه؟".
" من ؟ فيلكس ؟ أنه صديق للعائلة.... وأنت هل تعرفينه معرفة جيدة؟".
أحمرت فرنسيس لسبب تجهله.
" لا تنظر الي هكذا كأنك مسؤول عني يا جوليان , أنا لا أعرفه جيدا , علاقتي به علاقة عمل ليس ألا".
" أتمنى أن تبقى هكذا , فيلكس خبير بالنساء وسيحول فتاة بريئة مثلك الى....".
" لقد أصبحت شابة ناضجة الآن , عرفتني في بريستول منذ سنتين .... أستطيع حماية نفسي".
مر الأسبوع الأول في التمارين , تأكدت فرنسيس أن كل كلمة مديح سمعتها عن فيلكس كانت حقيقية , أنه شاب ذكي مدرك لمسؤولياته , ويعرف ماذا يريد, كان يتمتع بمقدرة فائقة على التعامل مع الممثلين وأبراز مواهبهم.
عدد الممثلين كبير وكان من الصعب على فرنسيس أن تتعرف اليهم جميعا ولكنها تعرفت على القليل منهم , ومعظمهم مجتهدون وتسر رفقتهم في أوقات الأستراحة في الأستوديو.
جلست ذات أمسية في غرفة صديقتها زوي في المسرح تراقبها وهي تمسح عن وجهها مساحيق التجميل , كانت تسرد عليها بعض الأمور المتعلقة بحياتها الجديدة والمسلسل.
" من هي غيما غانت؟".
" أنها شابة سمراء , عملت في مسلسل أسكتلندي منذ سنة , فتاة فاتنة وذكية عملت مع فيلكس من قبل وهي تعرفه معرفة جيدة".
" أوه؟".
" ماذا تقصدين... أوه؟".
" أقصد أنني بدأت أسمع بعض الأمور عن السيد رافنسكار , أن عينيه الساخرتين معروفتان في دنيا الأناث في الأستوديو , شهرته لا تتناول أجادة أخراج المسلسلات فقط".

" أفصحي... ماذا سمعت؟".
" لا شيء مخيف , أنه ليس الشاب المخادع , ولكنه حطم قلوب بعض العذارى اللواتي حاولن تغيير رأيه بشأن العزوبية , أنه صادق في معاملاته.....".
" كيف عرفت ذلك؟".
" من أحدى المعجبات السابقات , هي مستعدة أن ترتمي تحت قدميه لو أشار لها أشارة بأصبعه , قالت أنه ماهر في عمله وطموح ويعرف الى أين سيصل".
" هذا صحيح , أنه يرهقنا , أنه يعمل بدأب كي ننتقل وبسرعة الى الجنوب , وخلال دقائق الأستراحة يتكلم مع المختص بالملابس أو المساحيق أو فريق التصوير أو كاتب النص.... أنه يعمل كالمولد , كل شيء يدور حول نجاح عمله ولا أفهم كيف تنتظر صديقته أن يعود اليها أذا كان لا يجد وقتا لأي شيء آخر غير عمله".
" كيف سارت الأمور اليوم.......كيف كان التصوير؟".
" كما قال فيلكس سابقا , لقد دربنا تدريبا صحيحا حتى أنني بعد دقائق من القلق نسيت آلة التصوير وكل فريق العمل , طبعا ساعدني دوليان كثيرا , وأنا شاكرة له".
" أرجو أن لا تقعي في غرام جوليان رانور , ضحاياه كثيرة...".
" أعتقدت أنك تحبين جوليان!".
" أنه ينفع كرفيق لحفلة ساهرة مبهجة".
" أنت على خطأ يا زوي , أنه سهل المعشر ولا يشعر بمسؤولية ولكنه مقبول , سيصحبني الى كورنوال".
" لا تتخلي عن عقلك أبدا أرجوك , هل ستذهبين في الغد لحضور المسرحية الجديدة؟".
" نعم , سيصحبني غاريت ويليام في السابعة".
" ولكنك قلت منذ أسابيع أنك لن تتورطي بعلاقة عاطفية مع رجل ما".
" ولكنني لم أقل أني سأعيش عيشة الراهبة , قلت سأبقي قلبي مغلقا".
" ما الأمر؟".
نظرت زوي الى وجه صديقتها وهي تتأمل المشاهدين يخرجون من المسرح.
" أذا كنت ترغبين في رؤية فيلكس رافنسكار .... أنه بصحبة الفتاة التي ترتدي ثوبا أبيض , يبدو أنها تعمل موديلا".
نظرت زوي اليهما ثم هزت رأسها نفيا وقالت:
" أنها ليست موديلا , أنها أبنة مدير البنك ... أذن... هذا هو فيلكس رافنسكار !".
شاهدتهما زوي وهما يركبان سيارة أجرة:
" أنه وسيم وجذاب".
مشت زوي بعد أن أنتهت من ترتيب نفسها مع صديقتها فرنسيس الى المطعم اليوناني حيث كانتا على موعد مع بعض أفراد الشلة التي تعمل زوي برفقتهم في المسرحية , سألتها زوي ببرودة ومكر:
" ألم يحاول فيلكس معك بعد؟".
" أبدا , ولكن لا عليك يا صديقتي فأنا محصّنة بما فيه الكفاية , لا سيما وأنه يبدي لي كراهية واضحة أثناء تأديتي لعملي ولا أعرف سببا لهذا الشعور البشع".
" أحمد الله على ذلك لأنه حتما يشكل خطرا بالنسبة الى فتاة في مثل براءتك".
ذهبت فرنسيس لمشاهدة المسرحية الجديدة برفقة غاريت وليام , ولقد برهن الطبيب أنه ذكي ومبهج وتسر رفقته , برهن على معرفة أكيدة بالمسرح وأبدى ملاحظات قيمة في نقد المسرحية , وأفترقا على أن يستأنفا لقاءاتهما بعد عودة فرنسيس من كورنوال.
بقي يوم واحد على سفر فرنسيس الى كورنوال , لقد تم الحز وتحدد موعد السفر ومواعيد القطارات والعناوين والقرى التي سيحطون الرحال في رباها ..... قرية مروانستو وبادمنمور , جميع الأماكن تعرفها فرنسيس حق المعرفة لأنها مرتع طفولتها المحببة , أتخذ الفريق وسط المدينة للسكن وحددت مواعيد التصوير الخارجي.
منتديات ليلاس
كانت فرنسيس تقفز الدرجات الأخيرة راكضة من داخل الأستوديو وقد أنشغلت بعدة أمور تريد الأنتهاء منها قبل الغد لأنه موعد السفر , ألتقت فيلكس وهو يخرج من المصعد ومشيا سوية الى خارج الأستوديو.
" يا ألهي...... ماذا تفعلين هنا يا فرنسيس في هذا الوقت المتأخر؟".
ودّعا فتاة الأستقبال وشكرا البواب الذي فتح لهما الباب الخارجي.
" كنت أقوم بزيارة مصمم الأزياء أجرب بعض الملابس , تأخرت قليلا لأنه وجد أن أثنين منهما لا يفيان بالغرض , أنتظرت أصلاحهما وأعدت تجربتهما ولهذا السبب تأخرت بعض الوقت... وأنت تبدو مرهقا كذلك!".
" هل ترافقينني وتساعديني بلمسة يدك الناعمة على أزالة التعب عن رأسي أم أنك مشغولة بغيري؟".
" أنا لا أنفعك على ما يبدو لأنني قد أقع مغشيا علي تحت قدميك من شدة جوعي , لم أتناول طعاما منذ الصباح".
" أذن نتناول الطعام سوية , أنا أكره أن أتناول طعامي منفردا , هل تسمحين لي بدعوتك للطعام يا فرنسيس؟".
" أوه , لما......ذا , شكرا......".
وقبل أن تنهي جمبتها وجدت نفسها تنقاد بسرعة الى داخل سيارة أجرة.
" اللانسيا تحتاج لبعض التصليحات , أرسلتها الى الكاراج وستجهز هذا المساء.... هل ترغبين في تناول شيء معين؟".
هزت فرنسيس رأسها نفيا وقالت:
" أتمنى أن لا نذهب الى مطعم مميز لأن ثيابي لا تليق".
نظر اليها متفحصا , كانت ترتدي بلوزة من الحرير فوق بنطلون بني من الصوف وسترة من الجوخ البني.
" أنت فاتنة بالنسبة الي ولباسك ممتاز , سنتناول طعامنا منفردين فلا تقلقي بشأن هندامك , ألا أذا كنت تخافين الحضور معي الى شقتي؟".
شعرت فرنسيس بالدماء الحارة تصبغ وجنتيها , نظر اليها فيلكس نظرة ساخرة ماكرة
يستفسر رأيها وينتظر تعليقها.

" طبعا لا.... ولكن هل علي أن أطبخ الطعام مقابل دعوتك؟".
ضحك مسرورا بمرافقتها , ضحكت هي أيضا تشاركه سروره .
" أبدا يا عزيزتي , أنا متفق مع مطعم فرنسي يقع في زاوية الشارع الذي أقطنه .... أنه يبعث بالطعام الى المنزل بعد أن أتصل به هاتفيا".
" تدبير مريح ومتمدن... أي أنني لن أغسل الأطباق بعد العشاء".
توقفت سيارة الأجرة أمام بناء متواضع ولكنها وجدت أن المنزل من الداخل مريح للغاية وحديث , نظرت عبر النافذة لتشاهد عن بعد نهر التيمس وقد أنعكست الأضواء على صفحته الهادئة , المنظر ممتع وسط الظلام الدامس في الخارج.
" أقترح أن تغتسلي بسرعة بينما أتصل بالمطعم هاتفيا , الحمام هناك , وأذا رغبت في دوش سريع فلا تتأخري , أفعلي ما يحلو لك , هناك العديد من المناشف , أسرعي فقط لأنني جائع جدا".
ركضت فرنسيس موافقة على أقتراحه وأنتهت خلال ربع ساعة .
" تصرفي كأنك في بيتك".
د خل فيلكس الحمام بعد أن جهز طاولة الطعام وأغلق الستائر ,وقفت فرنسيس أمام المكتبة الكبيرة وقد رصت بالكتب المنوعة ...... كافكا , همنغواي , جيمس , هاردي وكونراد وآخرون , ذوقه عام وشامل , توقعت كتبا أكثر حول المسرح والسينما والأخراج ولكنها وجدت العديد من الكتب تدور في حقل العلوم والجبر والهندسة والحساب.
دخل نشيطا وقد أبتل شعره من الدوش وبدل ثيابه.
" أر أنك تمتعت بوقتك في القراءة".
أعادت فرنسيس كتابا عن بيكاسو كانت تتصحفه , سمع جرس الباب الخارجي يقرع , هرع فيلكس وهو يقول:
" وصل الطعام".
عاد يحمل صينية محملة بالطعام ويضعها على الطاولة ويقول بأحترام:
" هل تسمح سيدتي بمشاركتي طعامي؟".
كان الطعام لذيذا , أكلا صامتين من شدة الجوع , وبعد أن أنتهيا وقف فيلكس ومشى نحو المسجلة ووضع أسطوانة لفرانك سناترا. عاد يجلس على السجادة ويضع رأسه على الأريكة حيث تجلس فرنسيس وقد أسندت رأسها الى وسادة ناعمة وبدت مرتاحة كليا :
" أنت ذكية وتبدين كأنك في بيتك , أحتاج الآن ليدك الشافية الناعمة لتدلك لي جبهتي المتعبة".
كانت فرنسيس سعيدة هانئة مرتاحة البب ولم تشأ أن تلعب بالنار أو أن يفلت زمام الأمر منها.
" جبهتك لا تحتاج للتدليك..... يمكنك أن تختار أسطوانة لديانا روس أو بربارة سترايسند لتغني لك أن كان فرانك سناترا لا يفي بالمطلوب.
أبتسم فيلكس ولم يعقب , كان من الطبيعي أن تنظر فرنسيس اليه وهو يجلس تحت الأريكة وشعره الأسود يكاد يلامس ركبتيها , أرادت أن تمد أصابعها وتعبث بشعره أو تضع كفها على صدغيه..... كان مغمض العينين وقد أسند رأسه يرتاح بينما وضع يده على معدته والأخرى تمسك بكأس شراب مهضم وقد طوى رجلا وفرد رجلا على السجادة.
العقرب يرتاح ...... أنه هادىء يفكر في طريقة أقتناص ضحيته , ودون أن يفتح عينيه أو ينظر اليها سألها:
" بماذا تفكرين الآن يا فرنسيس؟".
شعرت بخوف يعتريها , كأنه قرأ أفكارها أو أحس بأصابعها تداعب شعره ولو في مخيلتها.
" كنت أتساءل : من أين حصلت على هذه السمرة المحببة؟ أنا واثقة بأنها سمرة مستوردة وليست نتيجة شمس أنكلترا.....".
" أنت محقة في قولك , لقد أكتسبت هذه السمرة من شمس اليونان ومن جزيرة كورفو".
ضحكت فرنسيس كثيرا وقالت:
" سمعت عن هذه الجزيرة من النشرات السياحية , يبدو أنها على الآرض ".
تنهدت عميقا :
" أنا لم أسافر خارج أنكلترا بعد , أقصى مكان في جنوب أنكلترا زرته هو لاندز أند وفي الشمال ميدلسبورو , لدي أمنيات عديدة , أحب زيارة بلاد اليونان وجزر اليونان الساحرة , وأحب زيارة البندقية وكذلك أحب زيارة أريزونا في أميركا لرؤية الغراند كانيون".
توقفت عن الكلام كأنها تختار بين حلم وآخر وهي سارحة.
" لقد زرت أغلب الأماكن التي كنت أرغب في رؤيتها , والآن مللت من السفر بعد أن تنقلت كثيرا من أجل العمل أو المتعة , لقد خبا حماسي للسفر كليا...... وربما أنت رفيقة سفر ممتعة يا فرنسيس , حماسك للسفر ربما يعيد بهجته بالنسبة الى متخم مثلي , أحب أن ترافقينني الى جزر اليونان أو الى مدينة البندقية , مع أنها مدينة كئيبة ميتة .. هل ترافقينني يا فرنسيس وتجعلينني أراها من خلال عينيك؟".
كلامه وقع عليها وقع الصاعقة , لقو فوجئت بطلبه , بقيت صامتة سارحة , لا تتحرك في جلستها لفترة طويلة.
" وأذا كنت تفضلين أريزونا فلا مانع لدي ... ولكنني أرحب بجزر اليونان أكثر لأنها جزر شاعرية رومانسية".

فتح عينيه وأستدار في مجلسه ونظر اليها , كانت تسمع أغنية فرانك سناترا وهو يقول لحبيبته أن تطير معه في رحلة الى القمر......
" هل فقدت لسانك يا فرنسيس؟".
" لا ولكنك تمزح ولا شك , أنا لا أحب أن أمزح بهذه الأمور يا فيلكس وربما كلامك يساء فهمه؟".
" أنا لا أمزح يا عزيزتي , أنني أقصد كل كلمة قلتها".
" أنا........ أنا لا أصدق".
" أتمنى لو تصدقيني ".
أستدار وأمسك يدها بين يديه بحنان ورقة :
" سنذهب الى كورفو , أنه مكان مثالي لنتعرف فيه على بعض, الحياة هناك بسيطة وسهلة ممتعة , سنستلقي على الرمال الحارة تحت أشعة الشمس المحرقة وسنسبح في زرقة مياه البحر الأبيض المتوسط ونأكل ونشرب في ضوء القمر الخلاب".
" أنت جاد فيما تقول!".
سحبت يدها من بين يديه كأن العقرب قد لدغها.
" بكل تأكيد ".
كان يراقبها بأمعان :
" لقد قلت لك أنني جاد ".
شعرت برجفة خفيفة تتملكها , حاولت أن تستعيد توازنها قدر الأمكان.
" من المعترف به أن الممثلات يتمتعن بحرية في أختيار من يحببن ولكن ما الذي يجعلك تعتقد أنني سأرافقك يا فيلكس؟".
" لا أعرف...... ولهذا السبب أسألك".
" فهمت".
تنفست عميقا كمن نفذ صبره :
" ربما أنا ثقيلة الفهم هذا المساء ولكن هل تعتقد أنني سأحبك ؟ لا أعتقد أنك ستكتفي مني بالجمل الوصفية لجمال الطبيعة هناك".
نهض واقفا أمامها وقد سرّته سرعة بديهتها :
" أنت تفهمين الوضع على حقيقته يا فرنسيس , ولكنني لن أستعجل الأمور , بل سأترك للشمس والقمر والبحر والرمال أن تفعل سحرها , سأنتظر حتى تقرري......".
" أنت تؤمن أن ذلك سيحصل لي......".
" بل متأكد كل التأكيد".
أحست بحرقة خانقة في حنجرتها , لقد تملكها الغضب وأجتاحها كليا.
" من المفترض أن يتملكني الغرور وأبتهج لطلبك , وأنت واثق من نفسك... أنني أحترمك يا فيلكس كمخرج تلفزيوني وأقدر جهودك كثيرا , ولكن كرجل أجدك مغرورا وثقيل الظل وصعب الهضم ......".
أنزلت رجليها من على الأريكة وهي تفتش عن حذائها:
" علي أن أعود الآن".
وقوفها جعلها قريبة جدا منه , كانت حافية القدمين ومتوترة الأعاب , كانت لا تخاف منه بقدرما تخاف من نفسها , حتما لن يخون عهد الضيافة وهي في منزله , آمنة على نفسها منه ومن تصرفاته الشائنة.
" الرجل والمرأة حين يلتقيان وحين ينجذبان الى بعض يتناسيان الغرور .... ولا يمكنك مناقشة حقيقة التجاذب بيننا؟".
حدقت به مستغربة صراحته وشعرت بحمرة الخجل تكسو وجهها رغما عنها.
" لا , أنا ..... لا أفهم.... ماذا تعني بقولك , أنا لا......".
"يمكنني أن أبرهن لك عن صدق قولي بأسلوب بسيط للغاية ".
رفع يده وأمسك بذقنها بحنان , حبست فرنسيس أنفاسها وهي تحس بلسعة حارة من لمسة يده , نظرت اليه نظرة حادة ولكنه أبقى على نظرته الساخرة , وجدت فرنسيس نفسها وقد شلت حركتها لا تقوى على الكلام أو الحراك , ودون أن يلمسها بدأ يحدق في عينيها تحديقا مفعما بالأنفعال ........ وحين حاولت الأبتعاد عانقها فجأة , أحست بسعادة عارمة تغمرها ولفترة قصيرة شعرت بأنها راضية متناغمة معه , لقد تجاوبت..... كادت لا تصدق ...أبتعد عنها قليلا ولكنها بقيت تشعر بأنفاسه الحارة على خديها.
" هل فتحت عينيك على حقيقة شعورك نحوي يا فرنسيس؟".
منتديات ليلاس
أبعدها عنه وهي شبه تائهة , بقي ينظر اليها بتحفظ خوفا من ردة فعلها , ولفترة بقيا جامدين وكل منهما ينظر الى الآخر .....لم تظهر عليه نشوة الأنتصار كما كان مفترضا , كلا , أنه خبير في هذه الأمور وأخلاقه تمنعه من أظهار تفوقه , وجهه مشع وهو مسرور مبتهج لأرتباكها , بقي متوازنا يسيطر على تصرفاته وكأن العالم كله يسير حسب رغباته وأرادته , تمنت فرنسيس لو تضربه أو ترمي كأس الشراب في وجهه . ..... أنحنت تفتش عن حذائها ووقفت بعد ذلك فسحبت نفسا عميقا وقالت:
أشكرك على الطعام يا فيلكس .........".
نظرت اليه نظرة سريعة لترى سروره وبهجته :
" أنا آسفة أن أرفض دعوتك الى كورفو ......".
" هل أستطيع أن أسألك عن السبب؟".
" طبعا".
رفعت رأسها عاليا ونظرت اليه نظرة مترفعة :
" أنت محق في مسألة التجاذب بيننا ولقد برهنت على ذلك عمليا..... وربما سنستمتع بصحبة بعضنا ويسحرنا القمر والموسيقى ونتقلّب في حر الشمس والرمال الحارة....... أنا واثقة بأنك خبير في هذه الأمور يا فيلكس , ولكنني سأفسد كل شيء بالنسبة اليك..... شعوري بالذنب لأنني أعيش معك دون رابطة مقدسة سيحرمني من المتعة وبالتالي سأنغص عليك عيشتك".
" أي شعور بالذنب؟".
" أنني فتاة تقليدية محافظة وأؤمن برابطة الزواج المقدسة .... ولا أحتمل طريقا غيرها , وأنت مبدئيا لا ترغب في تحمل أعباء مسؤولية أحد , لا تستطيع أن تلتزم بأية رابطة ...... أليس كذلك يا فيلكس؟".
" ما الأمر؟".
" أنا أكره التظاهر ولا أفعل أي شيء لا أؤمن به , ربما أنا غبية لأنني سمحت لنفسي أن أقع في حبك ولكنني لن أتساهل أبدا أن لم أحظ بحبك في المقابل , يجب أن تحبني فعليا ....... لن أكتفي بالقول بل أصر على الحب الفعلي , وأنت حاليا لست جاهزا لهذا الأمر وأنا أفهمك جيدا".
ربما يكون قد فوجىء بكلامها ولكنه بقي محافظا على رباطة جأشه وتوازنه ... سمع رنين الهاتف , قام ليتكلم معتذرا ووقفت هي ترتدي سترتها وتحمل حقيبة يدها وتستعد للخروج.
أقفل سماعة الهاتف ونظر اليها لدقائق ثم قال:
" تكلم معي عامل المرآب ,قال أن السيارة جاهزة , سيحضرها فورا , سأوصلك الى منزلك , حين تتخلصين من هذا الشعور الغريب بالذنب أعلميني .. سنطير بسرعة الى جزيرة كورفو".
أمسك بوجهها بين يديه ونظر في عينيها بقسوة ثم دفعها بلطف الى الباب , كان فرانك سناترا يغني أغنيته الحزينة الدافئة ويقول : لا خداع في الحب.........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: - لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت   الثلاثاء يوليو 04, 2017 5:42 am

[size=32]5- صخور على الشاطىء


كانت فرنسيس تصعد الصخور الحادة بصعوبة وتتوقف بين حين وآخر لتشاهد جمال الطبيعة الخلاب , الساعة التاسعة والنصف في الصباح , لا يزال الوقت مبكرا وستفعل اليوم ما يحلو لها , لقد حملت في حقيبتها بعض الفاكهة والساندويشات ومناشف وثياب البحر , تركت قرية بادستو خلفها ووجهتها الشاطىء المشرف على قرية تيوكواي.
ركبت شاحنة في السابعة صباحا بعد أن طلبت من سائقها أن ينقلها بطريقه , وكان السائق مسرورا لرفقتها الودية وهي الشابة الفاتنة التي تضج صحة وحيوية ونشاطا وجمالا , لقد أمضت ثمانية أسابيع في كورنوال مما زادها نشاطا وحيوية , وأكتسبت سمرة ذهبية محببة , كانت تستعمل الدراجة في تنقلاتها من مركز سكنها الى مركز عملها مما أكسبها ليونة ومرونة , لقد تركت اليوم الدراجة في المزرعة حيث تسكن لأنها رغبت في رياضة المشي على الشاطىء , بحريّة تامة.
بعد أن نزلت من الشاحنة في المفرق المؤدي الى قرية بادستو فردت خريطة المنطقة ودرست طريقها وما تبقى لها من الرحلة , وبعد ذلك ركبت جرارا يملكه أحد المزارعين هناك أوصلها مسافة قريبة من الشاطىء , ركضت مسرعة وهي ترى البحر أمامها قاب قوسين أو أدنى ....... ووصلت اليه بعد ساعة من المشي الحثيث.
أخذت نفسا عميقا وجالت ببصرها في الشاطىء الممتد أمامها , وعادت بذاكرتها عبر الماضي البعيد ...... وتذكرت موت والديها وخسارتها لحنانهما الدافىء.
قررت فرنسيس أن ترتاح قليلا , جلست على الأرض وأخرجت تفاحة وبدأت تقضمها وهي تحدق في البحر الواسع أمامها... ماذا لو ركبت زورقا ورحلت به بعيدا بعيدا؟ حتى تصل الى الطرف الآخر من اليابسة , ولكن الرحلات البحرية ستجرها الى التفكير بالرحلة الى كورفو .... والى الرجل الذي دعاها لمشاركته هذه الرحلة , لا.... يمكنها أن تفكر في عملها , ألقت بقايا التفاحة وأستلقت على ظهرها..... عملها جيد والطقس جميل , حزيران شهر دفىء , لم يبق عليهم سوى ثلاث مشاهد وينتهي المسلسل وينتهي العمل , وبعد أسبوع ستعود الى لندن , جلست وتنهدت قائلة في نفسها: كل شيء جميل ينتهي بسرعة... وقفت من جديد تنفض عنها الرمال العالقة بها , كان عليها أن ترتدي بنطلونا من الجينز بدل هذا البنطلون القصير ...زز بدأت تفكر بالتصوير الذي سيتم في الغد , عليهم أن يصوروا مشهد المركب , هي تخاف هذا المشهد , ربما من الأفضل لها لو تطلب من فيلكس أن يدع بديلتها تقوم عنها بتمثيله ... لا , غير ممكن , ربما سيعتقد أنها تخاف البحر والصخور .... وخاصة بعدما حصل معها البارحة , تذكّرت:
كان فيلكس غاضبا ساخطا وهو يلاقيها في أعلى الصخرة , لقد خالفت أوامر المخرج وسلكت طريقا وعرة محفوفة بالمخاطر وهي ترتقي الصخور , طلب منها فيلكس أن لا تسلك ذلك الطريق لوعورته وخطورته , ولكنها في النهاية خالفت أوامره وسلكت الطريق الوعرة ولم يعد أحد يستطيع أن يوقفها والمشهد يصوّر ... لقد أربكتها تنورتها الطويلة في التسلق وكادت أن تقع أكثر من مرة ولكنها وصلت القمة أخيرا , ونظرت اليه تنتظر أطراءه ومديحه ولكنها سمعت توبيخه وصراخه , لقد أسمعها قارص الكلام : عنيدة , مجنونة....وكلمات غيرها أشد قسوة جعلتها تدرك بأنه في قمة غضبه وحنقه , سرت لأن فريق التصوير كان بعيدا نسبيا ولم يتسنّ له سماع الوصف الدقيق , ولكنهم شاهدوا بأم أعينهم الأنفعالات جلية واضحة.
وفي المساء أخبرها ريك كبير المصورين بالتفصيل , لقد ألتقته في المقهى حين دخلت برفقة جوليان لتناول بعض الشراب المنعش , كان فيلكس يجلس في زاوية المقهى وقد تجاهل وجودها حين دخلت , ربما لا يزال حانقا عليها.....
لوح ريك بيده يحييها ومشت اليه مبتسمة , المصورون والتقنيون كانوا يحبون العمل معها لشعورها بالمسؤولية ولتواضعها ولبرودة أعصابها ولطفها , وعندما كان يطلب منها تكرار التصوير أكثر من مرة كانت تنفذ الأوامر دون تذمر أو تأفف أو توتر أعصاب أو ما يشبه ذلك.
" هل تشاركيننا الشراب يا فرنسيس؟".
" شكرا , أنني برفقة جوليان وسيحضر لي بعض العصير".
" ما هو شعورك وأنت تتسلقين الصخور الوعرة ؟".
ريك في الخمسين من عمره , شعره رمادي ووجهه بشوش , لقد أحضر عائلته معه الى كورنوال وكانت فرنسيس تمضي سهرات لطيفة برفقتهم :" كان من الممكن أن تؤذي نفسك , في لحظة ما ظننت أنك قد علقت وكدت أن تفقدي توازنك وتسقطي".
" لم أشعر بخطر مميت , كنت مرتاحة وأنا أتسلق الصخور , لقد أمضيت طفولتي وأنا أتسلقها , لا حاجة للرعب".
صفر ريك وهو رأسه متعجبا وقال:
" كان المخرج مرعوبا وهو يراقبك , صرخ عدة مرات ولحسن حظك لم تسمعي صراخه وشتائمه , بعض كلماته منتقاة ولم أسمعها من قبل... أعتقد أنك ستسقطين وستتمزقين أربا فوق الصخور , وعندما رآك تصلين الى القمة سالمة ركض خلفك مسرعا......مما ساعده على كبت غيظه وأخماد ثورته".
[/size]


" همه أن ينتهي من برنامج التصوير حتى لا يتأخر جدول العمل المنتظم".
" لقد أسمعك قارص الكلام".
" وأنا أيضا كلت له الصاع صاعين".
" ولكنه رجل طيب..... وأنت عنيدة لا تطيعين أوامره ".
" أوه يا ريك ! لماذا تقول ذلك؟ لماذا؟ الشيء الوحيد الذي خالفت فيه أوامره كان صعودي الى الصخرة.....".
" ركوبك الدراجة في تنقلاتك لا يعجبه أيضا".
وصل جوليان يحمل لها كأس العصير ووضعه أممها على الطاولة :
" شكرا يا جوليان ".
نظرت الى ريك تكمل حديثها :
" أما بشأن الثور..... فلم يكن لي علم بوجوده , لم أسمعكم وأنتم تصرخون ".
قال جوليان:
" لماذا جميع الأعمال الخرقاء تصدر منك فقط يا فرنسيس؟".
" أنني أوفر لكم مادة للكلام والثرثرة...... هيا نلعب الدومينو !".
نظرت فرنسيس ناحية فيلكس وأذا بها ترى غيما عانت تحضر الى جانبه فيقوم من مجلسه ويمشي معها خارجا من المقهى , لعبت فرنسيس الدومينو بعد ذلك وخسرت , لقد ساء حظها تماما وأرتبكت أفكارها من شدة الغيظ.
عادت الى واقعها بعد أن أحست بوجود بعض المتنزهين بالقرب من مجلسها , بدأ قرص الشمس يرتفع في كبد السماء وكثر الوافدون الى الشاطىء , جلست تراقب المد وهو يرتفع عبر الصخور ثم ينحسر من جديد ويجرف الرمال معه , قالت في نفسها: سأبقى ساعة ثم أعود أدراجي.
السيارات مزدحمة والمتنزهون جماعات , وجدت فرنسيس لنفسها بقعة منفردة وجلست بضع دقائق ثم سمعت وقع أقدام خلفها , أزعجها أن يقتحم أحد عليها خلوتها , نظرت عابسة لترى رجلا يشاطرها عبوسها وقد وقف أمامها , شعرت بقلبها يتوقف عن الحركة وهي ترى فيلكس أمامها , أنها تخافه كثيرا , لقد بدا الغضب في محياه , أبتسمت قائلة:
" أهلا فيلكس , ما الذي جاء بك الى هنا؟".
" أنت!".
" أنا , أجلس قبل أن أصاب بتشنج في رقبتي وأنا أنظر أليك عاليا".
" حظك كبير لأنني لا ألوي لك رقبتك بنفسي".
جلس قربها , كان يرتدي قميصا أبيض يظهر وسامة صدره وكتفيه العريضتين بجلاء , وقد أخفى عينيه تحت نظارات سوداء , تنهدت وهي تطوي ركبتيها وتضع رأسها فوقهما قائلة:
" وماذا فعلت الآن يا فيلكس؟".
" أنت أمرأة مزعجة , تتعمدين أزعاجي دائما وأبدا".
" لا أعرف عما تتكلم...... ماذا فعلت لك اليوم؟ يا ألهي! أخبرني أرجوك!".
" كان عليك أن تقابلينني مع ريك في الثامنة والنصف صباحا لنتدرب على مشهد المركب , لماذا لم تخبريني أن لديك مشاريعك الخاصة؟".
" لا علم لي بهذا الموعد , لم يخبرني أحد بموعد العمل هذا , لم أتعمد أزعاجك".
" لا أظنك ترغبين في أفساد يوم ريك , أما يومي فلا يهمك أفساده!".
" لم يعلمني أحد..... أنا لا أعرف .... وأن كنت لا تصدق....".
" ماذا؟ أنا مستعد اليوم لمبادلتك العنف أن رغبت, لقد أنتظرت وصولك الى هنا ...... وهذا ساعدني في تهدئة طباعي الثائرة".
" ممن طلبت أن يعلمني بموعد العمل؟".
عبس قليلا ثم خلع نظارته وقال:
" غيما".
" ولكنها لم تخبرني ".
" أتصل بها ريك صباحا وأكدت له أنها أعلمتك بالموعد".
" ولكنها لم تعلمني , حقيقة هي لم تفعل".
" ولماذا تكذب؟".
" لا أعرف , ربما تعتقد أنها أخبرتني.... وربما تعرف أنها لم تخبرني ".
وهي لا تحبها ولكنها لن تخبر فيلكس عن الحب المفقود بينها وبين غيما:
" أنت لا تظن أنني أتعمد التهرب من مسؤولية العمل؟ هل تعتقد أنني أفعل ذلك؟".
" ر يك لا يعتقد أنك تتجاهلين القيام بواجبات عملك".
" ولكنك لا تصدق".
" لقد تبادلنا التهم البشعة البارحة وربما أنت تنتقمين مني اليوم؟".
" كيف تفكر بهذه الطريقة القبيحة!".
أستدارت تخفي وجهها عنه وهي تصارع غصة كبيرة في حلقها , وقفت وحملت حقيبتها وقالت بعصبية:
" علينا أن نعود الآن , أليس كذلك؟".
" لقد تأخر الوقت , المد أرتفع".
وقف هو أيضا ومشى قربها :
" سنبدأ غدا صباحا قبل موعد التصوير".
هزت رأسها موافقة وهي لا تقوى على الكلام من الغصّة في حلقها.
" هناك أمر آخر يقلقني , ركوبك الدراجة في تنقلاتك , ظننت بادىء الأمر أنك ستصلين متأخرة الى العمل ولكنك لم تتأخري ولا مرة لذلك لم أستطع أن أمنعك من ركوبها , كان خطرها يزيد من همومي وسكنك بعيدا عن الجميع أيضا".
" لم أكن الوحيدة التي سكنت بعيدا عن مركز القرية".
" صحيح , ولكنك الوحيدة التي لا تملك سيارة ولا يوجد هاتف للأتصال بك".
توقف ليأخذ نفسا:
" ألم يخطر ببالك أن تخبري أحدا الى أين تتوجهين هذا الصباح؟ ربما يحصل لك مكروه وأنت وحيدة وبعيدة".
" سيتوقف التصوير.......".
بقي صامتا ولم يجب.
" الآن أن تسيئين الحكم علي".

بلعت فرنسيس ريقها بصعوبة وأجابته ببرودة:
" آسفة.... لم أقصد ذلك".
" صحيح أن الوقت قصير جدا وأخاف من وقوع حوادث تؤخر التصوير ولكنني أهتم بسلامتك أكثر من أهتمامي ببرنامج التصوير المقرر".
" أنا أخبرت المزارع بيل بوجهتي هذا الصباح ... هو يعرف مكان وجودي".
" نعم , وهو الذي أخبرني بمكانك بعد أن قلبت عليه الأرض وأنا أفتش عن مكان عمله في المزرعة الكبيرة".
" أنا آسفة".
" يجب عليك أن تأسفي ,مشيت طويلا وضيعت وقتا ثمينا ".
" يؤسفني أن أفسد صباحك , ولكنني لم أكن أعرف بموعد العمل المرتقب بيننا وأن كنت لا تصدقني فهذا شأنك".
كانت تتكلم بعصبية وقسوة.
أمسك فيلكس بها وهزّها هزّا عنيفا من كتفيها , وأدارها لتنظر اليه لم تستطع أن تنظر الى وجهه , ترك كتفها وأمسك بذقنها ورفعه لتنظر اليه وقال:
" يا ألهي , لم أعتقد أنني سأرى فرنسيس هارون تذرف الدموع الساخنة , أعتقدت أنها أقوى من أن تقهر , لا أسمح بذلك مرة ثانية ".
أعطاها منديله لتمسح دموعها :
" هل نعلن الهدنة بيننا؟".
هزت رأسها موافقة وشاكرة , أجلسها فيلكس على العشب لترتاح قليلا وبقيا صامتين لفترة طويلة , أشار الى الصخور أمامه وقال:
" أخبريني عنها , أنت تعرفين كل شيء هنا في هذه المنطقة".
سرّت فرنسيس لأن الموضوع لا يتناولها ونظرت الى الصخور المرتفعة.
" يقولون أن هذه الصخور هي الدرج الذي يرتقيه الجبار الذي أعطي أسمه للمنطقة ولكنني لا أعرف عنه أي شيء , أما الصخرة الكبيرة هناك فهي تدعى الملكة بيس , من الواضح أنها تشبهها صلابة , وأذا أمعنت النظر اليها فربما تجد شبها بينها وبين وجه المرأة.......".
" المكان موحش هناك حتى في يوم مشمس...... كيف يبدو في فصل الشتاء؟".
" مثيرا للغاية ولكنه خطر ومخيف , لقد قضى العديد من الناس نحبهم وهم يسبحون بالجوار , السباحة ممنوعة هنا ... ماذا سنفعل الآن؟".
" سأشاركك غداءك وسنمضي اليوم سوية ونستمتع معا بنزهة خلوية , حان الوقت للغداء , هيا بنا نفتش عن مكان منعزل لنتناول فيه طعامنا منفردين".
" لقد جلبت غدائي معي".
أمسك بها وأنهضها وحمل لها حقيبتها وناولها أليها قائلا:
" أنها خفيفة على ما يبدو , لن يكفي الطعام لكلينا , هيا تمشي ببطء أمامي وسأحضر بعض الشراب والطعام وألحق بك فوق الصخور".
شاهدته فرنسيس وهو يهرول الى موقف السيارات وشعرت براحة نفسية للهدنة المرتقبة بينهما , اللعنة على غيما وغيرتها العمياء , ولماذا تغار غيما منها؟ أنها تقيم في نفس الفدق مع فيلكس وتقاسمه طعامه وشرابه صباحا مساء .... لماذا تحرم فرنسيس لقاء صباحيا عابرا معه من أجل العمل وبوجود ريك ؟ لا مجال للغيرة في هذا الموقف , ولكن غيما فتاة حساسة وربما هي الحاسة السادسة التي أوحت اليها بأن علاقة خفية تربط بينهما.... مع أن جميع أفراد العمل يربطون بينها وبين جوليان , البطل والبطلة ... أو هكذا يبدو لمن يراقبهما , كانا يجيدان عملهما سويا ويؤديان دورهما بأتقان تحت أشعة الشمس المحرقة على الشاطىء أو في ضوء القمر ... وفي الساحات العامة كانا يمشيان وهما متعلقان ببعضهما , وكذلك في السينما كانا يجلسان وأيديهما متشابكة .... يتنزهان على حصانين في الصباح على الشاطىء الرملي ويترافقان الى المقهى في المساء , كان جوليان رفيقها المقرب ومنقذها.
منتديات ليلاس
كان فيلكس هو مدير العمل .... لا شيء أكثر , لم يحاول أن يلقاها في أمسيات فراغها , معاملته لا تتعدى حدود المجاملة , يسرف في مدحها حين تجيد عملها ويقسو في توبيخها أن أخفقت..... ولم يذكر دعوته لها الى الجزر اليونانية مرة ثانية.كانت لا تزال سارحة في أفكارها حين رأته يتجه نحوها وهو يحمل سلة الطعام.
" لقد رتبت أمر سلة الطعام من أجل النزهة في الفندق حيث أنزل".
" وهل كان ريك سيشاركنا يومنا؟".
" أوة , لا , كنت سأصرفه فور الأنتهاء من التمارين ليبقى الى جانب أمرأته".
كلامه عن ريك وأمرأته جعل قلبها يرف قليلا , شعرت بسعادة عارمة وهي ترى نفسها مرتبطة به بطريقة عفوية ودية , ستستمتع بهذه النزهة العفوية ولن تفسد يومها بشعور الذنب....
" هل تفضلين يا فرنسيس البقاء هنا فوق الصخور العالية أم ترغبين في النزول الى الشاطىء الرملي؟".
" بل ننزل الى الشاطىء , أرغب في الأستلقاء والتشمس لساعة أو أكثر أذا أمكن".
" صحيح".
" سأستفيد من الشمس... لن أسبح".
نزلا بسهولة مع طعامهما ووصلا الى الشاطىء , الرمل نظيف وناعم ودافىء.
" سأحتمي بتلك الصخرة وأبدل ثيابي".
" وأنا سأحتفظ بنظري بعيدا عنك بينما أحضر لنا الطعام".

عادت فرنسيس بعد دقائق قليلة وهي ترتدي ثوب السباحة البيكيني الأسود , ومع أنها أرتدته مرارا قبل الآن , ألا أنها شعرت ببعض الأرتباك لأنها تنفرد معه في هذه البقعة النائية من الشاطىء , مشت راكضة وهي تحس حرارة الرمال تلفح باطن رجليها , وقد ربطت شعرها وعقصته أعلى رأسها وأرتدت قبعة كبيرة فوقه لتحمي رأسها من حرارة الشمس , نظرت اليه وقد تمدد بثياب البحر .
" الشمس دافئة لذيذة".
" لون القبعة يناسب لون عينيك".
قدم لها فيلكس بعض الشراب البارد الذي أحضره معه , تناولته شاكرة وقالت:
" هذا الشراب بارد ... لذيذ.... ما هذا الطعم اللذيذ ؟ دجاج وسلطة فاكهة.....".
" زجاجات الشراب محاطة بالثلج".
" يسعدني أن أعود برفقتك في السيارة بدلا من المشي".
" وكيف وصلت هذا الصباح؟".
" أستعملت شاحنة ثم جرارا ثم حمارا ثم أكملت طريقي مشيا على الأقدام".
" كل وسائل النقل في خدمتك... لحسن حظك أن كل شيء سار على ما يرام , يوما ما ربما لن يكون الحظ حليفك وينالك بعض الأذى , ثم أنك مدعاة للأثارة وأنت ترتدين البنطلون القصير والبلوزة الرقيقة".
ضحكت كثيرا من تعليقه على لباسها وقالت:
" أنها ليست كذلك".
" بلى , أنها مثيرة , ربما ترغبين في أثارة المشاكل حولك.... ومن السهل أثارتها وأنت وحيدة , وبعيدة عن الجميع , أتمنى لو تكفين عن تلك الحماقة".
ران صمت ثقيل , أنه يتكلم بجدية وقساوة , لماذا؟ هل هي فعلا تحاول أثارة المشاكل؟ نظرت اليه وهو يحدق بعيدا في البحر الواسع وقد لوحته الشمس وأسيبته سمرة محببة , لقد أكمل البحر هنا ما بدأ به البحر الأبيض المتوسط في جزر اليونان , بدا قويا نشيطا صحيحا مغويا..... ماذا يمكنها أن تفعل لو هاجمها شاب بمثل صفات فيلكس؟
" كان سائق الشاحنة رجلا ودودا وقد تحدثت معه عن عائلته وأولاده وتفرجت على صورهم".
" أنا متأكد من ذلك.....".
"وكانت أمرأة تقود الجرار .......".
أستدار لينظر اليها نظرة أستغراب , أكملت:
" أنا لا أقبل أن يوصلني شاب بسيارته".
رفع حاجبيه ساخرا:
" حتى ولا رجل يقود سيارة لانسيا سوداء؟".
" لا أستطيع مقاومة أغراء اللانسيا , ولكن يا فيلكس أعدك بأن لا أكرر عملي هذا مرة ثانية".
" شكرا , هذا يريح عقلي بعض الشيء , لا أستطيع أن أحتمل المزيد من التمثيليات حولي , تكفيني التمثيلية التي أقوم بأخراجها".
" ولكنني أتمنى أن تسمح لي بركوب دراجتي".
" يمكنك ذلك....... والآن , هل تريدين المزيد من الطعام أو الشراب؟".
أبتسمت له أبتسامة شاكرة وهزت رأسها نفيا , ثم بدأت تعاونه في توضيب الطعام في السلة..... وبعد أن أنتهت فرشت منشفتها فوق الرمال وتمددت فوقها على ظهرها تستقبل أشعة الشمس الدافئة وتدهن نفسها ببعض الزيت الخاص وهي تخفي وجهها بقبعتها الكبيرة.
" سأتجول قليلا بين الصخور علني أعثر على سلطعون....... سأجلبه وأعرفه عليك".
سمعته يضحك ساخرا وهو يبتعد.
" لا تحتاج لذلك".
" لا تنامي طويلا تحت أشعة الشمس , سمرتك كافية ولا تنسي أن جلدك الأبيض الناعم لا يحتمل المزيد وربما تتسبب الشمس في حرقه".
تمددت فرنسيس تفكر في طبيعة الحياة وغرابتها .... لم تكن تحلم بأنها تشارك اليوم فيلكس نزهة خلوية منفردة على شاطىء رملي منعزل , هي لم تنفرد به منذ حضرت الى كورنوال خلال الأسابيع الماضية....... نظرت اليه يبتعد ثم أختفى , لم تعد تراه , المد يرتفع في هذا الوقت من النهار وقريبا ستصل المياه الى مكان وجودهما .
مر الوقت ولم تشعر بفيلكس وهو يقترب منها , أجفلت وهي تراه يقف قربها يراقبها من أعلى , أغمضت عينيها من جديد وقالت:
" لقد عدن , أخفتني".
أحست أنه تمدد قربها على الرمال يرتاح , أحست بالصمت يخيم عليهما , بقيت مستلقية بحرارة الشمس , وبعد وقت قليل أستفاقت وأحست أن الشمس قد مالت قليلا نحو المغيب , بدا فيلكس نائما , المد يرتفع أكثر , عما قريب ستصل المياه الى مكانهما , عليهما أن يباشرا في طريق العودة , عليها أن توقظه من سباته.
نهضت بتأن وركضت الى المياه وحملت قبعتها فملأتها بالماء وعادت.
ونطرت الى وجهه الوسيم وصدره وهو يتنفس بأنتظام , أفرغت الماء فوقه من قبعتها ببطء وهي تراقب حركاته بعد أن وصلت المياه الباردة الى جسمه الدافىء.
ولبضع ثوان بقيت فرنسيس ترتعد خائفة مما فعلت , نهض فيلكس فجأة وقد أستغرب ما حصل له... وقف على رجليه بعصبية وتبين له ما فعلت على الفور .
" أرجوك يا قيلكس , أنا لا أقصد .... كنت أمزح , غصبا عني أفلتت المياه.....".
تراجعت الى الوراء وهي تضحك .
" أنت شقية , هل تعتقدين أنني سأصدقك؟".
أمسك بالقبعة ورماها بعيدا ثم وقف أمامها ويداه على خصره والماء يقطر منه.
" سنرى من يحب الماء أكثر.......". 

مشى نحوها ببطء وتصميم وهو يترنج بليونة.
" فيلكس , أياك , لا يمكنك , أرجوك.........".
ركضت هاربة , كان أفضل لها أن تبقى في مكانها وتتناول عقابها صامتة , كانت تضحك وتركض أمامه وهي تتمتم كلمات الترجي والرحمة , أمسك بها فيلكس بعد أن أدركها بخفة ومشى بها نحو البحر وهو يتجاهل صراعها للأفلات من قبضته , ودفعها بقوة الى الماء.....
أحست برودة الماء غير المنتظرة فجأة تلامس جسمها الدافىء , بدأت شفتاها تصطكان وترتجفان , حاولت النهوض بسرعة وقد أحست برغبتها الجامحة للثأر منه , ركض فيلكس أمامها على الشاطىء وهو يضحك بملء شدقيه , وأذا به يتعثر بحجر ويقع فوق الماء بعد أن فقد توازنه , وصلت فرنسيس اليه ودفعته كليا الى الماء....
لم تنتظر قربه بل ركضت عائدة بأتجاه منشفتها , لحق بها وأمسكها وتدحرجا سوية فوق الرمال الحارة.
" أنا آسفة .... آسفة ......".
كانت تضحك وهي تتكلم , شعرت بسعادة عارمة وهما فوق الرمال :
" لقد ربحت يا فيلكس".
حاولت أن تتنفس علها تتمكن من السيطرة على توازنها , وبعد قليل مال فيلكس بعيدا عنها وقال:
" أنت مغطاة بالرمال يا آنسة فرنسيس هارون".
" وهكذا أنت أيضا يا سيد فيلكس رافنسكار".
نهض واقفا وجذبها معه وسارا معا الى البحر ليغتسلا من الرمال العالقة بهما.
بعد نصف ساعة كانا قد جففا نفسيهما وأرتديا ثيابهما وأستعدا للعودة , وقف فيلكس ينفض الرمال من شعره المبلل.....
" كيف ترى منظر شعري؟".
" لا بأس....... نظرا لما قمت به".
نظرت فرنسيس الى قبعتها المبللة المرمية فوق الرمال , أنحنت فحملتها ووضعتها في حقيبتها وهي تقول لنفسها : سأحملها معي للذكرى الجميلة.
وضعت حقيبتها على كتفها وسارت متباطئة خلف فيلكس , وهو يصعد الصخور الوعرة بمهارة ونشاط وحيوية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: - لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت   الثلاثاء يوليو 04, 2017 5:42 am


[size=32] 6- المرأة الأخرى


في الثالثة صباحا أستفاقت فرنسيس على صوت المنبه , كان الظلام شديدا وفراشها دافئا ,ولكن ريك وعدها بأن يمر عليها بعد نصف ساعة فقط ليصحبها الى مكان التصوير قامت من فراشها الدافىء ومشت على رؤوس أصابعها الى الحمام لترتب نفسها.
أخبرت فرنسيس العائلة التي تسكن عندها في المزرعة بأنها ستذهب الى عملها في الصباح الباكر , وهكذا دخلت المطبخ باكرا لتتناول بعض السوائل الساخنة التي ستساعدها على الدفء والنشاط , بعد ذلك وقفت مستعدة في مدخل الباب الخارجي تنتظر وصول ريك بسيارته الكبيرة , لحظات قليلة ورأت أنوار الشاحنة الصغيرة تقترب من مدخل البيت , خرجت فرنسيس بهدوء وصعدت الشاحنة وهي تحاول أغلاق بابها بأقل ضجة ممكنة حتى لا تزعج النائمين في المنزل.
" أهر ريك , الوقت مبكر جدا أليس كذلك؟".
" حين تشاهدين جمال بزوغ الشمس وولادة النور تبشر بطلوع النهار, ستستمتعين بالمنظر الخلاب وتنسين نفسك يا فتاتي.......".
" أشعر أنني مغمضة العينين وسوف لا أرى سوى الضباب , سأجد صعوبة في فتح عيني لرؤية الجمال الذي تتحدث عنه".
" ستكونين على أحسن ما يرام بعد أن نبدأ التمارين".
" أعرف... القصة تدور اليوم حول وقوعي صريعة النزلة الرئوية , قرأت النص سابقا .........".
تذكرت خوفها من تصوير مشهد المركب , تذكرت أنها ستلتقي فيلكس في هذا الوقت المبكر من النهار ثم تذكرت فجأة أن عليها أن تعتذر لريك عن البارحة وقالت بسرعة:
" ريك , أنا آسفة بشأن البارحة , لقد تغيبت عن موعد التمرين ولكن أحدا لم يخبرني عنه , ومهما أكدت الصديقة غيما غانت عكس ذلك..... فهي لم تخبرني أبدا بالموعد , لو كنت مخطئة لأعترفت بذنبي وأنتهى الأمر".
" أعتقد أنك صادقة ولكن لا يهم الآن , يمكننا أن نتمرن اليوم قبل بدء التصوير , لقد رتب فيلكس التمرين من أجلك وحدك".
هزت رأسها آسفة وأكملت:
" أعرف .. ... وهذا يخجلني ".
تنهدت بعمق :
" لا يمكننا الآن أن نفعل أي شيء , ما مضى قد مضى".
" على كل حال لم يفسد النهار".
نظرت اليه فرنسيس مستغربة أن كان نهارها هي أم نهاره هو..".
" ماذا فعلت؟".
" خرجت بصحبة زوجتي وتناولنا طعامنا في مطعم هادىء , وأنت؟".
" بعد عتاب مرير تفاهمنا وتابعنا نزهتنا على الشاطىء ".
سرحت فرنسيس تنظر في العتمة خارج السيارة وترى بمخيلتها الشاطىء الرملي الدافىء .... رجل وأمرأة يركضان ويضحكان ثم يتدحرجان فوق الرمال الساخنة.
نظرت فرنسيس الى ريك تستغرب قوله:
" لقد جنّ جنونه وتوترت أعصابه حين لم تحضري... صعق , ألم يخبرك ؟ هناك شابة غرقت فوق الصخور وقد تمكن حرس الشواطىء من أنتشال جثتها , وصلت الأشاعة تقول أن الشابة هي فرنسيس هارون , هرع فيلكس الى المستشفى وأخبروه أن الفتاة توفيت وطلبوا اليه أن يتعرف الى الجثة.. وكم كان فرحه عظيما حين أخبرهم أنها ليست أنت , لقد حمد الله وشكره ألف مرة".
" أوه , أن ذلك بغيض يا ريك , لم أعلم بهذا الأمر , وهو لم يخبرني به".
" ماذا فعلتما في المساء بعد عودتكما من النوهة؟".
" لعبنا الغولف , كنت أزاول هذه اللعبة مع والدي في الماضي , فيلكس بجيد اللعبة وقد سررت بمشاركته".
" أعتقد أن فيلكس يجيد كل عمل يقوم به".
" ذهبنا بعد ذلك الى مقهى وتناولنا القهوة , وبخني فيلكس على أرتداء البنطلون القصير , وقال أنه يسبب أرتفاعا في ضغط الدم .......".
ضحكت مازحة :
" يتوجب علي الأعتذار من جوليان حين أراه , كنت قد رتبت موعدا للقائه في المساء".
حاولت فرنسيس ترتيب أفكارها في شؤون ايوم بدلا من التفكير فيما عملت اليوم الفائت , أخرجت النص من جيب معطفها وقد طوي عدة طويات وحاولت أن تعيد قراءته مستعينة بنور السيارة الخفيف , معظم المشاهد التي ستصور اليوم تحتاج للحركة أكثر مما تحتاج للكلمات .....الحركات المطلوب تأديتها صعبة وتشعر بخوف داخلي حيالها , ومع ذلك حاولت أن تقنع نفسها بأن مخيلتها تضخم لها الأمور ... أعادت النص من جديد الى جيب معطفها وقالت:
" هل تعتقد أن الطقس مشرق والسماء صافية؟".
هز ريك رأسه موافقا ثم أدار الشاحنة بأتجاه الشاطىء وأوقفها بالقرب من بقية السيارات التابعة للأستوديو ولفريق التقنيين والمصورين.
كان هؤلاء يتمشون ويتحدثون بهدوء , بعضهم يدخن والبعض الآخر يتناول شرابا ساخنا , هرعت فرنسيس الى مقصورة الملابس وألتقت المسؤولة عن الملابس مادج التي كانت تنتظر وصولها لتساعدها على تقمص شخصية ماري ترويت وأعادتها للحياة.
ساعدت مادج فرنسيس على أرتداء ثوب صوفي أخضر اللون ولفت كتفيها بشال صوفي أصفر فاتح.
قالت مادج:
" لدي ثلاث أثواب جافة لتبديلها يا فرنسيس وأنت تتمرنين. ربما ستبتل ثيابك , سنحتفظ بأفضلها للتصوير النهائي بعد التمرين ". 
[/size]
هزت فرنسيس رأسها موافقة وأبتسمت لها أبتسامة شاكرة وهي ترتجف ثم عادت الى مقصورة المكياج , دخلتها لتجد جوليان مرتديا ثياب التمثيل وقد أنتهى من وضع المساحيق الضرورية لدروه , أستدار ينظر اليها وهي تدخل المقصورة:
" أهلا فرنسيس , لماذا أنت مرتبكة ؟".
كان ساخرا هازئا:
" أنها ليست المرة الأولى ولن تكون المرة الأخيرة التي ستتخلف أحداهن عن موعد ضربته لي".
أغلقت فرنسيس الباب وجلست على كرسي بالقرب منه , أضاءت فتاة التجميل المرآة الكبيرة.
قالت فرنسيس:
" أنا آسفة يا جوليان... أنا حقا آسفة , كان يوم الأمس مليئا بما لم يكن في الحسبان".
" لا تهتمي يا عزيزتي , كنت أتحدث حديثا وديا مع صديقك المزارع وأنا أتذوق القهوة الذكية حين وصلت رسالتك الهاتفية تعلمني بأنك تعتذرين وستتأخرين في العودة".
" رسالة هاتفية؟ أية رسالة؟".
أنتظر جوليان من فتاة التجميل أن تفرغ من وضع معجون التجميل على وجهها.
" فيلكس أتصل هاتفيا وأخبرنا أنك بأمان, لم يهاجمك أو يخطفك أحد , وقال أنك ستتأخرين...".
" لم أعلم أنه أتصل".
تذكرت فرنسيس أنه أستعمل الهاتف حين وصلا الى المقهى ليرتاحا بعد أن أنتهيا من لعبة الغولف .... عقصت لها الفتاة شعرها وأبعدته عن وجهها , تصفيف الشعر يأتي في المرحلة التالية بعد تجميل الوجه.
وحين أنتهت من المكياج مشت برفقة جوليان الى الصخور بالقرب من الشاطىء حيث سيتم التصوير , كان فريق العمل ينتظر وصولهما وعلى أتم الأستعداد , بعضهم وقف يتحدث بهدوء , بدأ النور يبزغ والنسيم بارد يلسع والبحر رمادي لا يغري بالنزول اليه , رأت فيلكس هناك يتحدث مع فريق العمل ويشير الى الأماكن التي فيها ركزت كاميرات التصوير.
مشت فرنسيس مع جوليان بأتجاهه.. وحين لمحهما ترك مساعديه ومشى نحوهما , كان يرتدي معطفا سميكا رفع ياقته الى أعلى ليتّقي البرد القارس في الفجر , وقد ربط بنطلونه داخل جزمة طويلة , حياهم وهز رأسه يتابع معهم تفاصيل العمل على الفور وقال:
" لدينا ساعة للتدريب قبل أن تظهر الشمس ويصبح التصوير ممكنا , وعندئذ ستنحصر المياه قليلا عن الصخور بفعل الجزر ".
أشار الى بعض الصخور الموجودة على الشاطىء , وقال:
" ستقف يا جوليان هناك , ستكون متعلقا بأهداب الحياة , منهكا تصارع الموت في الرمق الأخير , ستجذف فرنسيس في المركب وتحضر لمساعدتك , ستحملك الى المركب وتعود بك الى شاطىء السلامة ...... لا تنسى أن يدك اليمنى مكسورة , آسف لأن المشهد سيكون باردا رطبا بالنسبة اليكما....".
أستدار يكلم فرنسيس:
" هل أنت بخير؟ ما بالك ؟ ".
هزت رأسها موافقة ثم تابع حديثه:
" فرنسيس... ستساعدين جوليان عبر الطريق الصخري الضيق المؤدي الى الكنيسة , هناك كاميرا داخل الكنيسة من أجل التصوير , ستدخلان من الباب الأمامي وأنت يا فرنسيس ستقفلين الباب خلفك بالمفتاح".
توقف ونظر اليها:
" هل كلامي واضح ومفهوم ؟ هل هناك أية أسئلة ؟".
وحين لم يسمع أي تعليق مشى فيلكس بأتجاه الشاطىء ,تبادل جوليان نظرة متسائلة مع فرنسيس ثم وضع ذراعه على كتفها وشد عليها بحنان مشجعا , نظرت اليه شاكرة تبتسم أبتسامة حانية , هي لم تخبر جوليان عن المهمة الصعبة التي تنتظرها في تصوير هذه اللقطات في المركب ..... ولكنه أحس خوفها بأحساسه المرهف وحاول تهدئتها.
قال فيلكس:
" هيا بنا يا فرنسيس لنباشر التمارين".
تنهدت وسحبت نفسا عميقا ثم لفت كتفيها جيدا بشال الصوف ومشت متعثرة فوق الرمال.
قال فيلكس حين وصلت قربه:
" سيرافقك السيد جونسون ليتأكد من معرفتك لدورك في المركب وبعد ذلك سيأخذ ريك مكانه مع الكاميرا , وأذا أنقلب المركب رأسا على عقب وأنت بداخله.. لا تخافي... لدينا مركبان آليان مستعدان لأنتشالك من الماء ..... فلا خطر عليك أبدا".
قالت ساخرة وهي تكاد تتقيأ.
" هذا مشجع".
" عليك أن تجذفي وحدك مسافة طويبة من أجل التصوير ".
أستدار ليتأكد من زاوية الكاميرا ثم عاد يكلمها:
" الجزر سيساعدك في الوصول الى الصخرة , ولكن العودة ستتطلب منك قوة ودفعا شديدين , وأن كان الأمر متعبا بالنسبة اليك فسنقوم بحيل تصويرية عندئذ".
هزت فرنسيس رأسها تؤكد له موافقتها على القيام بالدور , وبدأ فيلكس يقودها نحو المركب وهو يقول مازحا:
" أبشرك بفطور لذيذ ينتظرنا بعد الأنتهاء من التصوير , هيا أدخلي......".
نزلت فرنسيس الى المركب وجعلتها برودة الماء ترتجف ..... تسلقت بأرتباك وبدأت تجذف , كانت بارعة في التجذيف منذ صغرها وهي تقود المركب كأي فتى نشيط ..... ولكن ذكرى مأساة والديها هي التي تزعجها , أقفلت عقلها عن ذكرياتها وبدأت تجذف بقوة..
عمل الجميع حوالي الساعتين بجهد متواصل وتحت ظروف طبيعية صعبة , ولكن العبء الأكبر كان من نصيب جوليان وفرنسيس , لقد كابدا من الأرهاق أكثر مما يحتملان , بدلا ثيابهما ثلاث مرات متتالية بعد أن أبتلت في مياه البحر... تناولا السوائل الساخنة علها تبعث فيهما الدفء... وحين أزف وقت التصوير النهائي كانا قد صمما على أن ينجحا وبأسرع ما يمكن مستعينين بخبرتهما الواسعة ليأتي التصوير ملائما للتمثيل , ولا يضيع الوقت والجهد في تكرار العمل.



جذفت فرنسيس المركب نحو الصخور وهي تتذكر بألم وحزن ما حل بوالديها , ولكنها أكملت عملها بنجاح , لقد ساعدها مديح فيلكس لما تقوم به وأعجابه بعملها.
وبعد أن وصلت مع جوليان الى الصخور ومشت وأياه عبر الطريق الصخرية الضيقة المؤدية الى الكنيسة , وقع جوليان مرهقا على الأرض , لم يكن يحتاج ليمثل الأرهاق لأنه كان مرهقا فعلا لكثرة ما مر به من صعوبات قاهرة ومميتة وهو في البحر , وكذلك فرنسيس رمت بثقلها على باب الكنيسة لتفتحه ثم أغلقته خلفها بالمفتاح وهي مجهدة تعبة , بينما تابع المصور ألتقاط المشاهد الأخيرة....
فتح باب جانبي دخل منه فيلكس وقال:
" لقد أجدتما كلاكما , التمثيل متفوق هذه المرة , أعتقد أن الحظ حليفنا , ريك متفائل بالنتائج المرضية وغالبا يكون محقا في تفاؤله ".
نظر اليها كأنه في موقف تأنيبي:
" أين الحرامات الصوفية؟ أحضروها بسرعة.......".
لف فرنسيس بحرام صوفي , كانت تقف وأسنامها تصطك ووجهها شاحب والماء يقطر من ثيابها :
" أسرعي يا فرنسيس وبدّلي ثيابك قبل أن نتناول فطور االصباح".
كان جوليان قد أسرع خارجا ومشت متثاقلة خلفه بينما سمعت فيلكس يبحث أمر المشهد المقبل مع فريق المصورين .
قالت في نفسها: هذا هو عمله , هل كانت تنتظر أن يهتم لما يحصل لها؟ لحسن حظها أنها نالت بعضا من مديحه بدلا من توبيخه........
ركضت فرنسيس وهي ترتجف , نظرت خلفها لترى مجموعة العمال يرفعون المركب من الماء بعد أن أنتهى دوره , لقد أنحسر الماء قليلا عن الصخور بفعل الجزر ..... أنها لا تزال تشعر بالمركب يعلو وينخفض بها , كأنها لا تزال وسط الماء تسمع صوت الموج صاخبا في أذنيها.
ثقل المشي عليها وأزداد ثقل الماء في ثوبها وهو يلتصق بها , الحرام الصوفي عبء ثقيل على كتفيها يصعب حمله , سمعت صوتا خلفها وأحست بذراع قوية تمسك بخصرها تمنعها من السقوط.
قال فيلكس:"
" أسرعي يا فتاتي قبل أن تصابي بنزلة فعلا ..... عليك أن تبدلي ثيابك".
" أبتعد عني يا فيلكس قبل أن تبتل ثيابك".
" لا تهتمي لأمري الآن , هيا بنا الى المقصورة".
جرها عبر الصخور في طريق ضيقة , كان العشب رطبا بالندى , أصطكت أسنان فرنسيس وأحست أنها لا تستطيع الوصول بالسلامة الى مقصورة الملابس.
" أنا آسفة.... ولكنني......".
مالت بعيدا عنه تتقيأ , أحست بفيلكس يعاونها ويمسك برأسها , وحين أنتهت ناولها منديله لتمسح وجهها :
" آسفة , أنا دائما أستعير منديلك".
" ما الخطب يا فرنسيس؟ لاحظت أنك لست على ما يرام هذا الصباح ولكنك أكدت لي أنك بخير".
" أنا لست مريضة".
حاولت أن تخفي أرتجافها ودوختها.
" بل أنت مريضة ".
أمسكها بين ذراعيه رغم معرضتها ومشى بها :
" كان بأمكانك أن تخبريني قبل البدء بالتصوير , ربما كنا أستفدنا من بديلتك أو ربما كنا نؤجل التصوير الى الغد......".
فتح لها باب مقصورة الملابس وساعدها على الدخول ونادى مارج لتساعدها في تبديل ثيابها بسرعة وقال:
" سأرسل بعض الشاي الساخن على الفور".
" لا , لا أريد".
ساعدتها مادج على تبديل ثيابها المبللة ووصل الشاي , بقيت ترتاح منفردة بهواجسها وأفكارها في المقصورة , قالت في نفسها : لقد أنتهى كل شيء , أسباب تعبها تعود لأمور نفسائية أكثر مما هي جسمانية , لم تكن تتوقع أن يكون مشهد المركب سهلا عليها ولكنه جاء أسوأ مما أنتظرت.
لقد توترت أعصابها منذ الصباح وشعرت بتشنج في أوصالها , أستدارت في مجلسها وأخفت وجهها في الوسائد وأنخرطت في البكاء , ربما يساعدها النحيب على راحة نفسها بعد ذلك.
لم تكن تعرف سببا لبكائها ولكنها كانت تشعر بحاجتها للبكاء .
منتديات ليلاس
لم تسمع الباب يفتح ولكنها أحست يدا حنونة تربت على كتفها , رفعت رأسها ونظرت الى فيلكس والدموع ملء مآقيها وعلى خديها , حدق بها فزعا , جلست بسرعة ومسحت دموعها بيدها.
قالت بترفع:
" قيل لي أنك لا تحتاجني الآن".
" ما الأمر يا فرنسيس؟".
كانت لهجته قاسية خالية من أية عاطفة أو شفقة , أجابته غاضبة:
" لا شيء , يا ألهي , ألا يمكنني أن أهنأ ببعض الراحة على أنفراد ؟ أذهب عني وأتركني , أنني بخير".
جلس على كرسي قربها وقال ساخرا:
" لا تكوني سخيفة , هناك ما يزعجك بالتأكيد , لن أتركك على هذا الحال وأخرج , وأن كنت تفضلين أن أرسل لك شخصا آخر غيري ليجلس قربك سأبعث به على الفور ". 

هزت رأسها نفيا , أكمل حديثه:
" هل تشاجرت مع جوليان بشأن البارحة؟".
" جوليان؟ كلا.... بالطبع لا!".
" أن كان جوليان ليس سبب بكائك فلماذا تبكين أذن؟".
لم تجب , أكمل قوله بقسوة:
" يا ألهي , هل أنا سبب بكائك ؟ هل تعتقدين أنني غول متوحش؟ لقد قمت بأعمال صعبة من قبل: تسلقت الصخور وركبت الحصان وقمت بأمور تمثيلية صعبة للغاية , وأن كنت تخافين ركوب المركب كان عليك أعلامي بذلك وسأفهم الوضع وأتدبر الأمر".
" أنا لست خائفة من ركوب المركب , أذهب عني وأتركني لوحدي".
" لن أذهب قبل أن أعرف سبب بكائك".
" حسنا , سأخبرك".
أستدارت لتنظر اليه ودموعها تملأ عينيها :
" لقد غرق والدي في البحر على هذا الشاطىء , أنقلب المركب بنا رأسا عل عقب , لقد نجوت وحدي بينما توفيت والدتي ووالدي قبل أن يصل مركب الأنقاذ ".
بدأت تنتحب من جديد , دفنت رأسها في الوسائد لتخفي وجهها ولكنه أسند رأسها الى صدره :
" أعرف أنني غبية في أفعالي هذه وكنت أعتقد أن الزمن قد تخطاها........".
وبعد صمت قال فيلكس بهدوء:
" لماذا لم تخبريني عن شعورك الحقيقي من قبل ؟ أشعر الآن أنني كنت رهيبا معك بالفعل".
" لا , أنت لست رهيبا".
جلست ومسحت دموعها:
" لم أخبرك لأن الحادث وقع منذ عشر سنوات , وقد نسيت الحادث وما رافقه من حزن وألم وغم .... الظاهر أنني لم أنس , على كل حال , معرفتك لن تفيد , أقصد أن العمل جب أن ينجز عاجلا أم ىجلا ".
مسحت عينيها من جديد :
" آسفة يا فيلكس , أنا نادرا ما أنساق وراء عاطفتي ....... وأحزاني".
وقف منتصبا وسألها حازما:
" هل تشعرين أن بأمكانك متابعة العمل اليوم؟".
" طبعا , بدأت أشعر بتحسن حقيقي , الدموع والشاي فعلا فيّ فعل السحر".
أنتظرت أن يبتسم لها موافقا ولكنه بقي منقبضا صامتا يفكر , تابعت قولها:
" أفضل متابعة العمل".
" حسنا........ وماذا سأفعل بك يا فرنسيس؟".
" لا أعرف يا فيلكس , سينتهي العمل هنا خلال أسبوع وستنزع الشوكة من جلدك".
لم تلق منه أي تعليق:
" أنا آسفة لأنني تسببت لك في مشاكل عديدة".
نظر اليها نظرة قاسية وترك المقصورة دون كلام.
تغير الطقس في نهاية الأسبوع بعد أن أنتهى التصوير كليا , وصلت الأخبار من لندن تبشر أن الأستوديو مسرور بالنتائج الباهرة التي وصلتهم..... وكان فيلكس مسرورا لما أنتهت اليه الأمور .
السبت الأخير قبل عودة فريق العمل الى لندن أقيمت حفلة عشاء راقصة في مطعم فخم في المنطقة للأحتفال بنهاية التصوير.
أرتدت فرنسيس ثوبا من القماش الأصفر الفاتح ليظهر سمرتها التي لوحتها الشمس , كانت فاتنة ومثيرة ولكنها لم تستطع أن تبهر الرجل الوحيد الذي رغبت في لفت نظره , بدا فيلكس جذابا ومهذب ولكنه لم يطلبها لتراقصه مرة واحدة , كانت فرنسيس مسرورة لوجود جوليان قربها ليخفف من أهمال فيلكس لها , وحين آوت الى فراشها في المساء حاولت أن تفكر في علاقتها به وقالت في نفسها : لحسن الحظ أن العمل معه أنتهى , ويمكنها أن تبعده عن حياتها المقبلة.
وفي اليوم التالي عادت برفقة جوليان الى لندن , كانت سيارته السبور تسابق الريح بسرعة , وحين وصلا نزل جوليان ليودعها قائلا:
" لقد أمضينا وقتا ممتعا في كورنوال يا فرنسيس أليس كذلك ".
هزت رأسها موافقة وتمتمت:
" أشكرك كثيرا , لقد كنت لطيفا معي يا جوليان , لن أنساك أبدا".
رفع ذقنها وقال:
" من يعرف , ربما نجتمع مرة ثانية في مسلس جديد أو مسرحية تلفزيونية جديدة".
أمسك بوجهها وأكمل:
" ولكنني أفضل المسرح وسحره , خشبة المسرح هي حبي الأول".
" وأنا أيضا أفضل المسرح".
" ما رأيك بفيلكس المستهتر بعد أن عملت معه؟".
شعرت فرنسيس بحمرة تكسو وجهها وحاولت جاهدة أن تجيبه دون تحيز:
" أعتقد أنه مخرج مميز , يسعدني أن أعمل تحت قيادته من جديد , لقد تعلمت منه الكثير ".
أبتسمت أبتسامة رقيقة:
" أنا على أحسن ما يرام يا جوليان , هذه هي الحقيقة".
" الحمد لله , أعتني بنفسك وأتصلي بي دائما".
تحركت السيارة به مجددا وبسرعة.
فرحت صديقتها زوي بعودتها الى لندن , وبقيتا تثرثران يوما كاملا دون أنقطاع.
" طبيبك غاريت وليام أتصل بك الأسبوع الفائت وسأل عن موعد عودتك من كورنوال".
جلبت زوي طعام الغداء من اللحم والأرز والفاكهة ووضعته على الطاولة :
" صحيح؟ ولكنه ليس طبيبي".


بدأت تأكل :
" الطعام لذيذ يا زوي".
" حضر لمشاهدة الرواية التي أمثل فيها ثم دعاني لتناول القهوة , أنه شاب لطيف , أليس كذلك؟ يفيد الزواج من طبيب يا فرنسيس... سيكون في خدمتك دائما حتى لو كانت رجلك هي التي
تؤلمك ".
" أنه طبيب مختص بالقلب يا زوي".
" أعرف ذلك يا غبية ولكنني كنت أمزح, أعتقد أنه يهتم بك كونه أتصل بعد كل هذه الأسابيع".
لم تجب فرنسيس عن تساؤلات صديقتها الملحة.
وجدت نفسها تحاول نسيان حوادث كورنوال وأبعادها عن تفكيرها ,ولكن الليدي رافنسكار أتصلت بها هاتفيا بعد عودتها الى لندن ودعتها لتناول الشاي.
وحين ذهبت لزيارتها كانت فرنسيس سعيدة وهي تستمع الى الليدي تتكلم بحماس عن أبنها وأعماله , أنتظرت فرنسيس أن يحضر فيلكي فجأة .... تمنت لو يفعل ولكنه لم يفعل.
أتصل بها فيلكس في منتصف الأسبوع التالي ......لم تصدق سمعها , وبعد أن أنتهى من المجاملات تابع حديثه قائلا:
" لقد طلبت مني والدتي أن أتصل بك وأدعوك لسهرة عائلية السبت المقبل , ستحضر شقيقتي جاسيكا وزوجها من أدنبرة بالطائرة في زيارة قصيرة ,والدتي تريدك أن تعرفي اليها , الحفلة صغيرة وغير رسمية , هل يمكنك الحضور؟".
ترددت فرنسيس , كانت تعرف أن من واجبها أن تعتذر ولكنها وجدت نفسها تقبل الدعوة مسرورة.
" هل تصغرك يا فيلكس؟".
" أنها شقيقتي التوأم , أعتقدت أنك تعرفين ذلك".
" يا ألهي , من أين لي أن أعرف ؟ أنت لم تذكر ذلك من قبل وكذلك والدتك".
" حسنا , سأمر عليك في السابعة مساء السبت , وحتى ذلك الحين أودعك".
وضعت فرنسيس السماعة ووقفت قرب النافذة تحاول أن تشرح عواطفها , كان عليها أن تعتذر , اللقاءات بينهما لن تجعل أمر الأبتعادعن فيلكس سهلا , لماذا تشعر برابطة قوية تشدها اليه؟ ما هي هذه الرابطة؟ لا , لا يمكن أن تعترف بأن الحب هو الذي يربطها به.
منتديات ليلاس
أقنعت فرنسيس نفسها بأن لقاءها به سيكون اللقاء الأخير , لقد وضح فيلكس لها نوع علاقتهما , يمكنها أن تدخل حياته كرفيقة سفر فقط , يمكنها أن تقبل عرضه أو ترفضه.....سترفضه حتما.
رن جرس الباب حوالي السادسة مساء السبت , ربما فيلكس قدم مبكرا , أسرعت وفتحت الباب لترحب بمقدمه , حبست أنفاسها وهي ترى الواقف أمامها.
" أهلا فرنسيس........".
" مارك! مارك لوكاس , ما الذي جاء بك الى هنا؟".
حاولت أن تبتسم , جذبته الى داخل الشقة:
" مارك , تسرني رؤيتك , تبدو على أحسن حال , دعني آخذ معطفك , أجلس".
كانت تثرثر كثيرا , المفاجأة أذهلتها , تذكرت شكسبير وما حصل معها.
كان مارك يتفحصها عن كثب وهو يجلس , قال:
" لم تتغيري يا فرنسيس أبدا...... بل أنت الآن أجمل مما كنت عليه منذ سنة , ولكنك لا زلت على لطفك وأنسانيتك , أعتقدت أنه ربما تغلقين الباب في وجهي".
" كيف حالك ؟ لقد قرأت عنك في الصحف , قرأت عن أعمالك الناجحة في أدنبرة , هل أنت سعيد بالأدوار الكلاسيكية التي تقوم بتمثيلها؟".
هز رأسه موافقا.
" نعم , ذهابي الى أدنبرة كان خطوة نافعة ليس فقط من أجل عملي... هل أغضبتك زيارتي لك؟".
" أبدا".
" حضرت بنفسي لأرى أنك على ما يرام وأنني لم أتسبب في تدمير مستقبلك المهني , هل أنت حقا سعيدة يا فرنسيس؟".
تنهدت فرنسيس وتنفست بعمق:
" كل شيء يسير على ما يرام , أنا بخير يا مارك , منذ عودتي من شيشستر وأنا أعمل دون أنقطاع , لقد أنهيت الآن مسلسلا تلفزيونيا , هناك فرصة جديدة أمامي لمسرحية برنارد شو في ليدز ".
أبتسمت مرتاحة :
" لا تهتم لأمري أرجوك , أنا بخير".
" يسعدني بل يريحني أن أعرف هذه الحقيقة".
أخرج علبة سكائره وقدم لها سيكارة :
" شكرا , أنا لا أدخن , كيف حال ميدج؟".
" أنها بخير , تعيش الآن كما ترغب , يمكنها أن ترافقني في عملي في أدنبرة أو أن تبقى في منزل حديث في باريس , أنها سعيدة ".
ضحك ضحكة قصيرة:
" أنها تنتظر مولودا وتكاد تطير من فرحتها , هي متحمسة جدا كأنه لم يسبق لأمرأة أن حملت من قبل".
" أوه يا مارك , كم أنا سعيدة لسعادتكما , تهاني القلبية".
أبتسم أبتسامة ما كرة وقال:
" لا أعتقد أنني سأنجح بدور الأب؟".
" هراء , ستكون خير أب.... متى تتنتظر المولود؟".
" في رأس السنة الجديدة , لقد تأكدنا من الحمل منذ فترة وجيزة , الفكرة لا تزال جديدة علينا ".
وسحب نفسا من سيكارته وأكمل بطريقة جدية :
" أشكرك يا فرنسيس , كنت أشعر بالذنب لما فعلته معك".
" يمكنك الآن أن ترتاح , أنا سعيدة كما ترى وأعمل بنجاح , ما حصل لنا في شيشستر كان غيمة صيف وأعدك بأن أذكرها بحنان دون كراهية أو بغض".
" أشكرك يا فرنسيس , علي أن الآن أن أذهب"


حمل معطفه ومشى نحو الباب :
" هل لا زلت تشاركين تلك الشقية زوي في هذه الشقة؟".
" نعم , وهذا يذكرني بأنني وعدتها بوضع رسالتها في صندوق البريد , سأنزل معك الى ناحية الشارع".
حملت الرسالة ونزلت برفقته .
" هل هذه السيارة الجديدة لك يا مارك؟".
هز رأسه يفتش عن مفاتيح سيارة الستروان.....
" كنت دائما أعتقد أن اللون الأحمر هو لونك المفضل".
أبتسم وهو يفتح الباب وقال:
" ميدج هي التي أنتقتها ".
ووضع يده على كتفها ونظر اليها متسائلا:
" عندما فتحت الباب شعرت أنك تنتظرين وصول شخص معين..... هل أنا على حق؟".
هزت فرنسيس رأسها موافقة , ربما يفيد مارك أن يعرف أنها تحب, ثم أليس فيلكس شخصا مميزا في حياتها؟
مال مارك وعانقها بسرعة وقال:
" وداعا يا عزيزتي فرنسيس , أتمنى لك حظا سعيدا , أنتبهي لنفسك".
" وداعا يا مارك , أتمنى لك ولميدج حظا سعيدا".
أبتسم وصعد الى سيارتهورفع يده مودعا , بقيت فرنسيس تنظر الى الستروان تبتعد ثم ذهبت الى ناحية الشارع ووضعت رسالة زوي في صندوق البريد , عادت الى شقتها وهي سعيدة لأنها أنهت علاقتها بمارك نهاية سعيدة , حضوره أقفل صفحة في كتاب حياتها.
ركضت السلالم وهي تشعر أن الوقت داهمها ولم تعد نفسها قبل حضور
فيلكس , وبعد دخولها الشقة بثوان قليلة سمعت الجرس يرن , أرتدت روب المنزل بسرعة وفتحت الباب وهي تبتسم أبتسامة عريضة مرحبة بمقدمه.
كان فيلكس كما توقعت هذه المرة , ولكن تعابير وجهه كانت قاسية غاضبة لا تتماشى مع ترحيبها الحار.
" أهلا فيلكس".
دخل مسرعا الى غرفة الجلوس دون أن يرد لها التحية , أغلقت الباب وأحست بعض الأنقباض يزحف الى وجهها وهي تتبعه قائلة:
" أعتذر لأنني لست جاهزة بعد, أجلس قليلا ولن اتخر في ترتيب نفسي , هل ترغب ببعض القهوة أو الشراب؟".
بقي صامتا ينظر اليها ولا يتكلم , نظرت اليه تستطلع ما به دون جدوى.
" أفضل أن أبقى واقفا".
بدت لهجته ساخرة ومريرة مما جعل الدماء تسرع في شرايينها وتلون وجهها.
" هل هناك ما يزعجك ؟ لماذا تنظر الي هكذا؟".
" أحاول أن أفهم السبب الذي يجعل رجلا عاقلا وذكيا يتصرف معك على عكس ما ينتظر منه".
أنه غاضب حانق.... فتحت عينيها وحدقت به مستغربة وقالت:
" لا أفهم......".
قاطعها بحدة قائلا:
" هذا واضح , أنك حقا لا تفهمين وألا لما كنت سمحت لمارك لوكاس أن يقترب منك , لقد شهدت منذ دقائق مشهدا مؤثرا حنونا , هل لا زالت علاقتكما منذ شيشستر قائمة؟".
تسمرت مكانها وبقيت صامتة:
" صحيح؟ أجيبي؟".
" أنا...... وهل تعرف مارك؟".
" بالطبع , أنه صهري , زوج شقيقتي جاسيكا".
تلون وجهها من جديد ثم أختفى اللون وشحب وجهها , رفعت يدها الى جبهتها وقالت:
" أستطيع أن أشرح لك الوضع يا فيلكس...".
ضحك ضحكة مصطنعة متهكمة وقال ساخرا:
" بالطبع.... ولكنني لا أحتاج للشرح , لقد رأيت بأم عيني ".
أستدار بعيدا عنها كأن شكلها يقرقه , ثم أمسك بالطاولة التي أمامه وصرخ حانقا غاضبا:
" يا ألهي , كفاك تلعبين دور البريئة علي , أنا أعرف كل شيء عن علاقتكما في شيشستر , عرفتك منذ ذكرت أسمك لتوم ديفريل في الأستوديو ...... أنا لست غبيا ولكنني صدقتك , اللعنة عليك , لقد قمت بأفضل أدوارك التمثيلية عليّ".
" هناك العديد من الأمور أستطيع أن أشرحها لك ببساطة وأقناع..... ولكن لا يمكنك أن تستنتج على هواك".
" أنا واثق من مقدرتك على تلفيق الحوادث المقنعة ".
أستدار أليها من جديد:
" أنا لا أنكر عليك مقدرتك الفائقة في التمثيل ولكنني أستهنت بقدراتك الأخرى.....".
بدأت أوصالها ترتجف وأمسكت بكرسي خوفا من أن تقع أرضا , رفعت ذقنها بترفع وشموخ وقالت:
" أنت القاضي والحكم والحاكم والمنفذ..... أنت مغرور يا فيلكس , ولكنني منذ عرفتك ظننت أنه ليس بالأمكان أن يثق الرجل بنفسه كل هذه الثقة".
أرادت فرنسيس لو يخرج فيلكس من الباب الآن ثم يعود من جديد , لتبدأ معه بداية جديدة ولكن هذه التمثيلية لم تنته بعد.
" لا .... لا يمكن , هل تستطيعين أن تنكري أن مارك كان مستعدا أن يهجر زوجته لأجلك؟ ".
ونظر الى وجهها وتبينت له عدم قدرتها على النكران:
" حسنا , هل بأمكانك نكران هذه الحقيقة؟".
" ميدج زوجة مارك".
" نعم , هذا أسم الدلع الذي نناديها به , أؤكد لك أن لا خطأ في الموضوع , مارك لوكاس في الثامنة والثلاثين من عمره , يمتهن التمثيل , شعره أشقر وعيناه بنيتان ويتمتع بصوت جهوري واضح , يعمل الآن في أدنبرة وعمل في السابق في شيشستر , لقد أرتبطت معه بعلاقة عاطفية يوم مثلت معه أدوار الغرام......ومنذ دقائق ودعته وداع العشاق ورأيتكما بعيني , أنا لا أشك بالأمر".


مشى نحوها وأمسكها من ذراعيها بلطف قائلا:
" لا أعرف كيف أستطعت أن تخدعيه من جديد ليحضر لزيارتك ولكنك لن تقدري على الأحتفاظ به , مارك يحلم بعائلة ..... وفي نهاية المطاف ستجدين نفسك المرأة الثانية في حياته , ستلعبين الدور الثاني مما لا يدعو الى الفخر".
" لا أعتقد أن بأستطاعتك أن تلعب دور الرجل المنافق في الحياة ".
" أنا لا ألهو مع المرأة المتزوجة , أبقى دائما ضمن حدود اللعبة ....... لا أجرح أحدا".
كادت فرنسيس أن تضحك عاليا وهي تقول في نفسها : لا يجرح أحدا... تركته وركضت بأتجاه الحمام ولكنه لحق بها مسرعا وأمسكها بقسوة.
" ألى أين تذهبين؟".
" ألى أي مكان بعيدا عنك , أرجو أن تغلق الباب خلفك حين تخرج من حياتي".
" ولكنني لم أنته من حديثي بعد , ستبقين حيث أنت ولو بالقوة".
حدقت به فرنسيس وقلبها في صدرها يعلو وينخفض بسرعة , رفعت رأسها بشموخ وقد أحمرت وجنتاها من الغضب.
" اأصدقك ... يا ألهي ..... فيلكس رافنسكار يقول رأيه ولو بالقوة , حسنا , بما أن لا خيار أمامي سأبقى , ولكنني لن أغفر لك فعلتك أبدا , ستندم على هذا اليوم طوال حياتك , وحين تخرج لن أراك مرة ثانية في حياتي, لا بأس".
" متى كنت ترينه؟".
" ولماذا لا تسأله؟ أم أنه لا يعرف أن شقيق زوجته يتتبع آثاره؟".
شاهدت وجهه يشتد عبوسا وأعصابه تتشنج : " طبعا هو لا يعرف..........".
" لا حاجة الى سؤاله.... أنا أعرف أن علاقتك به أنتهت منذ ذهب ليعمل في أدنبرة حيث أنضمت اليه جاسيكا".
أتسعت حدقتاها وقالت بأستغراب:
" أنت تدبرت أمر عمله في أدنبرة ".
ضحكت ضحكة ساخرة:
" هذا أمر لا أظن أن مارك سيسر لمعرفته , وماذا ستفعل الآن ؟ هل ستضربه على قفاه وتهده أن يتصرف كولد طيب ويعود راكضا الى زوجته؟ أنت شقيق يعرف واجباته العائلية".
ران صمت ثقيل وبعد دقائق قال فيلكس بجدية:
" جاسيكا لا تعرف عنك أي شيء , وأذا أجبرتني على الكلام سأخبرها , علاقتك بمارك لم تكن متسترة , لقد عرف العديد بها , أنا أغريته بالعمل في أدنبرة وهو تعلق بالطعم , الممثلون لا يفهمون الشفقة فيما يختص بمهنتهم ...... عملت جهدي أن يكون الطعم مغريا وقد علق به فورا".
أستدارت فرنسيس اليه, كان بأمكانها الآن أن تخبره أنها تركت شيشستر قبل أن يتركها مارك ..... ولكن ما الفائدة ؟ أنه لا يصدق قولها , ربما يصدق مارك ولكنها لن تطلب من مارك ذلك , لن تفسد عليه سعادته الجديدة مع عائلته ولن تجرح كبرياءه , وما يهمها رأي فيلكس بها..... أنها لا تعني له أي شيء , وهو أيضا لا يعني لها أي شيء......".
" كيف ستمنع مارك من رؤيتي؟".
" لا أنوي أن أمنعه , أنا لست غبيا , أذا كان مارك ضعيفا ليبقى على علاقته العاطفية بك فأن جاسيكا ستكون أفضل حالا بدونه , بدلا من أن تشاركها أمرأة تافهة ذات وجهين مثلك , هذه النعوت لا تروقك يا فرنسيس ولكن المرأة الأخرى تنتظر أوصافا مشينة أو ما يجرح شعورها وكبرياءها , ثم أنا لا أعتقد أن مارك سيفضلك على جاسيكا , أنه يحبها وهي تحمل أبنه ".
تكلم ببطء شديد:
" ولقد أصبحت لعبتك مكشوفة ..... وربما تجدين مارك لا ينفع".
" وماذا تقصد بقولك؟".
" أنه تهديد , عليك أن تكوني عاقلة في تصرفاتك , أن أكتشفت أنك تحاولين الأنتقال بعملك الى حيث هو , عندئذ سأجعل حياتك المهنية صعبة للغاية , هل فكرت بهذه الأمور من قبل؟".
منتديات ليلاس
مشت فرنسيس الى الطاولة القريبة منها وأخذت سيكارة وأشعلتها بيد مرتجفة , هي عادة لا تدخن ولكنها شعرت بحالة هستيرية تتملكها ورغبة في أن تضربه.
" أشكرك لأنذارك , أظن أن غضبك في عيد ميلاد والدتك يعود لهذا السبب , ظننت أنني أحاول أن أتدخل في شؤونك العائلية من أجل مارك.... وقد أرتحت حين تأكدت أنني كنت أجهل الرابطة العائلية بينكما , لقد تمكنت من أخفاء هذه الحقائق بلباقة , أنت حقا ممثل بارع , بدأت أفهم الكثير من الأمور الآن , لقد أحسست تحفظك في علاقتك بي مما أثار تحفظي وشكوكي".
" كدت تخدعينني , كدت أصدق أن المخبر قد تجنى عليك في تقاريره عنك وعن علاقتك بمارك في شيشستر".
" أليس هذا أمرا هاما جدا ؟ من يستطيع خداع مجرب خبير مثلك؟ أنا سعيدة لأنني تمكنت من خداعك , كان ذلك مسليا في بعض الأحيان ".
شعرت أنها تمادت في سخريتها:
" أرجوك أن تخرج الآن , لقد قلت ما فيه الكفاية".
" أخرج حين أنتهي ".


مشى قليلا ليقف أمامها :
" من الواضح أننا لن نحظى بتشريفك في منزل العائلة هذا المساء أو في أي وقت آخر , سأعتذر لوالدتي بالنيابة عنك وستختفين كليا من حياتها , هل تفهمين . لقد نسينا مساعدتك لها في محنتها , أعتقد أنك توافقين ....... أنك تهددين حياة أبنتها الوحيدة وحفيدها المنتظر , لا أظن أنه سيروقك أن أخبرها عن حقيقة شخصيتك , أرجو أن لا تجبريني على ذلك في يوم ما".
هذا مجحف ووحشي..... لقد بدأت تحب الليدي رافنسكار بكل جوارحها .
" أنت لا تعرف عني أي شيء يا فيلكس , أنت مغرور وتعتقد أنك تعرف , ولكنك في الحقيقة لا تعرف ما فيه الكفاية".
" أعرف أنك أمرأة جميلة وفاتنة ........ ربما خطيرة".
نظرت اليه بوحشية , جذبها اليه بقسوة وعانقها رغما عنها , وحين أستطاعت فرنسيس أن تفلت قالت:
" اللعنة عليك يا فيلكس , أتركني وألا ....".
" لقد قمت بتمثيلية مقنعة يوم دعوتك للسفر معي الى جزيرة كورفو".
" وهذا ما يعتمل الآن في صدرك ويسبب لك الغليان".
حاولت الأفلات من قبضته دون جدوى:
" كان عليّ أن أنتهز الفرصة الذهبية لأكون آخر صرعاتك , هل جرحت كبرياءك ؟ دعني أخبرك يا فيلكس أن....".
" أنا واثق بأن مارك لا يهمه أن أشاركه فتاته , أذا كان هذا ما يشغلك".
نظر اليها نظرة ساخرة هازئة , رفعت يدها بقسوة وصفعته صفعة مدوية.
تسمرا في مكانهما فترة , أبتسم فيلكس وتكلم بلهجته الساخرة:
" لا زلت أجدك أمرأة مثيرة وجذابة , وأنت أيضا تبادليني شعوري ...... مهما كنت تقولين غير ذلك يا عزيزتي فرنسيس".
" أنا أكرهك".
تمتمت قولها وهي تذرع الدموع سخية من مآقيها , تركها وقال:
" أنتظرت منك ذلك , الحقيقة مؤلمة جارحة ولكن عليك أن تتذكري هذه الحقيقة من أجل راحة نفسك".
" سأتذكر ما قلته لي طوال حياتي يا فيلكس , لن أنساه أبدا ".
رفعت عينيها وقالت ساهمة:
" أنت تمثل دور .......الطاغية , ربما ستكتشف هذه الحقيقة بنفسك في يوم من الأيام".
حدق بها مليا ثم خرج على أعقابه وأغلق الباب خلفه بقسوة وصرامة , وكأنه يختم علاقته بها نهائيا في تصميم وأصرار.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: - لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت   الثلاثاء يوليو 04, 2017 5:46 am

[size=32]7- الحادث



العمل هو الدواء الشافي لجراح القلب المؤلمة , ألقت فرنسيس بنفسها في تمارين العمل أستعدادا لبداية الموسم في ليدز , التمارين مضنية حتى أنها مع نهاية اليوم كانت تجد نفسها وقد أستلقت في سريرها تنشد الراحة ولا تقوى على التفكير ..... ومع الوقت أستجمعت توازنها وحاولت أن تقنع نفسها بأنها لا تهتم لرأي فيلكس بها , بدأت تنمي صداقات جديدة في محيط عملها , وتدريجيا بدأت علاقتها المدمرة بفيلكس رافنسكار تتراجع في أهميتها.
رحبت فرنسيس بفكرة تمديد عملها في ليدز وأبتهجت لبقائها بعيدة عن لندن..... البعد عن فيلكس هو مبتغاها في الأبتعاد عن لندن , كانت صديقتها زوي تمدها بأخبار لندن في رسائلها المتواصلة , أخبرتها أن دورها في التمثيلية قد مدد للسنة الثانية ...وصلتها رسائل من الليدي رافنسكار تدعوها لزيارتها في أول فرصة تعود فيها الى لندن , ولكن فرنسيس كانت تجيب على رسائلها بطريقة ودية وتجعل الفترة الزمنية في كل مرة أطول بين رسائل الليدي ورسائلها الجوابية , وهي ترجو أن تختفي تدريجيا من مسرح حياة الليدي , لم تكن ترغب في تلبية دعوات الليدي بعد عودتها الى لندن , لأنها كانت واثقة أن اللقاء بينهما من جديد ستترتب عليه خيبة أمل كبيرة لها.
منتديات ليلاس
في منتصف شهر أكتوبر ( تشرين الأول) عرض المسلسل التلفزيوني الجديد بنروت مما زاد من شعبية فرنسيس في الفرقة حيث تعمل في ليدز , ظهرت في الجرائد اليومية صورة فيلكس مخرج المسلس مع رهط من الممثلين والممثلات كدعاية للمسلسل , ومن مفارقات القدر أن صورتها تجاور صورته في الجريدة .... طبعا هذا لن يسره , قرأت ما كتب تحت الصور وتذكرت وقائع التصوير وما رافقه من أحداث وذكريات حية ......ذكرت الجريدة أن فيلكس يعمل حاليا في أخراج مسلس وثائقي عن الناس الذين يعيشون في جزيرة مول , شعرت بمرارة أكيدة وهي تتذكر أتهاماته القاسية المتجنية عليها , بدأت تفكر بتفسير لقائها الأخير معه تفسيرا فلسفيا علّها تجد له ما يبرره , نجاحها في مسلسا بنروت ساعدها على مداولة جراح قلبها.
عادت فرنسيس الى لندن في عطلة الميلاد وهي تتجول في الشوارع وترى زينة المحلات أستعدادا لأستقبال مواسم الأعياد .
نجاحها في مسلسل بنروت عاد عليها بعروض عمل عديدة في المسرح والتلفزيون , وبعد تدقيق أختارت دورا في رواية عصرية حديثة كتبت خصيصا للتلفزيون , كتبها كاتب قدير ونالت حمدا وثناء من النقاد , عرضت على شاشة التلفزيون في شباط ونالت ما تستحقه من النجاح.
مر على علاقتها بفيلكس حوالي الستة أشهر , حاولت فرنسيس أن تخرج مع عدد من الشبان ولكن أحدا منهم لم يحرك فيها أكثر من عاطفة صداقة ...... كانت مستعدة لتقبل علاقات جديدة علّها تنسيها مأساتها بفيلكس , ولكن أملها خاب ولم تجد في هذه العلاقات ما يثير حماسها أو عاطفتها.
لم تكن مفاجأة لها حين حين دعاها مخرج التمثيلية الأخيرة لتحضر برفقته غداء أقيم على شرف ممثل قدير أمضى ستين سنة يعمل على خشبة المسرح.
وجدت فرنسيس نفسها محاطة بممثلين ومخرجين وعاملين في مهنة التمثيل , أجالت النظر حولها تتفرس في الوجوه العديدة التي تعرفها, وهي تسير مع مرافقها وسط قاعة الأحتفال الفخمة في فندق كبير بلندن , جلست الى طاولة ونهض جميع الجالسين من الرجال ترحيبا بقدومها , لفت نظرها وجه أليف: وجه فيلكس رافنسكار.
شعرت فرنسيس بالدماء الحارة تسرع الى وجنتيها ثم أرتبكت وأحست أن قلبها قد توقف لحظة عن ضرباته المعتادة , أبتسم لها فيلكس أبتسامة باهتة , وأنحنى يصافحها مرحبا:
" أهلا فرنسيس....... كيف حالك؟".
منتديات ليلاس
ظنت فرنسيس أن الصدفة قد جمعتهما , وأنه لا بد أن يتصرف تصرفا لائقا أمام الآخرين , الذين يعرفون حق المعرفة أنه عمل معها في المسلسل التلفزيوني بنروت ...... ومن غير المعقول أن يتجاهلها تماما.
حاولت فرنسيس أن تبتسم له , ولحسن حظها بدأ تقديم الطعام على الفور وأنهمك كل منهما في طعامه , الطعام يبدو لذيذا ولكن قابليتها قد أختفت وتوقعاتها لتمضية سهرة مبهجة ...ضاعت معها , قالت في نفسها : لا تدعيه يفسد عليك سهرتك.... تجاهليه تماما , أنسيه..... ولكن هذا هذا شيئا معقولا؟
بدأت الخطابات الرسمية تتوالى ,كانت ممتعة وخفيفة , ولكن ظروفها كانت غير مؤاتية ولم تستطع أن تركز تفكيرها في ما تسمع بل وجدت جل أنتباهها ينصرف الى الرجل الذي لا يبعد عنها ألا أمارا , كان بأمكانها رؤية شعره الأسود وسماع صوته الدافىء الرنان الواثق......
غضبت فرنسيس لسوء طالعها الذي جعلها معه على طاولة واحدة , ولكن فكرة أن الصدفة هي التي جمعتهما تبخرت تلقائيا حين نهض مرافقها في نهاية الحفلة وأنحنى يكلمها متمتما:
" أنا مدين لفيلكس ببعض الجميل , ولهذا سأتركك برفقته الآن , لقد أصر على أن أختفي وبسرعة مع نهاية الحفلة , ولكنني أعترف لك بأنني أفعل ذلك كارها , صدقيني , لا يمكنك أن تتعاملي معه بسهولة..... لقد عملت معه في السابق ومن الواضح لي أنه يحتاجك لمسلس جديد , أستفيد من هذه الفرصة السانحة وأتمنى لك حظا سعيدا".
[/size]

أحست فرنسيس بمهارة فيلكس في ترتيب هذا اللقاء القسري معها , بقيت جالسة في مكانها وهي تراقب مرافقها ينصرف مسرعا ويختلط بالخارجين من الحفلة , أستدارت لتنظر الى فيلكس وقالت به بعصبية:
" لا أفهم لماذا تصرفت على هذا النحو؟".
" أعرف , ولكن دعيني أشرح.......".
" لو عرفت بتدبيرك لما حضرت أبدا".
" أعرف ذلك أيضا , ولكنك جالست أربعة مخرجين مرموقين وكاتبا شهيرا , والطعام كان جيدا , والخطابات مسلية , ربما هناك فائدة تنتظرك....".
" أوافقك الرأي , ربما كنت أستمتعت بأمسية طيبة لو كانت الظروف أفضل".
حدقت به غاضبة , كان يجلس متوازنا ورابط الجأش , لا شك أنه يتذكر اللقاء الصاخب الأخير بينهما ويحس بأن رفقته مرفوضة من قبلها , لقد أحتال للقائها .... أستغل مركزه المرموق في مهنته وسخّره لخدمة أغراضه الشخصية , أنه لا يقهر ...... وها هي تقابله بعد غياب ستة أشهر ولا تزال تشعر برهبة وأرتباك وتحس الألم في قلبها , أنها لا تتحكم بمشاعرها أتجاهه وتجهل مصير قدرها معه , الفكرة ترعبها , سحبت نفسا عميقا وتشجعت تحاول أن تحمل حقيبتها وتتركه لشأنه , ولكنها تحس وجوده بكثافة وهو يقف بالقرب منها , وكل عصب في كيانها قد تنبه لقربه وبدأ يرسل موجات مختلفة من الأحاسيس الغامضة.
قال هادئا:
" لك ملء الحرية في الخروج ولكنني كنت آمل أن تمنحينني بعض الوقت ".
ألتعد عنها قليلا ليفسح لها المجال لتخرج وبقي يراقبها عن كثب:
" أريد أن أشرح لك بعض الأمور".
" سأبقى , أني بشوق لمعرفة ما الذي حدا بك لتتكبد كل هذه المشقة من أجل لقائي....".
مشت الى جانبه وهو يقودها الى قاعة جانبية وجلسا في ركن منعزل.
" عرفت من غاريت وليام أنه يخرج مع صديقتك زوي".
" زوي؟".
نظرت اليه نظرة حادة ثم أكملت:
" زوي من أفضل الفتيات وأنا واثقة بأن غاريت لن يصاب بأي أذى من علاقته بها ".
" كم أنت سريعة الدفاع عن صديقتك , كلامي كان بريئا ولم أقصد منه ألا فتح باب للحوار... ثم أن غاريت رجل ناضج ويعرف كيف يحمي نفسه".
" حقيقة؟ يدهشني سماع كلامك , وأنت معتاد على التدخل في حياة الآخرين".
شد على أسنانه وحاول أن يتجاهل تهجمها عليه ,أفسح مجالا للخادم كي يضع صينية القهوة أمامهما على الطاولة ويصبها لهما.
ران صمت ثقيل وبعد أن غادر الخادم مجلسهما قالت فرنسيس بحدة:
" لماذا رتّبت أمر هذا اللقاء يا فيلكس؟".
" لأنني كنت واثقا بأنك سترفضين لقائي لو حضرت الى منزلك , وكذلك التحدث معي هاتفيا لو أتصلت".
" تدبرت حالة أجبرتني فيها على الكلام , بدأت أفهم , أعمالك تنبىء عن صفاتك.... هذا ليس قصدي , أريد أن أعرف لماذا تريد التحدث معي؟ ألم تقل ما فيه الكفاية في آخر مرة ألتقينا؟ لقد أتضح لي أن الأمر بيننا قد أنتهى كليا".
حرك السكر في فنجان قهوته وبدا كأنه يفكر ثم قال:
" كنت خطيبا مفوها... أليس كذلك؟ أما أنت فقد أهملت أطلاعي على الحقائق كلها ". أنتظر لحظة : " أنت تعرفين الآن سبب رغبتي في الحديث معك , أريد أن أعتذر عن آخر لقاء بيننا".
أنه على حق , هناك سبب واحد يضطره لتدبير هذا اللقاء , صادف الحقيقة حتما وأكتشفها خلال هذه الفترة الزمنية ...عرف ببطلان تكهناته في أن علاقة غير شرعية تربطها بصهره.....لقد أنتظرت طويلا هذه الساعة حين يأتي نادما معتذرا ... .. وها هو يعتذر لها فعليا , ولكن شعورها بالسعادة والبهجة كان وهما , لم تفرح بأعتذاره ولم تهلل له , أنه يعتذر بطريقة آلية جفلة دون أي تعبير حقيقي عن شعوره بالندم.
" يجب أن أنتشي فرحا لأعتذارك".
حتما هو لم يعتد على الأعتذار أبدا , ربما لم يعتذر في حياته من قبل , أنه يعتذر رغما عنه.
" الحق معك , أنت تسخرين من تصرفاتي مع أنك عادلة في حكمك ".
أستدارت اليه ضاحكة وقالت:
" ها أنت تعتذر مني ولكنك تحاول أن تشرح لي أن الخطأ ليس خطأك ".
" لم أقصد ذلك أبدا ".
أخرج من جيبه علبة سكائره وقدم لها واحدة ولكنها أعتذرت , أخذ سيكارة لنفسه وأشعلها ببطء وهو ينتظر اليها , سحب نفسا منها ونظر الى الدخان وأكمل:
" كنت غاضبا في تلك الأمسية , وقد قلت أشياء مؤلمة".
" أمرأة بوجهين".
" نعم , صحيح , في ذلك الوقت شعرت أن هذه صفاتك..... آسف , كنت غاضبا جدا , عادة أجيد التحكم بأعصابي ولكن حين يفلت الزمام من يدي أقول أشياء أندم عليها , أنا لست فخورا بما فعلت في تلك الأمسية.. ألا يثيرك أن تعرفي لماذا أكتسبت نظرة جديدة الى الموضوع؟".
" ربما تحدثت مع مارك؟".

أكمل فيلكس سرد الحقائق ولم يعقب على سؤالها:
" سافرت في الأسبوع الفائت الى أسكوتلندا لأتعرف الى أبن أختي , لقد ولد قبل موعده بأسبوعين مما سبب لنا رعبا وأرتباكا , خرجت مع مارك لنحتفل بولادة أبنه ...... وبعد أن شرب وأنتشى أنحلت عقدة لسانه وبدأ يثرثر دون أنضباط , وصل به الكلام الى علاقته بك , تكلم بحرية تامة لأنه يعتبر أن مغادرة شيشستر كانت نقطة التحول في علاقته مع جاسيكا , سرد ذكرياته هناك وباح لي بأسراره , علاقتي بشقيقتي التوأم علاقة خاصة , كنت أشعر أنني المسؤول عنها وقد أنقذتها من عدة ورطات وقعت بها , ولذا حين ساءت علاقتها بزوجها طلبت مني أن أتدخل , وكدت أرفض التدخل لأن صداقة قوية تربطني بمارك ولكن رابطة الأخوة كانت أقوى.... جاسيكا شابة ذكية ومسلية وتحمل عاطفة قوية في داخلها , عرفت مارك لسنين عديدة قبل أن يتزوج جاسيكا , ولذلك كان يشعر أن بأستطاعته أن يتفوه أمامي بما لا يستطيع الرجل عادة أن يتفوه به أمام شقيق زوجته , وأهم ما سمعته منه هو أنك تركت شيشستر قبله ...... وكنت وراء محاولته الجديدة لأنقاذ زواجه من الفشل المحيط به".
" وكيف أتى على ذكر أسمي؟".
" كان يتساءل كيف أننا عملنا سوية في مسلسل بنروت.... لقد مدح موهبتك التمثيلية ومن هناك نفذ بسهولة الى مدحك كأنسانة نادرة الوجود , عرفت منه أن أجتماعه بك كان عفويا وأنه حضر دون موعد مسبق من أجل أن يريح ضميره المثقل , لأنه كان وراء تصميمك على مغادرة شيشستر .......لماذا لم تشرحي لي هذه الملابسات يا فرنسيس".
" أشك بأنك كنت ستصدقني وأنت على ما كنت عليه من الغضب , كنت تعتقد أنني أقيم علاقات عاطفية مع رجل متزوج , لم يعد يهمني رأيك فيّ...".
" ولكنك غضبت مع ذلك......".
" صحيح , ربما كان رأيك يهمني من الناحية المهنية , كنت أعتقد أننا أصبحنا صديقين بعد أن عملنا سوية , أحترمك كمخرد ناجح ورأيك المهني يهمني..... ولا أعتقد أن أنسانا ما يجب أن يسمع الآخرين ينعتونه بما يشين؟".
" فهمت , ولكنك تفهمين موقفي وتقدرينه , كنت أعرف أنك الفتاة التي كانت على علاقة وثيقة بمارك ...... ثم أن زيارته المفاجئة لك جعلتني أتوصل الى النتائج الخاطئة".
" ربما كان من السهل أن تعتقد ذلك".
" أشكرك لسماع أقوالي , آمل أن تقبلي أعتذاري وتسامحيني , أنا من برج العقرب ويصعب علينا أن نعترف بأخطائنا.......لا يناسب طبعنا , يمكنني أن أركع أرضا وأستسمحك لو رغبت في ذلك".
تذكرت فرنسيس كم حلمت به راكعا تحت قدميها يطلب منها الصفح...... أنه الآن يطلب ذلك حقا , ولكنها لا تستسيغ طلبه والفكرة لا تروق لها قطعا.
" أقبل أعتذارك يا فيلكس , يبدو لي أن الأمر ليس بذي بال.... لا يستأهل".
" ألست سعيدة لأن سوء التفاهم بيننا قد زال؟".
" أعتقد ذلك".
" من السخف أن أعتقد أن هذا الأمر من الأهمية لك كما هو بالنسبة الي ".
نهض واقفا : منتديات ليلاس
" أتمنى أن لا تتناول خيبة أملك بي ......والدتي أيضا , أنها تحبك محبة خالصة يا فرنسيس , وأتمنى أن تزوريها من جديد بين وقت وآخر حين تسنح لك الفرصة ".
وقفت تمشي معه الى خارج الفندق دون أن ترد على أقواله :
" هل شاهدت بتروت في ليدز؟".
أستدارت تنظر اليه متعجبة وسألته:
" كيف عرفت أنني كنت هناك؟".
" عرفت من غاريت.... لقد سمع من زوي".
فتح لها الباب لتخرج.
" فهمت , نعم شاهدته على التلفزيون".
هروبها الى ليدز لم يكن مجديا أذن.
" هل سرّك مديح النقاد لعملك؟".
وطلبت معطفها من مكتب الأمانات في الفندق.
" لا أشعر براحة الى أي عمل أنتهيت منه , دائما أتمنى أن أفعل شيئا مختلفا , ولكنني تمكنت من مشاهدته دون ملل أو خجل , علمت أن جوليان حصل على عروض سخية بعد هذا المسلسل...".
" صحيح؟ ممتاز , وماذا يفعل الآن؟".
" كنت أعتقد أنك تعرفين أخباره ..... أنه يعمل في المسرح الوطني".
" ولماذا أعرف أخباره؟".
" ظننت أنك على علاقة وثيقة به".
"جوليان صديق , أتبادل معه بطاقات المعايدة في مواسم الأعياد , هذا كل شيء......".
" فهمت , هل حصلت أنت أيضا على عروض مماثلة؟".
" لقد كوفئت بما فيه الكفاية بعد عملي في بنروت ... أنت مثل مارك تحاول أن تريح ضميرك وزر أساءتك ألي , يمكنك أن ترتاح وتريح ضميرك لأنني نسيت أساءتك وسامحتك".
وصلا الى خارج الفندق , رفعت فرنسيس ياقة معطفها وقالت ببرودة:
"وداعا يا فيلكس , أظن أن لقاءنا هذا كان أمرا لا بد منه في يوم من الأيام".
" هل أطلب لك سيارة أجرة؟ يبدو أن الطقس ماطر".
" لا, شكرا , أفضل المشي".
" وداعا يا فرنسيس وأتمنى لك حظا سعيدا".

حين وصلت فرنسيس الى الشقة كانت رسالة من صديقتها تنتظرها , تقول الرسالة:
" أتصل مكتب العمل بك يريدون ممثلة لدور روزاليندا ...... أن كنت جاهزة وموافقة أتصلي فورا , الآمر هام وضوري , وداعا يا فرنسيس".
"صديقتك زوي".
أتصلت فرنسيس بمكتب العمل على الفور وأكدت لهم أنها مثلت هذا الدور من قبل في رواية شكسبير ( كما تحبها) وهي جاهزة..... وعلى الفور رتبت حقيبة سفرها وكانت في طريقها الى القطار الذاهب الى توتنغهام.
بقيت فرنسيس تقوم بهذا الدور ثلاثة أشهر , وعند عودتها الى لندن حملت باقة من زهور البنفسج وذهبت لزيارة الليدي رافنسكار في منزلها.
وفتح لها سيمكن الباب وأدخلها الى قاعة الجلوس الواسعة وفاجأها قائلا:
" الليدي مسافرة يا آنسة هارون , أنها تزور السيدة جاسيكا في أدنبرة".
" آسفة , لم أكن أعرف , هي حتما سعيدة بولادة حفيدها , أرجو أن تخبرها بمقدمي حين تعود".
" هل ترغبين في رؤية السيد فيلكس؟".
لم تر فرنسيس عذرا مقبولا لتعتذر.
" هل هو هنا ؟ حسنا.... ولكنه ربما يكون مشغولا وأنا لا أريد أزعاجه".
ذهب سيمكن مسرعا.
فتح باب جانبي وكان غاريت وليام يقف أمامها ...
" غاريت... أنت أيضا هنا؟ كيف حالك؟".
أمسك غاريت بيديها وهو يبتسم محييا.
" أنني بخير , وأنت أيضا بصحة جيدة كما يبدو , أخبرتني زوي أنك كنت تعملين في مسرح امدينة في توتنغهام , كيف كان؟".
" لا بأس , لقد بدأت دوري دون تمارين مسبقة , كانت مغامرة خطيرة , أضطررت أن أتقمص دور الممثلة الأولى التي مرضت قبل ليلة الأفتتاح بيوم واحد , الأيام التالية كانت أفضل ... هل رأيت زوي مؤخرا؟".
" نعم , كنا نتعشى البارحة سوية".
بدا أنه مسرور جدا لوجودها.
" سيمكن يقول أنك ترغبين في رؤية فيلكس".
" لا , لقد حضرت لزيارة الليدي ولكنها مسافرة في أدنبرة , أقترح علي سيمكن رؤية فيلكس .... وأن كان مشغولا فلا بأس".
" أنه ليس مشغولا , ألم تري زوي منذ عودتك؟".
" بلى رأيتها لدقائق قليلة , لم يتسنى لنا الثرثرة بعد".
عبست وهي ترى تعابير وجهه القاتمة , وقالت بسرعة:
" ما الأمر؟".
" ألم تسمعي بالحادث الذي تعرض له فيلكس؟".
" أي حادث؟".
نظر غاريت الى شحوب وجهها والرعب الذي أرتسم فوق محياها......
" فرنسيس , يا ألهي , أجلسي قبل أن يغمى عليك".
أصبحت رجلاها لا تقويان على حملها وقلبها يسرع في ضرباته وحنجرتها يابسة , ساعدها غاريت في الجلوس على كرسي وناولها بعض الشراب المنعش , وبعد أن شربته مجبرة أكمل قوله:
" لا حاجة للخوف يا فرنسيس , لقد زال الخطر عنه الآن".
" آسفة يا غاريت...... ماذا حصل له؟".
جلس غاريت قبالتها وهو يشرح لها ما حصل بأقتضاب:
" كان فيلكس يقود سيارته منذ شهرين وأذا به يفاجأ بالبوليس يتبع سيارة لبعض الشبان , تبين فيما بعد أنهم أربعة شبان قاموا بكسر وخلع أحد المستودعات وسرقته , كانوا خارجين بسرعة ولسوء حظ فيلكس , وجد نفسه في طريقهم , صدموا سيارة اللانسيا ثم أنعطفوا ودخلوا الى أحد المحلات , قتل أثنان منهم على الفور ونقل الآخرون الى المستشفى للمعالجة".
" ما أفظع ذلك".
بدأت ترتجف خوفا:
" وماذا حصل لفيلكس؟".
تناول غاريت كأسها من يدها وهو يتظاهر بأنه لا يفهم سببا لأرتباكها وحالتها النفسية.
" لحسن حظه أصيب ببعض الجروح البسيطة والرضوض السطحية , هناك جرح عريض في جبهته وضلع مكسور في قفصه الصدري , ولكن ما أزعجنا كثيرا هو أن قطعة زجاجية صغيرة وجدت طريقها الى عينه اليمنى , وأدخل غرفة العمليات في قسم الطوارىء على الفور , تملكنا الخوف من أن تكون الزجاجة قد دخلت الشبكة البصرية ولكننا تبيّنا فيما بعد أنها عرضية , لقد كابدت والدته الكثير من الخوف والحزن , أنها أمرأة قوية مرنة والآن بعد أن تماثل فيلكس للشفاء وزال الخطر عنه , أستطعنا أقناعها بالسفر للبقاء مع جاسيكا لفترة قصيرة "
مشى غاريت الى النافذة:
" هل سترينه يا فرنسيس؟".
" لا أعتقد أنه يريد..... أن أزعجه".
أستدار غاريت بسرعة وهو يتفحصها بعينيه القاسيتين:
" ولكنه يعرف أن أحدا قد حضر....... وسيسأل ..... من حضر؟".
وضعت فرنسيس رأسها بين يديها , أحاسيسها متوترة ولا تعرف كيف تخفي شعورها عن غاريت , لقد فضحتها مشاعرها الشفافة ,بدت مهمومة , لقد أنكشفت أمامها حقائق حبها له بوضوح , وتحت وطأة الظروف الصعبة أيقنت من صدق مشاعرها نحوه , أنها واثقة بأنه لا يبادلها نفس شعورها , لقد أعترف لها بأن ما يجذبه اليها شيء مادي حسي , يجدها مثيرة ويريدها , أنها الجاذبية ليس ألا .

هل هو على ما يرام يا غاريت؟".
فكرة جروحه تؤلمها حسيا :
" أنت واثق مما تقول , أليس كذلك؟".
" حتما , ومع الوقت سيعود كما كان وأحسن , سيترك الجرح في جبهته أثرا مؤقتا ولكن نظره سيعود كما كان سليما".
مشى غاريت اليها , وقفت لتلاقيه , وضع يديه على كتفيها وقال بحنان:
" لو كنت أعرف حقيقة شعورك نحوه لأخبرتك القصة بطريقة مختلفة , لم أكن أعلم......".
" ولا أنا , لقد برهنت لك عن جنوني....".
بدأت تبكي متأثرة , فتشت في جيوبها عن منديل تمسح به دموعها:
" لم لم تكتب لي زوي عن الحادثة أو تخبرني؟".
عبس غاريت مفكرا ثم قال:
" أنا لم أرو لها الحادث ألا بطريقة عفوية , نحن الأطباء نترك هموم مهتنا خلفنا , ربما زوي تعرف حقيقة شعورك نحوه وألا لأخبرتك بنفسها , وربما تكون نسيت... هل ستزورينه يا فرنسيس؟ أنا متأكد بأنه سيسر لزيارتك".
هزت فرنسيس رأسها غير موافقة وقالت وهي ترتجف:
" لقد تقابلنا منذ تسعة أشهر يا غاريت وعلاقتنا كانت متوترة ".
" ومع ذلك أعتقد أن زيارة فتاة مثلك ستجلب السعادة الى قلبه.... أنه وحيد بعد أن حرم متعة النظر".
حاول أن يثير شفقتها وبدا له أن ترددها قد زال تدريجيا.
" حسنا , سأراه أن كنت تعتقد أن زيارتي له ستفيده".
" لا يزال يضع ضمادات على عينيه فلا تهتمي لشكلك الدامع , ولكنك ستجدين الرجل الأعمى , ولو كان عمى مؤقتا , شديد الحساسية..... ربما صوتك يفضحك.".
" غاريت...... لن تخبر فيلكس عن شعوري , أقصد أن أقوللك أن هذا الشعور من طرف واحد....... وليس متبادلا , لا أريد أن يعرف بحقيقة شعوري نحوه".
هز رأسه موافقا ثم فتح لها بابا عبرا منه الى غرفة المكتبة ومنها الى الشرفة الأمامية.
" أنتبهي , أنه ضجر ويشعر بسأم قاتل , سأتركك وحدك , كنت في طريقي الى الخارج قبل حضورك ".
شد على ذراعها مودعا:
" أتمنى لك حظا سعيدا يا فرنسيس".
دفعها غاريت الى داخل الشرفة الزجاجية وذهب , وجدت نفسها وجها لوجه مع فيلكس.
" من القادم يا غاريت؟".
كان فيلكس يرتدي بنطلونا رماديا وكنزة رقيقة بيضاء وقد تمدد على كرسي طويل , باب الشرفة المؤدي الى الحديقة مفتوح قليلا ليتسنى لشمس أيار أن تدخل الى الغرفة , هناك صحن من الفاكهة موجود فوق طاولة صغيرة بالقرب منه وعليها راديو ترانزستور وجريدة ملقاة فوق كرسي قريب منه , ربما كان غاريت يقرأ له الجريدة قبل حضورها.
" غاريت؟".
صرخ فيلكس وجلس مستويا فوق الكرسي , بقيت فرنسيس صامتة وهي ترى الضمادات تخفي قسما كبيرا من وجهه , وبعد جهد أستطاعت أن تتكلم بأرتباك:
" أنا هنا...... لقد غادر غاريت".
أستدار فيلكس بوجهه نحو مصدر الصوت وقد تسمر برهة , ثم أستراح في مجلسه وأجاب بصوت هادىء متوازن:
" أنت....... أهلا فرنسيس , لطيف منك أن تفكري بزيارتي ".
" أهلا فيلكس".
عليها أن تتجاهل حبها له ورغبتها في أن تركض اليه وترتمي عليه وتشعره بحرارة حنانها , وتحس بدفء يديه وهو يطويها الى حوائجه ....... نظرت الى شفتيه المبتسمتين :
" كيف حالك الآن يا فيلكس ؟".
" كما ترين....... أشكرك".
" لم أكن ........ أعرف ...... بشأن الحادث.....".
" حقيقة؟".
" لقد حضرت لزيارة الليدي...... ألتقيت غاريت الآن وأخبرني ما حدث".
" خسارة والدتي في رؤيتك هو كسب لي , أذن كنت تجهلين ما حدث".
" نعم , سوف أوبّخ زوي لأنها كتمت المعلومات عني ولم تكتب لي".
" لا أظن أن صديقتك توافق عل صداقتي معك , أقتربي مني يا فرنسيس فأنني لا أحتمل الأصوات البعيدة".
منتديات ليلاس
مد يده اليها , ترددت فرنسيس قليلا ثم مشت نحوه ووضعت يدها بين يديه , رفعها الى وجهها وقرّبها من أنفه.
" رائحتك لذيذة.....".
أحست فرنسيس بنبضها يسرع بين كفيه.
" يسرني حضورك , , وجودك هنا يؤكد لي أنك سامحتني ونسيت جراح الماضي وآلامه , وسأستفيد من هذا الوضع لأحتمي بشفقتك".
" هراء".
ضحكت بصوت مرتفع:
" أنت تكره الشفقة ولا تحتملها".
" أنت تعرفينني حق المعرفة يا عزيزتي , الحقيقة أننسئم ضجر وأشعر برغبة ملحة في الشجار مع أي أنسان ونحن نجيد لعب هذا الدور ببراعة , أليس كذلك ؟ أحضري كرسيا وأجلسي قريبا مني ,هل بأمكانك البقاء؟".
" طبعا , ولكنني أريد أ تترك يدي لأستطيع أن أجلب كرسيا".
" معك حق".
أتنظر أن تجلس ثم أكمل:
" ما هو لون ثوبك ؟ أريد أن أتخيل شكلك".
" أنني أرتدي طقما صوفيا من اللونين البيج والبني الفاتح , وقد قصصت شعري قصة عصرية عند المزينة الشهيرة أيلين في توتنغهام".
" يا ألهي , صحيح؟ هذا يحتاج الى خيال واسع , دعيني ألمسه بيدي".
أنحنت فرنسيس وسمحت لأصابعه أن تمر في تموجات شعرها القصير.
" أحتاجه قصيرا لأمثل دور الغلام ودور روزاليندا معا...... أنه سهل الترتيب وأستطيع أن أجعده بسهولة".
" سأنتظر في حكمي حتى أسترد بصري..... ملمسه ناعم , كل شيء حولك يبدو بهيجا مرحا , أستطيع أن أراك بوضوح في خيالي".
مال في كرسيه ليقترب منها:
" أخبريني الآن عن عملك....".
مر الوقت سريعا وهي تسرد له قصصها , وحين غادرت المنزل كانت لا ترى ألا فيلكس ولا تسمع ألا صوته الحزين الساخر وهو يودعها....... أنها حقا تحبه , وعليها أن تعترف لنفسها بهذه الحقيقة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلمى عروس المنتدى
عضو
عضو
avatar

انثى المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 02/06/2017

مُساهمةموضوع: رد: - لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت   الثلاثاء يوليو 04, 2017 6:47 am

[ltr].[/ltr]
[ltr][size=32]- [/size][size=32]المسافة القصيرة بيننا[/size]
وجدت فرنسيس ولحسن حظها وظيفة في شركة أعلانات تلفزيونية مما سهل بقاءها في لندن في الوقت الحاضر , كانت تزور فيلكس كل يوم لتقرأ له الجرائد اليومية وتجلس اتتحدث معه في أدوار مختلفة , ما تقوم به كان خطيرا بالنسبة الى عواطفها المتأججة وحبها الأكيد له , كانت لا تفكر بعواقب عملها بل تعيش حياتها يوما بيوم , وتغتنم من المسرّات ما يقدمه لها القدر شاكرة سعيدة بلحظات هنيئة قربه.
لاحت لها في الأفق فرصة ذهبين للعمل في تمثيلية من تأليف الكاتب توم ستوبارد , ولو حصلت على هذا الدور قبل عودتها الى حياة فيلكس لوجدت نفسها تطير من الفرح وتعيش حلمل يرضي طموحها ومستقبلها في هذه المهتة , ذهبت لآداء تجربة التمثيل متكاسلة ودون حماس , لأنها كانت واثقة بأن فيلكس لا يزال يحتاجها قربه حتى يتماثل تماما للشفاء.
وبعد عودتها من التجربة وصلت الى الغرفة الزجاجية لتجدها خاوية , رتبت الكتب والجرائد المبعثرة ونظرت الى الحديقة لتجد فيلكس منفردا يجلس وظهره اليها , مشت نحوه وشعرت بقلبها يقفز من مكانه , عندما رأت أنه أنتزع الضمادات عن عينيه أيقنت أن حاجته اليها قد أنتفت , ولكنها أبتسمت أبتسامة مصطنعة وقالت:
"
أهلا يا فيلكس , الحمد لله أنك نزعت الضمادات ".
حدقت به فرعة وهي ترى آثار الجرح على جبهته بوضوح , أحست بحشرجة في حنجرتها , لقد نبهها غاريت الى هذا الأمر ولكنها لم تتخيل الحقيقة على هذا النحو , تنفست عميقا في محاولة يائسة لأخفاء صدمتها:
"
ما هو شعورك الآن وأنت ترى بعينيك من جديد؟ هل هناك ما يضايقك؟".
"
أهلا يا فرنسيس , بعد أن أزحت الضمادات وجب علي أن أجلس تحت أشعة الشمس وقتا طويلا ".
قدّم لها كرسيا لتجلس قربه:
"
هذه هي أوامر الطبيب ".
نظر الى وجهها المضطرب وأكمل:
"
مسكينة يا فتاتي ! ألم يخبرك غاريت بشكلي الجديد؟".
أبتسم هازئا:
"
لا ألومك أن أشحت بوجهك عني....".
"
لا تكن سخيفا , لن تحظى بشفقتي أبدا".
نظرت الى وجهه متفحصة , كان يرتدي نظارات سوداء ولكنها لا تخفي أثر الجراح في جبهته:
"
أوافقك أن منظرك غير مألوف , ولكن الندبة ستختفي مع الأيام , والحقيقة أنها تعزز وسامتك وتضفي عليك جاذبية بدلا من أن تفسد شكلك".
"
صحيح؟".
"
نعم , هناك نظرة أستهتار ماكرة مما يساعد في أجتذاب الجنس اللطيف اليك".
ضحك ضحكة عابثة:
"
يا ألهي , أنت فتاة ذكية ودبلوماسية يا فرنسيس......".
"
وماذا تقصد؟".
"
أنت تكذبين".
عبس قليلا ثم سألها:
"
أين كنت البارحة؟".
شعرت بفرح يغمرها وهي تسمعه يفتقدها .
"
ذهبت أفتش عن رزقي في وظيفة جديدة...... علي أن أكسب قوتي بعرق جبيني".
أشارت الى النظارات وأكملت:
"
هل يعني ذلك أن بأستطاعتك أن تقرأ لنفسك من الآن فصاعدا؟".
"
لا , لا يمكنك التهرب من واجباتك اليومية يهذه السهولة".
"
هل أحضر الجريدة؟".
أمسك بيدها قبل أن تغادر الحديقة.
"
بل أبقي لنتكلم".
شدّها بلطف وضغط بيده على ذراعها , حاولت أن تفلت من قبضته , أحمرت قليلا وقالت متسائلة:
"
عم نتكلّم؟".
"
أنني أفضل رؤيتك بعيني على تخيّلك بالقرب مني......".
حبست نفسها , لقد عاد فيلكس الى سابق عهده , عاد ساخرا ماكرا وأكثر خطرا.
"
هل أنتهيت من العلاج؟".
"
لا , لسوء الحظ , علي القيام ببعض التحاليل قبل أن أطير الى الشمس".
"
ستسافر ؟ ستطير بعيدا؟".
هز رأسه موافقا وأبتسم أبتسامة ساخرة.
"
هل ستشتاقين الى وجودي يا فرنسيس؟".
"
نعم , بالتأكيد".
كان يداعب باطن يدها بأصابعه مما جعلها تتململ تحت لمساته المثيرة.
"
وأنا أيضا سأشتاق اليك". لم تجب :" علي أن أستريح بعيدا وفي مكان مشمس بعض الوقت بناء على نصيحة صديقي الطبيب".
تنهد آسفا:
"
كأنني لم أسترح بما فيه الكفاية خلال فترة المعالجة الطويلة".
"
وألى أين ستذهب؟".
"
لم أفكر بالمكان الذي سأقصده , هل لديك أقتراح؟".
نظرت فرنسيس بعيدا وهي تفكر ... ثم أجابته وهي ساهمة:
"
قبل لي أن جزيرة كورفو مكان مناسب".
"
كورفو؟".
نظر فيلكس يحدق بها مستغربا :
"
نعم أنها جزيرة الأحلام وجنة حقيقية...... أن قبلت مرافقتي سأذهب اليها".
"
نذهب الى كورفو......".
حدقت فيه وتمنت لو ترى نظراته الحقيقية من خلف النظارات السوداء لتعرف ما يدور في خلده....... زاد عبوسه قليللا.
"
لقد أقنعتني بالفكرة وحق السماء".
أبتعد عنها ومشى الى سور الحديقة وقال وهو يحدق بالأرض:
"
هل تعرفين أنك تقومين بصفقة خاسرة؟".
"
أعرف , أفهم قواعد هذه اللعبة الخطيرة يا فيلكس".
"
ولكنني لست واثقا مما تقولين, لماذا غيرت رأيك بهذا الموضوع يا فرنسيس؟".
"
هذا أمتياز تتمتع به المرأة في كل العصور , هذا الحق مقصور عليها".
"
ولكنك كنت متحمسة جدا لتفاصيل الأسباب التي رفضا من أجلها مرافقتي الى الجزيرة سابقا".[/ltr]
[ltr]" كان ذلك منذ سنة تقريبا..... قررت أن أقتل الشعور بالذنب".
أنتظرت أبتسامته الراضية ولكنه أحتفظ بنظراته القاسية...... أحست ببعض البرودة في أوصالها:
"
هل جاء قبولي متأخرا؟ هل هناك فتاة أخرى تحتل مكاني؟".
"
لا , لا أود مرافقة غيرك.....".
"
ما الأمر أذن يا فيلكس؟".
"
أريدك أن تتأكدي مما أنت مقبلة عليه , لا أريدك أن تندمي على قرارك أو تبدلي رأيك ونحن بعيدان عن لندن......".
"
ما أسخفك! وهب تنتظر أن أتصرف على هذا النحو؟".
"
لا , لا أعتقد ذلك!".
"
ولماذا ترددك ؟ يا ألهي , لا يطلب مني هذا الطلب ألا نادرا.........".
الجدال بينهما ليس في صالحها , أنها لا تملك الخبرة الضرورية في مثل هذه الأمور , كونها تتخلى عن فضائها وهي في السادسة والعشرين من عمرها...... من أجل حلم بدلا من أن تتخلى عنها من أجل حياة سعيدة وأرتباط أبدي.... هب يقتنص هذه الفرصة من أجل متعة أسابيع قليلة يمضيها تحت أشعة الشمس برفقتها؟
"
فيلكس! أننا نتجادل من جديد".
هز رأسه غير موافق:
"
علينا أن نوضح كل الأمور منذ البداية , أنت تعرفين سبب رغبتي في مرافقتك , ومن العدل أن أعرف أسبابك أيضا , شخصيا أنا لا أستهين بهذه العلاقة أبدا , وربما أنت أيضا لا تستهينين بها؟".
"
وأنا لا أستهين بها".
كان عليها أن تعرف أنه ليس من السهولة أن يقبل بتغيير رأيها دون أن يفتش عن حقيقة الأمر , تنفست عميقا ووضعت يدها على خده بحنان وأكملت:
"
كما ترى, شعوري نحوك لا يزال على ما هو منذ سنة..... لذلك ترى أن أسبابي هي نفس أسبابك , تجاهلت في البداية نداء العاطفة ولكنني أكتشفت أنه يجري في دمي مجرى الحياة في كياني... والعمر قصير..... سأرافقك وسنعطي فرصة لعواطفنا كي تتبلور".
بقي فيلكس صامتا يفكر قبل أن يجيب:
"
أقبل بأسبابك يا فرنسيس....".
جلس في مقعده جلسة رزينة جادة وأكمل:
"
علينا أن نباشر في تجديد جواز السفر , وماذا عن أرتباطك في العمل؟".
"
لا أعمل حاليا , غالبا ما أتقدم لأداء التجربة وأفشل.....".
"
أنت مبدئيا لست مرتبطة بأي عمل".
"
أنني مرتبطة بك فقط يا فيلكس".
"
وهل هناك أي شخص قد يعارض قرارك؟".
هزت رأسها نفيا مع أنها كانت تعرف أن صديقتها زوي تعارض.
"
أنني وحيدة في هذه الحياة ولا ألتزام لي ألا بالقرارات التي أريدها".
مر بيده على خصلة شعر كانت قريبة من خدها وقال بحنان:
"
لن أجعلك تندمين على هذا القرار يا فرنسيس".
مال أليها وعانقها عناقا مليئا بالوعود :
"
لقد ختمنا أتفاقنا بهذا , غدا سأعود الى شقتي ولدي بعض الأعمال المتأخرة في الأستوديو , سأنهيها بسرعة , وكذلك سنكمل في دائرة البوليس بعض التقارير حول الحادث المشؤوم .... حالما أنتهي من كل هذه الأمور سأتصل بك هاتفيا وأحدد لك موعد سفرنا".
"
سأكون جاهزة".
"
هل أنت متأكدة يا فرنسيس؟".
"
نعم , أنني متأكدة".
أستلقت فرنسيس في ظل صخرة على شاطىء كورفو وقد ألقت بكتاب قربها , البحر الأزرق الصافي أمامها وبعض أشجار الصنوبر والسرو خلفها فوق التلة القريبة من النزل الصغير أستركيري.
منتديات ليلاس
تذكرت فرنسيس نفسها وهي تركب طائرة بريطانية وتقترب من مجموعة الجزر اليونانية في البح الأبيض المتوسط , الجزر تشبه كواكب مشعة وقعت من السماء البعيدة , من السهل التعرف على جزيرة كورفو الواقعة في أقصى الشمال , وهي مكتظة بأشجار الزيتون والسهول الخضراء ويرتفع فيها جبل بنتوكرادوقرب المطار.
نهضت فرنسيس من جلستها الهادئة على الشاطىء وجمعت أغراضها , الرمال حارة تكاد تحرق قدميها , أنحنت بسرعة ولبست صندلها وأخذت تمشي , المكان شاعري والرائحة حولها خليط من أريج زهر الليمون والزيتون والصنوبر والسرو , الألوان متداخلة ببعضها والورود تنمو بأرتفاع يفوق ما أعتادت أن تراه , البيئة خلابة ساحرة , وهكذا كان يفترض في هذه العطلة الرومانسية , جلست في بقعة ظليلة تعيد في ذاكرتها ما حدث في الأيام السابقة.
لقد رضيت بالتخلي عن مبادئها وها هي تنتظر يائسة للحصول على النتيجة ..... لقد أنكمش فيلكس على نفسه ولم يتعدّ في معاملتها أول المجاملة , ربما هو الخجل الذي أبعده عنها , ولكنه يتصرف معها بتحفظ لا تفسير له.
عند وصولهما الى الجزيرة أستقبلهما صديقه سبيرو تيفانيدس ورحب بهما أشد الترحيب وساعدهما في المعاملات , ثم قادهما في سيارته السوداء المغبرة الى النزل الذي كان قد حجز لهما في غرفتين منفصلتين.
يملك النزل كل من جوزيف وصوفيا , رحبا بهما وأبديا مودة خاصة لفيلكس ,النزل صغير ولكنه مريح , يحتوي على ثلاث غرف للضيوف وتحتل فرنسيس وفيلكس أثنتين منها , ربما ترك لها حريتها في غرفة منفصلة كي لا يربك شعورها أمام أصدقائه , ولكنه أبقى على الحواجز والكلفة بينهما منذ وصولهما.[/ltr]
[ltr]أمضيا يومين يتنزهان في الجزيرة كأي سائحين , تمددا بكسل وأسترخاء على الشاطىء وسبحا في البحر , ثم أخذها في نزهة بحرية على متن مركب جوزيف في مياه الخليج الهادىء , شاهدا سراطين وقنافذ البحر والنباتات البحرية العديدة , وكذلك تنزها في سيارة سبيرو داخل الجزيرة وشاهدا الصبايا الحسان يركبن الحمير وهن في طريقهن الى العمل في الحقول , وسمعا الراعي يصفر لقطيعه ليجمعه وقت المساء , كان للجزيرة سحرها الخاص , وتمتعت فرنسيس بالحياة البسيطة السهلة.
وفي المساء تركت فيلكس يسهر مع جوزيف وبعض النزلاء , لاحظت أن السيدات لا يجالسن الرجال في سهراتهم , صعدت الى غرفتها ترتاح وبقي فيلكس يشارك سكان الجزيرة طعامهم وشرابهم بحماس...... أستغربت أين ذهبت وعوده لها برحلة رومانسية حالمة , وقررت أن تستفسر منه بصراحة , ولكنها فوجئت بحضور صديقه ثيودور ألكسياكس من أثينا الذي أستطاع أن يقنعه بالمجيء الى هنا بحجة قضاء بعض الأعمال".
تذكرت أنها خرجت برفقة فيلكس بعد العشاء الى الشاطىء وقررا أن يسبحا , نزلا الى المياه الدافئة والعالم الأخضر تحت سطح الماء , خرجا وتمددا على الرمال يرتاحان.
أستلقت فرنسيس على ظهرها فوق الرمال وأستدارت لترى وجه فيلكس في ضوء القمر , كان مغمض العينين , مدت يدها الى جبهته تبعد خصلة شعر وسألته:
"
هل لا زالت جراحك تؤلمك؟".
"
لا , أبدا".
"
يسرني ذلك".
مالت بسرعة عفوية فوق جرحه , فتح فيلكس ذراعيه وعانقها.
أنه أول عناق منذ وصلا الى الجزيرة , كان مشحونا بعواطف قوية.
وقف بسرعة وأنحنى فوقها وأوقفها على رجليها بسهولة , وضع ذراعيه حول كتفيها ومشيا فوق الرمال عائدين الى المنزل , مرت سيارة سبيرو بهما وتوقف يتكبم باليونانية مع فيلكس , أنزعجت فرنسيس وقالت بنزق:
"
وماذا يريد سبيرو منك الآن؟".
"
لقد حضر ليحملني الى المطار , سأطير الى أثينا بعد ساعتين".
توقفت فرنسيس عن المشي ونظرت اليه نظرة لامبالاة:
"
ماذا؟".
"
لدي موعد عمل في أثينا مع صديقي ثيودور ألكسياكس لا يمكن تأجيله".
وقبل أن تعترض جذبها اليه ثم دفعها الى داخل المنزل وقال بأقتضاب:
"
أحتاج الى يوم واحد فقط".
كانت لا تزال تتذكر ما حل لها منذ وصلت الى الجزيرة , أنها تعيش أحلامها منفردة...... كانت تتمنى لو يحتفظ ثيةدور بمسائل العمل لنفسه ولا يشرك فيلكس بها , كان سبيرو يحرسها كالكلب الأمين , وكذلك جوزيف وصوفيا يسهران على راحتها التامة خلال وجودها في النزل , لقد طالت غيبة فيلكس وأستغرقت يومين بدل اليوم الواحد.
قدمت لها صوفيا بعض الشراب المثلج وشكرتها فرنسيس ثم سألت:
"
هل عاد السيد فيلكس؟".
"
لا , ولكنه سيعود قريبا , العشاء جاهز".
تناولت فرنسيس عشاءها منفردة في الحديقة..... وضعها مؤسف , ومع أن الطعام والشراب كانا جيدين , ألا أنها كانت تعيسة وهي تنتظر وصول سيارة سبيرو تحمل فيلكس عائدا من أثينا.
وفي صباح اليوم التالي نزلت فرنسيس الى البحر باكرا , وبعد أن سبحت قليلا شاهدت سيارة سبيرو السوداء أمام النزل , ركضت بحماسة وصعدت السلالم لتجد فيلكس يقف في غرفته , لا بد أنه رآها تهرع اليه....
"
صباح الخير يا آنسة هارون".
حدق في جسمها الذهبي ووجهها الطافح بالبشر والسعادة لعودته .
شعرت ببعض الأرتباك وهي تحس نظراته المثيرة العابثة :
"
صباح الخير يا سيد رافنسكار ".
كان صوتها يرتجف وهي تكمل:
"
هل تناولت طعام الفطور؟".
"
لا , كنت أنتظر عودتك من الشاطىء , لقد أعدّت لنا صوفيا لنا الطعام في الحديقة ".
نظر الى شعرها المبتل وألقى اليها بمنشفة:
"
أنني جائع ...... هل عليك أن تبدلي ثيابك الآن؟".
"
لا لزوم , لقد جفّت تقريبا ..... ثم أن لباسي محتشم , أليس كذلك؟".
تبعها الى أسفل السلالم وهو يمتع نظره برؤيتها , أحضرت صوفيا سمكا مشويا دسما وفاكهة ثم أختفت لتجلب لهما القهوة ".
"
ما هذا كله؟".
"
اليوم عطلة , أنه العيد في الجزيرة ....... الجزيرة تعيّد بأكملها في هذه المناسبة , تقام الأحتفالات في الشوارع وتنظم الأستعراضات الجميلة , الرقص والموسيقى والطعام والشراب......".
"
أنني أحب الأحتفالات".
كانت فرنسيس تأكل بطيخا بينما تصب صوفيا لهما القهوة , حضر سبيرو مسرعا وحمل قبعته وأبتسم لفرنسيس معتذرا ثم تكلم باليونانية مع فيلكس ...... وبعد ذلك أنحنى مودعا وسمعت فرنسيس صوت سيارته تبتعد بسرعة.
"
ما الأمر؟".
"
أملك فيللا صغيرة بالقرب من هنا , وقد طلبت من سبيرو تصليح بعض المرافق فيها ...... ومنذ ثلاثة أسابيع وهو يتابع التصليحات التي أنتهت أخيرا , أنه مسرور لأعلامي أنه بأمكاننا أن ننتقل الى الفيللا في الغد".
شعرت فرنسيس بالدماء الحارة تكسو وجهها ولم تستطع أن تنظر اليه.[/ltr]
[ltr]" لم أكن أعرف أنك تملك منزلا هنا , منذ متى تملكه؟".
"
منذ خمس سنوات , ماريا شقيقة صوفيا تحضر يوميا للتنظيف والطبخ , أنه مكان ممتاز لتمضية العطلة".
"
هل يبعد عن نزل أستراكيري؟".
"
لا , لا يبعد أكثر من كيلومتر واحد , ما الأمر يا فرنسيس ؟ هل جرحت رجلك , أنت تعرجين!".
"
أحس بشوكة أنغرست في جلدي ".
"
دعيني أراها".
دخل غرفته يفتش عن صندوق الأسعافات الأولية:
"
لا يمكنك تجاهل أمر مهم كهذا".
تبعته فرنسيس الى غرفته ومدت له رجلها ليعالجها.
"
شوكة من أبر الصنوبر".
سحبها بملقط صغير ثم نظف مكان الجرح وطهّره ولفه ببعض القماش المعقم.
"
هل هذا أفضل؟".
"
أشكرك".
وقفت تضع ثقلها على رجلها , ثم رفعت نظرها الى وجهه وقالت بشجاعة لم تعهدها في نفسها من قبل :
"
لقد أشتقت اليك ........ أحبك".
أنتظرت ردة فعله على أعترافاتها الجريئة , فكرت في نفسها : ربما غيّر فكره ولم تعد تجذبه ......هل ضجر منها؟
موقفه يزعجها وهي تستغرب تصرفاته , خافت كثيرا وبدا خوفها جليا , كان فيلكس يراقبها وهو يفكر , عانقها بلطف وتمسكت فرنسيس بقميصه فأذا بيديها تحسان ضربات قلبه المسرعة , ونظرت اليه صامته كأنها تقول له: أحبك كثيرا يا فيلكس ....... وبد كأنه قرأ قولها بعينيه , وأذا بالباب يقرع قرعا متواصلا , وسمعت بعض الكلمات اليونانية تصل الى مسمعها...... رفع فيلكس رأسه وأجاب الطارق ببعض الكلمات , فشعرت به ينسحب عن الباب ويعود أدراجه.
أغلقت فرنسيس عينيها وهي لا تعرف أتضحك أم تبكي من هذا الموقف المحرج........
"
ماذا تريد منك صوفيا؟".
"
قالت أن الباص الذي سيحملنا الى كورفو لنحتفل بالعيد سيمر علينا بعد ربع ساعة , وقلت لها أننا سنكون جاهزين".
"
بالطبع".
حاولت أن تحتفظ بكبريائها:
"
علينا أن نشارك في أحتفالات سبريدون , ليس لدينا أي شيء آخر نفعله........".
"
ما من شيء لا يمكن تأجيله الى زمان ومكان آكثر ملائمة , قالت صوفيا أنها جلبت لك ثوب فلاحة يونانية ووضعته على سريرك في غرفتك وهي تتمنى أن تلبسيه , جميع النساء سيرتدين الأثواب الفولكلورية للأحتفال بالعيد".
دفعها بلطف أمامه وقادها الى غرفتها لترى الثوب.
"
أنه ثوب جميل للغاية".
الثوب حريري أخضر اللون محلّى بتطريز يدوي فني وشرائطه ملونة , وفوقه مريلة بيضاء من الموسلين الأبيض:
"
أنه ثوب جديد , هل تريدني أن أرتديه؟".
"
طبعا , ربما هو لأحدى بناتها , هل تريدين أية مساعدة في شبك الأزرار؟".
مشى خارجا من غرفتها ثم ألتفت اليها فجأة وقال:
"
فرنسيس هل لي أن أسألك سؤالا؟".
"
بكل تأكيد".
"
كانت الحقيقة مفقودة دائما في علاقتنا منذ أول لقاء بيننا ......... وأتمنى اليوم أن أسمع جوابا صحيحا على سؤالي: لماذا رفضت البطولة في رواية توم سنوبارد؟".
حدقت به فزعة ثم بلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"
وكيف عرفت؟".
"
لأن الدور أعطي لك بناء على توصيتي....".
"
فهمت , كان علي أن أختار ين بائي معك وبين دور البطولة في الرواية وفضلت رفقتك الى كورفو....".
"....
في وقت آخر ومكان آخر".
وجدت فرنسيس نفسها تجلس في الباص العتيق وقد أمتلأ بالناس والحيوانات وسلال الطعام والفاكهة والخضار , جميعهم في ثياب العيد يضحكون ويصرخون ويثرثرون , كان السائق يطلق لزموره العنان عند كل منعطف في الطريق الجبلية المتعرجة , لم تعد فرنسيس تهتم بسلامة الوصول لأن أحدا من الموجودين معها لا يبالي , جلست بين ماريا وشقيقتها صوفيا اللتي واصلتا الثرثرة بأستمرار , وفهمت من كلامهما أنهما يتكلمان عنها , هي الفتاة الأنكليزية وعن فيلكس..... ولكنها لم تفهم فحوى الحديث , كان من معها في الباص يفهم ويضحك ما عداها , وجدت نفسها تتسلى بالنظر الى وجه فيلكس الذي كان يجلس على المقعد المقابل ويفصل بينهما قفص الحمام الذي وضع في الممر الضيق بين المقاعد, حيث الهديل يختلط بالضحات والصرخات.
كان فيلكس يبتسم لها أبتسامة أصيلة وسّرها أنه عرف سرّها بعد أن باحت له بحبها , أنها سعيدة لأنه عرف حقيقة مشاعرها نحوه , ولا تحتاج أن تتظاهر بغير ذلك من الآن فصاعدا.
فيلكس وسيم للغاية في ثياب العيد البيضاء , وقد لف حول عنقه منديلا ملونا , كل شيء حولها غير حقيقي....شكلها غريب في ثوبها الفلكلوري اللون , تكلم فيلكس معها , أبتسمت له وهزت رأسها ....... رفع حاجبيه بعد أن تأكد له أنها لم تسمع ما قاله لها , أنحنى فوق قفص الحمام وصرخ بصوت مرتفع:
"
فرنسيس , هل تتزوجينني؟".
بدأت صوفيا تضحك وتترجم ما قاله الى اليونانية , تحولت أنظار من في الباص اليها , نظر اليها فيلكس ينتظر جوابها وأكمل:
"
أحبك كثيرا".
صمتت فرنسيس تفكر , هذا هو فيلكس المخرج .... يصطحب فتاة الى رحلة مشبوهة ويتقدم بطلب يدها وسط باص مزدحم بالناس , أنه جريء ولكن حبه واضح في عينيه.......[/ltr]
[ltr]هزت صوفيا وماريا وجميع من في الباص رؤوسهم موافقين قبلها , كان سائق الباص ينتظر جوابها ... والجميع يعلم أنها ستوافق.
أمسك فيلكس بيدها وكرر سؤاله:
"
ما هو جوابك؟".
"
يسعدني أن أوافق..... وأنا أحبك يا فيلكس حبا عظيما ".
قامت صوفيا بترجمة جوابها الى ركاب الباص ....... وهاج الركاب مهللين فرحين , ثم توقف الباص فجأة وأهتزت الحيوانات بداخله ومال الناس فوق بعضهم , شعرت فرنسيس ببعض الخجل وهي تسمح لفيلكس بأن يحملها بين ذراعيه وينزلها من الباص.. وكان أول شخص رأته هو سبيرو , كان يضحك مرحا وقد أرتدى ثياب العيد..... ثم رأت صديقتها زوي وغاريت ,كانت زوي ترتدي ثوبا يشبه ثوبها تماما.
ركضت زوي وعانقتها محيية بينما أمسك غاريت بفيلكس وشدّه اليه مرحبا , قال سبيرو مفاخرا:
"
لقد وصلنا من المطار في الوقت المناسب".
قالت فرنسيس:
"
زوي.... وغاريت , أنا لا أصدق!".
قادها فيلكس بعد ذلك بلطف لتقابل صديقه ثيودور :
"
فرنسيس هذا صديقي العزيز يثودور".
شدّ ثيودور على يدها وهزها بعنف قائلا:
"
يسعدني أن أقابل خطيبة فيلكس , أتمنى لكما السعادة والهناء ".
بدأت الصورة تتضح أمامها وهي في طريقها الى مكتب نائب القنصل الأنكيزي في الجزيرة , أن فيلكس رجل مجنون .....فتشت عنه وأذا به ينظر اليها مبتسما أبتسامة ودية , أعطتعا صوفيا باقة من الورود الملونة ورتبت لها شرائط ثوبها , سألتها:
"
صوفيا... هل صحيح أن اليوم يوم عيد في الجزيرة".
ضحكت صوفيا وهزت رأسها موافقة وقالت:
"
نعم يا آنسة , قريبا يبدأ الطعام والشراب والموسيقى والرقص في كل مكان".
حضر ثيودور وأمسك بيدها قائلا:
"
لي الشرف أن أقدمك يا عروسة الى عريسك صديقي العزيز فيلكس.....".
قادها الى الغرفة المجاورة ومشت زوي وراءها مع غاريت.
وقفت فرنسيس بالقرب من فيلكس والسعادة تملأ كيانها... وبعد أن تمت مراسيم الزواج خرجت الى الشمس وهي ترتدي في أصبعها خاتم الزواج.. كأنها تعيش حلما مجسما , لقد أصبحت الآن السيدة فرنسيس رافنسكار.
الأحتفالات في كل مكتن في الجزيرة .... وحان وقت ذهاب زوي وغاريت الى المطار من أجل رحلة العودة الى لندن.
قالت زوي مازحة:
"
هل حلمت أن حفلة زفافك ستكون بهذه الطرافة؟ لا أستطيع أن أصف لك مبلغ سروري , أتمنى لك حظا سعيدا ".
منتديات ليلاس
مدت لها يدها لتريها خاتم الخطوبة في يدها:
"
كما أتمناه لنفسي".
"
لقد تمت خطوبتك.... أنا سعيدة من أجلك ".
عانقتها بحرارة ثم أستدارت لتتقبل تهاني غاريت وتبارك له بخطوبته :
"
غاريت , أنا سعيدة جدا من أجلكما".
"
شكرا يا فرنسيس ".
نظر غاريت الى زوي بمحبة:
"
هيا بنا يا حبيبتي لقد حان موعد أقلاع الطائرة".
كانت العودة الى أستراكبري بسيارة سبيرو , جلست فرنسيس بين ذراعي فيلكس سعيدة هانئة , سألته بدلال:
"
كم ستدوم هذه الأحتفالات ؟".
"
يومين.....".
بقي العازفون يعزفون الموسيقى في الشوارع العامة للراقصين والمحتفلين بالعيد الى وقت متأخر.
قالت فرنسيس حالمة:
"
كأنني أمثل فيلما تلفزيونيا ......( ثم أضافت) سرني التعرف الى صديقك ثيودور , أنه لطيف".
هز فيلكس رأسه موافقا ثم شدها الى صدره أكثر وقال:
"
يتوجب علينا أن نشكر ثيودور لأنه تولّى أمر المعاملات الخاصة بالزواج.. والطعام الشهي من اللحم المشوي والشراب الوطني للجميع....".
"
فيلكس , الى أين سنذهب الآن؟".
"
الى بيتنا".
بدأ سبيرو أغنية عاطفية بصوته الجميل , أوقف سيارته أمام المنزل وأنحنى مودعا , وتمنى لهما السعادة والبنين.
دخل فيلكس الى المنزل بعد أن أشعل النور وقال بسرور:
"
هذه هي غرفة الجلوس.... لقد رتبتها صوفيا ".
عانقها وهو يقودها في أرجاء البيت الداخلية قائلا:
"
المطبخ وغرفة الأستقبال وغرفة النوم.... والحمام .... أهل الجزيرة يعتقدون أن لا حاجة للحمام لأن البحر قريب جدا".
"
وهل نحن بالقرب من الشاطىء؟".
"
تنتهي الحديقة عند بعض الصخور , هناك ممر ضيق يصلنا بالشاطىء والسباحة آمنة".
ألقت فرنسيس نظرة عبر النافذة الى القمر وهو يضيء سطح البحر الهادىء:
"
فيلكس! تعال وأنظر عبر النافذة الى هذا المنظر الرائع..".
"
نعم.......( كان ينظر اليها) أنه أجمل ما رأيت".
لهجته الماكرة جعلتها تنظر اليه وقد غمرها بحبه وحنانه ....ثم قالت بأستحياء :
"
هل تسمح لي بأستعمال الحمام؟ أشعر أنني وسخة من كثرة الغبار..".
فتح لها الحمام بسرعة وقال ضاحكا:
"
بكل تأكيد , تفضلي".
أنتهت من حمامها بسرعة وعادت نظيفة ترتدي غلالة نوم بيضاء , دخلت غرفة النوم ولكنها لم تجد فيلكس , مشت الى النافذة وشاهدته يتقدم الى المنزل قادما من الحديقة وقد لف منشفة حول عنقه , شعره لا يزال مبتلا وهو يرتدي روب الحمام الأزرق.
"
هل كنت تسبح في البحر؟".
هز رأسه نفيا :
"
كنت أستعمل دوشا بدائيا ... توجد في الحديقة بئر ماء بارد , عبأت سطلا وأغتسلت به , الماء البارد منعش للغاية".[/ltr]
[ltr]ضحكت فرنسيس بسرور وهي تراه يلفها بذراعيه وغمزت له قائلة:
"
هل هذا هو الزمان والمكان المناسبان؟".
"
نعم , أنت عفريتة صغيرة , لقد أنتصرت علي ,( ضحك وهو يتذكر) أراك تجلسين على كرسي في الحديقة في منزل والدتي وأنت تقترحين علي بهدوء أن آخذك معي الى كورفو , شعرت بخوف عظيم......".
"
لماذا؟".
"
سأقول لك يا حبيبتي ... أردت أن أنبهك لئلا ترمي بنفسك على رجل مثلي ... ولكنني أختنقت ولم أستطع الكلام , كيف أقترحت عليك السفر معي منذ البداية ؟ لا أعرف , لم أفهم أسباب دعوتي لك في حينه....".
"
ولكنك جفوتني وكأنك لم تعد راغبا بي".
بدأت تداعب شعره وتزيد دلالها عليه:
"
كنت أريدك حتما... ولكنني لم أرغب في رابطة زوجية , عدت يوم الغداء اللعين وأنا أشعر بخيبة أمل مريرة . عرفت يومها أنني أفسدت كل شيء وفشلت في الأعتذار منك .... شعرت أنك بعيدة عني كثيرا , لم أشعر بدفئك ولا كرمك اللذين أعتدتهما....جننت , وقلت في نفسي مرارا وتكرارا : لقد أضعت فرصة العمر... وبعد أن وجدت المرأة التي تحب والتي تستطيع أن تعيش معها بقية العمر.... أفسدت بيدك كل شيء".
"
حتى عندما كنت أكرهك لم أستطع التوقف عن حبك , بأمكانك أن تسأل غاريت لأنه شاهد بنفسه ردة الفعل حين علمت بالحادث المشؤوم...( توقفت عن الكلام ونظرت في عينيه) متى عرفت أنني أحبك؟ لقد حاولت جاهدة أن أخفي حقيقة شعوري عنك".
"
هي سلسلة من الأحداث المترابطة والمختلطة , حين رفضت دور البطولة في رواية توم ستوبارد بدأت أسأل نفسي : لماذا غضبت أشد الغضب حين نعتك بصفات كريهة لو لم تكوني مهتمة برأيي فيك؟ وكان بأمكانك أن تسألي نفسك هذا السؤال : لماذا كنت في أشد حالات الغضب؟ لأنني كنت أحبك وأغار عليك , ولقد أعترفت لغاريت بحقيقة شعوري نحوك وشكوكي بحقيقة شعورك نحوي , فأكّد لي ما يعرفه عن مشاعرك الحقيقية..".
"
ولكنه وعدني بأن يكتم عنك الحقيقة".
"
ولكنه وجد أن صحة مريضه تحتاج لهذا الأعتراف خوفا عليه من أن يموت ..... من وجع القلب".
"
هراء..... .. أنت لا يمكنك أن تبوح بحقيقة شعورك لأحد , أنت مغرور ومتكبر , هيا أعترف لي أنك كنت ستقوم بأخراج رواية توم ستوبارد لولا الحادث ( كان يضحك موافقا على كشفها هذه الحقيقة) كنت ستعود لملاحقتي بسحرك وجاذبيتك من جديد , وكنت ستنجح حتما في أصطيادي".
شعرت بضربات قلبه تسرع أكثر ...... وقلبها يخفق متناسقا معه , تتطلع اليه كأنها مسحورة تعيش حلما من الصعب تصديقه...... لقد فجرت حياته بالحب , وأفلتت جميع أحاسيسه من عقالها.
رفع حاجبيه ساخرا عابثا وقال:
"
أن كنت تعيشين حلما ورديا فأنا أيضا أعيش أجمل حلم ما دمنا سنستيقظ من حلمنا سوية... هذا كل ما يهمني الآن , والدتي تعيش معنا حلمنا وقد أرسلت لك رسالة تتمنى لنا السعادة وتبارك لنا بحياتنا الجديدة".
"
صحيح يا فيلكس؟ هل هي حزينة لأنها لم تتمكن من حضور حفلة الزفاف؟".
"
لا تستطيع الطيران بسبب صحتها ..... وتفضل زواجنا دون ضجة , أنها مقتنعة كل الأقتناع بأن الزواج تم بناء على تدبيرها".
"
وهل تم زواجنا دون ضجة؟ هل وصول زوي وغاريت من لندن أمر بسيط ؟ هل طلبك يدي للزواج في باص مكتظ بالناس أمر فيه تكتّم ؟ ثم أنك كنت تعذبني ببعدك عني دون تفسير , مما كان سيسبب لي أنهيارا عصبيا لو دام مدة أطول , بدأت أعتقد أنك لم تعد تريدني......".
"
أنت حبيبتي , كنت تعرفين حق المعرفة رغبتي في الحصول عليك.. ولكنك تسببت لي في مشاكل عديدة منذ أول لقاء بيننا , يوم علقنا في المصعد".
"
أتذكر يومها نظرت الى المسافة القصيرة التي تفصلنا وقلت في نفسي أنه رجل وسيم وجذاب وخطير".
"
أما أنا فقد نظرت اليك وقلت في نفسي : أنها فتاة جميلة وفاتنة , وأزداد أهتمامي بك حين ألتقينا مرارا , كنت أجد نفسي أقاوم أغراءك ..... أبتسامتك تطلب أبتسامة بالمقابل , أنت كريمة النفس وشجاعة وتتحلين بروح النكتة , كنت رجلا محكوما عليه ... منذ ألتقيتك في المصعد , وقد عرفت أن قدري مرتبط بك منذ ذلك الحين".
"
ماذا تقول النجوم في هذا اليوم لمواليد برج العقرب؟".
أدارها نحوه وبدت تعبير وجهه لينة وفي عينيه نظرة ماكرة :
"
وماذا يهمنا ما تقول النجوم ؟ هيا..... لدينا أعمال كثيرة علينا أن ننهيها , أتذكرين أنزعاجك هذا الصباح حين قرعت صوفيا الباب؟ هل تذكرين يا حبيبتي فرنسيس......".
"
أذكر ذلك جيدا( قربت وجهها منه) هيا بنا".
وغابت الكلمات لأن لا طعم لها الآن[/ltr]
[ltr].[/ltr]
دخلت فرنسيس المصعد في مبنى التلفزيون بعد أن قابلت توم ديفريل في مكتبه , تجاهلت وجود رجل وأمرأة بداخله وهي تفكر بما قاله لها: لديها فرصة جيدة لتمثيل أدوار مهمة في رواية شكسبير للموسم المقبل , أصبح توم صديقا عزيزا , كان يمزح معها اليوم وذكرها بيوم لقائها بفيلكس لأول مرة , ذكّرها بأنه كان شاهد أول عناق بينهما , تذكرت فرنسيس الغضب الذي تملّكها .... وكراهيتها للممثل الطويل الأسمر المتكبر ذي العينين الساحرتين... الذي أصبح زوجها , سيسر فيلكس بعملها الجديد , أبتسمت وهي تتذكر الأنباء السارة الأخرى... ستلتقي فيلكس بعد دقائق قليلة , وستخبره الأنباء المفرحة برمتها.
توقف المصعد ودخل اليه رجل وسيم , حدق بها بمكر وخبث مما جعل الأحمرار يكسو وجهها , ثم نظر بعد ذلك الى الفتاة الشقراء التي كانت تقف في زاوية المصعد , وكيف تلومها أن صبت كل أهتمامها عليه؟ أنه حتما جذاب وسيم لا يقاوم.
أراد فيلكس دعوتها الى العشاء في الخارج , ولكنها أصرت عى أن تهيء له الطعام بنفسها , أنه عيد ميلاده الثامن والثلاثين , ستحتفل معه بهذا العيد ولن ترضى بمن يشاركها به....... اليوم هو الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر ) ولم تقل له بعد كل عام وأنت بخير , لقد ترك المنزل مبكرا وتعلقت به بدلال , أكد لها كم يكره أن يتركها في البيت ولكن عليه أن يكسب قوته بعرق جبينه , ووعد بلقائها في الأستوديو في الرابعة بعد الظهر.
منتديات ليلاس
الساعة الرابعة , تنهدت فرحة , كل شيء يسير حسب البرنامج , لقد تمكنت من مقابلة الطبيب الذي طمأنها وبشّرها بالأنباء السارة , كما وأنها أستطاعت أن تصل الى موعد العمل مع توم حيث عرض عليها فرصا جديدة مرضية للعمل , ستخبر فيلكس أولا عن نجاحها في ميدان العمل ,وبعد الطعام ستخبره بما قال الطبيب.
أبتسم لها الرجل الذي دخل المصعد ولم تتممن ألا أن ترد له أبتسامته بأبتسامة مماثلة... وأذا بالمصعد يتوقف فجأة بعد أن أهتز بعنف.
قالت الشقراء بعصبية واضحة:
" هل علقنا في المصعد؟ هل المصعد يتوقف هكذا عادة؟".
قال فيلكس الذي كان يقف في زاوية المصعد:
" فقط عندما تتنبأ النجوم ويريد القدر".
مشى فيلكس الى جرس الأنذار يضربه وأكمل طريقه ليقف أمام فرنسيس ويضع يديه حولها , ينظر اليها نظرة فاحصة من قمة رأسها الى أخمص قدميها.
" لا تخافي سأهتم بالأمر..".
ضحكت فرنسيس وهي ترى نظرات الأستغراب من مرافقيها الغريبين.
" أشكرك , هذا لطف منك , أشعر أنني أفضل حالا.......".
" حسنا , سأمسك بك جيدا حتى لا تسقطي".
وأتبع القول بالفعل.
قالت الشقراء:
" هل تعتقدون أن الصراخ يفيد؟".
لم يجبها أحد.
نظر فيلكس الى فرنسيس وهو يضحك , شدد قبضته حولها بحنان وهو ينظر اليها بعينيه الساحرتين, وشعرت فرنسيس أنها لا تستطيع أن تخفي عنه أنباءها السارة أكثر... رفعت وجهها اليه وتمتمت:
" بعد سبعة أشهر من الآن يأتي شهر حزيران ( يونيو)".
هز فيلكس رأسه موافقا على الحقيقة الواقعة التي تتكلم عنها زوجته.
" برج الجوزاء..... برج التوأم.... أليس هذا مصادفة غريبة؟".
رفع فيلكس حاجبيه قليلا ثم أبتسم مستوضحا:
" صحيح؟".
" يقول غاريت أن حظ التوائم متعلق بعامل الوراثة ..... وعلينا أن نتدبر الأمر منذ البداية ونستعد لأمكانية حدوثه".
عاد المصعد يعمل فجأة , أكمل نزوله بسرعة ثم فتح الباب ..... وأذا بشخصين يخرجان مسرعين بينما خرج فيلكس وفرنسيس من المصعد وهما سارحان ساهمان لا يفطنان الى شيء حولهما... والسعادة تغمرهما.



[size=32] تمت
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
- لقاء واحد يكفي - جاكلين غيلبرت
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دعوة حب نوبية :: ~¤¢§{(¯´°•. الاقسام المميزة .•°`¯)}§¢¤~ :: ♥♫♥ منتدى روايات رومانسيه♥♫♥-
انتقل الى: